ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 7 )
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

المكتبة العامة مركزا للتعذيب

كنا نسمع ونتابع مواقف الرفاق والأصدقاء وما يتعرضون له من تعذيب. كان جهل الحرس القومي وقياداته، ورغبتهم في ممارسة التعذيب بسبب حقدهم الأعمى، يدفعهم لإستدعاء أيا كان واتهامه كونه حزبيا، ومطالبته بالكشف عن اسماء رفاقه. هذا ماحدث لعباس زغالي وهو عامل احذية بسيط ، أستدعي عباس ، في الأيام الاولى من إنقلاب شباط ، وبدء التحقيق معه للكشف عن خليته وأسمه الحزبي. لم يكن عباس حزبيا وربما لم يكن صديقا منظَماً، ولم يعرف أن هناك عمل حزبي خلوي وأسماء حزبية. كان يجلس أمام محققيه من الحرس القومي مشدوها لايعرف عما يُسأل وبماذا يجيب. مارسوا التعذيب معه لينتزعوا الإعترافات منه، يحسبونه مسؤولا قياديا في منظمة الحزب، لأنه سار في مقدمة تظاهرة للاطفال والمراهقين ايام ثورة تموز استنكارا للمؤامرات الرجعية على ثورة تموز، وقد توقفت التظاهرة مستنكرة امام مكتبة الكلكاوي ذو التوجهات القومية، ولم تخلُ التظاهرة من هتافات كان يعتبرها البعثيون والقوميون بأنها استفزازية. يسألوه عن إسمه الحزبي، فيجيب: عباس!. يستمر التعذيب ويعاودوا السؤال، ويستنتج من إستمرار وقسوة التعذيب ومعاودة السؤال أن جوابه خاطئ، فيصحح الجواب لأرضائهم: ينادونني زغالي! ويتساءل بتوسل وبراءة طالبا الكف عن تعذيبه. وهكذا تحمل عباس زغالي التعذيب وهو لم يكن حزبيا ولاصديقا نشطا أومنظما، واعتقدْ كان من الأوائل الذين تعرضوا للتعذيب. كان يحدثنا ويضحك كيف كان افراد الحرس القومي الذين حققوا معه اغبياء وتعاملوا معه مثلما تعاملوا مع بعض الحزبيين القياديين. يقول عباس ساخرا من اسلوبهم الهمجي في التحقيق، كنت خائفا أن أموت تحت التعذيب، وانا لاأعرف شيئا عما يطلبونه مني، ويحسبونني حزبيا صلبا وقائدا، بينما أنا إنسان بسيط.

بعد مايزيد عن الشهرين من بقاؤنا في سجن الحلة نقلنا الى كربلاء فالتقينا بالوالد وبكثير من الاصدقاء. كانت غرفتا الموقف في مركز شرطة كربلاء مزدحمتين بالمعتقلين من الشيوعيين واصدقائهم ولم تعد تتسعا للمزيد. وعلمنا عند وصولنا من الحلة انه تم نقل مجموعة من الموقوفين ممن انتهى التحقيق معهم الى سجن الحلة لتوفير الأماكن لنا. وعرفنا حينها ان قيادة حزب البعث في المدينة قررت ان تستغني عن المركز الثقافي الوحيد في المدينة وهو المكتبة العامة وتحويلها الى مركز للتحقيق والتعذيب حتى الموت، كما حدث للشهيد عبد الأله الرماحي (هلول). وقد حدثنا حينها الزملاء الذين نقلوا الى بغداد لغرض التحقيق معهم، ان في بغداد تم تحويل ليس فقط المكتبات وانما حتى الملاعب الرياضية، وقد مورس ابشع انواع التعذيب مع المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين في ملعب الكشافة. وسيبقى هذا السلوك الاجرامي والبربري وصمة عار في تأريخ حزب البعث والقوميين العروبيين الذين حولوا المراكز الثقافية والرياضية الى مقرات للتعذيب والموت، بدل تطويرها أو إنشاء المزيد منها لتكن في خدمة المجتمع وتقدمه الحضاري. وقد استمر حزب البعث على هذا النهج البربري حتى بعد مجيئه للسلطة في عام 1968، حيث تكشفت للعالم جرائم المقبورعدي بحق الرياضيين واساليب تعذيبهم في المقرات الرياضية.

