ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

من الذاكــرة

أيام صعبـة بإتجـاه الوطـن
10

فائز الحيدر

فصــيل ســبندارة
كان في استقبالنا عند وصولنا فصيل سبندارة رفاق الفصيل وقدموا كل ما يمكن تقديمه لراحتنا بعد رحلتنا الطويلة . يتألف الفصيل من الرفيق النصير هه زار كمسؤول عسكري ، وابوأسيل كمسؤول سياسي والمعروف بحدة طباعه والذي لم نشاهده يبتسم يوما" طيلة بقائنا كضيوف في الفصيل والرفيق النصير ابو زينب أداريا" .
يقع مقر الفصيل في بيت قديم بني من الحجر والطين ويعود الى احد الفلاحين الذين هجر المنطقة كبقية الفلاحين بعد ان تحولت الى منطقة عمليات عسكرية محرمة ، يتكون البيت من غرفتين صغيرتين قسمت كل منها بالبطانيات والنايلون الى قسمين لنوم عوائل الأنصار وهناك صالة كبيرة حولتها ادارة الفصيل الى قاعة لنوم الأنصار والضيوف وهم في طريقهم الى مقرات اخرى ، اما اصطبل الحيوانات فقد تم تنظيفه وتغليفه بالبلاستك وحول الى مخزن للتموين وحولت احدى اقسامه المفتوحة الى مطبخ .

مقر الفصيل محاط بجبال شاهقة قليلة الأشجار وبعض الشجيرات المحيطة بالمقر، من الأمام وعلى بعد عدة كيلومترات هناك الأراضي العراقية المحتلة من قبل القوات الأيرانية وبفصلها عن الفصيل وادي عميق جدا" يمر فيه نهر سريع الجريان وفوق هذا النهر وعلى أرتفاع منخفض جدا" تحلق دائما" طائرات الهليكوبتر الأيرانية يوميا" وهي تنقل الجنود والتعزيزات الى خطوط الجبهة ومن مواقعنا فوق الجبل نشاهد هذه الطائرات وكأنها لعب أطفال وهي تطير امامنا في الوادي تاركة ورائها صدى كبير لمحركاتها في الوادي ، اما الجهة اليمنى من الموقع فهناك عيون الماء العذبة التي تطفوا فوقها بعض النباتات المائية التي نتناولها في وجبات الغداء عندما يصبح طولها مناسبا" للقطع . أما الجانب الخلفي للفصيل فهو محمي بجبل شاهق ايضا" و نلجأ أليه في حالة ملاحظة تحركات عسكرية مريبة وغير عادية للطيران العراقي او الأيراني خوفا" من القصف أو الأنزال الجوي ومن فوق هذا الجبل كنا نسمع على شبكة FM التوجيهات الصادرة للطيارين العراقين من قبل مركز القيادة لقصف اهداف محددة .
اما من الغرب فهناك الطريق الملتوي في هذه السلسلة الجبلية التي يؤدي الى بقية مقراتنا مثل بيربنان ، موسلوك ، ولولان ، وغيرها .
كنا نجلس فوق صخرة كبيرة على هذا الطريق في حراساتنا النهارية لمراقبة الطريق ويرافقني بعض الرفاق في فترة الراحة ونبدأ بقراءة مجموعة من ابيات الشعر بما يناسب وضعنا في كردستان واتذكر منها:
حمامة الفرت من ايدي ولاجت
وعليها الروح تتعـذب ولاجت
من امس لليوم لاحطت ولاجت
ولا الها جدم بــرض الوطية

ليس هناك شئ جديد في عمل الفصيل سوى الروتين اليومي والذي يشمل الحراسات النهارية والليلية والطبخ وازالة الثلوج من سطح قاعة النوم واستقبال الضيوف سواء من رفاقـنا القادمين من مواقع عديـدة اخرى متوجهين الى قاطع بهدنان او بالعكس من بهدنان الى مواقع عمل جديـدة اوالى ايران للعلاج او ضيـوف من الحـزب الديمقراطي الكردستاني الأيـراني ( جماعة قاسملو) الذين يمرون في فصيل الضيافة وهم في طريقهم الى مواقع أخرى واحيانا" يدفعنا الفضول بالنزول الى أسفل الوادي نبحث عن المجهول .
من فصيل الضيافة تمت دعوتي وام سوزان الى فصيل موسلوك وهو على بعد اكثر من ساعتين مشيا" في سلسلة جبلية متفاوتة الأرتفاع لحضور حفلة زواج الرفيق بولا مع الرفيقة أزهار وكانت حفلة جميلة رغم عدم توفراي شئ يدل على الزواج سوى بعض البلونات الملونة التي علقت في القاعة وسهر كافة الرفاق حتى ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي . ومن فصيل الضيافة تمت زيارة اخي الفقيد النصير سلام (د. ابو تانيا ) وهو في فصيل سـبيكا الواقع على قمة جبل عالي وعلى بعد حوالي ساعتين في بيت تركه احد الفلاحين ويكون الذاهب الى هذا الفصيل قد انهك من التعب صعودا" قبل ان يصل قمته حيث موقع الفصيل
كان القصف المدفعي بين القوات العراقية والأيرانية التي تحتل بعض المواقع العراقية على الشريط الحدودي مستمرة كل يوم واحيانا" تقوم الطائرات العراقية القاذفة بقصف المواقع الأيرانية وهي على ارتفاع شاهق وكنا نلتقط احاديث الطيارين العراقيين المتبادلة مع مركز القيادة بقصف اهداف محددة وتكرار قصفها عدة مرات .

في أثناء حراستي الليلية وفي الساعة الثالثة والنصف فجر يوم 23 / نيسان / 1986 وانا في دوامة تصارع الذكريات وحب لقاء الأهل وما حل بهم بعد سنوات طويلة من الغربة وما هو مستقبلنا ومستقبل الحركة الأنصارية وتأثيرها في تحريك الشعور الوطني المعادي للنظام الدكتاتوري، تذكرت أغاني فيروز الصباحية عن الحب في الصيف والحب في الشتاء والكتابة على الرمل ، ففيروز ليس عندليب الصباح فقط ونسمعها كل يوم بل هي مطربة كل ساعة صباحا" ومساء ، في الأوقات الصعبة ، فهي دواء لكل الجروح بأغانيها الخفيفة القصيرة ، قصص الحب والغرام والشوق والفرح والأمل وحب الوطن والمرأة والنضال والثورة والحبيبة والأم وهموم العمل والتعب وفراق الأهل والأحبة ... واصبحنا نلقب بأبو فلان ... ونسينا اسمينا ...
واصبحنا لا نعرف حتى اسامينا
معقول الفراق يمحي اسامينا
ونحن سوا ربينا
سوا حكينا ... سوا قضينا ليالينا
قطعت تفكيري هذا أصوات جاءت عن بعد حيث بدأت المدفعية العراقية ترمي بعض قذائفها على المواقع الأيرانية ونحن ندرك ان هذا القصف ليس بجديد وتعودنا عليه ومن جانبها اخذت المدفعية الأيرانية ترد بالمقابل على المدفعية العراقية ألا ان القصف اخذ يزداد تدريجيا" ووصل الى ذروته بعد نصف ساعة تقريبا" وتحولت السماء الى كتلة من نار من شدة القصف العراقي وتحول الليل الى نهار ، شئ ما غير طبيعي يدور بالقرب من مواقعنا وعلينا الحذر، أنه هجوم الربيع كما أعتقد وقد استعدت القوات العراقية منذ فترة لهذا الهجوم ووصلت الى الحزب اخبار عنه منذ فترة ، ايقضت كافة الرفاق من النوم وتم الأتصال بالقيادة وجاءت التوجيهات بالأستعداد العسكري وانتظار التعليمات ، كان رد القوات الأيرانية متقطع ويبدوا انهم فوجئوا بالهجوم العراقي والقوة النارية المستعملة من قبله ، بعض قذائف المدفعية سقطت على أماكن قريبة من مقرنا ومحيطه وهذا ينطبق على حال بقية الفصائل ولا نعرف هل جاءت بشكل عفوي او مقصود ، اخذ الفصيل الحيطة والحذر وبأنتظار التوجيهات من القيادة فلربما يتم قصف مقر الفصيل ايضا" .
عند بزوغ شمس الصباح توقف القصف المدفعي واخذت الطائرات العراقية بالتحليق والسيطرة على خط الجبهة وبدأت بتصوير المواقع الأيرانية وقصفها من جديد دون اي مقاومة من القوات الأيرانية ثم بدء الهدوء يخيم على المنطقة .
في الساعة التاسعة صباحا" من يوم 24 نيسان وصلت برقية من القيادة تؤكد على الحذر والأستعداد لترك الفصيل في حالة حصول أي تطورات جديدة وارسال الرفاق ابو سوزان وام سوزان الى موقع موسلوك الخلفي ودعنا الرفاق وغادرنا الفصيل الى موسلوك وبعد اربع وعشرين ساعة غادرنا موسلوك الى فصيل بيربينان .

فصـيل بيـربينان
بعد الهجوم العراقي الواسع للأيام الماضية وخوفا"من ان يقوم الجيش العراقي بتوسيع عملياته العسكرية ضد مواقع الأنصارالمختلفة القريبة من ساحة العمليات لجأ الحزب الى تغيير مواقعه وحولها الى موقع بيربينان بشكل مؤقت حتى ايجاد اماكن اخرى مناسبة وبذلك اصبح مقر الفصيل مزدحما" جدا" وليس هناك اماكن تكفي لنوم الرفاق وتوفير التموين الكافي لهم . واصبح الموقع كخلية نحل من الصباح وحتى المساء ، العشرات من البغال وهي تحمل معدات وتموبن وآلات واسلحة وغيرها وتبحث عن مكان ملائم لتفريغ حمولتها .
يقع الفصيل في وادي محاط بسلسة جبلية عالية من كل الجهات وتكثر فيه اشجار التكي والجوز والبلوط الضخمة وعلى مقربة منه عيون ماء عذبة النابعة من بطون الجبال وهي مصدر الفصيل في احتاجاته المائية اضافة الى فروع من انهار صغيرة عديدة ، يتكون فصيل بيربنان من الرفيق ابو محمد روماني آمر الفصيل العسكري والرفيق ابو شهاب أداريا" والرفيق ابو زويا كمستشار سياسي..
يحتوي مقر فصيل بيربنان على غرفتين صغيرتين لنوم العوائل وقاعة كبيرة تسع الى اكثر من عشرن شخصا" لنوم بقية الأنصار اضافة الى المرافق الأخرى وهناك على بعد 300 م تقريبا" تتواجد قاعات اخرى متجاورة استغلتها بعض فصائل الأنصار التي تركت مقراتها في اخرى وأنتقلت الى هذا الموقع ونصبت بعض الخيم في اماكن متفرقة لسد حاجة ونوم الرفاق الذين زاد عددهم عن قدرة واستيعاب المقر لهذه الأعداد من الرفاق .

في يوم غائم تم تبليغـنا مع حوالي عشرين نصيرا" بأنشاء موقع متقدم جديد آخر يبعد عن موقع الفصيل بعدة كليومترات في اخاديد جبلية وعرة وطرق ضيقة لا يصلها البشر ، الأرض موحلة بسبب الأمطار للأيام الماضية ونحتاج الى عدة ساعات للوصول الى المكان المقترح ، لا أثر لوجود أي بناء في الموقع الذي يقع على تلة عالية وعلينا نصب خيمة كبيرة تسع لهذا العدد من الرفاق وسط الأمطار الغزيرة التي بدأت تتساقط والأوحال الناتجة عن ذلك لتكون ملجأ لنا ، بعد عدة ساعات من العمل الشاق وسط الأمطار تم نصب الخيمة في المكان المقرر ولكن من يستطيع النوم فيها والأرض تحولت الى برك طينية ومن غير الممكن النوم فوقها ، حاولنا ان نزيل الطبقة العليا من التربة دون جدوى فالرطوبة والمياه وصلت الى اعماق التربة الليل يقترب ولا يوجد حل آخر غير التكيف مع الواقع ، فرشت الأرض بالنايلون ووضعنا عدة حصران بلاستيكية وفوقها مجموعة من البطانيات القديمة ومن ثم دواشك اسفنجية خفيفة للنوم ومدفأة كبيرة للتدفأة ولكن من يستطيع النوم ، الأرض تتموج من تحتنا وبرودتها تدخل العظم وتسبب آلاما" شديدة خاصة بالنسبة للذين يعانون من آلام الظهر والفقرات والروماتزم .
أصبنا بالأعياء طيل الليلة الأولى وحتى صباح اليوم التالي لم ننم غير اقل من ساعتين ، كل منا مشغول بهموم عديدة تشغل باله ، ولا يستطيع التعبير عن معاناته .أحيانا" احس بالذنب تجاه زوجتي النصيرة ام سوزان ومعاناتها الصحية وكان المفروض ان تكون في مكان أفضل لتحصل على العلاج وانا المسؤول عن معاناتها ولكن الى متى ؟ وهي تحس بما افكر تجاهها حيث كانت معاناتنا مشتركة وهنا تذكرت بعض ابيات الشاعر :
چا يمته ياليل الحزن تگضي
اخافن يگضي عمري احساب
وادور بس جبر خاطر
بلچي الموت من يمرگ
على ادروبي احن واشمر عليه
عصابه امي وچرغد الحلوات
مو خلصو زلمنه وراحو الافات
بعد بيمن نخوف الغول
والبعبع طلع غفله
والسعلوه صارت سالفه بكل بيت
مو كافي
تمرمرنه
وتعذبنه
ولا فد يوم من خوفك يليل الهم تخلصنه
ولا فد يوم من خوفك تخلصنه

في اليوم التالي توقفت الأمطار وساعدت المدفأة على تجفيف الأرض نسبيا" ولعدة ايام كنا نخرج كل ما في الخيمة الى الخارج ونعرضها الى الشمس والتهوية حتى تحسن الوضع تدريجيا" ولكن برزت لنا مشكلة اخرى هي توفير التموين وتم اللجوء الى القرى التركية القريبة للحصول على ما يمكن الحصول عليه من هناك ألا ان متابعة الجندرمة الأتراك لأعضاء حزب العمال التركي PKK ودخولهم الأراضي العراقية لعدة كيلومترات كانت تحول دون البحث عن التموين وكانت طائرات الهليكوبتر التركية دائما" ما تحلق فوق موقعنا بعد ان نلجأ الى ثنايا الجبال والصخور المحيطة بالمقر.
بمرور الزمن استقر الوضع العسكري على الحدود العراقية الأيرانية وهدأت الجبهة ووجدت فصائل الأنصار المختلفة مواقع جديدة مناسبة لها وتقلص عدد الرفاق في موقع فصيل بيربنان الى عدد مناسب ولظروفنا الصحية تم ارجاعي وام سوزان الى بيربينان ثانية.

امام مقر الفصيل كانت توجد ارض خالية متروكة ومع توفر المياه تولدت لدينا فكرة للأستفادة منها بزراعتها بالخضروات وفعلا" تم ذلك بتعاون جميع رفاق الفصيل وتم الحصول على البذور بواسطة احد المهربين من تركيا وزرعت الأرض وبعد عدة اسابيع بدأت بالأنتاج الذي اخذ يسد حاجة الفصيل وفصائل اخرى كما وتم الأهتمام بتربية عدد من الدجاج وتجميع البيض وتوزيعه بيضة واحدة لكل رفيق اسبوعبا".
كان الرفاق في الفصيل كخلية نحل كل واحد يعمل شيئا" ما لتحسين الحياة البسيطة في الفصيل وساهمنا في ايصال المياه الى حوض في مكان عال مناسب لغسل الصحون بعد الأكل بدلا" من غسلها في الساقية مباشرة وتم ايصال المياه عبر الأنابيب المطاطية الى الحمام واستعماله مرة اسبوعيا" اضافة الى عقد الأمسيات بين فترة واخرى .
من جانب آخر كان الموقع ملئ بالثعابين المختلفة الأحجام وبالعقارب الصفراء السامة المخيفة ومع ذلك لم تقع اية حادثة لأي رفيق ، وهنا اتذكر الرفيقة نوروز التي كانت تحاول نصب خيمة لها في اماكن متعددة من المقر ولكن بعد ساعات تكتشف ان هناك عدة ثعابين تتحرك تحت البلاستك الذي يغلف ارض الخيمة من الداخل مما يجعلنا نبحث عن مكان آخر لنصبها ولعدة مرات الى ان تخلت عن المهمة .
في هذا الموقع ألتقينا مع أخي الفقيد سلام ( د. ابو تانيا ) حيث جاء لزيارتنا لمدة يومين من الأعلام المركزي وكان لقاء لا يوصف بعد فراق طويل وكان هذا اللقاء هو لقاءنا الآخير سوية على ارض الوطن وكان لقائنا الآخر بعد اربع عشر عاما" في ألمانيا حيث استقر وودعناه فيها الى الأبد .
كانت ظروفي الصحية وظروف ام سوزان تسوء تدريجيا" هذا من جانب ومن الجانب الآخر كانت الظروف في المنطقة تسير نحو المجهول وتولدت لدى الحزب فكرة اخراج بعض العوائل الذين يعانون من مشاكل صحية من كردستان حتى لا يكونوا عائقا" عند الطوارئ وتقرر سفرنا الى ايران كلاجئين ومن هناك يمكننا الذهاب الى سوريا وعلينا ان نتابع الأمر بأنفسنا طالما نحمل جوازات عراقية نافذة ولمدة قد تكون طويلة او قصيرة . كانت معاناتنا في أيران كبيرة ولمدة تجاوزت ثمانية اشهر وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا" .

ـ الصورة الأولى تبين الوادي العميق امام فصيل سبندارة والذي يعتبر خط الجبهة مع ايران
ـ الصورة الثانية ازالة الثلج من سطح قاعة النوم في فصيل الضيافة
ـ الصورة الثالثة مزرعة فصيل بيربنان بعد الأنتاج

يتبع

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى
 

الأربعاء 30 / 5 / 2007

| أرشيف الذكريات  |