ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(23)

 

جليل حسون عاصي

(الفصل الرابع)
(5)

 تطور وضع المنطقة الجنوبية نحو الاحسن بقيادة الرفيق ابو شروق نظرا للأنسجام الفكري بين الرفاق ، والتعامل على أساس مبدئي بعيدا ً عن العلاقات الشخصية مما أدى إلى بوادر نهوض جماهيري خاصةً بين الفلاحين بعد أن عقدت عدة كونفرنسات فلاحيه لمناقشة دراسة أعدها الحزب حول القضية الزراعية والتي صدرت أخيراً بعد مناقشتها على شكل كراس تحت عنوان في سبيل أصلاح زراعي جذري بأسم مكرم الطلباني ،اكدت فيه على تنشيط الحركة المطلبيه في الريف ، وتحريك الجمعيات الفلاحيه والتمييز بين قوانا الحقيقيه ،والقوى التي نتحالف معها والتي نجمد عدائها لنا ،والقوى التي نوجه نضالنا ضدها ، والعمل عل تطبيق الأصلاح الزراعي في المناطق التي تعاني من مشاكل كبيرة ولنا نفوذ قوي فيها بشكل ثوري ،وعن طريق الفلاحين .

 جرى هذا في وقت كان الحزب يعاني من صراع حول تكتيك أسقاط الحكم العسكري الدكتاتوري ، بين مؤيد لأستمرار تكتيك الانقلاب العسكري الذي وصل إلى طريق مسدود وبين معارض ،يرى أن تكتيك الانتفاضه الشعبيه ،هو الانسب. وفي حينها عمدت قيادة الحزب على أنزال وثيقتين تمثلان وجهتي النظر المختلفتين بحدود اللجان المنطقيه لأستطلاع أرائها ،وهنا تحرك الرفيق أمين من جديد وأعد تقريراً خاصأ به ،أطلق عليه تقرير الرفيق صادق لان أسمه الحزبي صادق ، ثبت فيه النقاط الايجابيه لكلا الوثيقتين وطالب ان يرفق معهما كوثيقة ثالثه لدراستها في المنطقه، وفعلا تحقق مطلبه،كانت وجهة نظر لجنة المنطقه الجنوبيه إلى جانب الانتفاضه الشعبيه .ويعود ذلك بأعتقادي إلى التمرد على الواقع المزري والفاسد الذي عاشه أبناء هذه المنطقه منذ القدم ، والذي تحول إلى عمل سياسي ثوري مبرمج في الفترات اللاحقة ، وعلى ما يبدو أن طبيعة المنطقه ووجود الاهوار فيها كان واحدا من العوامل المساعده فقد حارب فيها الزنج سنين طويله، وأختفت فيها عشائر عباده عند مقاومتها للدوله العباسيه ،وأحتمى بها آل أزيرج عند هروبهم من بطش آل سعدون –أمراء المنتفك-  في الناصريه والاستقرار في مكانهم الحالي وقاتل سالم الخيون رئيس عشيرة بني أسد في الجبايش الانكليز قبل تأسيس الدوله العراقيه بقليل ،وانتفض فيها فلاحو سوق الشيوخ في الناصريه 1935 ،وفلاحو آل ازيرج أواخر عام 1952 ،وفي مدن الجنوب حصل أول أضراب عمالي في البصره ،نظمه عمال الديوكارد (المسفن) 1918 ،وتطور الاضراب الذي شمل العراق في حزيران عام 1930 حول قانون رسوم البلديات ،إلى صدامات داميه في الناصريه والبصره وسقوط العديد من القتلى والجرحى ،وأعتقل العامل (حسن عياش ) الذي كان على رأس الجماهير المتظاهره في البصره وقتل وهو رهن الاعتقال ،كما أضرب عمال النفط عام 1953 أضافه إلى النضالات الاخرى . كل هذا وغيره جعل أبناء المنطقه الجنوبيه يميلون إلى الانتفاضه الشعبيه .

كانت قيادة الحزب غير راضيه على المنطقه الجنوبيه بسبب ضعف التنظيم في هاشم ،لذلك أوفدت الرفيق الراحل ( صالح مهدي دكله ) (1)  بأعتباره أحد أبرز الرفاق المندفعين للأنقلاب العسكري ، واقترح في تقريره الذي قدمه إلى المكتب السياسي بعد الزياره أن (المنطقه بحاجه إلى أنقلابجي اصلي ) وكان جواب المكتب السياسي أختياره هو ، وفعلا حل محل الرفيق أبو شروق بقيادة المنطقه  .