في المكتبة العامة تم تعذيب الشهيد عبد الأله الرماحي بطريقة همجية بشعة. كان الشهيد عبد الأله طالب طب يدرس في روسيا، وعرف عن الشهيد طيبته وهدوئه وحبه للناس. قدم من موسكو في العطلة الشتوية لزيارة عائلته فأعتقل واستشهد تحت التعذيب في المكتبة العامه بكربلاء. وقد نقل بعض المعتقلين ان الحرس القومي اثناء تحقيقهم مع عبد الأله طلبوا من المعتقلين بتزويدهم بشفرات حلاقة، وكثيرا ما كان افراد الحرس القومي يستغلون المعتقلين بطلب شفرات او صابون حلاقة واحيانا يطلبون حتى السكائر والكولونيا، ويعتقد البعض وهذا ما أعترف به بتبجح بعض افراد الحرس القومي بأنهم استعملوا الشفرات لتعذيب عبد الأله وذلك لتبضيع جسده ورش الملح على الجروح، كي يدلي بإعترافاته!! لم يتمكن عبد الاله، هذا الشاب الوديع الهاديء الدمث الاخلاق، من تحمل هذا التعذيب البربري واستشهد في نفس الليلة، واخفوا جثمانه الطاهر متمادين في جريمتهم. فالمجد والخلود للشهيد عبد الأله الرماحي والخزي والعار لقتلته من البعثيين والعروبيين.

 

مجموعة من الزملاء الكربلائيين (في سجن نقرة السلمان) الذين اعتقلوا بعد انقلاب شباط 1963 وحكم عيلهم

 بخمسة سنوات  وهم من اليسار سالم عودة، كاتب المذكرات، وسعد بدكت والجالس محمود الصافي

 اثناء وجود المعتقلين في المكتبة العامة يهيأون ويخضعون للتحقيق، حيث يتم استدعاء المعتقل ليلا ويطلب منه بتدوين اعترافاته بتفصيل عن عمله الحزبي واعضاء خليته او لجنته الحزبية، واذا وجدوا ان المعتقل لا يتجاوب معهم او يحاول اخفاء بعض المعلومات، يؤخذ لممارسة التعذيب معه الى غرفة صغيرة لاتتجاوز مساحتها 2,5 متر مربع تقع بالقرب من المرافق الصحية، حيث تم تجهيزها بوسائل تعذيب من سلاسل لتعليق المعذب او توثيقه. ولما كانت المكتبة العامة تقع في مركز مدينة كربلاء حيث تكثر حركة الناس والمرور بمحاذاتها، وان اي صراخ للمعذبين يمكن للمارة بمحاذاة المكتبة ان يسمعوه وقد يثير استياءً واستنكارا، ومثلما وجد القتلة من حزب البعث أن المكتبة العامة وغيرها من المؤسسات الثقافية والترفيهية يمكن الإستغناء عنها وتحويلها الى مقرات للتعذيب، فأن تفكيرهم الفاشي اسعفهم وأبتدعوا طريقة للتغطية على صراخ وتألم المعذبين وذلك بإطلاق صوت المسجل وغناء ام كلثوم بأعلى صوته من خلال سماعات لتقوية الصوت، متظاهرين وكأنهم في حفلة طرب وسهر على انغام كوكب الشرق، فيختلط صوت ام كلثوم من جهاز التسجيل  مع صرخات افراد الحرس القومي الهستيرية والحقودة مع تأوهات وهتافات وصرخات المعذب والخارجة دون ارادته، بينما يجلس بعضهم مخمورا ليتمتع بصوت ام كلثوم. وفي احدى المرات عندما كان افراد الحرس القومي يعذبون عامل البريد (ابراهيم ،للأسف لا أذكر اسمه الكامل)، ثم تركوه مسجى على الارض في شبه غيبوبة ليأخذوا قسطا من الراحة! وليعودوا لتعذيبه بعد ان يستفيق. لكن ابراهيم استفاق قبل ان يعودوا اليه ووجد نفسه في تلك الغرفة المغطاة بالدماء والسلاسل، واحس بالألم الذي تركه التعذيب البشع على جسده، اقدم كما يقول على خطوة انتحارية مع تحدي بطولي للحرس القومي، بأن حمل احدى العصي التي كانت بجانبه لتعذيبه بها وهجم على الحرس محاولا الهرب من المكتبة لكن محاولته بالتأكيد لم تفلح، وانتقموا منه شر انتقام بمضاعفة تعذيبه.

