ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(3)

 

جليل حسون عاصي

(7)
على الرغم من تفوقي بالدراسة الا ان ميلي للعمل الحر أكثر بكثير منه إلى الدراسة ,وبعد أكمالي المرحلة الابتدائية والتهيؤ لدخول المرحلة المتوسطة رفض أخي الكبير رسول التحاقي بثانوية الحي وخيرني بين أمرين اما الدراسة في ثانوية الكوت وعلى نفقة القسم الداخلي او ترك الدراسة والانصراف للعمل الخاص لان من الصعب التوفيق بين الدراسة والعمل في هذه المرحلة. امتثلت للأمر مرغماً ، فلابد من تنفيذ قرار العائلة بغض النظر عن قناعتي ، هيئ أخي الأوراق المطلوبة (الوثيقة المدرسية ، هوية الاحوال المدنية) وحرر لي طلباً موجه الى مدير معارف الكوت حول قبولي طالباً في الصف الاول المتوسط وعلى نفقة القسم الداخلي. بأعتباري من أبناء الريف ، ولايوجد في المنطقة متوسطة او اعدادية ، وأعدَّ ملفاً خاصاً بجميع الوثائق وتقرر سفري برفقة الوالد الى الكوت .
لم أتمكن من النوم في تلك الليلة كعادتي ، رغم ان الجو كان معتدلا والهواء عليلا فقد حل شهر ايلول المعروف بلياليه الجميلة وجوه المعتدل وانتهى شهر آب وحرارته الشديدة ، كنت قلقا" لا ادري ماذا يخبئ لي القدر في الايام القادمة ، وبقيت أتقلب في فراشي يميناً ويساراً دون ان استقر على حالة معينة ، رفعت رأسي من الوسادة وقعت عيناي على وجه والدي الذي كان ينام قريباً مني ، لم أألف طيلة حياتي هذه الجاذبية وهذا البريق الذي عكسه ضوء القمر على بشرته السمراء لدرجة أنها أصبحت أقرب الى اللون الوردي منها الى السمرة.
وبانت بشكل واضح الدائرة السوداء التي انطبعت على جبهته العريضة من أثر السجود. وبدا لي اكثر وقاراً وأنا أطيل النظر الى لحيته التي يعتني بها كثيراً والى شارباه وحاجباه السوداوان، ومما أثار أستغرابي القوة الكامنة في هذا الجسم الممدد أمامي والتي تنبض كل خلية فيه بالرجولة والشجاعة. رغم ان غذائه لا يتعدى في افضل الحالات قرصين من خبز الشعير يوميا ، او قطعتين من التمر الديري .
رفعت رأسي الى السماء ولسان حالي يقول رفقاً ايتها السماء بهذا الرجل ، وجالت في خاطري أسئلة كثيرة وأنا أتطلع الى القمر وحركة النجوم لماذا نعيش في فقر مدقع ؟ ورب العائلة يصوم ثلاثة أشهر متتالية في كل عام ( رجب ، شعبان ، رمضان) ويتجه جميع افراد العائلة نحو القبلة لأداء صلاة المغرب والعشاء. وهل حقاً ما تقوله والدتي ان الله يمتحن عباده الصالحين !!.
