ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


 من الذاكـــرة

دماء وشهداء في ساحة السباع
7 / أكتوبر / تشرين الأول / 1968

فائز الحيدر

يعتبر يوم الثلاثون / كانون الأول / 2006 يوما" خالداً في تاريخ الشعب العراقي ، حيث يحتفل شعبنا العراقي بأعـدام طاغية العصر صـدام حسين لما أرتكبه من جـرائم بشعة لا تعد ولا تحصى على مدى أكثر من ثلاثين عاما" تجاه شعبنا بجميع مكوناته وأطيافه ، حيث أعدم وقتل الآلاف من أبنائه البررة خلال حكمه المقيت ، وبأعدامه رسمت الفرحة على شفاه الأمهات الثكالى والأرامل واليتامى ، هذه الفرحة التي تحولت الى حقيقة بعد ان كانت مجرد امنية عوائل جميع الشهداء .
ان نهاية الطاغية صدام كانت محتومة ومتوقعة لأي مجرم و سفاح كبير، وبنفس الوقت يعتبر درسا" جديدا" وعبرة لكل الحكام والطغاة في الوطن العربي ، ولكل مَن يستسخف بمقدرات شعبه و يصادر حريته ، وهذا هو حكم التاريخ الذي لا يرحم مهما تجبر وتكبر الطغاة ، فلا بد وأن ينالوا جـزائهم العــادل .
ولنسلط الضوء هذا اليوم على احدى الجرائم التي ارتكبها الطاغية صدام حسين وهو في بداية وصوله وحزبة للسلطة بعد انقلاب 17ـ 30 / تموز / 1968 وهي واحدة من مئات الجرائم التي أرتكبت بحق فصيل سياسي معروف على الساحة السياسية العراقية هو الحزب الشيوعي العراقي . هذه الجريمة التي لم يتناولها أي من الكتاب والباحثين وما كتب عنها من قبل البعض في حينها لا يزيد عن بضعة سطور .
لقد واجه الشعب العراقي انقلاب 17ـ 30 تموز / 1968 بالقلق وعدم الارتياح ، بسبب التاريخ الدموي لحزب البعث وسيطرته السابقة على مقاليد الحكم إثر انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 ، حاول الأنقلابيون في بيانهم الأول التغطية على الأهداف الحقيقية للأنقلاب وسموه بالأنقلاب الأبيض بعد ان رفعوا شعارات حل القضية الكردية وأقامة النظام الديمقراطي في العراق وتطبيق العدالة الاجتماعية فضلا" عن مساندة القضية الفلسطسنية .
يذكر المرحوم زكي خيري في كتابه صدى السنين ( كان على الحزب ان يمهل البعث هذه المرة بعض الوقت ويضعه على المحك ، حيث اتخذ الحزب موقف التمهل ولم يصغ الى بعض قادته بضرورة رفع شعار اسقاطه كما فعل تجاه الحكومات المتعاقبة ، وقرر الحزب طرح المطاليب الوطنية الديمقراطية الملحة على حكومة الانقلاب التي انفرد بها جناح البكر وصدام حسين بعد انقلاب 30 / تموز / 1968 الذي اطاح برفاقهم عبد الرزاق النايف وعبد الرحمن الداود الذين لعبوا الدور الرئيسي في انقلاب 17 تموز ووضعوا البكر وصدام حسين على سدة الحكم .
وبنفس الوقت كان الحزب مشغولا" وبحاجة الى مهلة لاستعادة انفاسه ولم منظماته التي تحطمت منذ شباط 8 / 1963 واعادة روابطه مع الجماهير ) ( 1 ) .
ولكن مع الأسف لم تمض إلا بضعة شهور حتى تبين الهدف الرئيسي لحزب البعث فأغرق البلاد من جديد بالدماء ، وزج بمئات الوطنيين في غياهب السجون ، ومارسوا ابشع أساليب التعذيب الجسدي والنفسي ضدهم أضافة لعملية الأغتيال المبرمج والدهس بالسيارات للكثير من المناضلين السياسيين وارتكاب العديد من الجرائم ومنها جريمة ساحة السباع التي بقيت طي النسيان ولم يكتب عنها الكثير سواء من قبل الحزب الشيوعي نفسه اوالكتاب والباحثين بأعتبارها أول جريمة قتل متعمد كبيرة ترتكب ضد الحزب الشيوعي العراقي بعد تسلم البعث للسلطة من جديد في تموز / 1968 وتم التخطيط لها مسبقا" لغرض توجيه رسالة للحزب بعدم تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة له .
ويشير الأستاذ عزيز الحاج في سيرته الذاتية الى ( طلبت اللجنة المركزية من السلطة اجازة احتفالا" بذكرى ثورة اكتوبر / تشرين الأول الاشتراكية واقترحت السلطة بحسب ما نشرته صحافتها لا مانع من قيام اجتماع واسع بمشاركة حزب البعث في احدى القاعات ولكن الاقتراح رفض من قبل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وبحسب الرواية الرسمية .... غير ان السلطة وافقت اخيرا" على طلب اللجنة المركزية فتسلمت موافقة رسمية على عقد الاجتماع في ساحة السباع التي شهدت عام 1948 ميلاد الاتحاد العام لطلبة العرق بقيادة الشيوعيين وكانت شعارات الاجتماع مكرسة للتمجيد بالسوفيات والمعسكر الاستراكي والصداقة السوفياتية العراقية )( 2 )

لقد اعتادت القوى الوطنية والمنظمات الديمقراطية والجماهيرية استقبال مناسبة انتصار ثورة اكتوبر الأشتراكية بأحتفالات متنوعة في كافة انحاء العراق لأستلهام العبر والدروس من هذه المناسبة التي يعتز بها الشعب العراقي . ولغرض المساهمة في هذه الفعالية فقد اوعز اتحاد الطالبة العام الى اعضاءه ومؤازريه بالمشاركة في هذا الأحتفال وفي ساحة السباع في يوم 7/ تشرين الأول / 1968 .

لماذا أختيرت ساحة السباع بالذات دون غيرها من الساحات في بغداد ؟؟

ساحة السباع ساحة صغيرة تقع في منطقة عمالية معروفة تتوسطها اربع اسود كل اسد يواجه احد الاتجاهات صنعه خلال الأربعينيات فنان روسي يدعى ألكسندر بمادة الإسمنت بواسطة قوالب جاهزة ، ولهذا سميت بساحة السباع ، يحيط بهذه الساحة سياج حديدي صنعه الحدادين انفسهم مما اعطاه بهجة وجمال التراث العراقي .
يحيط بهذه الساحة العشرات من محلات الحدادة تعلوها شقق سكنية قديمة غالبا" ما يسكنها العمال العاملين بهذه الساحة . اطلق على هذه الساحة بـ ( عاصمة الحدادين ) في بغداد ، ونعني بها ( ساحة السباع ) التي تتوسط شارع الشيخ عمر ، على جانبيها تقع محلات الحدادين وورش عملهم التي تزدحم بمختلف الادوات كالمطارق الثقيلة والخفيفة والكلابات والمقصات و( الجواكيج ) وما اليها من ادوات تستخدم في مهنة الحدادة اليدوية وصناعة الأبواب والشبابيك الحديدية وغيرها .
شهدت هذه الساحة في 14 نيسان / 1948 أنعقاد المؤتمر الطلابي الأول في تأريخ العراق بحضور المئات من ممثلي الطلاب والطالبات واعضاء وممثلي لجان الثانويات والكليات والمعاهد العالية ، ومن كل محافظات البلاد، عربا وكورداً ، تركماناً ، من مسلمين سنة وشيعة، ومن مسيحيين وصابئة وايزيديين، وبحضور العديد من وجوه البلاد السياسية والثقافية والأجتماعية ، وبحماية سواعد العمال الأبطال من عمال وكسبة وفقراء منطقة الشيخ عمر الصناعية وليعلنوا عن تأسيس المنظمة الطلابية المجيدة ( الأتحاد العام لطلبة العراق ) وتغير الأسم بعد ثورة 14 تموز الى ( أتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ) ، التي صار اسمه راية نضالية وتحت هذا الأسم عملت أجيال متعاقبة من أبناء الشعب ودخلوا معترك النضال من اجل حقوق الطلبة والشباب. وافنى المئات شبابهم وهم يعملون تحت رايته في الدفاع عن حقوق الطلبة في التعليم الديمقراطي والحياة الكريمة وضمان الحق في حرية التعبير عن الرأي كما وقدم العشرات من الشهداء خلال مسيرته النضالية .
وصلت التوجيهات من الحزب والمنظمات الديمقراطية بضرورة المساهمة الفعالة لأحياء هذه المناسبة ، ورغم تباين وجهات النظر بين مؤيد ومعارض داخل التنظيم الحزبي والطلابي لهذه الفعالية واهميتها ومكان وتأريخ القيام بها فقد تم تبليغ كافة المنظمات الحزبية والطلابية بضرورة التواجد والأشتراك بهذا التجمع بفعالية ونشاط ظهر يوم 7 / تشرين الأول / 1969 .
العشرات من الشبان والشابات يتوجهون نحو الساحة قبل الموعد المقرر من الشوارع والأزقة المؤدية أليها حاملين لافتات قماش حمراء وأخرى كارتونية بيضاء كتبت عليها شعارات مختلفة تمجد ثورة اكتوبر ، بمرور الوقت بدأ عدد المحتفلين يزداد تدريجيا" والبسمة واضحة على الوجوه ، دقائق عن الموعد المحدد ويبدأ الأحتفال ، سيارة نجدة محملة بالشرطة تصل الساحة اعتقد الجميع انها دورية عادية للشرطة غرضها حماية المحتفلين كما يحدث في العالم المتمدن ، سيارة نجدة أخرى تصل الساحة وثالثة ورابعة حتى تجاوز عددها العشر سيارات ، سيارات مدنية تحمل رجال جهاز حنين التابع لحزب البعث والمتخصص بالقتل والأغتيالات بملابس مدنية لا يعرف عددهم بالضبط ، ولوحظ من بينهم المجرمين المعروفين جبار الكردي وسامي الوادي حيث كانوا المشرفين على العملية بتوجيهات قيادة حزب البعث وهم يعطون الأوامر لرجال الأمن بالأنتشار لأخذ المواقع حول الساحة ومن جميع الأتجاهات ، سيارات النجدة تتحرك يرافقها أعداد من رجال الأمن لغلق الأزقة المؤدية الى الساحة ، لم يتوقع أحد ان السلطة قد خططت مسبقا" لأرتكاب مجزرة تجاه تجمع سلمي لأحياء ذكرى ثورة اكتوبر ولا يمس حزب البعث والسلطة بشئ . عن بعد ترى ماذا يدور في خلد هذه القوة الأمنية الكبيرة غير العادية ، احس الجميع بالخطورة ، تم التشاور مع المنظمين على التجمع بضرورة الأنسحاب التدريجي وألغاء الأحتفال وتجنب الصدام والضحايا المتوقع سقوطهم ، بعض المحتفلين ممن أحسوا بالخطورة تراجعوا للخلف وأتخذوا مواقع أكثر أمنا" بين المحلات ، أصحاب المحلات أغلقوا محلاتهم بعد ان تولد لديهم الأحساس بأن الهجوم قادم لا محالة ، أطفال بعمر الورود يتسلقون سياج الساحة الحديدي ويشاركون المحتفلين ولكنهم لا يدركون ماذا يجري وما هي مناسبة الأحتفال وما تعني ثورة اكتوبر .

ـ رفاق لنعطي التوجيهات بألغاء التجمع ، الوضع والوقت ليس بصالحنا ، انهم يعدون العدة للهجوم .
ـ لا يا رفاق لا يمكننا الأنسحاب الأن ان احتفالنا سلميا" ولا يمس السلطة بشئ سنواصل الأحتفال .
وهنا وفي هذه اللحظة بدأ التصفيق وتعالى الهتاف بثورة أكتوبر ، عاشت ثورة أكتوبر الأشتراكية العظمى ... وبدأ العشرات من المحتفلين المنتشرين في المنطقة يتوجهون للساحة وهم يرفعون الشعارات المختلفة وسط التصفيق الحاد ، دقائق حرجة بطيئة ، العيون متوجهة الى الغربان السود وماذا سيكون ردها ، شبان يرفعون شخصا" على أكتافهم وبدأ يلقي كلمة الأتحاد العام لنقابات العمال بالمناسبة ، لم تمر غير لحظات حتى انهمر الرصاص بكثافة من جميع الأتجاهات بدون سابق أنذار من رجال الآمن والشرطة ، الفزع والفوضى عم المحتفلين والساحة كلها ، المحتفلين يركضون بأتجاهات مختلفة وبشكل عشوائي ، العديد من المحتفلين يسقطون بين قتيل وجريح ، طفل لم يتجاوز العاشرة من العمر يسقط صريعا" برصاصة في الرأس بقي معلقا" على سياج الساحة الحديدي متدليا" نحو الأسفل ، رجال الأمن والشرطة التي اغلقت الأزقة المؤدية للساحة تلقي القبض على كل من وقع بأيديهم وهي تنهال عليهم بالضرب بأعقاب البنادق وتجبرهم على ركوب لوريات الشرطة ، بعضهم تجنب الوقوع بأيدي رجال الأمن فتوجهوا نحو الشقق السكنية المحيطة بالساحة التي فتحت أبوابها لمساعدة الناجين من الموت .
وجدت نفسي مع ثمانية من الشبان محصورين في شقة واحدة متواضعة مطلة على الساحة ، لم يسبق لي ان ألتقيت بأحد منهم من قبل ، أحدهم ينزف من رأسه وقد تلوث قميصه الأبيض بالدماء ، اعتذرت من صاحبة البيت ( زهرة ) وهي شابة في الثلاثين من العمر بدخولنا البيت دون أذنها ورجوتها ان تسمح لنا بالبقاء فترة لغاية أنجلاء الوضع ، بادرتنا وهي تحمل طفلها ذو العامين من العمر على كتفها بقولها .
ـ لا تخافوا من هؤلاء القتلة انا معكم وانتم اخوتي ، لقد قتل البعثيون أخي في 8 شباط 1963 لكونه يحمل افكاركم فانتم اخوتي أيضا" سأدافع عنكم بكل ما استطيع .
نظرت الى جرح زميلنا ويبدو انه ناتج من رصاصة طائشة اصابت جبينه الأيسر واحدثت جرحا" بسيطا" ويحتاج الى مراجعة المستشفى ، لقد كتبت له الحياة بأعجوبة ، جلبت لنا قليل من القطن والكحول لتعقيم الجرح والضغط عليه لوقف النزيف .
نظرت من خلف ستائر نافذة الشقة المطلة على الساحة لتبيان الأمر ، ثلاث سيارات أسعاف تنقل القتلى والجرحى ، بعض الجرحى نقل بسيارات النجدة لا نعرف من هم وما عددهم بالضبط ، رجال الأمن لا زالوا ينتشرون في كل مكان ويغلقون مداخل الساحة وآخرين يداهمون الشقق السكنية بحثا" عن الناجين من الموت . سارعت لأزالت قطرات الدم التي انتشرت على سلم الشقة .
دبت الفوضى وبدأ الأنفعال يظهر على هؤلاء الشباب ، وصل بهم الحال لأتخاذ خطوات متهورة كونهم من الشباب المتحمسين ، بعضهم حاول الخروج من الدار معرضا" نفسه للأعتقال الفوري ، أخرين أخذوا يوجهون كلمات نابية للحزب وقيادته متسائلين ما فائدة هذا التجمع للحزب وهل يتناسب مع الشهداء والجرحى الذين سقطوا اليوم ، البعض منهم صعد لسطح الشقة وهم يحاولون القفز الى البيوت المجاورة عبر السطوح خوفا" من مداهمة الشقة والأعتقال ولكنهم فشلوا لأستحالة ذلك . رجوتهم الهدوء والتصرف بعقل وعدم التهور ، عندها ساد الهدوء والتعقل ، المرأة الطيبة ( زهرة ) تجلب لنا شاي الدارسين وهي تؤكد للجميع ...
ـ أخوتي بس أرتاحوا وما يصير الا خاطركم طيب وأخرجكم بسلام واحد واحد .
واخذت تغادر الدار حاملة طفلها على كتفها وتستطلع الوضع وتعود ألينا بالأخبار ، لا زال رجال الأمن ينتشرون على كل الأرصفة بعد سحب القتلى والجرحى وسيارات النجدة . وفجأة سمعنا طرقا" شديدا" على باب الشقة وهم على وشك اقتحامها وهم يصرخون :
ـ هل دخل شقتكم احدا" من الشيوعيين العملاء ؟؟ أذا رأينا أحدا" سنعتقلكم جميعا" .
لزم الجميع الهدوء التام وكسرت زهرة السكون وهي تجيبه بسرعة .....
ـ لا خوية محد دخل غريب عدنا تعال وشوف بنفسك .
وهم على وشك مداهمة الشقة لعب الحظ دوره هذه المرة لصالحنا حيث جاءت التعليمات من القيادة :
ـ عباس أسحب القوة التابعة لك وتوجه بسرعة لمقر القيادة في السعدون وأتركوا بعض الأفراد للمتابعة .
ـ نعم سيدي .
تنفسنا الصعداء قليلا" ومرت علينا ساعات بطيئة وثقيلة أنتظارا" لغروب الشمس لربما يتغير الوضع ، وأنا أنظر الى قرص الشمس من خلف الستائر وأهمس مع نفسي
ـ أيتها الشمس سارعي في غروبك الى الجهة الأخرى من العالم ففي غروبك نجاتنا جميعا" هيا اسرعي .... ، الوضع في الساحة اصبح هادئ نسبيا" أضافة ما تحمله لنا زهرة من أخبار من خارج الدار ، الساعة تجاوزت الثامنة ليلا" ، بدأ الهدوء يعم المنطقة كلها الا من بعض رجال الأمن المنتشرين في الأزقة ، وهنا كسرت الأخت زهرة السكون قائلة ...بعد عودتها من الخارج :
ـ أخوتي الوضع هادئ ولكن نحتاج الى ساعة ثانية حتى أطمأن عليكم وتخرجون بسلام .
كان علينا اخراج الجريح أولا" مع أحدهم لغرض الذهاب الى المستشفى ، ناولته الأخت زهرة أحد قمصان زوجها لتغيير قميصه المشبع بالدم الجاف ولف رأسه باليشماغ ولبس العقال ليغطي الجرح ، طلبت من زهرة شاكرا" ان تجلب لنا سيارة اجرة الى الباب بحجة مرض ابنها ، تم كل شئ على ما يرام ، بنفس الطريقة تم خروج الأخرين في فترات متباعدة مختلفة حسب حركة رجال الأمن وتواجدهم قرب الشقة وبحجج مختلفة ترافقهم زهرة الى خارج المنطقة الخطرة ، عادت زهرة وهي تبتسم وتقول وصلوا بسلام وتؤكد ان أحد رجال الأمن يقف امام عتبة الباب ويبدو انه لا يود مغادرة مكانه وعليّ التريث قليلا" ، طال أنتظارنا والساعة تشير الى التاسعة والنصف ليلا" ، طلبت مني زهرة ان أغير ملابسي الى ملابس عربية تعود لزوحها للتنكر والخروج معها حاملا" طفلها على كتفي وحاملا" ( زمبيل ) المسواك الذي يحوي ملابسي العادية ونتحدث كأننا عائلة ، رجل الأمن لا زال متوقفا" أمام الدار ونحن نمر من أمامه ونتحدث بهدوء وهو ينظر ألينا دون ان يتحدث بشئ ، كانت الأزقة هادئة نوعا" ما ألا من جولات لسيارة نجدة بين الحين والأخر ، وصلت الى شارع الكفاح بسلام غيرت ملابس وسط عتمة أحد الأزقة وبسرعة وشكرت الأخت الطيبة زهرة على ما فعلته من أجل انقاذنا جميعا" .
عدت للبيت وسط قلق الأهل وخوفهم على حياتي بعد ان سمعوا ما جرى في الساحة من جريمة ولتأخر عودتي الى البيت كالمعتاد . لم أبالي بقلقهم ، تفكيري كله منصب على رفاقنا الشهداء والجرحى .
رفعت سماعة التلفون وأتصلت بسرعة بالرفاق وأنا في غاية الأنفعال لأستطلع الوضع ولمعرفة من هم القتلى والجرحى وأنا أصرخ :
ـ أهذا هو الحزب الي تودون وضعه على المحك كما تقولون رفاق ألم تكتفوا بجرائمهم السابقة ؟ اخبروني كم قتيل وجريح لدينا ؟
ـ هدأ من روعك يا رفيق رجاء ... لحد الأن لدينا ثلاثة شهداء وعدد الجرحى تجاوز الثلاث عشر لحد الأن والأرقام قابلة للتصاعد أضافة الى اثنان واربعون معتقلا" .
ـ أخبرني يا رفيق بسرعة من هم الشهداء لا استطيع الأنتظار ؟
ـ هدأ من روعك يا رفيق أنهم الشهداء.... وليد الخالدي ، عبيد البدر ، أدور عبد النور .
ـ ولكني رأيت طفلا" بريئا" لا يتجاوز العشر سنوات سقط شهيدا" أمام عيني هل عرفتم أسمه ، وهل تمت معرفة اسماء الجرحى ؟
ـ لا يا رفيق لم تصلنا أية معلومات عن اسمائهم علمنا العدد فقط ولم نسمع عن مقتل الطفل .
ـ أهذا الاحتفال وهذه المناسبة تستحق كل هؤلاء الشهداء والجرحى يا رفيق ومن المسؤول عن ذلك ؟؟
ـ أنا معك رفيق سنتحدث في ذلك بالتفصيل لاحقا" ونقيم الحدث !!!
وبعد كل هذه السنين التي تجاوزت 36 عاما" لم يقيم الحدث !!! ولم نعرف من هو المسؤول ولم تعرف مع الأسف اسماء غالبية الجرحى واسم الطفل الشهيد ولم يذكر عنه اي شئ من قبل كل من كتب عن الحادثة . أنها جزء من معاناة الطفولة العراقية البائسة !! .
بعد كل ما حصل وبعد كل هذه السنين فالجميع يحتاج الى وقفة جريئة لتقييم الحال والنقد الموضوعي للحدث وبالتالي من المسؤول ؟ ؟... من المسؤول ؟؟؟؟

بعد مرور عدة اشهر زرت مع بعض الأصدقاء بيت الأخت البطلة زهرة وألتقينا مع زوجها حاملين معنا رسالة شكر مع باقة من الورد من الحزب وبعض الهدايا لطفلها لما قدمته من مساعدة لرفاق الحزب .


(1) زكي خيري / صدى السنين في كتابات شيوعي مخضرم
الموقف من انقلاب 17 / تموز /1968 / الفصل 87 ، صفحة 300 ، نشر مركز الحرف العربي / طبعة 2 / 1996
(2) عزيز الحاج / شهادة للتاريخ / اوراق في السيرة الذاتية والسياسية / صفحة 301 ، مجزرة ساحة السباع ، مؤسسة الرافد ، باريس / نيسان 2002

كـــندا / تشرين الأول / 2007

الثلاثاء 2/10/ 2007

| أرشيف الذكريات  |