بعد الانتهاء من التعذيب  يرمون المعذب علينا فيقوم الاخرون بأسعافه قدر المستطاع. كان المعتقلين الافضل صحة يقومون بمساعدة الكثيرين من المعذبين على الوقوف والمشي، فالتعذيب البربري المستمر من تعليق وضرب وكي في مختلف انحاء الجسم تكون سببا في عدم قدرة المعذبين على الوقوف والمشي اعتمادا على انفسهم. وفي احدى المرات استدعي احد المعذبين (اعتقد كان الفلاح كاظم ناصر) للتحقيق معه وتعذيبه مجددا، واخبروه اثناء التحقيق انه معاقب لكونه يسير بمساعدة زملائه في الصالة وامام الشباك المطل على الطريق العام كي يثير استياء الناس وهو في هذه الحالة السيئة. المقصود بالصالة هي صالة المطالعة الوحيدة في بناية المكتبة العامة، وتحولت الى صالة لتجميع المعتقلين الذين يتم استدعائهم من مركز شرطة كربلاء لغرض التحقيق، وكانت الصالة كبيرة قياسا لغرف موقف مركز الشرطة، وكونها صالة مطالعة كانت الأنارة الطبيعية فيها جيدة، حيث يطل احد جوانبها على الطريق من خلال شباك كبير بعرض الصالة ويمكن للمارة اذا ماتوقفوا مشاهدة اشباحا داخل الصالة ولا يمكن معرفة الشخوص بسبب التور المعدني الذي يغطي الشباك. كانت تمر ليالينا في المكتبة ثقال مملة ورهيبة ونحن نرى الرفاق والاصدقاء معرضين الى التعذيب وربما للموت لا لشئ سوى لانهم يؤمنون بمبادئ وافكار غير أفكار حزب البعث العروبية، او يرفضون كشف تنظيمات الحزب والاعتراف على رفاقهم. كان الجميع يعيش تحت ضغط نفسي كبير، ماعدا ثلاثة كانوا مرتاحين هناك بسبب ارتياح الحرس القومي لهم لتعاونهم لحد ما بالتحقيق والتأثير على معنويات الآخرين، حتى ان احدهم تطوع لنا بأنه قادر على الخروج لشراء الهريسة لنا للفطور الصباحي، واحيانا كان يحمل رشاشة يستعيرها من الحرس القومي ويستعرضها امامنا!!. كان بعض البعثيين يعاني من نقص ومرض نفسي وحقد دفين ورغبة في تعذيب المعتقلين ولا يرتاحون اذا لم يشاهدوا عملية تعذيب او يمارسوها. ونقل بعض المعتقلين في المكتبة ان كاظم الفرطوسي، وهو معلم قيادي في حزب البعث في كربلاء، نقل عنه زملائه من الحرس القومي، كيف أنه لم يتمكن من النوم في احدى الليالي لانه لم يعذب أحدا تلك الليلة، فاضطر أن يعود للمكتبه ويستدعي احدا ليشاهد تعذيبه ويصفعه بكفه ليفرغ حقده، بعدها أحسس بالراحة وعاد للبيت ونام مرتاحا!!

استدعي والدي لأكثر من مرة للتحقيق من قبل الحرس القومي، المرة الأولى استدعي لانه جمع تبرعات من بين زملائه المعتقلين لمساعدة بعض المعتقلين من فلاحين وعمال الذين انقطعت عنهم الموارد الاقتصادية. ووجهوا له تهمة جمع هذه التبرعات للحزب الشيوعي!! وانه كلف من الحزب بهذه المهمة!. ولم يتراجعوا من اتهامه والتحقيق معه إلا بعد أن انكشفت لهم تنظيمات الحزب في المدينة وتبين لهم ان والدي لم يكن حزبيا منظما، وان الحزب كان يعتمد عليه كونه وجها اجتماعيا ووطنيا لاغير. وبعد حملات التحقيق والتعذيب التي مارسها الحرس القومي مع الشيوعيين واصدقائهم من المعتقلين لتخييرهم بين الأعتراف وكشف اسرار الحزب او الموت تحت التعذيب مثلما حدث للشهيد عبد الأله الرماحي. كان والدي بحكم تواجده في المكتبة العامة كمركز وحيد للتعذيب، يحتك كثيرا بزملائه المعتقلين من الشيوعيين الحزبيين والاصدقاء ممن تم التحقيق معهم وتعرضوا للتعذيب  ويستمع لهم وهم يقصون عليه اساليب التعذيب وطريقة الحوار معهم، وكان الجميع يكن لوالدي الاحترام ويستمعون الى ملاحظاته ونصائحه. وكان يشد من عزائمهم ويدعوهم الى الحفاظ على اسرار الحزب والصمود امام المحققين وعليهم تحمل التعذيب والصبر. لذلك استدعي للتحقيق معه لأن بعضهم وصل به الضعف فأوشى بالوالد.  فكان الحرس القومي عندما ينتهوا من تعذيب أحدهم يدفعون به الى صالة المكتبة العامة والتي تحولت الى (قاووش) للنوم والمعيشة اليومية، ويقولون له اذهب الى علي الشبيبي ليعلمك الصمود. وآخر استدعاء للوالد كان للتحقيق معه بحضور محقق، وكان التحقيق معه حول مجموعة مقالات كتبها الوالد ونشرها في اتحاد الشعب وصوت الاحرار و14 تموز، وكانت المقالات تتناول الاحداث السياسية والمؤامرات التي كانت تحاك ضد ثورة 14 تموز. وقد ركزوا في التحقيق مع الوالد على عبارات تكررت كثيرا في كتاباته من قبيل، ادانة المؤامرات التي تحاك ضد ثورة 14 تموز وادانة المتآمرين والمطالبة بالأقتصاص منهم، وتوقفوا في احدى مقالاته حيث جاءت فيها عبارة (بعض القوميين والبعثيين المتأمرين غير الشرفاء ....) واتهموه بانه يصف البعثيين والقوميين بالخونة وغير الشرفاء، وتمكن الوالد بما هو معروف عنه بلباقته وتمكنه من اللغة العربية بأن يقنعهم أنه لم يعمم ذلك وانما ذكر المستثنى منهم وهؤلاء الخونة وغير الشرفاء موجودين بين كل  الاحزاب. وهكذا تخلص منهم خاصة ان التحقيق معه تم بحضور محقق قانوني وكان يعرف الوالد شخصيا.

في المكتبة العامة، مقر التحقيق والتعذيب، كانوا يسمحون بالزيارات والطعام وكانت شقيقاتي يتناوبن في احضار الطعام للوالد في المكتبة، وبالرغم ان المكتبة كانت مركز التعذيب الوحيد في كربلاء إلا أنهم كانوا يسمحون بالزيارات واحضار الطعام اكثر مما هو في مركز الشرطة. كان الوالد يعاني من الضغط النفسي بسبب تواجده في مركز التعذيب وهو يرى كيف يعذب الشباب وكيف تحول هذا المركز الحضاري الى مركز للهمجيه والسادية البعثية والتعذيب للشباب، فيفضفض عن همومه ومعاناته بكتابة الشعر على ورق رقيق يحصل عليه من علب السكائر، وقد كتب احدى قصائده يصف فيها حال المكتبه ونزلائها من المعتقلين يقول فيها:

قولي لامك انني اقضي الليالي في عذاب                              

ويحوطني حرس غلاظ في بنادقهم حراب                            

.........                                                

واذا سجى الليل الثقيل كأنه يوم الحساب                              

هوت العصي على جلود الابرياء من الشباب                          

فيعلقون ويجردون من الثياب                                         

والسوط قد خلف اليراع وعنه بالتعبير ناب                            

..........                                               

نيرون عاد بك الزمان لكي تشيع بنا الخراب                         

والحق اكبر من أن يداس وان يمرغ بالتراب

 هذه بعض الابيات ولسوء الذاكرة  نسيت معظم أبياتها وارجو ان يكون الوالد قد دونها في مخطوطاته الشعرية.

في موقف مركز شرطة كربلاء والذي لاتتجاوز مساحته 30م² من ضمنها 1.2م² يحتله حوض وحنفية ماء للإغتسال وحولنا الحوض الى حمام نستحم فيه صيفا لنتبرد بالماء وتنظيف اجسادنا، وقد استحممنا فيه حتى في الشتاء، وكان البعض يتبول في الحوض اضطرارا، وخاصة المصابين بالسكر. كان المتحمم يسحب الستارة التي تحيط بالحوض ليتحمم. لكن الجو العام في الموقف والضغط النفسي الذي يعاني منه معظمنا، جعل الكثير منا يبحث عن النكتة والمزاح حتى وان كانت على حساب زميل آخر، وكان الكل يتقبل ذلك. كان من بين المعتقلين الشيخ صالح هادي، وهو بصير يضع على رأسه الكشيده وهو من عائلة دينية، انتمى للحزب الشيوعي وتعرض للاعتقال في العهد القاسمي وسبق وكنت معتقلا معه أيام الحكم القاسمي، لحيازته على صحيفة طريق الشعب. وكان بعض الزملاء يعجبهم التمادي معه بالمزاح عندما يريد الإستحمام. فما أن يدخل الى وسط الحوض ويسحب الستائر ويبدأ بغسل جسمه والاستحمام، يقوم البعض مازحا معه بكشف الستارة والمزاح معه وهو في وسط الحوض يستنجد بالاخرين لنهي الممازحين، فيغتاض الشيخ ويصرخ ويعاتب ويترجى، ويتكرر هذا المشهد كلما استحم الشيخ، هذا لايعني أن هذا المزاح لايحدث مع الاخرين، ولكن مع الشيخ صالح كانت له نكهة خاصة. لجأ صالح لوالدي لينقذه من هذا المزاح، فأقترح عليه والدي بأن يبادر للأستحمام دون أن يسحب الستارة وأن يتركهم يمزحون معه  بكل حرية وان لا يفقد هدوئه وصبره الى أن يملّوا ويتعبوا، وسوف يتركون عادة المزاح معه لأنها تفقد نكهتها وهي اثارة غضبه. استحسن الشيخ الفكرة ونهض ليختبرها، وسأل هل يوجد من يريد الاستفادة من الحوض، الكل أجاب لا تفضل شيخ، فهم ينتظرون فرصتهم. دخل صالح للحوض دون أن يسحب الستارة وأخذ يخلع ملابسه، فتعالت الاصوات ممزوجة بالضحك تذكره بالستارة، ولم يأبه لملاحظاتهم وطلب منهم مازحا أن يتقربوا منه لمداعبته كما يفعلوا في كل مرة. تفاجأ الجميع وتسابق البعض ليتحقق من جدية الشيخ، وبقي صالح هادئا، وما أن عجزوا عن إثارته حتى عاد كل واحد لفراشه. بعد هذا العرض أستحم صالح بهدوء وهكذا كان في المرات القادمه بحيث كان يستحم مطمئنا بوجود الستارة أو بدونها. كان الشيخ صالح يحاول ان يضفي جو من الضحك والبهجة بين الزملاء، فكلما اراد حلاقة لحيته يستعير مرآة، فيثير استغراب زملائه وتساؤلهم عن حاجته للمرآة وهو البصير! ويحاول  تقليد الاخرين في حركاتهم امام المرآة عند الحلاقة مدعيا انها تساعده في تحديد شاربه ولحيته!!

كانت ظروفنا الحياتية في الموقف قاسية، المعاملة كانت سيئة وللأسف أن المسؤولين في مركز شرطة وأمن كربلاء يتمادون في ضغوطهم علينا إرضاء للقيادات البعثية. كانوا يسمحون لنا بالخروج الى المرافق الصحية مرتين باليوم، صباحا قبل الدوام الرسمي ومساءً بعد انتهاء الدوام. كانت المرافق معزولة عن أبنية مركز الشرطة وتقع بمحاذات السياج الجانبي لمركز الشرطة اي في الساحة الخارجية، ويقتضي الوصول لها السير عبر ممرات المركز وحتى الساحة مسافة (100 – 150) م. وكان خروجنا للمرافق الصحية يعتبر فرصة لنا للقاء عوائلنا ومعارفنا والتحدث معهم وهم ينتظرون خارج مركز الشرطة خلف السياج الخارجي، والذي يبعد عنا مسافة مئة متر تقريبا. كما كنا نعتبر الخروج الى المرافق فسحة لابد منها فالمسافة التي تفصل بين الموقف والمرافق ذهابا وايابا تعتبر بالنسبة لنا فسحة جيدة، إضافة الى خروجنا للهواء الطلق والتمتع بمراقبة حركة الشارع والناس من خلال السياج، و حتى المارة في الطريق المحاذي للمركز يتوقفون ويحيوننا من بعد عبر السياج الحديدي، وهو سياج من قضبان حديدية لايحجب الرؤية. كان الشرطة من الحرس يضغطون علينا للإسراع بينما كنا نتقصد تأخير انفسنا حتى داخل المرافق كي نعطي فسحة مناسبة لتحدث زملاؤنا مع عوائلهم التي تقف خلف السياج، لكن الشرطة المرافقين لنا كانوا يطرقون الأبواب علينا بإستمرار وهم يطالبوننا بالإسراع والخروج، وقد تعودنا على تصرفاتهم هذه ولم نأبه لذلك. وفي أحد الأيام سأل والدي العريف كاظم كريطي وكان دائما فضا معنا، لماذا يتصرف معنا بهذه الفضاضة فأجاب كاظم: استاذ أنا إسمي مكتوب بالتأريخ، ألم تسمع بيَ؟!! فرد عليه الوالد ساخرا، الشمر اللعين ايضا كتب أسمه بالتأريخ. وكان هذا الشرطي من الغباء ولم يفهم معنى ما قاله الوالد فلم ينزعج من الوالد بل تفاخر!

يـتـبـع

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 2/7/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة