ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

( الحلقة الأخيرة )


محمد علي الشبيبي

بعد خروجي من معتقل الفضيلية آواخر عام 1967 ، وفشلي في الحصول على زمالة أو دراسة، قررت التوجه والتركيز للبحث عن عمل للتخفيف من أعباء الوالد في المساهمة في مصاريف العائلة، كما أن من خلال عملي يمكنني أن أوفر مبلغاً متواضعاً ليساعدني في سفري للدراسة إذا ماحصلت على زمالة. فاتحت أخي همام بذلك ليساعدني عن طريق معارفه. طلب أخي همام من صديقه قائم مقام المسيب، وهو قومي التوجه، لمساعدتي في الحصول على وظيفة كتابية. وجد لي صديقه عملا في ذاتية معمل نسيج الحلة. ورغم أن العمل في غير مدينتي (كربلاء) يعني عدم الأستفادة ماديا من أجوري لمساعدة العائلة، ومع هذا وافقت كي لا أبق عاطلا عن العمل وعلى الأقل أني سأوفر مصاريفي الشخصية أن لم أكن قادراً على المساهمة في مصروف البيت. قدمت الأوراق المطلوبة وكان من ضمنها عدم المحكومية، وقد تم أختياري بالأسم لأستلام طلبي من بين عشرات المواطنين الذين تجمعوا في الباب الرئيسي لمعمل النسيج وهم يحملون طلباتهم، وكانت هذه علامة تفاؤل بجدية وساطة القائم مقام ومفعولها. ولكن حين مراجعتي للمعمل بعد أيام بلغت برفض طلبي من اللجنه لأني محكوما لأسباب سياسية!! عدت خائباً ألى القائم مقام وأخبرته بالموقف وقد تأثر وخاطب مدير أمن الحلة منتقدا مثل هذا التصرف إتجاه المحكومين السياسيين، وأوعدني أنه سيحاول أن يساعدني بأقرب فرصة.

في شباط 1968 قدمت طلبا الى معمل التعليب في كربلاء، وحصلت على عمل، كعامل وقتي، بأجور يومية قدرها نصف دينار. كان عملي تابع لقسم حسابات الكلفة، وكان الأستاذ حيدر مسؤول حسابات الكلفة هو من يشرف على عملي. كلفت بمراقبة عمل المكائن وفترات توقفها وعدد العمال الذين يعملون في كل خط إنتاجي، وذلك لحساب كلفة المنتجات. تفاجأت عندما شاهدت كمية التلف المرافق لعملية الإنتاج في مراحلها الأخيرة، حيث يصل التلف الى 97% وأحيانا أكثر! ولا أبالغ في هذه النسبة مطلقاً، وعلى القاريء أن يتصور كمية التلف والخسائر المذهلة. فبعد مليء العلب بالمنتج، من مربيات أو معجون الطماطة أو حتى ألخضر المطبوخة، وهي على سربس ماكنة غلق العلب، تخرج العلب غير مغلقة كما يجب. وكان مراقب الأنتاج مضطراً لتكليف مجموعة من العمال لأعادة فتح هذه العلب، وإعادة غلي المنتج وتعبئته مجدداً، وهكذا كانت المشكلة تتكرر على مدار ساعة الأنتاج. وكل هذا كان يحدث بعلم مدير الأنتاج الدكتور ناصر الربيعي. كان جهد العمال ووقتهم غير منتج، إضافة للخسائر التي تسببها إعادة التعبئة والتي تؤثر سلباً على نوعية الأنتاج.

زامن حصولي على عمل في معمل التعليب، تعيين مديراً عاماً جديدا للمعمل هو الأستاذ صبري رشيد. وكان المدير يتابع عملية الأنتاج من خلال زياراته المتكررة اليومية، ويرى بعينيه كيف أن ماكنات التعبئة والغلق، المكنات التي يتوقف على عملها كل عملية النشاط الأنتاجي في المعمل، غير قادرة على أنتاج مئة علبة يوميا، بينما المفروض أن يكون أنتاجها أكثر من عشرة ألآف علبة يوميا!!!

طلب مني المدير العام الجديد صبري رشيد أن أكون دقيقا في تسجيل الأعطال وأسبابها والفترة التي يستغرقها التصليح، ونسبة التلف، والوقت المستغرق لأعادة التصنيع. لاحظت كما لاحظ ذلك معظم العاملين في المعمل من عمال وموظفين أن المدير الجديد صبري رشيد أكثر إهتماما وحرصا على المعمل والإنتاج وتسويقه، من مدير الإنتاج الدكتور ناصر الربيعي. لم يخف ناصر الربيعي حقده على الدول الإشتراكية ويحاول أن يعزُ عطل المكائن المستمر وخسارة المعمل كون المكائن رديئة لأنها صناعة الدول الإشتراكية، وهو لايتورع من التصريح بذلك أمام الزائرين. وقد حدثني العمال القدامى كيف أن مدير الأنتاج ناصر الربيعي الذي رافق الخبراء الروس منذ تأسيس المصنع، وكان حينها مسؤولا عن إستلام كل الآلات التي تخص عملية الأنتاج، لم يكن يعير أي إهتمام للمكائن وأدواتها، وكانت تبقى مرمية في ساحة المعمل تحت أشعة الشمس والأمطار، وأحيانا ترمى من سيارة النقل على الأرض، وقد أثار تصرف الربيعي غضب الخبراء الروس الذين فهموا دوافعه، حيث كان يصرح دائما وعلناً أن المكائن المستوردة من المعسكر الأشتراكي رديئة ولا تستحق الأهتمام، فقال له أحد الخبراء الروس مامعناه: دكتور ناصر صحيح هذه صناعة شيوعية، ولكنكم دفعتم ثمنها وهي الان عراقية، وعليكم الأهتمام بها!

بعد إسبوع من عملي ومن خلال علاقاتي بالعمال الواعين وكان معظمهم من الأصدقاء والقريبين من الحزب، علمت أن التقنيين الذين درسوا في الإتحاد السوفياتي للتخصص في صيانة مكائن المصنع لايمارسون عملهم هذا وإنما يعملون في الذاتية والمخازن والمشتريات وحتى في المبيعات!! وأخبروني الأصدقاء أن سبب تهربهم من العمل الميكانيكي لأنهم لايفهمون شيئا بالميكانيك بالرغم من إيفادهم من قبل وزارة الصناعة للدراسة في الأتحاد السوفياتي لمدة سنة للتخصص في ميكانيك مكائن المعمل، وأن الإدارة السابقة ومدير الإنتاج سمحوا لهم بهذا التهرب كي تسهل لهم الإساءة للصناعة الإشتراكية. كما أخبروني أنه يوجد عامل ميكانيك متمكن جداً من ماكنة التعبئة أسمه رضا الحداد، من المتعاطفين مع الحزب الشيوعي، تم فصله من المعمل بمؤامرة شارك فيها البعثي إبراهيم جميل مسؤول ورشة صناعة العلب. إمتدح معظم العمال إمكانيات رضا الميكانيكية وحبه وتفانيه في العمل وأكدوا لي أن رضا بإمكانه تصليح أي عطل في أقل من نصف ساعة. وأكد لي العمال إمكانيات رضا وكيف كان المعمل، أثناء عمله، ينتج يومياً الآف العلب الجيدة ولا يوجد بينها علب تالفة! وبسبب عطل هذه المكائن ومكائن صناعة العلب، الذي يشرف عليه إبراهيم جميل، وسوء أختيار أعضاء لجان المبيعات والمشتريات، إنخفضت مبيعات المعمل وتضاعفت خسائره، وسرت إشاعات بين العمال تتحدث عن بيعه للقطاع الخاص أو غلقه، إلى أن أقدمت وزارة الصناعة على تعين صبري رشيد كمدير عام علّه ينقذ المصنع من الإنهيار.

بعد مضي إسبوعين على عملي في المعمل وإطلاعي على معظم المشاكل التي يعاني منها المعمل، قدمت مذكرة مفصلة للمدير العام شرحت له كيف أن الفنيين يعملون في المخازن والذاتية والمشتريات وأنهم فاشلين مهنيا، وكيف تآمر إبراهيم مسؤول قسم صناعة العلب لفصل العامل رضا الحداد. وشرحت للمدير وهو كان متفهما لشرحي، أن إعادة رضا للعمل سيجنب المعمل خسارة آلآف الدنانير يوميا، فبدونه سيتوقف الأنتاج، ولن يخسر المعمل حتى وأن دفع له أجراً مضاعفاً. كما شرحت بالتفصيل كيف حول إبراهيم جميل مكائن قسمه الى أدوات إحتياط، فالقسم يحتوي على ماكنتين من كل نوع، فجعل إبراهيم إحدى المكائن المكررة إحتياط للماكنة الاخرى! كانت مذكرتي مفصلة وتجاوزت 20 صفحة بخط اليد، وقد حملت مدير الأنتاج ناصر الربيعي مسؤولية تدهور إنتاجية المعمل وخسائره الكبيرة. طلب مني صبري رشيد أن أحدثه بتفاصيل أكثر، وأستغرب للمعلومات التي كشفتها له رغم قصر فترة عملي في المعمل.

أجتمع المدير بالفنيين (سعدي قداح وإبراهيم جميل والياس المفتي) وطلب منهم أن يتركوا عملهم في المخازن والذاتية وأن يبذلوا جهدهم خلال ثلاثة أيام لتصليح كل المكائن المتوقفة وإلاسيكون حسابهم شديدا، وركز على سعدي قداح كونه يعمل في المخازن وعلى إبراهيم جميل لأنه حول ماكنتي صناعة وفحص العلب ألى مكائن إحتياط مفككة لسد حاجة الماكنات الأخرى، وطلب منه تشغيل المكائن المتوقفة التي حولها الى مصدر لأدوات الأحتياط.

كان جميع العمال يتابعون عمل سعدي قداح وإبراهيم جميل، وهما منهمكان في قراءة كتب الميكانيك التي درساها في دورتهم في الأتحاد السوفياتي، ومحاولة إكتشاف الأخطاء ومعالجتها، وأحيانا يصل بهما الحوار والنقاش حد الخصام والتشاتم بالرغم من أن الأثنين أعضاء في حزب البعث. بعد ثلاثة أيام برهن إبراهيم ورفيقه سعدي قداح أنهما عاجزان عن إنجاز المهمة. كان صبري رشيد يراقب نتائج عملهما يوميا خلال زيارته المتكررة للمعمل ويطالبهما بسخرية ليطبقا مادرساه خلال دورتهما في الاتحاد السوفياتي والتي كلفت الدولة الكثير. لم يطمأن المدير العام لقدراتهما وإخلاصهما، فقرر دعوة رضا الحداد، وطلب مني إبلاغ رضا لمقابلته، ولما كنت لا أعرف رضا شخصياً طلبت من صديقه ضابط الوقت حسين الموسوي طيب الله ثراه أن يبلغه بدعوة المدير، وطلبت من الموسوي أن يوضح لرضا حاجة المعمل اليه ليفرض شروطه. أتفق صبري رشيد مع رضا الحداد على إعادته للمعمل مع زيادة أجوره والسماح له بمغادرة المعمل متى شاء شرط أن تكون المكائن صالحة وأن تكون نسبة التلف أقل من 2% وأن يكون مستعدا لتصليح أي عطل حتى إذا حدث في الوجبات الليلية، وتعهد المدير بأن يساعد رضا في دفع البدل النقدي لأعفائه من الخدمة العسكرية.

باشر رضا بعمله ومن الساعة الاولى تمكن من تصليح الأخطاء في إحدى مكائن التعبئة، هذه الاخطاء التي عجز عن تصليحها الميكانيكيان المتخصصان إبراهيم ورفيقه سعدي قداح ، بينما كان رضا اُميا لكنه أحب عمله وأتقنه من خلال مرافقته للفنين الروس. لم يسبق لي أن التقيت بعامل يحب ويعشق عمله مثل رضا الحداد، كان يعمل ويحدِّث الماكنه وكانه يغازل عروسته. كان صبري رشيد مندهشا من قدرات هذا العامل ألامي، وتفانيه وعشقه لعمله مما زاد من إعجابه وإحترامه لهذا العامل. تمكن رضا من تصليح الماكنات لتعمل ثلاثة وجبات يوميا، أي 24 ساعة يوميا وبدون توقف، ونادرا ماكانت تعطل بفضل صيانته ومراقبته المستمرة. فبعد أن كانت نسبة التلف في التعبئة تتجاوز 97% أصبحت بفضل العامل الأمي رضا الحداد أقل من 0,2% وأحيان يمر اليوم ولا يوجد أي تلف في التعبئة.

أكد العمال الذين عملوا في المعمل تحت إدارة عدة مدراء أن إدارة صبري رشيد تميزت عن الأدارات الأخرى بالحرص الشديد والشعور العالي بالمسؤولية والمتابعة اليومية للنشاط الانتاجي والمبيعات، وكانت زياراته اليومية والمتكررة وخاصة مابعد منتصف الليل والمفاجئة للمعمل لمتابعة عمل الوجبة الليلية، حافزاً لجميع العمال على العمل بجد، وجعل الجميع ينظر أليه نظرة إحترام وأعجاب.

عملت في المعمل بجد، وقد كسبت ثقة الأستاذ حيدر، وكان يكلفني في أحياناً كثيرة لتدقيق حسابات الكلفة التي كان يقوم بها، حتى أصبحت قادراً على القيام بكل العملية دون العودة اليه، وكان يدققها ويؤكد لي صحة حساباتي. كنت في أحيانا كثيرة أعمل في شفتين (وجبتين)، وأقترحت على المدير برغبتي في أستغلال (الكشك)، القائم في باب قبلة الحسين (ع)، الذي يعرض فيه المعمل بضاعته للدعاية أيام الأعياد والزيارات الدينية وأبديت إستعدادي لفتح الكشك يوميا بعد الدوام وحتى أيام العطل وبدون أجر! أستغرب المدير من عرضي ورغبتي للعمل ووافق على مقترحي وتشجيعا لي قرر أن يعطيني ربحا 3% من سعر البضاعة إضافة لما أجنيه من الأرباح. سألني عن سبب رغبتي للعمل في الكشك أضافة لعملي في وجبتين وكيف سأوفق بين هذه الأعمال. وضحت له أضطراري وحاجتي للعمل، وأذا ماوافق على عملي في الكشك سوف أكتف بالعمل في الوجبة الصباحية فقط. كذلك حدثته بقصتي وفصلي من الجامعة وأني أعمل لكي أجمع مبلغا ليعينني في سفري للخارج لإكمال دراستي. تعاطف معي كثيرا وأوعدني بالمساعدة في إيجاد وظيفة مناسبة لي.

منذ اليوم الأول لأستلامي الكشك وتجهيزه بالمنتجات، بادرت بالاتصال بجميع أصحاب الدكاكين لمعرفة إحتياجاتهم وأستمعت لمقترحاتهم وملاحظاتهم، ولاحظت أن معظم منتجاتهم قديمة وقد أنتهت فترة صلاحيتها، وتذمر الجميع من تكدس المنتجات. قدمت تقريرا للمدير مع مجموعة مقترحات بإستلام المنتجات القديمة وتعويضهم بمنتجات جديدة، ووافق على مقترحي وخصص لذلك واسطة نقل وعمالاً لمساعدتي في الدوران على أصحاب المحلات. وقد أسعد ذلك أصحاب المحلات وشجعهم على مضاعفة مشترياتهم حتى تجاوزت المبيعات أضعاف ماباعه الوكيل أحمد السعداوي خلال سنتين من وكالته العامة لتوزيع منتجات المصنع في كربلاء. كنت شهريا أقدم تقريرا للمدير عن مبيعاتي في الكشك والمحلات، وأرفقها بمقارنات مع المبيعات في الأشهر المشابهة للسنوات السابقة، وقد نال نشاطي وأسلوب عملي أعجاب صبري رشيد. ولم يخل عملي في الكشك من مضايقات، خاصة بعد مجيء حزب البعث للحكم بعد 17 تموز 1968. ففي أحد الأيام أرسل علي المدير العام، وسألني عن حركة مبيعات الكشك وزيارات الناس، ثم قال لي: هناك تقارير وصلتني عن تحويل الكشك الى محل لأجراء اللقاءات الحزبية! وقبل أن أجاوبه علق: أنا لا أثق بهذه التقارير ولكن كن حذراً فهم، ويقصد البعثيين، يتربصون بك.

صباح أحد الأيام أستدعاني صبري رشيد في غرفته وكان عنده لجنة عسكرية من المسيب تريد التعاقد لتزويدها بمنتجات المعمل ومعرفة الأسعار وسألني إن كنت قادرا على حساب كلفة علب الفاصولياء والبزالية، لأن محاسب الكلفة مجاز، والموسم في بدايته ولم تحسب أسعار الكلفة لحد الآن. أجبته ساُحاول معتمداً على المعلومات المتوفرة. المهم أنجزت الحسابات ومازلت أتذكر أن تكلفة علبة البزالية أصبح 63.5 فلسا، سلمته ماتوصلت اليه من نتائج وقد ثَبتُ كل مصادر معلوماتي حتى لا يحملني غير مسؤولية الحسابات ودقتها. بعد إسبوع باشر محاسب الكلفة الأستاذ حيدر ودقق ماحسبته وكانت النتيجة مطابقة جدا. أوفى المدير بوعده وطلب مني أن أقدم طلبا لشغل وظيفة في الحسابات. باشرت في جمع الوثائق المطلوبة للتوظيف، وأنا غير متأكد من نجاح المدير في تعييني، لأن التعيينات أصبحت في ظل حكم البعث الثاني خاضعة لموافقة حزب البعث. كان هذا ألعرض في ربيع 1969،وأصبح كاتب الصادرة في الذاتية البعثي مهدي ألخزرجي * وزميلي في الثانوية مسؤولا عن الأمن ألصناعي و المسؤول البعثي الأول في المعمل ويراقب التعيينات وحركة العمال وحتى عمل المدير. من الطبيعي أن يعارض مهدي تعيني، بالرغم من علاقته الظاهرية الطيبة معي، وقالها لي مازحاً مادمت شيوعيا فلا تفكر بالتوظيف في المعمل. أخبرني المدير متأسفا من موقف منظمة البعث في المعمل في رفض توظيفي وأن لاحول له.

في ايلول 1969 أتصل أبو بشرى وأخبرني بحصولي على زمالة الى بولونية وما علي إلا السفر. كان لدي جواز سفر حصلت عليه مباشرة بعد إنقلاب 17 تموز وقد أنتهى مفعوله وعليَ تجديده. قدمت طلبا للتجديد فجاء الجواب من بغداد بالمنع. وقد ساعدني أخي همام مستعينا بجارة سابقة، زوجة لمدير أمن (أبو فيصل) وطلب منها مساعدتي لأنجاز معاملة سفري. وبعد أقل من إسبوع من تكليف جارته أم فيصل أتصل أخي وطلب مني الذهاب لأم فيصل في مدينة الشرطة في بغداد. سلمتني أم فيصل ظرفا مفتوحا وفيه كتاب من مديرية الأمن العامة برفع المنع والموافقة على سفري. قرأت نص الكتاب وأعدته للظرف، وسألتها مستغربا كيف يمكنني تسليم كتاب الموافقة مفتوحا، وأنا أعرف أن هذه الكتب سرية، فأجابت أن هذا مقصود وإذا ماعرقلوا معاملتك أطلب منهم الأتصال بهذا الرقم، وكتبت رقم التلفون على الظرف. وعتبت على أخي همام لأنه لم يعطيها إسمي، وفي المديرية إحتاروا من المقصود بالمنع ولما سألوها لم تعرف أن أخي همام له شقيقين مما أضطرت المديرية بالاتصال بأمن كربلاء لتعرف من منا يريد السفر. شكرتها وأخذت الكتاب متوجها لمديرية أمن كربلاء، وقد أستغربوا أن تسلمني مديرية الأمن العامة كتاب الموافقة باليد ومفتوحا!! وأخبرتهم أن قريبي مديرأمن وهذا تلفونه وطلب مني الأتصال به في حالة حاجتكم لأي توضيح. في اليوم الثاني أستلمت الجواز وأبلغت إدارة معمل التعليب بتركي للكشك لغرض ترتيب إستلام البضاعة الموجودة فيه، وقد فرح المدير صبري رشيد لسفري وقدم لي هدية عبارة عن مجموعة معلبات، متمنيا لي النجاح في دراستي.


13/10/1969 ليلة مغادرتي بغداد الى بولونية في جلسة عشاء لتوديعي من قبل الأصدقاء،
صادق الشامي وعلى يمينه صادق الحلاق وكاتب السطور وعلي عبد الكريم

رغم عملي الجاد في المصنع والكشك بمعدل يزيد عن 13 ساعة يوميا ومحدودية صرفي فلم أتمكن من جمع تكاليف السفر وما يتطلبه من تجهيزات. لم أتمكن من توفير كل ماحصلت عليه من العمل لأني كنت أساهم بصورة فعالة في مساعدة والدي المفصول من العمل في معيشة العائلة. بادر أخي همام بالمساهمة في شراء بعض أحتياجاتي من ملابس وغيرها. كان كل ماجمعته لايتجاوز المائة دينار لذلك قررت أن أسافر بالقطار من بغداد الى براغ، حيث كان علي أن أسلم رسالة من المكتب السياسي لمهدي الحافظ، مع توصية خاصة بحميد برتو لتدبير فيزة له.

يوم سفري من محطة بغداد العالمية قرر بعض الأصدقاء ألأعزاء، وفي مقدمتهم صادق الحلاق طيب الله ثراه، لدعوتي لحفلة عشاء في أبي نؤاس لتوديعي، وهكذا سهرت مع أعز أصدقائي وهم كل من صادق الشامي وعلي عبد الكريم، لأودع بغداد الحبيبة، وأنا أحس برهبة السفر بالقطار وتبديله في المحطات، وهي تجربتي الأولى بالسفر خاصة أن المبلغ الذي أحمله مبلغا متواضعا.

أستغرقت سفرتي ثلاثة أسابيع قضيت منها عدة أيام في صوفيا برفقة الصديق إبراهيم ألسماوي طيب الله ثراه وكانت أيام جميلة تمتعت فيها لأول مرة بجمال الطبيعة البلغارية أيام ألخريف. ثم بعدها غادرت الى براغ وسكنت في أحد الفنادق بضيافة أتحاد الطلبة العالمي، وفي براغ التقيت بالزميل صباح محمود شكري زميلي في (قاووش 3) في نقرة السلمان الذي كان مسؤولا عن ادارة شؤون القاووش. بعد إقامة إسبوع في براغ سافرت بالقطار الى وارشو، وصلت وارشو بتأريخ 1969/10/29 ولم يبق في جيبي غير 40$ بعد أن أشتريت الملابس الشتوية الضرورية من براغ. معرفتي بظروف عائلتي المادية وعدم إمكانياتهم في مساعدتي دفعني لتنظيم حياتي المعيشية وعدم ألإعتماد على عائلتي وقد صرفت أخر دولار مما بقي معي في عيد رأس سنة 1971.


* ـ مهدي الخزرجي بعثي من كربلاء، وزميلي في ألثانوية، أصبح مسؤولا عن لجنة ألإعدامات في كربلاء أيام ألحرب العراقية ألأيرانية، وقد أعدمه المنتفضون في الانتفاضة الشعبانية ولم ينقذه شتمه لصدام وحزب البعث عند اعتقاله.
 

¤ الحلقة الثالثة والعشرون

¤ الحلقة الثانية والعشرون

¤ الحلقة الواحدة والعشرون

¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الثلاثاء 31/10/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة