ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

الأربعاء 30/4/ 2008



نصير الصباغ (شهيد قنديل)
لا زلت حيا في الذاكرة

نجم خطاوي

منتصف تموز عام 1979, وبعد شهور من المعاناة والعذاب والخوف, بين أزقة وحارات الحيدرخانة, وسط بغداد, تركت العراق الجميل, صوب المنافي.
الليالي والنهارات الأولى, التي مضت على وصولي مدينة براغ, عاصمة التشيك, كانت كوابيس لا تطاق من ذاكرة الرعب, ولحظات الخوف والموت, التي خلفتها هناك في المدن البعيدة, ممتزجة بصور رفاقي وأصدقائي هناك, وهم يجابهون غدر وأحقاد النظام المقبور.
وفي براغ, جمعتنا المصيبة, رجالا ونساء, ومن جميع مدن العراق, ولكل منا حكايته وأوجاعه. وصارت تلك الحكايات, مادة لأحاديثنا المسائية, في المقاهي, والبيوت, وكنا نتقاسم العيش فيها كمجموعات.
وفي واحدة من تلك الدور, جمعتني الصدفة وتعرفت عليه, وصار صديقي.
نصير الصباغ (أبو نادية), الشاب الشيوعي الربع, الوديع والمرح, ابن مدينة الكوفة الحمراء, والقادم من كلية العلوم في بغداد, وكان فيها كادرا طلابيا, ووجها من وجوه الحزب الشيوعي العراقي.
وهناك في براغ, عشنا أياما قاسية من الحرمان والعوز, واضطررنا للعمل في المعامل والحدائق, وكعمال بناء. وشاءت الصدفة أن نكون سوية في مجموعة عملت في بناء وتشييد موقع سياحي على الحدود التشيكية الألمانية, وهي فرصة للتقرب أكثر من هذا الشيوعي الطيب, والتمتع بصحبته وأحاديثه الجميلة, ونكاته وطرفه.
في مرة, قدمت أمه إلى مدينة براغ لزيارته, واحتفينا بها في الدار الكبيرة التي جمعتنا, وكانت كالأم لنا جميعا, وهي بفوطتها, و(شيلتها) السوداء, وأحاديثها العراقية الدافئة. وبكينا جميعا حين حدثتنا عن أخيه الذي ذهب غرقا في نهر موسكو.
- (يمه هل هالت الله بيه... تره بس هوه بقه.. أخوه راح بشط موسكو..دير بالكم على نصير, اعتبروه مثل أخوكم.... ).
ويومها علمت بأن هذه المرأة الشجاعة, قد تعلمت الكثير من دروس أخيها الشيوعي مهدي عبد الكريم (أبو كسرى), وأن نصيرا ظل وفيا لفكر الخال وطريقه.
ومع وصول أخبار تشكيل خلايا الكفاح المسلح في كردستان العراق, زاد شوقنا وشغفنا بالعودة للوطن, الذي تركناه مجبرين, وأخبرنا الحزب برغبتنا في العودة للوطن, وكان الجواب أن ننتظر لتحين الفرصة المناسبة.
في عام 1980, قبلنا للدراسة في جامعات تشيكوسلوفاكيا, وفي اختصاصات مختلفة. ذهب (نصير) إلى مدينة( بلزن) لدراسة اللغة التشيكية, وبعدها لإكمال دراسته في العلوم والهندسة, وقبلت أنا طالبا في جامعة كارل للاقتصاد في براغ. ولا زلت أذكر, تلك الطرفة الجميلة التي تداولت بيننا, يوم قبل (نصير) صدفة, كطالب في مدينة تشيكية مشهورة بصناعة البيرة, وهو المتذوق والمحب لها.
وجمعتني وإياه وبعض الرفاق, أحاديث عن عدم جدوى الاستمرار في الدراسة, والوطن يعيش أياما صعبة تحت ظل نظام العصابة.
في عام 1982قررنا ترك الدراسة طوعا, والتوجه للقتال في كردستان العراق, وبعد أن انهينا عاما على دراسة اللغة التشيكية, وعاما من الدراسة في جامعاتها.
وكان نصير(أبو نادية) رفيقي وصديقي في تلك الرحلة التي مرت عبر دمشق والقامشلي والحدود ثم الوطن, وسط الرفاق الأنصار.
والتقينا ثانية في( بشت ئاشان) أوائل عام 1983, وبالتحديد في (بولي), وهو موقع متقدم لحماية مقرات الأنصار الشيوعيين في (بشت ئاشان), ويقع فوق تل عال قريب من الشارع العام المؤدي صوب ناحية (سه نكسر). في (بولي) سرعان ما ألف(نصير) الرفاق هناك, وأحبه الأنصار لروحه النبيلة, وشفافيته, ومرحه الجميل, وأحاديثه الحكيمة. كانت أيام خالدة وجميلة, جمعتني به, وبالشيوعي النبيل الشهيد نعمة الشيخ فاضل(أبو سليم), ونحن نتذكر أيام براغ وتشيكوسلوفاكيا والأصدقاء.
في موقع(بولي), كلف(نصير) بالكثير من المهمات, وكان أهلا لها.
كان شتاء 1982, شتاء قاسيا ببرده وثلجه.
ومع قدوم ربيع عام 1983 ولبس السفوح حلة الورود والعشب, لاحت في أفق (بولي) نذر الشؤم, إذ بدأت القذائف تسقط على الموقع, ولأكثر من مرة, وشوهد بعض الغرباء وهم يتجولون في المنطقة, ومر قريبا من الموقع بعض المسلحين, بحجة زيارة أقارب ومعارف لهم.
وكانت الرسائل تصل من( بولي) إلى الربع تباعا, تنذر بأن أحداثا غير طبيعية ستقع, وأن الأمور تبدو غير طبيعية. وكان الحدث الأبرز, حين تصدى رفاق فصيلة(بولي) منتصف نيسان 1983, أي قبل أيام قلائل من فاجعة بشت ئاشان, لرتل كبير من السيارات المحملة بالمسلحين, يقودهم قيادي من حزب الاتحاد الوطني, وأجبروهم على التوقف على الشارع القيري الرئيسي, ومن ثم اصطحاب مسئولهم وبعض من حمايته إلى مقر (بولي)فوق التلة, وبعد اتصال بقيادة الحزب في (بشت ئاشان) ,اخلي سبيلهم, وتم إكرامهم. كانت الحجة كونهم يتوجهون إلى الحدود العراقية الإيرانية لصد هجوم إيراني متوقع, وهي جزء من التزامهم للحكومة العراقية التي كانوا يفاوضوها.
لم يقتنع نصير(أبو نادية), ولا جميع رفاقه الأنصار في (بولي), وغيرها من مواقع الأنصار في (بشت ئاشان) بهذه الحجة, وكان الجو مكهربا, والكل ينتظر أحداثا ستقع, خصوصا بعد سماع أخبار الصدامات في سهل أربيل.
ومع قدوم مساء الثلاثين من نيسان 1983 كانت الأمور تسير نحو الهاوية والفاجعة, وبات معروفا بأن رتل السيارات ذاك, وغيره من الحشود التي لم يعر البعض وللأسف اهتماما لها, لم تكن غايتها الذهاب إلى الحدود مع إيران, بل لتطويق مواقع الأنصار الشيوعيين في (بشت ئاشان).
عصر الأول من أيار 1983, وبعد ليلة ويوم من الحراسات والكمائن والتعب والإرهاق وعدم النوم, تجمع رفاق (بولي) مستمعين لقرار قيادة الموقع بضرورة الانسحاب باتجاه(بشت ئاشان)وترك الموقع. كان القرار صعبا وقاسيا, ولكن لكل حدث ثمنه.
تحرك نصير(أبو نادية) ساعتها مع جمع الرفاق الذي بدأ بصعود التلة العالية صوب (بشت ئاشان), وقد لف على رقبته وبعدة طيات شريط طلقات رشاش العفاروف. كان الحمل ثقيلا عليه, لكنه أبى أن يعطيه لرفيق أخر.
وتجمع الحشد ثانية مع قدوم ظلام المساء على قمم التلة المطلة على (بولي), التي دخلها بيشمركة الاتحاد الوطني, وشرعوا بإشعال النيران والدبكة.
بعد أحاديث واتصالات ونقاشا, وقد امتزجت بأصوات الرصاص الذي كان يسمع من كل الأتجهات, ومع وضوح النيران في أكثر من تلة, قرر الحشد التوجه باتجاه( بشت ئاشان) ومن ثم صعود جبل قنديل, وسط الإعياء والتعب وقلة المعرفة بطرق جبل قنديل وخفاياه وأسرار عواصفه الثلجية, وبعد أن اضطر رفاقنا لإخلاء مواقعهم في وادي(بشت ئاشان). مرت الليلة ثقيلة وحزينة والألم يغمر النفوس والوجوه التي أعياها التعب والإرهاق والجوع, وبدأت ملامح فجر الثاني من أيار تلوح وسط الوادي الذي لفه الغموض, وبعد أن مزقت صمته طلقات النيران القريبة والبعيدة.
عند سفح جبل(قنديل), وقبل الشروع بصعود الجبل, تجمع حشد الأنصار والنصيرات وسط بيت أحد الفلاحين, وكان يضمر الحقد على الشيوعيين رغم طيبتهم معه ومع جيرانه, وكان يرسل الأخبار أولا بأول إلى الجانب الأخر.
كان الفطور, وهو بقايا خبز يابس ولبن حامض وشاي, كالزقوم, ولم يتناوله البعض رغم الجوع الذي مزق الأمعاء. بدأ الصعود صوب قمم قنديل باتجاه الحدود العراقية الإيرانية, ولم تكن تفصلني عن نصير(أبو نادية) سوى أمتار قريبة, وكدت اسمع صوته ولهثه وهو يكابد في الصعود المر.كان بعضنا يحث الأخر على رباطة الجأش والصبر, لكن انقطاع أخبار الرفاق الذين كانوا معنا في الليلة الماضية, قد أجج الألم والمرارة, إذ كانت المفرزة قد تفرقت وتشتت بسبب التعب والإنهاك وعدم الدلالة.
الفلاحون الذين أطعمونا الخبز اليابس واللبن أرادوا استبداله بالسم, وعرفنا ذلك حين اقتربت أصوات أزيز الرصاص وهي تلاحقنا ونحن نهم بالصعود.
سمعت وجع(أبو نادية) وألمه, حين مزقت الرصاصات ساعده. بدأ الجميع بالصعود سريعا صوب القمة للتخلص من مباغتة الرصاص, وبقيت كامنا في مكاني محتميا بصخرة, وأنا أتطلع إليه وأناديه وأحثه على الصعود والوصول إلي, والمسافة بعض أمتار.كنت أصرخ بالعربية تارة وأخرى بالتشيكية التي يفهمها هو, حاثيا إياه على مواصلة الصعود, وحين اقترب مني, اتجهت إليه وسحبته صوب الصخرة. كان قوي الإرادة رغم ألم الجروح والدماء التي ضرجت ساعده وبقايا جسمه.حاولت جاهدا إيقاف النزيف وشد الجرح باليشماغ, وحثثته على المسير وأنا أسنده.واقتربنا من بقية الأنصار, بعد وصول قمة التلة وزوال الخطر. كان الرفاق هناك, أبو داود, ويكنى بالعبد لسماره, وأبو حياة بولي, وساري البدوي, وشددنا جروح(أبو نادية) وأطعمناه السكر, وهو كل ما تبقى في حقائب الظهر, ثم واصلنا السير مع البقية فوق سهل ثلجي طويل لواحدة من قمم جبل قنديل, وكنا نتبادل إسناد(أبو نادية), بعد أن حملنا كل حاجاته, وكان نصيبي بندقيته الكلاشنكوف.
الثلج بدا مخيفا وهو يغطي الجبل وفي يوم الثاني من أيار, الذي يكون في العادة حارا في كردستان. كانت الجموع تسير عبر طابور طويل فوق ثلج الجبل والظهيرة بدت تغادر بعيدا.
لم يكن أحدا يعرف الهدف الذي نسير إليه ونحن نحث السير مهتدين بآثار ظلت شاخصة وسط أكوام الثلج, وهي أقدام الذين سبقونا, وكلما تقدمنا باتجاه القمم العالية كلما بدا الثلج أكثر كثافة مع البرد والريح التي لاحت بواكير ها.
ظل نصير(أبو نادية) ممسكا على ألامه الكبيرة وجروحه وهو يسير مع البقية, وبانت ملامح الإعياء على ملامحه وشحوب وجهه, وصعوبة حديثه.
وبدأنا نغوص في الثلج مع بداية هطول المساء والليل, قريبين من سماء الله.
وشعرت بتعب وإرهاق وجوع ونعاس وعدم قدرة على حمل أقدامي, وسط المجموعة التي تفرقت لمجموعات, وكادت الكارثة أن تحل بي, بعد فقدي لفرد من حذائي وسط الثلج, والتي بدوت كالمجنون وأنا ابحث عنه وسط الثلج, حتى لقيته..في تلك اللحظات لم يكن (أبو نادية)قريبا مني, بعد أن تفرقنا, وكان بصحبة مجموعة من الرفاق.
ومع انتصاف الليل ووسط الثلوج بدأت العواصف من كل جانب وصوب, ونحن نصعد تارة, ونهبط أخرى.تطلعت قربي ولم يكن سوى رفيقين, وكان الفجر يلوح بنوره هناك بعيدا ونحن نتزحلق على السفح جلوسا بعد فقدان القدرة على السير واتجاه المسير, ولم ينقذنا سوى سماع أصوات من جاءوا لاستغاثتنا والبحث عن بقايا المجموعة التي فرقتها العاصفة الثلجية, ثم واصلنا السير معهم حتى وصلنا مكانا تجمع فيه بقية رفاق المفرزة وآخرون سبقونا. في تلك اللحظات سمعت حديث الرفاق الذين كانوا مع الشهيد(أبو نادية) في اللحظات الأخيرة التي سبقت تجمده واستشهاده فوق قمة جبل قنديل, وكيف أنهم يذلوا الكثير لإنقاذه دون جدوى, وبعد أن عجز تماما عن مواصلة السير.
كان ألم فقدانه يقطع روحي, وهو رفيقي في المنفى, وفي الدراسة, وفي الكفاح المسلح, وعشت معه الساعات الأخيرة, وبذلت سوية مع بقية الرفاق الكثير لإنقاذه.
حاول الرفاق إرسال مجموعة للبحث عنه في أعالي قمم جبل قنديل, ووجدوه هناك, واستعانوا بما تبقى من أعشاب وشجيرات وأحجار لتكون قبرا له.
المجد والخلود لك يا رفيقي وصديقي نصير(أبو نادية), ولكل شهداء الشيوعية في بشت ئاشان والعراق جميعا.

30/4/2008

نصير *

عشرة أعوام مضت على رحيله
وما زال قنديل أبيضا
عشرة أعوام مضت
وما زال يرقد قرب سريري
وفي ابتسامة الطفل
يحدق في
يحدثني
محذرا
من عادة النسيان القذرة

* قصيدة مهداة للشهيد نصير, من مجموعتي (تحت السماء السويدية) الصادرة في السويد 1996






 


 

free web counter