ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

السبت 3/5/ 2008



احداث ومواقف ومعارك تستحق التدوين

أحمد جباوي ...(غسان قره جوغ)

"بستانه" قريه عصريه جميله تحيطها أشجار القوق (شجر السبندار) من جهاتها الأربع , بعد الاشجار ومن الجنوب تحدها تلال وهضاب ما تلبث أن تتلاشى تدريجياً كلما أتجهنا نحو الجنوب باتجاه مدينة "أربيل" وناحية "قوش تبه" حتى تصبح سهول واسعه لايحدها البصر تتناثر فيها قرى صغيره يعتمد أهلها الرعي أكثر مما يعتمدون ألزراعه في معيشتهم واذا ما انحدرنا أكثر فأكثر فسنصل اراضي "شمامك" و "كندناوه" باراضيها الزراعيه وقراها الكبيره و ناسها المتحضرون ،أما تلال "زركزراه" و"القراج" و"قره جوغ" فتأتي فيما بعد حتى تتصل بناحية "مخمور"، بأختصار هذه هي مناطق عمل سريتا (قره جوغ واربيل) وطبعاً هذا لايمنع من العمل في مناطق "كوسنجق" أو "حرير" الوعره نسبياً ( أي من الشمال من قرية بستانه)
موقعها المتميز أكسبها شهره تحسدها عليها أخواتها من القرى المجاوره ،فقد صارت نقطة يستدل بها الجميع . ولكنه كان عليها وبالاً ايضاً فقد هجرها اهلها مبكراً في بداية الثمانينات لأستهدافهم بشكل متكرر من قبل النظام ولا أدري مدى دقة من يقول ان الخط الوهمي الفاصل بين "أربيل" و"كوسنجق" هي تلك الجادة (جادة بستانه) الطويله المهمله التي وشمت القنابل اسفلتها بحفر وندب تشهد على معارك وقصص واحزان تلك ألأيام الغابره ، ولسرايا الفوج الخامس (قاطع اربيل) حصص من تلك المعارك والأحداث...
ففي مساء من مساءات شتاء عام 86 وبينما كانت مفرزه من الفوج الخامس متكونه من ثمان أو تسع سيارات تسير بنسق عسكري طويل بمسافات متباعدة والشمس لم تغرب بعد، ظهرت فجأة في الأفق البعيد ثلاث نقاط سوداء سرعان ما راحت تكبر بسرعه (هكذا تشاهد طائرات الهليكوبتر من المسافات البعيده) ،خبطت بقوة على قمرة السيارة (تويوتا بيك آب) وهي بمثابة أشارة متعارف عليها فيما بيننا تدل على الخطر وكنت أنا أول من رآها ،وصل القريه من وصل وبقيت سيارتان في مؤخرة الرتل (عائدتان لسرية قره جوغ)، بقيتا فوق أسفلت الشارع ،توزعنا على جانبي الطريق بدون انتظام وبدون أن يوجهنا أحد، فهكذا مواقف لا تحتاج الى توجيه فالجميع يعرف ما يجب القيام به. أول رشقة دوشكا أخطأت هدفها فأصابت أسفلت الشارع فحفرت به عدة حفر صغيره برصاصها المتفجر ثم أصابوا أحدى سياراتنا أصابه مباشره في مؤخرتها (بقيت صالحه للأستخدام) وبدأت معركه غير متكافئه هم يطلقون من سماء الله ونحن من أرض الله، خط طويل من النار أمتد حتى القريه – بستانه- أصابت عدة صواربخ قريه مجاوره فأحرقوا بيوتها وقتلوا مواشيها ... أطلق ألشهيد رزكار قذيفتي أربي جي وقذائف أخرى أطلقت من القريه – بستانه- وهكذا استمرت المعركه لمدة تقارب الساعه لم تتوقف فيها نيران أسلحتنا
ولما أفرغت الطائرات حمولتها عادت من حيث أتت . بعد تقييم الموقف أتضح أن أحداً منا لم يصب باستثناء الشهيد هيوا أصيب أصابه بسيطه في يده ،قفزنا فوق سياراتنا وطرنا نحو القريه حيث الرفاق ينتظروننا بقلق ،أول من هرع نحونا أبو أحلام يستفسر فيما اذا كانت لنا خسائر أجبته بالنفي فتبدد قلق الأخرين.
كنا نتوقع أن تعود الطائرات محملة بالصواريخ مرة اخرى ...لكنها لم تعد . ولنا في بستانه مناقب أخرى...
ففي بدية عام 87 وفيما نحن مختبأين بزوايا القريه ننتظر مجيىء الليل جاءت مفرزه من الأتحاد الوطني وشاركتنا الأختفاء وكان لديهم صاروخ (سترلا) مضاد للطائرات، في العصر المتأخر حلقت دورية الطائرات فوق سيطرة اربيل وراحت تتجول تبحث عن هدف بين الهضاب و السهول الواسعه ،وبعد مشاورات سريعه أتخذ قرار أطلاق الصاروخ حال اقتراب الطائرات من مواقعنا، فتـوزعنا على أطراف القريه و أتخذنا مواقع قتاليه تحسباً لردود فعل العدو ، لم أكن متفائلاً ومتحمساً من قبل لسقوط طائرة كما في هذه المرة... دارت الطائرات بعيداً فوق جادة اربيل لمدة من الوقت ثم انحرفت نحو اراضينا ولما صارت بمدى نيران اسلحتنا أطلق الصاروخ وعيوننا مشدودة نحو السماء، أحدث دوياً قوياً بارجاء القريه ثم ساد هدوء يشبه ما قبل العاصفه، لا ندري اين ذهب الصاروخ ،وبعد قليل حدث انفجار بعيد فوق احدى الهضاب ،لقد أخطأ الهدف ، الظاهر انه أنطلق افقياً والمعروف عنه انه حساس و يحتاج الى حفظ وعنايه جيدة وهذا غير متوفر في أجواء الحركة الدائمة لمفارزنا.. على أية حال استدارت الطائرات وراحت تقصف مواقعنا،واحدة تروح واخرى تجيء ونحن بدورنا نرد بما نملك من أسلحه خفيفه ومتوسطه وقذائف آر بي جي، ولهذه القذائف هيبه حين تنطلق في السماء، تساعد بمضاعفة الحماس ورفع المعنويات .أستمرت المعركه حتى حلول الظلام وبعدها عادت الطائرات من حيث ظهرت، لم تكن لدينا خسائر تذكر، بيوت القريه الأسمنتية، القويه كانت قادرة أن تحمينا بأستثناء تدمير عجله من عجلاتنا واحداث اضرار ماديه في أسقف وواجهات بعض البيوت .
وعلى قاعدة الشىء بالشىء يذكر... ففي بداية عام 81 وحتى 84 خضنا معارك مؤلمه كلفت أطراف النزاع الكثير فيما يعرف آنذاك بأقتتال الأخوه .وبما أن ل"بستانه" شأن متميز فلابد أن يكون لها حصه من ذلك النزاع ، ففي منتصف عام 84 وفيما نحن نختفي هناك مع الحزب الأشتراكي بقيادة الشهيد - قادر مصطفى- أشتبكنا مع قوة من الاتحاد الوطني لعدة ساعات جرح أحدنا برصاصه صفرت فوقه فرسمت خطاً من الدم أمتد حتى نهاية رأسه والحظ وحده هو الذي أبقاه حياً. وبما أني لا أرى أعتزازاً وفخراً بتلك المعارك (بشتاشان، قلاسنج، بوريجه، بستانه الخ) لذا سأتجنب سرد التفاصيل كي لا أشارك السياسة عهرها ول"بستانه" أحداث لا تنتهي .
الوقت فجراً من احدى ليالي تموز... أركنا سيارتنا الصغيره جنباً ورحنا نمط أرجلنا فوق أسفلت الشارع نغالب تعبنا، مفرزة الأوك العابرة توقفت كي تخبرنا بما هو مشؤوم، انطلقنا نحو قريه أشاروا لنا عليها فكان بأنتظارنا رفيقين يرتسم التعب والحزن على وجهيهما ،فعادت بي الذاكره لمساء البارحه، تسعة رفاق غادرونا تقلهم سيارة اسعاف ( كنا قد استولينا عليها أزلنا نصفها الاعلى فصارت مطابقه لمواصفات حرب العصابات) وكأجابه عن مصير من تبقى من الرفاق راحا يتحدثان : ( كنا نقود سيارتنا مطفئة الانوار وفجأة انهال علينا الرصاص من كل جانب، قاومنا قليلاً وهدأت البنادق، ساد السكون أرجاء السهل مرة أخرى ولما تأكدنا من انسحاب الكمين قيمنا الموقف فكان لنا شهيدين وجريحين ولا ندري ما حل بالباقين، قدنا السياره في الظلام فوق الهضاب مبتعدين عن الطريق الترابي حتى سقطت في حفرة كبيرة فتركناهم هناك لا نعرف اين هم بالتحديد ) وأشاروا بيدهم نحو تلال بعيده لا يحدها البصر في الصباح المتأخر تحركت مفرزه صغيره للبحث معتمداً على ما قدم لنا من أوصاف وشروحات و تفاصيل أعتبرها كافيه للأستدلال على المأساه... فعادوا بالجريحين وقد عفنت حرارة شمس تموز جرحيهما (تحدثوا فيما بعد...لما حل الصباح زحفنا واختبأنا تحت السيارة ،حلقت طائرات الهليكوبتر في السماء تبحث عنا وعلى اللأرض قوه من الجيش والجاش مشطت مسرح العمليه، لا ندري كيف حالفنا الحظ ولم يعثروا علينا) .
في العصر المتأخر تحشدت بعض سرايا الفوج الخامس في –بستانه- ومع ظهور خيوط الظلام الأولى حملتنا سياراتنا نحو مجمع – بنصراوه- تعشينا على عجل وغادرنا نحو مأساتنا (شهداءنا) . بين الهضاب المنخفضه كانت تقبع سيارة مزقها الرصاص، تنبعث منها رائحه كريه، مقززه لا تطاق ولهذا السبب تردد من كلفناهم باخراج الجثتين...قفزت الى السيارة ، كان (هيمن) متضخماً الى الضعف محشوراً بين أرضية السياره ومقاعدها، رأسه بحجم كرة القدم أو أكبر بقليل، أنا أعرف هذا الشهيد جيداً، ألتحق بنا قبل عام أو أقل بقليل لم يتجاوز السابعه عشرة، شاب نحيف وسيم جداً لا تفارق الأبتسامه وجهه الطفولي، يحبه الجميع، لا أصدق ما أرى، كيف لهذا الوجه الجميل أن يتغير بهذه السرعه حتى لم يعد يشبه (هيمن)؟ و بعد عدة محاولات فاشله لتحريره قفز الى السياره من يساعدني ، وبعد محاولات نجحنا بتحرير الجثتين ، عطرناها بقنينة عطر معدة لهذا الغرض وغادرنا المكان .


 


 

free web counter