ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.

يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة


أوراق توما توماس
( 13 )


عشية بيان 11 آذار
كان على البعث بعد مجيئه الى السلطة ثانية ان يواجه الحركة المسلحة الكردية، وقد تنامت امكانياتها وباتت تشكل خطرا حقيقياً. كما انها تحظى بتأييد شعبي كبير وبدعم واسناد من الحزب الشيوعي العراقي .
وخلال قرابة عام ونصف وهي تعاني من ضعف التأييد الشعبي، حاولت سلطة البعث حسم الصراع عسكرياً، حيث شنت العديد من الهجمات العسكرية، وشاركت فيها صنوف الجيش والافواج الخفيفة ( الجحوش ). واستمرت السلطة بسياسة الارض المحروقة في القرى والقصبات في منطقة كردستان. الا ان كل ذلك اصطدم بصمود بطولي من الشعب الكردي ومن الپيشمرﮔة والانصار .
يذكر حردان التكريتي في مذكراته قائلاً(1) " في الواقع ان الاكراد استطاعوا بصمودهم البطولي خلال قرن كامل أن يركعوا الحكم الى درجة بتنا نخشى أن يؤدي استمرار الحرب الى سقوط بغداد بأدي الملا مصطفى البرزاني . وقد بلغ معدل ضحايا الجيش العراقي قبل شهور من بيان 11 آذار الى 325 بين قتيل وجريح اسبوعياً. وبعد أن قمنا بمحاولة أخيرة للقضاء على المقاومة قبل 11 آذار بشهرين فقط، وفشلنا فيها قررنا إجراء مفاوضات مع الملا، لأنهاء القتال لأن ذلك كان سيعطينا فرصة طويلة للبقاء في الحكم .
وكان القصد من المفاوضات اعطاء الملا كل التنازلات التي يريدها، في محاولة لاحتوائه أو تنظيم انقلاب عسكري ضده. ولكنه كان اقوى واذكى وأكثر تمرسا بالأساليب السياسية والعسكرية. ولذلك فقد اشترط في بند سري من بنود البيان بقاء (( 25 )) الف جندي من الپيشمرﮔة تحت السلاح. وقد اعطيناه ذلك. ولكن قررنا أن نستغل فترة إنهاء الحرب لادخال عناصر من جماعة جلال الطالباني، وهو عدو تقليدي للملا في جماعة الملا، والقيام بأغتياله عند اللزوم. فالحزب لايمكن أن يطبق بيان 11 آذار بكامل بنوده لأن ذلك يعني اعطاء أضخم حقول البترول العراقية للأكراد، وهو حقل كركوك، وذلك يعني إفلاس الحكومة تقريبا. من هنا ، فقد قرر الحزب القيام بإحدى الخطتين :
1- أما اعلان الغاء اتفاقية آذار ضمن حملة عسكرية ضخمة تقوم بها القوات العراقية، وانهاء قضية الحكومة اللامركزية التي يطالب بها الملا .
2- أو القيام بتوطين عائلات عربية في المناطق الكردية قبل اجراء احصاء عام فيها، الأمر الذي سيمكن الحزب من بقاء سيطرته قانونيا في تلك المناطق . وللحقيقة فان حكمنا لم يكن مخلصا للاكراد في اي يوم ولن يستطيع ان يصبح مخاصا لهم في المستقبل اطلاقا. وسيكتشف الاكراد ذلك ان لم يكن قد اكتشفوه فعلا . "

من الواضح ان بيان 11 اذار 1970 لم يأت وليد صدفة او برغبة صادقة من البعث لمنح الشعب الكردي حقوقه القومية. فالبعث حزب قومي عربي لايعترف بوجود قوميات الاخرى في الوطن العربي، ويعتبرها مجاميع بشرية دخيلة عليه يتوجب صهرها في المجتمع وتعريبها.

و لولا فشل السلطة في تعاملها مع القضية القومية واقتصار حلولها على الحسم العسكري لما كانت قد اذعنت ووافقت على اغلب شروط الحركة المسلحة الكردية .
كانت القطعات العسكرية تواجه بمقاومة جبارة حتى اواخر عام 1969. وكان الطرفان في سباق مع الزمن لتحقيق انتصارات على الارض. فقد حرصت الثورة الكردية على ان تدخل في اية مفاوضات متوقعة من موقع المنتصر. أما السلطة فهي حاولت أيضاً بأقصى امكانياتها انزال خسائر بالاهالي العزل انتقاما لخسائرها في المواجهات العسكرية. و اقترفت السلطة في تلك الفترة جريمة ابادة قرية صوريا المسيحية وقرية ده كان الكردية .

*****
مذبحة قرية صوريا ـ 16/ 9/ 1969
تقع قرية صوريا على ضفة نهر دجلة وهي تابعة لقضاء زاخو، وتبعد كيلومترات قليلة عن قرية فيشخابور الحدودية مع سوريا. ويسكنها قرابة عشرون عائلة مسيحية تعمل بزراعة الحنطة والشعير وتربية الحيوانات.

في صباح يوم 16/9/1969، انفجر لغم مضاد للاليات تحت ناقلة عسكرية، وقتل واصيب على اثره عدد من العسكريين وكان بينهم احد المسؤولين. وونظراً لان قرية صوريا هي الاقرب من غيرها الى محل الانفجار، فقد اختارها الفاشيون هدفاً لهم كي ينتقموا ويستعرضوا قوتهم وبأسهم .

شاهد اهالي القرية قافلة عسكرية تتقدم نحوهم القرية، فخرج المختارخمو مروكي والقس حنا الذي كان في زيارة لاجراء الطقوس الدينية ومعهما حسين محمد وهو سائق سيارة استأجرها القس، خرج جميع هؤلاء لاستقبال القافلة العسكرية والترحيب بها عند مشارف القرية. ترجلت القوة العسكرية وكانت بأمرة الملازم (عبد الكريم محمد الجحيش ) من الفوج الرابع التابع للواء الثالث والعشرين. وبدون سابق انذار، بادر افراد القوة بفتح النار فقتل الثلاثة في الحال. ثم طوقت القوة العسكرية القرية وقام الجنود بإخراج جميع الاهالي قسرا من دورهم، وتم تجميعهم واطلاق النار عليهم وبقرار عدم ترك اي جريح. بعدها قام القتلة بتفيش القرية فوجدوا خمسة صبيان قتلوهم دون رحمة، ثم قاموا بأحراق القرية حيث احترق عدد من الاطفال الرضع كانوا قد تركوا داخل البيوت .
وبعد ان مٌثّل بالجثث بحثا عن الخواتم وعن حلي النساء طمرت في حفرتين داخل القرية .

******
مجزرة كهف ده كان ـ 18/8/1969
تقع قرية ده كان في منطقة شمكان على سفح جبل بي خير من جهة الشرق وبالقرب من قرية خورت. وتشتهر القرية بزراعة الزيتون والليمون، وتسكنها حوالي 30 عائلة كردية. وقد تم حرق هذه القرية عدة مرات، وضمن سياسة الأرض المحروقة التي مارسها النظام منذ اليوم الاول لرجوعه الى السلطة في تموز 1968. تعرضت هذه القرية مثلها مثل آلاف القرى الكردية الى الحرق من قبل قطعات الجيش والجحوش .
وفي احدى الحملات العسكرية ضد الحركة المسلحة الكردية، كان احد محاور العمليات في منطقة عقرة والشيخان وبأمرة قائد الفرقة عبد الجبار الاسدي .

اعتاد اهالي القرى الكردية على ترك قراهم كلما تكثف القصف المدفعي اوالجوي في مناطقهم. فيلجأ الاهالي الى سفوح الجبال او الكهوف القريبة. وهذا ما فعله اهالي قرية ده كان، إذ توجهوا الى كهف كبير قرب قريتهم، وكان عددهم 67 شخصاً جلهم من النساء والفتيات والصبيان. بعد نهب ممتلكات الاهالي ، قام الفاشيون بحرق القرية  .
كان الاهالي وفي مسعى لزيادة تمويه مكان اختفائهم، قد وضعوا الاغصان والاعشاب على مدخل الكهف الذي اختبأوا فيه. الا ان ذلك لم ينقذهم ، اذ عُثر عليهم ، فقام الجحوش وافراد الجيش بحرق الاغصان والاعشاب في مدخل الكهف مع اطلاق النار بكثافة صوب داخل الكهف في محاولة لمنع خروج اي من الاهالي. فتعالى صراخ النساء والاطفال طالبين الرحمة ولكن دون جدوى. وهكذا احترق الجميع وتحول الكهف الى قبر جماعي ضم 24 امرأة و5 فتيات و21 طفلة و16 طفلا وشيخا واحدا .

******
وبعد صدور بيان 11 اذار 1970 وتوقيع الاتفاق، لعب حزبنا دورا متميزا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين وكان للرفيق عزيز شريف دور مشهود في ذلك .

كان الاتفاق بين السلطة والحزب الديمقراطي الكردستاني قد حدد مدة 4 سنوات ليتم فيها تنفيذ بنود اتفاقية 11 اذار. وساهم الحزب الديمقراطي الكردستاني في الحكومة بخمسة وزراء. وتم تعيين 12 فوجا من الپيشمرﮔة كحرس للحدود تدفع السلطة رواتبهم. كما تم تعيين محافظين واداريين لمحافظات اربيل وسليمانية ودهوك ونائب للمحافظ في نينوى من الاكراد .

حرصت السلطة على تحييد الحزب الديمقراطي الكردستاني ، في حين كانت توجه ضرباتها ضد حزبنا. ولكن لم تؤدي اتفاقية اذار، التي لعب حزبنا دورا مشهودا في التوصل اليها، في تقريب وجهات النظر بين الطرفين. ولم تفرز الإتفاقية اي تغيير في موقف السلطة تجاه الحزب الشيوعي، إذ واصلت مسلسل الاعتقالات والملاحقات والاغتيالات ضد الشيوعيين. فقد جرى إغتيال محمد الخضري ليلة 20 اذار 1970 وهو في طريقه لحضور احتفال بمناسبة صدور بيان اذار. كما جرت تصفية العديد من الرفاق تحت التعذيب في قصر النهاية ومنهم الرفاق كاظم الجاسم وعلي البرزنجي وعزيز حميد وعبد الامير سعيد واغتيال الرفاق شاكر محمود وستار خضير وصالح احمد ومصطفى ظاهر .. الخ .

ومنذ مطلع عام 1971، شنت الاجهزة الامنية حملة ملاحقات شرسة ضد منظمات الحزب وكوادره ، فأضطر عدد من الرفاق الى ترك مدنهم والتوجه الى مقرات الانصار في بالك ( برسرين ). اما في مدينة الموصل وبرطلة وبحزاني، فقد ترك عشرات الرفاق عوائلهم والتجأوا الى مقر الانصار في بيرموس ، وتجاوز عددهم ستين ( 60 ) رفيقا. وفي نفس الوقت شنت السلطة حملة عسكرية على رفاقنا في القوش ولم يتدخل منتسبو الحزب الديمقراطي الكردستاني في المواجهة المسلحة التي حدثت بيننا وبين السلطة ، بأعتبارهم كانوا حلفاء لها ويساهمون في الحكومة . بعد ذلك الصدام، فرض على انصارنا الكف عن زيارة عوائلهم في القوش الا نادراً وفي الليل .

في اب 1970 عدت من موسكو بعد انتهاء الدراسة الحزبية. وكانت حركة رفاقنا وتنقلهم بين المدن والمحافظات بقدر لا بأس به الحرية والامان. وتوجهت برفقة الرفيقين لازار ميخو ( ابو نصير ) وشعيا اسرائيل الى دركله لحضور المؤتمر الثاني ، بعد ان تم تزويدنا بهويات مزوره كمعلمين .

وفي اوائل ايلول 1970 انعقد المؤتمر في منطقة قريبة من دركَلة، حيث شيدت ( كبرات ) للرفاق تحت حماية ورعاية الانصار من قاطع بالك. وجاء انعقاد المؤتمر كتتويجاً لنشاطات تحضيرية واسعة شملت الميادين السياسية والتنظيمية والفكرية. وكان قد سبقه المؤتمر الاول لمنظمة اقليم كردستان 1969، وانتخبتُ فيه مرشحا للجنة الاقليم .
حضر المؤتمر( 102 ) مندوبا. وقبل انعقاده استشهد احد المندوبين تحت التعذيب وهو الرفيق عبد الامير سعيد. استمرت اعمال المؤتمر ثمانية ايام نوقش فيه العديد من القضايا المهمة .
اثناء إنعقاد المؤتمر، ابلغت بقرار سحب الرفيق شعيا اسرائيل، وكان نائبا لامر قوتنا الانصارية، للعمل ضمن تنظيمات الخط العسكري ( الخاص ) في الفرقة الثانية في كركوك .

اعتبرت ذلك القرار ارتجاليا، حيث إتُخذ دون استشارة الرفاق ذوي العلاقة المباشرة بالرفيق شعيا. واستغربت حينها الاصرار على تكليف رفيق مكشوف ومعروف ونشط لسنوات طويلة في مجال العمل الانصاري ، بمهمة تتطلب السرية العالية. ان البقاء في مدينة مثل كركوك بلا اي عمل سيثير لوحده الشكوك ، اضافة الى ان نسبة كبيرة من سكنة المدينة هم من الاثوريين ومن معارف الرفيق شعيا، ولاغلبهم معلومات وافية عنه .
قيل لي لا مجال للنقاش ، وان قرار الخط العسكري ملزم التنفيذ. لم تمض فترة، حتى كثرت الاحاديث في كركوك عن شخص يدعى شعيا يعمل مع العسكر دون ان يعرفوا عنوانه .

كتبت رسالة الى الرفاق في المكتب السياسي ، وكنت قبل ذلك قد نبهت احد الرفاق من قيادة العمل في الخط العسكري حول هذا الموضوع، اوضحت في الرسالة وضع شعيا وانكشاف امره عند جماهير كركوك وخطورة بقائه ضمن الخط العسكري واقترحت نقله فورا دون أي تردد قبل فوات الاوان. إلا أنه لم تتخذ أية اجراءات وقائية.
تمكنت المخابرات من نصب كمين للرفيق شعيا واعتقلته. ولم يستطع تحمل التعذيب، ولقلة تجربته انهار وسلم مالديه من معلومات. وعلى اثرها اعتقل العديد من العسكريين منهم ن.ض. بولص هرمز وصليوا بويا علي بك وهم من اهالي عينكاوة ، واعتقل الرفيق علي البرزنجي ( عضو ل.م ) حيث استشهد تحت التعذيب .

وفي حديث لي مع الرفيق المسؤول عن الخط العسكـــري، وهو عضو المكتب السياسي ، بعد اعتقال شعيا من قبل المخابرات، قال الرفيق كنا على وشك نقله ولكن المخابرات سبقتنا !!. وبهذه البساطة برر هذا الرفيق وقوع تلك الكارثة .

وهكذا تتكرر اخطاؤنا. ولعدم اجراء محاسبة للمسؤولين عن تلك الاخطاء، تبقى النتائج المأساوية تلاحقنا بأستمرار. إن اسلوب تبرير الاخطاء في الحياة اليومية الاعتيادية هي عادة سيئة، الا انه في العمل السياسي وخاصة السري منه فهي عادة قاتلة .


(1) الفريق حردان التكريتي ، وزير الدفاع في اول تشكيلة وزارية بعد انقلاب تموز 1968 اغتيل من قبل مخابرات صدام في الكويت . صدرت مذكراته في بيروت .
( الفصل الخامس والاخير من الجزء الاول من مذكرات حردان عبد الغفار التكريتي ، يمكن الاطلاع على المذكرات من موقع الارشيف العراقي في الدانمارك ) ( موقع الناس ) .

يتبع

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحالقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
 

الأحد 31/12/ 2006

| أرشيف الذكريات  |