شعرت بألم في عيني دعكتها بيدي ، أدرت وجهي صوب العائلة ، أستعرضت وجوههم واحداً واحداً وكأني أودعهم ، وسمعت انفاسهم كأنها ترن في أذني ، بل وسمعت أجترار الماعز التي كانت هي الاخرى تنام قريبة من العائلة حاولت ان أوقظ جدتي من النوم للحصول على سكارة منها فهي التي عودتني على هذه العادة السيئة بسبب من جهلها لانها كانت تعتقد أن سبب اصفرار وجهي يعود لإصابتي بمرض ابتكرته هي واسمته ( مرض السفرة ) وعلاجه التدخين لهذا كانت تدعوني لمشاركتها في تدخين السكاير عندما أكون قريبا منها رغم التحذيرات الكثيرة التي وجهت لها . تراجعت أخيرا عن إيقاظها لأنها سليطة اللسان وربما تخلق لي مشكلة لا داعي لها ، او تشغلني بالحديث عن حياتها الخاصة التي سردتها لي عشرات المرات بدون زيادة او نقصان لأنها على ما يبدوا صحيحة لا شائبة عليها والتي تدور حول والدها الذي كان من الفلاحين الأغنياء ممن يملكون قطعان من الغنم والماعز والبقر وخزينا من الحبوب فضلا عن مبلغ من المال في وقت تفتقر فيه كل العوائل تقريبا إلى النقود وتدعي انه يحبها حبا كبيرا ويشتري لها أحسن الثياب وأغلاها وانه فخور بها لان جميع شباب القرية يتحدثون عن جمالها وكمالها وعفتها،ويستقبل بفرح غأمر وجوه القوم الذين يتقدمون لطلب يدها، وتدعي انها اختارت من بين هؤلاء جدي ، لانه من احسن شباب العشيرة واشجعهم وبسببه لا يستطيع أي كان ان يمس العشيرة بسوء فقد كان يترأس مجموعة من الشباب تقوم بسلب القوافل المحملة بالبضائع وغالبا ما يعود من غزواته إلى البيت وقت الفجر هو و جماعته محملا" بمختلف الحاجيات , و في الصباح يقوم بتوزيع البعض منها على أقربائه و معارفه و في ليلة سوداء توجه صوب مدينة الحي ، لسرقة أحد التجار الكبار فيها ، شعر به الحرس التركي الذي كان يتحين الفرص للايقاع به ، وبعد مقابلة وقعت بين الطرفين تمكن الحرس التركي من قتله بعد مطاردته كثيرا وهو في ريعان شبابه لذلك ظلت تعيش على ذكراه وقررت عدم الارتباط برجل آخر رغم كثرة الرجال الذين تقدموا لطلب يدها بعد ترملها ، والإلحاح المستمر من قبل ذويها على الزواج ، لانها ترملت وهي ابنة العشرين عاما وتحتفظ بجمالها ونضارتها وتتفاخر بنفسها لأنها نذرت نفسها لتربية أطفالها وسهرت عليهم إلى أن أصبحوا رجالا . تفتخر وتعتز بهم وحافظت على عفتها وكرامتها لهذا نجدها تردد عبارة ( أنا أم حسون بيضة مكشرة ) اعتزازا بنفسها ، ولم تتحرج حتى عن سرد خصوصياتها مع زوجها التي كانت تحبه حبا كبيرا ، وبقيت طيلة حياتها تهتم بنفسها وملبسها .
وبدون مقدمات استسلمت للنوم ، نهضت فزعا عندما أيقظني والدي صباحا طالباً مني التهيؤ للسفر غسلت وجهي ونزعت دشداشتي ووضعتها في صرة إلى جانب حاجياتي الأخرى التي هيئتها منذ المساء، ارتديت قميصا وسروالا اشتريته من محلات بيع الألبسة المستعملة ( اللنكة ) في حين ذهب والدي إلى محرابه لإقامة صلاة الفجر ، جلست إلى جانبه استمع إليه منتظرا إكماله للصلاة ، اطال والدي الصلاة كعادته دائما فهو يؤدي الزيارة بعد الانتهاء من اداء فريضة الصلاة، فتراه ينحرف عن القبلة قليلا باتجاه الغرب ويرفع كلتا يديه إلى السماء ، ويبدأ بتمتمة الأدعية بعدها يتجه نحو الشمال ويعمل الشيء نفسه جنوبا، واستمر على هذا المنوال عندما اتجه نحو الشرق وهذا ما يعرف بزيارة ألائمة المعصومين (ع)، بعدها أشار لي بالتحرك واستمر في قراءة الأدعية ونحن في طريقنا إلى محطة السيارات ، كانت المحطة غير بعيدة عن البيت يفصل بينها وبين البيت جدول يسمى(السايبة) لسقي المزارع العائدة إلى الإقطاعيين من( آل ياسين) فضلا عن فائدتها في الحد من توسع المدينة شمالا على حساب الأراضي التي استحوذ الإقطاعيون عليها ، وصلنا إلى المحطة ، ووجدنا فيها باصاً من الخشب ، يقف إلى جانبه رجل ضخم الجسم، ذو رأس كبير ، اشعث الشعر، ووجه غير حليق، ، يرتدي دشداشه تغير لونها لكثرة البقع السوداء المنتشرة عليها، يضع السكارة في فمه لحين انتهائها ، ويخرج الدخان من منخريه على شكل عمود يدعى (شبيب حنية) نسبة إلى والدته .وهي أمرأة كبيرة دخلت بالعمرين كما يقول عنها لذلك يتعامل معها بكل أريحية مهما كانت الإساءة التي توجهها له .يجيد النكتة بل ويتفنن بها ويقذفها يمينا" وشمالا" على طول الطريق .وله مقالب كثيرة يعرفها جميع أبناء المدينة ممن عاصروه .