 كان الرفيق صالح على أطلاع واسع بوضع المنطقه ،لانه سبق وأن كان سكرتيرها في زمن قاسم ولغاية أنقلاب شباط 1963 .لم يطرأ أي تغير على عمل المنطقه وأنما سار على نفس الوتيره التي تعززت أكثر فاكثر، ومما ساعدعلى ذلك حسم موضوع النقاش حول الوثيقتين ، باعتماد تكتيك أطلق عليه تكتيك (الاعمده الاربعه) لأسقاط الحكم العسكري الدكتاتوري، وأقامة حكم ديمقراطي ثوري في الاجتماع الكامل للجنه المركزيه شباط 1967 ،حيث عممت رسالة بهذا الخصوص أقتصر الأطلاع عليها على اللجان المنطقيه فقط وأحراقها داخل الاجتماع على أن تضع المنظمات المحليه خططاً تفصيليه على ضوء توجهات الرسالة ومما جاء فيها ،ان العمل الثوري لا يقتصر على مشاركة فئه دون اخرى وانما يجب مشاركة كافة الشرائح الإجتماعيةكل من موقعه، فلا يستطيع الجندي ان يضغط على الزناد لكونه حامل للبندقيه وانما يجب ان يلمس تحرك ثوري في الوسط الجماهيري يشد من عزمه على استخدام البندقيه ،وان التحرك الجماهيري لا يستطيع ان يحسم المعركة بمفرده دون تدخل الجيش إلى جانبه ، من هذا يجب الاستمرار في أيلاء أهميه للعمل داخل الجيش وتنشيط العمل الجماهيري في كافة القطاعات ،وتنشيط الحركه المطلبيه أبتداءاً من العريضه والمذكره والوفد إلى الأضراب والمظاهرة ، ودراسة أمكانية القيام بأنتفاضات فلاحيه في المناطق الريفيه التي تعاني من صراعات حاده ، وتشكيل فرق مسلحه من الرفاق والأصدقاء ،الذين يتقدمون طوعاً والعمل على تسليحها .ومن اجل تطبيق توجهات الحزب أستعرضت لجنه محلية الناصريه الوضع في الريف بشكل عام وريف الشطرة بشكل خاص ،والبذات منطقة (الغموكه) التي عاشت وتعيش صراعا حاداً بين الفلاحين والملاكين ، فقد سبق وان أعتدى السركال (حران الساجت) وهو من أبرز الملاكين في المنطقه على رئيس الجمعيه الفلاحية (حسن النايف) فما كان من أخيه محسن النايف المتمرد في الاهوار الا أن هاجم السركال وقتله في بيته ،وظل الصراع متوأصلا بين الطرفين كل منهم يتوعد الاخر ،وفي أحدى الليالي وبعد أن ضعفت يقضة الفلاحين ،هاجمةم الملاكون متسللين من جهة الهور ،فقتلوا في البدايه صاحب أول بيت في طريقهم الرفيق ( ورد شجر ) (2) وأسروا عدد من الفلاحين وهرب الاخرون لان أغلبهم عزل من السلاح ،ولم يتوقف زحفهم ألا بعد أن أصطدموا بمقاومة الفلاح الرفيق (كريم مويح)(3) ،وظل هذا الرفيق يقاوم بمفرده من منتصف الليل حتى طلوع الفجر ولم ينسحب من المعركه الا بعد ان أمن انسحاب عائلته وجماعته ونقل حاجياتهم البيتيه .

 

 فقد أحرقت بيوت الفلاحين وسيطر الملاكون على أراضيهم وتوزع الفلاحون في ريف الشطرة (كل واحد تحت نجمة )كما يقال ، ( وقد ذكر أحد قادة الاتحاد الاشتراكي الذي زار المنطقه بعد تهجير الفلاحين منها أنه شاهد بيانات الحزب الشيوعي وجريدته المركزيه ونظامه الداخلي في كل بين من بيوت الفلاحين ). لم تجد المحليه أفضل من هذه المنطقه لتحريك الفلاحين فيها ولذلك وضعت خطه كلف الرفيق (عطيه اللفته )(4) وهو فلاح فقير ورئيس جمعية آل معن الفلاحيه بتنفيذ هذه المهمه على ان لا يطرحها عليهم كخطه جاهزه للتنفيذ وانما يستدرجهم اليها من خلال النقاش ، وفعلا حصل ذلك وأتفقوا على نفس الخطه الموضوعه من قبل الحزب على أن يجري تنفيذها بأسرع وقت لان الموسم الزراعي قد بدأ  .

كانت الخطه تقضي بأن يذهب الجميع بدون أستثناء إلى المنطقه ليلا ،وهم بكامل أسلحتهم وعند وصولهم لها ينقسمون إلى مجموعتين الاولى تقوم ببناء ما يشبه البيوت البسيطه والسريعه ، والتي هي أقرب للعلامه منها إلى البيت على أمتداد المكان الذي تتواجد فيه بيوتهم سابقاً ، لأشعار الملاكين بأن العوائل تقيم فيها ،مما يدل على تصميمهم على أسترجاع الارض والبقاء فيها ، وتقوم المجموعه الثانيه بتهيئة ،مواضع حصينه من الامام على أن يجعلو الهور في ظهورهم لحمايتهم أثناء سير المعركه وللأنسحاب اليه ،في حالة وجود ضروره لذلك ،وفي الصباح يعمل كل فلاح من المجموعه الاولى في أرضه على أن ينسحبوا في حالة بدء الملاكون بالقتال ، ويتخندقوا مع زملائهم في المجموعه الثانيه ،أما أذا كانت الامور أعتياديه فيستمرون في عملهم ويتبادلون المواقع فيما بينهم أي بعباره أخرى (مجموعه تعمل وأخرى متهيئة للقتال ) طبقت الخطه كما هي بنجاح وأستمرت المعركه عدة أيام ولم يتزحزح الفلاحون من مواقعهم شبرا واحدا ،رغم تدخل الشرطة إلى جانب الملاكين ، وبعد عجزهم عن السيطره على الموقف ،لجأو إلى أسلوب اخر ، فأستعانوا بالاتحاد العام للجمعيات الفلاحيه والتعاونيه في بغداد ،وفعلا وصل رئيس الاتحاد وهو من أبناء الرمادي إلى المنطقه وتجول في مواقع الفلاحين وأطلع على تحصيناتهم وأخيرا أقنعهم على أيقاف القتال والانسحاب من المنطقه مقابل تنظيم عقود لهم على الارض المتنازع عليها في دائره زراعة الشطرة ،حذرهم الرفيق سيد جاسم الذي كان معهم بقرار من الحزب لقيادة المعركه ، الا انهم رفضوا الانصياع له ، وطلبوا منه مغادرة الموقع لكي لا تعطى الانتفاضه طابعاً سياسياً ،ومع هذا لم يتركهم الحزب ضحيه للمؤأمره ،فقد منعهم من الذهاب إلى الشطرة والإقتصار على أرسال مجموعه من كبار السن أولا ،لأستجلاء الموقف ، وفعلا أعتقلوا حال وصولهم إلى الشطرة ولم يطلق سراحهم الا بعد أنقلاب 17 /تموز /1968 .

لم تحقق الانتفاضه أهدافها رغم التأييد الجماهيري الذي حضيت به ، ألا أنها تركت تأثيرها الايجابي على معنويات الجماهير بشكل عام والفلاحين بشكل خاص  وأعطتهم مثلا حياً على أهمية الركون إلى توجيهات الحزب وقد تحقق ذلك فعلا في منطقة سوق الشيوخ بعد ثلاثة أشهر من أنتفاضة الغموكه ،عندما أفتتحت الدوله مشروع الخميسيه الاروائي الذي يروي مئات الدونمات من الاراضي المتروكه لسنين طويله ،والتي كانت بعهدة الملاك خميس أحمد الخميس ،فقد أجتمع الرفيق (كريم) عضو لجنة محليه الناصريه ومسؤول منظمه سوق الشيوخ ،بممثلين عن الفلاحين المجاورين لهذه الارض وأتفقوا على توزيعها بشكل متساوٍِ على أن تجري حراثتها بشكل جماعي ،ويتعهد الجميع بعدم التفريط بها لاي سبب كان ، وفعلا وقفوا وقفة رجل واحد عندما وصلت قوه من الشرطة لمنعهم من الحراثه ، وأعلن الوفد الذي قابل القوه عن إصراره بالتمسك في الأرض وعدم التخلي عنها ومما شدّ أزره المساندة القوية للفلاحين الذين إستمروا بالحراثه على الطريقة القديمة -المحراث الخشبي - وسط الاهازيج وأطلاق الرصاص مما أجبر قائد القوه على الانسحاب قائلاً لرجاله تحركوا بسرعة والاّ سنقتل على يد هؤلاء الخنازير.

أن التحرك الثوري الذي حصل في الغموكه والخميسيه رفع من معنويات الجماهير وشجع العشرات من الشباب للأنخراط في الفرق المسلحه ، مما أقنع قيادة الحزب بأهمية تشكيلها وتسليحها وفعلا زار مدينة الشطرة أحد الرفاق العسكريين وتجول في الاهوار عدة أيام ،قدم على أثرها تقريراً مفصلا بالتعاون مع محلية الناصرية إلى الحزب عن مدى صلاحية المنطقه لتحرك الفرق المسلحه لذلك أستدعيت إلى بغداد لأستلام مبلغ من المال لشراء أسلحه من المهربين الذين يتاجرون بالسلاح ، على ان تتم الصله عن طريق الرفيـــق ( كامل كرم) الذي كان في حينها موجودا في بغداد ، وفعلا ألتقيت بالرفيق كامل الا انه أعتذر نيابة عن الرفيق المكلف بالمهمة ،وقدم لي مبلغا صغيرا من المال لدفعه عربونا لحين وصول المبلغ الموعود .


(1) صالح مهدي دكله/ من اهالي العمارة . عمل فترة قصيرة معلماً في ريف آل ازيرج وساهم في قيادة انتفاضتهم اواخر عام 1952. تدرج بالعمل الحزبي واصبح مسؤول منطقة بغداد وعضوية اللجنة المركزية بعد ثورة 14 تموز 1958. بعدها استلم مسؤولية المنطقة الجنوبية. اعتقل بعد اقلاب شباط 1963 في البصرة وارسل إلى بغداد واودع النادي الاولمبي .هرب من هناك ووصل إلى الاتحاد السوفيتي عبر ايران . ساهم في فضح الجرائم التي ارتكبها الحرس القومي . عاد إلى الوطن واصبح عضواً في المكتب السياسي ومن المتحمسين لتكتيك الإنقلاب العسكري . استلم قيادة المنطقة الجنوبية مرة اخرى في بداية عام 1967 .شارك في اعمال الكونفرس الثالث . غادر العراق وشكل تنظيم باسم(التجمع الديمقراطي).
(2) ورد شجر .. رجل كبير السن .سبق وأن كان من مربي الماشية . تعب من حياة التنقل وراء العشب والماء . باع قطيعه وامتهن الفلاحة بعد حصوله على قطعة ارض في منطقة الغموكة واستقر فيها . انتسب للحزب بصفة مرشح بعد انقلاب شباط 1963 . أستشهد على أثر الهجوم الذي تعرض له فلاحوا الغموكة من قبل الملاكين عام 1966.
(3) كريم مويح
.. احد الفلاحين المعروفين في منطقة الغموكة . ومن نشطاء الشيوعيين .ارتبط بالحزب بعد انقلاب شباط 1963 وحصل على شرف عضوية الحزب . يمتاز بالجرأة والشجاعة ، فقد قاوم لوحده الملاكين في هجومهم على الفلاحين عام 1966 عدة ساعات . ولعب دوراً بارزاً في انتفاضة فلاحي الغموكة ربيع عام 1967 رغم معاناته من عوق ولادي.
(4) عطية لفتة / فلاح فقير ورئيس جمعية فلاحية يسكن منطقة آل معن . انتسب للحزب بعد ثورة 14 تموز 1958 وحصل على شرف عضوية الحزب . عمل ضمن تنظيمات حزب داود الصائغ بتوجيه من قبل الحزب . يتمتع بجماهيرية واسعة بين الفلاحين . ولديه قابلية كبيرة على إقناعهم ، وساهم مساهمات كبيرة على حل مشاكلهم .

يتبع


¤ الحلقة الثانية والعشرون

¤ الحلقة الحادية والعشرون

¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر

¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

االأحد 3/6/ 2007

| أرشيف الذكريات  |