ينادي بين لحظة واخرى بصوت اجش كوت ـ كوت ـ مستعجل كوت ، تصاحبها تعليقات بعض الجالسين في مقهى المحطة وأكشاك بيع الكعك والسكاير ، جلسنا في الباص لحين وصول الركاب تباعا ، بدأ الركاب يضغطون على السائق بالتحرك رغم عدم اكتمال العدد المطلوب بحجة وجود ركاب في الطريق ، انصاع السائق إلى ضغوطهم ، تحركت السيارة ، كانت تسير ببطئ شديد ، وقفت بعد فترة قصيرة من انطلاقها قرب نهر صغير ،نزل السائق وبيده علبة من الصفيح ملأها من ماء النهر واخذ بتبريد ( الراديتر ) وسط تعليقات الجميع بان السيارة (عطشت) والسائق يؤيدهم فيما يقولون بل أكثر من هذا فهو يشجعهم على التعليق بقوله ( عطشت المطيه)، وبعد ان تحركت عدة كيلو مترات ظهر في الطريق رجال يلوحون للسيارة وبعد أن اتخذوا مقاعدهم فيها استفسر احدهم عن قيمة الأجرة ، أجابه السائق ( حالك حال النسوان ) ضج الجميع بالضحك . وما ان سارت مسافة أخرى حتى لوح لها عدد من الأعراب يمسك احدهم بعجل صغير ينوي بيعه في السوق ، صعد الجميع إلى السيارة ومعهم العجل ، علق السائق قائلا ( حط العجل يم اخوتة ) وهنا ضج الجميع بالضحك مرة أخرى وبعد ان احتلت جميع مقاعد السيارة بدأ صعودهم على سطحها ، توقف الباص بإشارة من شرطي المرور الذي ينظم العبور على سده الكوت وأصبحنا وجها لوجه أمام هذا البناء الشامخ لمحت قطعة مكتوب عليها ( سدة الكوت وتاريخ تشييدها ) قلت في نفسي هذه هي سدة الكوت المقامة على نهر دجلة التي جاء ذكرها في درس الجغرافية ضمن موضوع المشاريع المنجزة .
وما أن وصل الباص إلى الجانب الثاني من السد والاتجاه نحو الشارع الرئيسي المحاذي للنهر طلب والدي من السائق التوقف والاستئذان بالنزول تلاحقه الدعوات بالنجاح والسلامة من قبل السائق ، وقفنا في الشارع فترة قصيرة للتأكد من الطريق الذي نسلكه ، للوصول إلى مديرية معارف الكوت وهي بناية كبيرة وجميلة ، عند الدخول إليها تجابهك أشجار الكالبتوس والحمضيات ومن خلال ممر يوصلك إلى داخل البناية التي تتكون من عدد كبير من الغرف ، توجهنا مباشرة الى غرفة المدير ، تعرفنا عليها من خلال اللوحة المرفوعة على واجهتها وبعد الاستئذان من المستخدم دخلنا عليه ، فقدم والدي له الأوراق مع الطلب مشفوعة ببعض الكلمات والآيات القرآنية . وافق المدير على الطلب توجهنا مباشرة إلى القسم الداخلي ، والتقينا مدير القسم الذي أدخل اسمي في سجلاته ,بعدها أرشدنا المدير بالتوجه إلى ثانوية الكوت . قدمنا الأمر الإداري إلى مدير الثانوية اخبرنا بدوره على الالتحاق بالدوام غدا .
خرج والدي من الثانوية منشرحا يكاد يطير من الفرح لأنه حقق الغرض الذي جاء من اجله ، ورفع رأسه إلى السماء مبتهلا إلى الله ألعلي القدير الذي سهل علينا هذه المهمة. اتجه إلى السوق الكبير وكانت صلاة الظهر قد حل أوانها ، طلب مني الجلوس في أحدى المقاهي وذهب إلى جامع قريب من المقهى لأداء الفريضة التي حرص طوال حياته على أدائها في وقتها المحدد.
جلست في المقهى ، وطلبت من العامل ان يؤخر تقديم قدح الشاي لحين وصول والدي ، استجاب العامل لذلك ، انسجمت في بادئ الأمر مع الصوت الشجي الذي يؤديه احد المطربين الريفيين المسجل على اسطوانة تنبعث من ألما يكرفون الموجود في المقهى .
وعلى الرغم من شغفي وحبي لهذا اللون من الغناء الا ان الحوار الذي دار بين والدي و مدير المعارف هزني من الأعماق ، كيف سمح هذا الرجل التقي الورع لنفسه ان يتحدث بغير الحقيقة!! لماذا قال للمدير أننا نسكن في ريف بعيد عن المدينة ولا توجد واسطة لنقله للمدرسة يومياً ، وليس بمقدورنا تحمل نفقاته أذا عاش في المدينة ، هل ان كرامته منعته من البوح بالحقيقة؟ لماذا لا يقول له ان التلميذ الواقف أمامك يعاني من سوء التغذية ؟ ولم يأكل في حياته وجبة فطور واحدة لان هذه الوجبة ملغية من حياة العائلة ، وانه يعمل خلال أيام الجمع والعطل من اجل شراء ما يحتاجه من لوازم مدرسية .اما كان الأجدر به ان يقول كل هذا بدلا من اللف والدوران ؟ أليس هو الذي يحدثنا باستمرار على ان الفقر ليس عيبا وانما العيب في ان يسلك الإنسان طريق الرذيلة ، لماذا الآن اعتبر الفقر عيباً اجتماعياً ؟.
وصل والدي إلى المقهى بعد أداء صلاته وفي يده رقية صغيرة وعدد من أرغفة الخبز جلب صاحب المقهى ( صينية وسكين ) التهمنا الرقي والخبز بتلذذ وشربنا اقداح الشاي عندها قربت ساعة الوداع تكلم الوالد وهو يداعب شعر رأسي، كانت كلماته تنحصر بين التشجيع ورفع المعنوية والطمأنينة ، تدخل صاحب المقهى وهو رجل كبير السن ضخم الجسم يتعثر في مشيته ، بسبب ضعف بصره يرتدي دشداشة ، يرفع كرشه الكبير بحزام عريض ويضع على رأسه الكوفية والعقال جلس إلى جانبنا لان المقهى كانت فارغة بدافع حب الاستطلاع شرح والدي وضعنا والمهمة التي جئنا من أجلها ، تأثر الرجل كثيراً وألهبت مشاعره حالة الوداع التي كنا نعيشها . أخذ بيدي وقال ( من الآن فصاعداً سأكون بمقام والدك ، وعليك أن تأتي يومياً الى المقهى . وأخباري عن كل ما تحتاجه وعن المشاكل التي تواجهك لكي اساعدك في حلها ) . شكرهُ والدي على موقفه ودعا له بالتوفيق . غادرنا المقهى بعد ان ودعنا هذا الرجل الطيب . وفي الطريق دس والدي في جيبي مبلغ قدره (250) فلساً وأخذ طريقه الى محطة السيارات عائداً الى أهله وهو مكسور الجناح . في حين بقيت أنا واقفاً لفترة قصيرة وعيناي تتابعه ولم اتحرك الا بعد ان غاب عني في الزحام.

(8)
تحركت بخطوات ثقيلة بعد ان أفقت من حالة الشرود التي انتابتني ساعة الوداع ، وانا في طريقي إلى القسم الداخلي ، قلت في نفسي الآن بقيت وحيدا في هذه المدينة الواسعة ، وعزائي الوحيد ان لي فيها شخصين يمكن اللجوء إليهما وقت الشدة السائق و صاحب المقهى. والاهم من كل هذا يجب الاعتماد على نفسي من الان فصاعدا فانا لست بالطفل المدلل ، الذي تخيفه الحياة فقد عشت حياة شاقة وتعرضت إلى صعوبات كبيرة وكثيرة ولم استسلم أمامها فقد عانيت من غائلة الجوع ولم اطلع احد على سري ولم اضعف امام كسرة الخبز عندما تكون في بيت جار ، او بيد صديق ، وواجهت صعوبات العمل وتحملت من جراء ذلك مصاعب جمة ، ولم انس ابدا ذلك اليوم الذي هربت فيه معزة من القطيع ، طاردتها لعدة ساعات إلى ان اعدتها إلى القطيع ، ولم تخيفني ظلمة الليل ولا الوحوش و الافاعي التي تجوب البستان عن القيام بواجبي ولكن الشيء الذي يقلقني هو كيفية التعامل مع الآخرين الذي لم اتعرف عليهم من قبل وخوفي من تكرار التجربة المريرة التي عشتها مع احد أصدقاء الطفولة الذي ابتعدت عنه ، لان هذا الصديق يأخذ من أهله يوميا قطعة نقدية يشتري بها الحلوى من حانوت المدرسة ويقدم لي بعض منها في حين انا لا استطيع مجاراته بالمثل لذلك فضلت الابتعاد عنه وعليه لابد من التخلص من هذه العقدة والتعامل بشكل أعتيادي مع الآخرين .
تحسست جيبي وانا في طريقي إلى القسم الداخلي للاطمئنان على الكنز الكبير الذي فيه فلابد من الحفاظ عليه والتصرف به بشكل عقلاني ، لفترة لا اعرف كم تطول . وجدت نفسي أمام باب القسم الداخلي دون ان اشعر بالمسافة التي قطعتها .وبعد أن عرفتُ المكان المخصص لي جلست على سريري الخاص استغربت من حال الدنيا التي حولتني بين لحظة واخرى إلى شخص اقتني كل هذه الحاجيات فضلا عن شراكتي بحصة قدرها ربع هذه الغرفة باعتباري واحداًَ من اربعة ممن يعيشون فيها، انها جميلة بل وجميلة جدا، على الاقل بالنسبة لي، فجدرانها وسقفها مطلي بالجص الأبيض وارضيتها مرصوفة بالكاشي وفيها شباك للتهوية وباب من الخشب يغلق ويفتح حسب الحاجة ومما يزيدها جمالا وبهجة المصباح الكهربائي المثبت على جدار الغرفة والمروحة المعلقة في وسطها تمنيت ان تسكن عائلتي في غرفة مشابهة لها، بدل غرفتهم المبنية من اللبن والمطلية بمزيج من الطين والتبن ، ولم ترصف ارضيتها باي مادة ، خالية من شباك للتهوية واستعيض عن الباب بكيس من الجنفاص،اما سقفها فقد شيد من الأعمدة الخشبية التي تعرف بـ(القوق) والحصران .وتحول لونها بمرور الزمن إلى قطعة سوداء بسبب الدخان المتصاعد من النار التي هي وسيلة التدفئة الوحيدة في فصل الشتاء وان وجد غيرها فهو محدود جدا ومقتصر على العوائل الميسورة ومن الدخان المتصاعد من قنينة النفط التي تستخدم للإضاءة .لان الغالبية العظمى من بيوت المدينة وحتى الطرق العامة تفتقر إلى الكهرباء ، وبينما انا منشغل مع نفسي بالمقارنة بين الحالتين. دخل علي ثلاثة من الطلبة ظهر انهم شركائي في الغرفة ، جلس كل منهم على سريره الخاص ، وبعد السؤال والجواب تبين ان اثنين منهم من ناحية( جصان) وثالث من ناحية( الزبيدية) حّز في نفسي ان ارى الطلبة هنا على شكل جماعات فهؤلاء هم أبناء الدجيلة وأولئك جماعة جصان ، وفي الجناح الأيمن جماعة العزيزية وإلى جوارنا طلبه من ناحية الزبيدية فاين هم جماعتي ولأي منهم انتسب ، ورغم كل هذا ، فان الحياة في القسم الداخلي تعتبر نموذجيه بالنسبة لنا نحن الفقراء والمعوزين فهي أشبه ( بحياة الملوك ) فالأكل يقدم لنا بمعدل ثلاث وجبات يوميا من الدرجة الاولى وفق جدول يعلق أسبوعيا في لوحة الإعلانات يشارك في إعداده ممثل عن الطلبة ويشرف احد الطلاب يوميا وبشكل دوري على استلام المواد الغذائية من المتعهد ، و ملاحظة عمل الطباخين ونظافة الطعام والحفاظ عليه من التلاعب ، ويقتني كل طالب سرير حديدي مجهز بالافرشة والأغطية و يمتلك خزان لحفظ حاجياته. وتسلم ادارة القسم مبلغ من المال قــــدره( 150 ) فلسا. لكل طالب شهريا عن تكاليف الحلاقة وصابون الغسيل، والعيش في مكان نظيف تتوفر فيه كل المستلزمات الخدمية كالماء والكهرباء وغيرها .الا ان (الفقر فقر كما يقال) فالظاهر ان معدتي تعودت على نوع معين من الأطعمة التي اعتادت عليها من قبل دون الأنواع الأخرى لأنها غريبة عليها فقد عانيت سنين طويلة من آلام حادة في المعدة، وانحسرت كمية الطعام التي أتناولها بمعدل نصف الكمية التي يتناولها الإنسان الاعتيادي، وكانت سلوتي الوحيدة في مثل هذا الظرف الانصراف للقراءة وتحضير دروسي وانجاز واجباتي المدرسية بشكل جيد ، فقد اعتدت النهوض صباح كل يوم مبكرا والخروج من القسم الداخلي والسير بخطى بطيئة في الشوارع النظيفة الواسعة الخالية من المارة الا من نسيم الصباح المنعش وزقزقة العصافير التي تتنقل بين أشجار الكالبتوس المتراصة على جانبي الشوارع وعلى صوت هدير الماء المنبعث من بوابات سدة الكوت ، ومنظر الأسماك المتجمعة بكميات كبيرة تمارس هوايتها في التحرك عكس التيار ، في مثل هذه الأجواء كان استيعاب المادة عند القراءة أفضل بكثير من أي مكان ووقت اخر لذلك واصلت ممارستها بشكل مستمر وبدون انقطاع وفي احد الأيام لاحظت أوراق عديدة ملقاة في الشارع التقطت واحدة منها بدافع حب الاطلاع ثم ثانية فثالثة، كانت الأوراق الثلاثة تحمل نفس المضمون طويتها بشكل جيد ووضعتها في جيبي وانصرفت للقراءة .
وفي عصر نفس اليوم قرأت واحدة منها ، أستغربت منها لأنها تتحدث عن أمور أجهلها تماماً ولم اعرف عنها شيئاً باستثناء كلمة واحدة هي (الإقطاع) ، لقد جلبت هذه الكلمة انتباهي لانها تعني بالنسبة لي ولعائلتي البؤس والشقاء ، فقد سمعت الكثير من عائلتي ومن الفلاحين الذين يترددون علينا بين فترة وأخرى الكثير عن الأساليب الوحشية التي يتبعونها ، كالاستحواذ على اكثر من ثلاثة أرباع الحاصلات الزراعية وعن أعمال السخرة والاعتداء بالضرب والسجن وقتل الحيوانات وحتى الاعتداء على الإعراض ،ولم اسلم انا شخصيا من أهانتهم فقد اعتدى علي احد أزلامهم بالضرب وأخذ الفأس والصفيحة العائدة لي عندما حاولت ملئها بالتراب من الأرض الواقعة خارج السور الذي أحاطوا به المدينة من جهة الشرق دون مراعاة لصغر سني لذلك احتفظت بالأوراق الثلاثة التي تبين فيما بعد انها ( بيانات الحزب الشيوعي العراقي ) لأقرأها بعد تحضير دروسي والتعرف على ما فيها .
وفي احد المرات لمحها عندي احد الطلاب حذرني من قراءتها والاحتفاظ بها ، لانها ستؤدي بي إلى السجن ، لم اصدق كلامه في بداية الأمر وتصورته من باب النصب والسخرية مستغلا كوني إنسان فقير ووحيد وضعيف ، ولم أقتنع الا بعد ان أتصل بي احد طلبة الصف الرابع الاعدادي المدعو( علي). الذي تبين لي فيما بعد انه رئيس اللجنة الاتحادية لطلبة القسم الداخلي ،وأخبرني عن مصدر هذه البيانات والغرض من صدورها وعن التبِعات التي تترتب على الشخص في حالة العثور عليها عنده من قبل الاجهزة الأمنية وبالمقابل ثمن قراءتي لها واحتفاظي بها على أن تكون في أماكن أمينة، ووعدني بتزويدي بكل ما يصدر من بيانات مستقبلاً، وفعلا برّ(علي) بوعده . وأطلعني على أمور كثيرة لم اكن اعرف عنها أي شيء وقدم لي مساعدات كثيرة مادية ومعنوية لا تقدر بثمن وضمني اخيرا إلى إحدى التنظيمات الطلابية و مما اتذكره في هذا الجانب انه قدم لي مبلغا" قدره (50) فلسا" لأني فقير و يشعر بحاجتي للفلس الواحد . لم استلمها منه في بداية الأمر ، و ظنّنت به ظن السوء ، الا اني استلمتها أخيراً"، بعد ان عرفت اسباب و دوافع هذا العمل . كما قدم ايضا" مبلغا" بنفس المقدار إلى زميلي الوحيد المدعو (مالك عطوف) من اهالي جصان و الذي جمعتنا سوية" حياة الفاقة و العوز، وصادف بعد فترة قصيرة من هذه الواقعة اندلاع انتفاضة تشرين المجيدة عام 1952 والتي أكدت الدراسات ان اندلاعها يعود [لأسباب داخلية وعربية وعالمية فقد كان عام 1952 عاما زاخرا بالاحداث ، ففي شهر تموز من هذا العام سقط (الملك فاروق) في مصر مما جعل الاقلية المتمتعة بالسلطة في العراق تشعر وكأن الارض بدأت تهتز تحت اقدامها ولجأت إلى التشدد للحفاظ على نفسها وبالمقابل كان لهذا الحدث تأثيره الايجابي على الحركة الوطنية في العراق خاصة بعد ان شخصت الاخطاء التي ادت إلى سقوط (الوثبة عام 1948) وعدم تحقيق اهدافها كاملة ، باستثناء إلغاء معاهدة (بورتسموث) سيئة الصيت والتي تتلخص في الخلافات بين فصائل الحركة الوطنية ، و لهذا بدأت بالتقارب التدريجي فيما بينها مستفيدة من أخطائها السابقة، تمخضت بالنتيجة عن عقد اجتماع ضم ممثلي أحزاب اليمين واليسار ، وتوصل إلى تشكيل ( لجنة اتصال ) الهدف منها تسهيل تبادل وجهات النظر وتأمين الانسجام في العمل وبعد اخذ ورد بين ممثلي هذه اللجنة والوصي الذي كان ولياً للعهد في ذلك الوقت و من خلال عدة اجتماعات عقدت في البلاط الملكي ، اتضح اخيرا انها مجرد اضاعة للوقت لا اكثر ، عندها انطلق الجميع بتعليق اللافتات في اجزاء مختلفة من بغداد تتضمن مطاليب الشعب السياسية والاقتصادية ، بعدها بدأ طلاب الكليات الإضراب و معهم الأحزاب اولا واندفع العمال والحرفيون والكسبة والمثقفون وباعة الارصفة إلى الشوارع مطالبين بسقوط الوصي والخروج الانكلو ـ أمريكي من البلاد ، واصطدمت الشرطة بهذه الجموع وحصل صدام بينهم ذهب ضحيته عدد من القتلى والجرحى ، لم يهدأ الغليان بعد الجولة الاولى وانما تصاعد اكثر فاكثر ففي يوم 23 تشرين الثاني هجمت الجماهير على مخفر الشرطة في قمبر علي وهي تهتف ( نريد الخبز لا الرصاص ) واحتلوا مخفر شرطة باب الشيخ واحراقه و احراق مكتبة (مكتب المعلومات الأمريكي ) مما حدى بالحكومة إلى استدعاء الجيش على عجل وتكليف رئيس الاركان (نوري الدين محمود) بتشكيل حكومة اعلنت على الفور فرض الاحكام العرفية الا ان المظاهرات لم تهدأ الا بعد ان فتحت قوات الشرطة النار على المتظاهرين والذي كانت حصيلته ثمانية عشر قتيلا واربعة وثمانون جرحى واعتـقال 2041 بشكل مؤقت سجن منهم 958 شخصا] .
كانت أنتفاضة تشرين 1952 الممارسة الاولى اتي غيرت مجرى حياتي ، فالانتفاضة لم تقتصر على بغداد وحدها ، وأنما شملت أغلب مدن العراق . ومنها مدينة الكوت فقد كان الاتفاق حسب ما عرفنا لاحقاً أن تنطلق المظاهرة من ثانوية الكوت ، ويلتحق بها أبناء المدينة ففي بداية الحصة الثانية صباحاً دخل حينها الطالب (محمد حسين هاتة) شعبة الصف الاول (ب) التي كنت فيها ، أستأذن من مدرس المادة وطلب من الطلبة الخروج من الصف للمشاركة في المظاهرة ، وبعد أن شجع الطلبة وألقى عليهم بعض الكلمات الحماسية هتف داخل الصف (يسقط الاستعمار)، لم يجب الطلبة بشيء لأنهم لم يألفوا مثل هذه الحالة من قبل . ومع هذا غادر الاستاذ الصف وتبعه الطلبة يتدافعون لمعرفة ما يحدث . لم يتمكن المتظاهرين من الخروج الى الشارع ، لأن الشرطة المتواجدين في معاونية شرطة البلدة المجاورة للثانوية بالتعاون مع أزلام الإقطاعيين قطعوا الطريق عليهم. وأخذوا يطلقون العيارات النارية بكثافة في الهواء. أستمر الطلبة بترديد الهتافات داخل المدرسة بين يسقط ويعيش وكم مرة رددنا يعيش بدل يسقط وبالعكس . لجهلنا بهذه الشعارات والعمل السياسي عموماً. وكرد فعل على اطلاق الشرطة للرصاص صعد الطلبة فوق سطح المدرسة ورشقوهم بالحجارة ، بذل مدير الثانوية الاستاذ (عبد الحليم الكَيم) وهو شخصية وطنية من عائلة معروفة من اهالي الحلة دورا كبيرا في تهدئة الموقف فهو من جانب يتجول بين الطلبة طالبا منهم الهدوء والنزول من سطح المدرسة حفاظا على حياتهم . ومن جانب اخر يطالب قائد الشرطة بايقاف اطلاق النار إلى ان تكللت جهوده بالنجاح فقد استطاع ان يقنع الطلاب بالتوقف عن الهتافات والخروج من المدرسة مقابل عدم تعرض الشرطة لهم ، تجمع طلبة القسم الداخلي في بنايتهم يستفسر بعضهم من البعض الآخر عن احداث اليوم والغرض منها , وأخيرا شرح لهم رئيس اللجنة الاتحادية الأسباب التي أدت إلى قيام هذه المظاهرات التي أطلق عليها (انتفاضة تشرين) في عموم البلاد والمطاليب التي طرحتها الانتفاضة .

يتبع


¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الثلاثاء 2/1/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة