ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني



كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.


أوراق توما توماس
( 40 )



المفاوضات مع السلطة ودور الجبهة الكردستانية
كما اشرت سابقا ، ففي اذار 1991 وصل مكرم الطالباني الى اربيل المحررة للتو من سيطرة السلطة، حيث التقى مع مسعود البارزاني ونوشيروان مصطفى عضو قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، وقدم لهما مقترحات السلطة للبدء بالحوار. وعلى الرغم من موافقة الحزبين على مبدأ الحوار، الا ان قوات السلطة واصلت تقدمها وتمكنت في النهاية من اعادة سيطرتها على معظم مناطق كردستان العراق. وتحول موقف الحكومة التفاوضي من موقف الضعف الى موقف القوة. وأصبحت القوى الكردية في موقف الضعف والاحباط .
كان موقف حزبنا من المفاوضات واضحا منذ البداية ، حيث اكدت قيادة الحزب على الدوام انها ليست ضد مبدأ المفاوضات بحد ذاته ، بل معها ولكن على ضوء الظروف المناسبة لاجرائها.
في تلك الظروف الصعبة والمأساوية، قررت قيادة الحزب عدم الاشتراك في المفاوضات. ولم يكن لقاء الرفيقين ابو سليم وابو فاروق مع مكرم الا من باب تبادل الاراء حول المفاوضات.
وبالفعل ارسل الحزبان ( حدك و اوك ) وفدا مشتركا من اربعة ( اثنان من كل حزب ) الى بغداد لاستطلاع اراء ومقترحات السلطة ومدى جديتها. وبعد ان مكث الوفد اسبوعا عاد الى شقلاوة بإنطباع متفائل عن استعداد السلطة لتلبية مطاليب الاكراد، وانها ( السلطة ) تحبذ ان يضم الوفد القادم ممثلين عن احزاب الجبهة الكردستانية وخاصة الحزب الشيوعي العراقي ، اعتمادا على ما نقله الوفد.
وطلبت السلطة ان يكون الوفد القادم بمستوى عال وان يكون برئاسة جلال الطالباني ومسعود البارزاني.
وفي لقاء لممثلي احزاب الجبهة الكردستانية لمتابعة موضوع المفاوضات ، طرح الطالباني موقف السلطة من القضية القومية الكردية حسب ما نقله الوفد الرباعي المتفائل ، رغم عدم قناعته الشخصية ( جلال ) بدقة ما حمله الوفد من تفائل.
وقد وافق الطالباني على المشاركة برئاسة الوفد مع البارزاني على ان يضم ممثلين عن احزاب الجبهة الكردستانية. وفي اجتماع ترأسه الرفيق كريم احمد، بحثت لجنة الاقليم في كردستان ( وكان قوامها حينذاك 7 رفاق ) في الموضوع بكل تفاصيله، ورفضت المشاركة بالوفد رغم الحاح الطالباني على الحزب للمشاركة.
نقلنا موقفنا الى الرفاق في م.س، وإتفق مع موقف لجنة الاقليم و مؤكداً على اهمية الاشتراك في اجتماعات لجنة الجبهة الكردستانية عند دراستها للوثائق المتعلقة بالقضية الكردية وبمواقف الوفد المفاوض وبكل ما ستصل اليه المفاوضات من اجل اجراء التحسينات عليها .
وقد تبنت القيادة السياسية للجبهة الكردستانية مشروع الحكم الذاتي في 11 /آذار / 1970 اساسا للتفاوض مع ادراج بعض التعديلات عليه. وكُلف وفد الجبهة الكردستانية باعتماد هذه التعديلات وطرحها على وفد السلطة المفاوض .
وقبيل سفر الوفد حاول الطالباني اقناع الرفيق كريم احمد طالبا منه الانظمام الى الوفد. فطرح الرفيق كريم هذا الطلب على لجنة الاقليم دون ان يبدي معارضته له. الا ان لجنة الاقليم اصرت على رفض الطلب وعدم المشاركة، ومع ذلك فقد تم إرسال برقية الى الرفاق في م.س لاستطلاع رأيهم. فوردتنا برقية من م.س كان نصها الآتي: " نحن لا زلنا على رأينا من مشاركة حزبنا بوفد الجبهة الكردستانية المتوجه الى بغداد ". وقد استغرقت فترة التفاوض تلك 40 يوما .
وعاد وفد الجبهة الكردستانية حاملا مقترحات السلطة وابرزها :
• مشروع التطبيع
• مشروع الدستور
• مشروع قانون الاحزاب
وجاءت تلك المقترحات بمجملها بالضد من طموحات الشعب العراقي بشكل عام، والشعب الكردي بشكل خاص . وكان ابرز ما إحتوته تلك الوثائق هو إعتبار صدام حسين مهندسا للحكم الذاتي !!.

شكلت الجبهة الكردستانية لجان مشتركة لدراسة الوثائق واعادة صياغتها لتقديمها كمذكرة للسلطة في الجولة الثانية من التفاوض. واعتمدت الصياغات على بيان اذار 1970 واكدت على تثبيت حقوق الشعب الكردي، وتحديد منطقة الحكم الذاتي وفق نسبة السكان واستنادا الى احصاء 1957، واعادة السكان الاصليين قبل اجراء اي استفتاء جديد، وان تكون محافظة كركوك ضمن منطقة الحكم الذاتي. وبعد دراسة ما قدمته اللجان، وافقت القيادة السياسية للجبهة الكردستانية على التعديلات وعلى تشكيل الوفد المفاوض على ان يترأسه البارزاني بعد اعتذار الطالباني عن المشاركة في رئاسة الوفد.
وحينما طلب رئيس الوفد مسعود البارزاني تخويلا من القيادة السياسية للجبهة لتوقيع الاتفاقية ، لم توافق القيادة السياسية واوصت رئيس الوفد واعضائه بضرورة الرجوع الى القيادة السياسية للحصول على موافقتها قبل التوقيع على اية اتفاقية. فقد كان من المهم ان تدرس الجبهة الكردستانية ردود السلطة على المذكرة، وبعد ذلك يمكن تخويل من سيوقع الاتفاق . وامضى الوفد في بغداد 42 يوما دون ان يحصل على موافقة السلطة على المطاليب الواردة في المذكرة . واصرت السلطة على نقاط للاتفاق كانت اقل بكثير مما إحتواه بيان اذار عام 1970. كما أصرت على اعتبار كركوك خارج منطقة الحكم الذاتي ، واستقطاع خانقين التي سماها عزت الدوري " البوابة الى ايران "، وسنجار بإعتبارها " بوابة الى سوريا "، بالاضافة الى استقطاع قضاء الشيخان وناحية القوش وقضاء تلعفر ... الخ. كما تم استقطاع كلار من السليمانية وطوزخورماتو من كركوك لتلحق بمحافظة صلاح الدين .
درست القيادة السياسية نتائج المفاوضات في اجتماع 30/6/1991، وتم تعديل ورقة التطبيع والدستور لارسالها الى السلطة .
وهنا لم يتم إرسال اي وفد لاستكمال المفاوضات. وكان للموقف الثابت للقيادة السياسية للجبهة تأثيره الكبير على تراجع مؤقت من السلطة، فأرسلت وفدا الى اربيل ضم كل من عزت الدوري وطارق عزيز وعلي حسن المجيد الملقب بعلي كيمياوي .
وفي اجتماع القيادة السياسية للجبهة الذي عقد في 7/7/ 1991 ( لم يحضره مسعود البارزاني وسامي عبد الرحمن – حشدك )، جرت دراسة نتائج اللقاء بالوفد الحكومي . واكد جلال الطالباني على تغيرات في موقف دول التحالف وتأييدها للاكراد، واتفق معه في ذلك هوشيار الزيباري ممثل حدك في لندن. وبشكل عام رفض الاجتماع مقترحات السلطة. وتقرر في هذا الاجتماع تكليف وفد برئاسة البارزاني والطالباني للتوجه الى امريكا ودول اوربية لاجراء اتصالات مباشرة لكسب التأييد لحكم فيدرالي في العراق. ومع رجوع الوفد انقطعت تماما الاتصالات مع السلطة، وتركزت الجهود لتثبيت الوضع القائم في كردستان.
ومن اهم العوامل التي شجعت القيادة الكردية على ايقاف الحوار مع السلطة هو اطلاعها على موقف دول التحالف اثناء اللقاء الذي عقد في سولاف يوم 3/7//1991 بين القيادة الكردية ( الطالباني والبارزاني ) وجنرالات من دول التحالف، الذين اكدوا على أن التحالف سيساند الشعب الكردي لمنع اي هجوم عسكري، وسوف يمنع الطيران العراقي من تجاوز منطقة خط العرض 36 .

الملاذ الآمن وموقف السلطة منه
قرر مجلس الامن الدولي اعتبار خط العرض 36 حدا لمنطقة ملاذ آمن لشعب كردستان، وإخلاءها من القوات العراقية ليعود اليها سكان كردستان تمهيدا لعودتهم الى اماكن سكناهم الاصلية. واستحدثت لهذا الغرض معسكرات لجوء مؤقتة برعاية الامم المتحدة استقبل فيها الاهالي بعد تركهم المناطق الحدودية. وبدأ الپيشمرگه والانصار بالعودة الى مناطقهم للمساهمة مع الاهالي في اعادة بناء القرى المهدمة.
وقد وقع الاختيار في البدء على منطقة زاخو حيث اقامت الامم المتحدة مجمعات من الخيم خارج المدينة، وزودت العوائل العائدة بالافرشة والمواد الغذائية ، لحين اخلاء المدينة من القوات العسكرية الحكومية.
وفي منطقة برزان، ونحن في طريق العودة الى بهدينان، لاحظنا انتشار القوات الامريكية، التي بدأت سيطراتها تدقق في الهويات. وعلى الرغم من انهم قد جاءوا لحماية الاكراد من بطش النظام ، الا ان تحشداتهم في المدن والقصبات وسيطراتهم على الطرق، كانت تشعرنا بوطأة وجودهم على اراضينا. وكان الپيشمرگه والانصار يضطرون لاخفاء اسلحتهم عند الدخول الى المدن. ولكن سكان كردستان بشكل عام كانوا يؤيدون بقاء هذه القوات لاعتقادهم بأنهم انقذوهم من جرائم النظام ومن الموت جوعا.
وبمجرد ان تم ابعاد القطعات العسكرية العراقية من زاخو وحتى دهوك، حتى انطلق المواطنون بالعودة الى مدنهم وقراهم. وقد حددت الامم المتحدة خطا لتواجد القطعات العسكرية العراقية شريطة ان لا تتجاوز هذه القطعات قرية " فايدة ". وعلى الرغم من بقاء قوات الشرطة ومنظمات البعث وازلام الامن، الا أن المواطنين بادروا الى العودة بمن فيهم من كان مستقراً في مخيمات اللاجئين. وبعد حين سمح للپيشمرگه في الظهور في المدن مع اسلحتهم .
ان إزدواجية السلطة، بوجود الشرطة والامن جنباً الى جنب مع الپيشمرگه، وفر للسلطة فرص لخلق المشاكل والفوضى في دهوك وتحميل احزاب الجبهة الكردستانية وزر تلك المشاكل في مسعى لتبرير اي خطوة انتقامية تخطط لها السلطة.
وبعد ذلك باشرت السلطة بسحب بعض الادارات المحلية من محافظة دهوك، وتحريض الموظفين والمعلمين (خاصة من العرب) على ترك وظائفهم والانتقال الى نينوى، مما اثر على سير عمل مجموعة من الدوائر والمدارس.
وللتنديد بتلك الاعمال الاستفزازية ، نظمت جماهير دهوك مظاهرة احتجاجية طافت شوارع المدينة، وتوجهت نحو مقرفرع البعث في دهوك. وقبل إقتراب المظاهرة من المقر، وبدون سابق انذار اطلقت النار على المتظاهرين من مبنى فرع البعث، مما ادى الى هيجان المتظاهرين وهجومهم على المقر والسيطرة عليه. وقد قتل اثنان من اعضاء الفرع ، واعتقل بقية الموجودين في المقر ومنهم جبرائيل اسحق عضو قيادة فرع نينوى ( حيث كان منسبا للتنسيق بين البعث والجبهة الكردستانية ) . ثم اشتعلت النار في المقر وبجميع السيارات الموجودة فيه.
وانتقلت الجماهير الى مديرية شرطة المحافظة واعتقلت مدير الشرطة والضباط وجميع افراد الشرطة وكان عددهم حوالي ( 500 ). وتم في صباح اليوم التالي ابعادهم الى " فايدة". وهكذا تحولت دهوك الى مدينة متحررة من نفوذ السلطة، واصبحت بحاجة ماسة الى قوات لحفظ الامن فيها.
وعلى الاثر درست لجنة الجبهة الكردستانية في محافظة دهوك موضوع حراسة المؤسسات والسيطرات وتنظيم الحراسات الليلية. وقررت اللجنة تشكيل قوات جبهوية من 200 مسلح من پيشمرگه احزاب الجبهة ، للقيام بتلك الواجبات.
ولم تتوقف محاولات السلطة في خلق المصاعب، حيث قطعت رواتب المعلمين الذين لم يتركوا مدارسهم ، الا ان المعلمين واصلوا عملهم بدون مقابل .
ثم قطعت الادوية عن المستشفيات والوقود والمواد التموينية عن كردستان. ووضعت سيطرات لمنع دخول هذه المواد من المنافذ المؤدية الى المدن. واقامت السلطة مركزا لمحافظة اربيل في مدينة مخمور، ومركزا لمحافظة دهوك في فايدة، وحولتهما الى مركزين لتصدير العملاء ولادارة الاعمال التخريبية والتفجيرات.

الانتخابات البرلمانية وتشكيل حكومة الاقليم
في تلك الظروف المعقدة توصلت احزاب الجبهة الكردستانية الى قناعة بأهمية ادارة اقليم كردستان من خلال اختيار ممثلين عن الشعب الكردستاني عبر اجراء الانتخابات.
وفي خلال عدة جلسات، اقرت الجبهة الكردستانية قانون الانتخابات. وقد أجريت تعديلات على المسودة بإضافة فقرة تقر بالحقوق القومية للتركمان والكلدان والسريان والاشوريين من خلال تخصيص 5 مقاعد للتركمان و5 اخرى للكلدان والسريان والاشوريين، ولدورة واحدة فقط على ان يتم تعديل هذه الفقرة لاحقا. وفي محاولة مفضوحة للالتفاف على هذه الفقرة، فسر البعض بأن ال (5) مقاعد التي خصصت للكلدان والسريان والاشوريين هي حصة الحركة الديمقراطية الاشورية.
ولاول مرة شهدت كردستان العراق حملات دعائية للاحزاب المشتركة في الانتخابات ، وتنظيم إحتفالات وندوات وفعاليات متنوعة وشعارات امتلأت بها الشوارع .
ومنذ الساعة الرابعة من فجر يوم 17 /5/ 1991، اصطفت طوابير طويلة من النساء والرجال بإتتظار دورهم للادلاء بأصواتهم في جو من الابتهاج والفرح، و اعتبر بحق يوما للديمقراطية .
ولم تخلو تلك الإنتخابات من نواقص ، وكانت من نوعين، نواقص عفوية بإعتبار انها اول ممارسة من هذا النوع لاحزاب قضت سنوات طويلة من نضالها في العمل السري او المسلح ضد السلطة الدكتاتورية. ونواقص اخرى كانت متعمدة قام بها منتسبوا الحزبين الرئيسيين (حدك و أوك) في محاولة لحصد اغلبية الاصوات لضمان المركز الاول في ادارة اقليم كردستان. ويمكن إجمال النواقص على النحو التالي:
1. عدم اجراء احصاء عام في الاقليم ، وعدم الالتزام باحصاء كانت السلطة قد اجرته في وقت سابق .
2. لم تنظم قوائم بأسماء الناخبين، ولم يزود الناخب بهوية تثبت شخصيته ومحل سكناه لمنعه من التصويت لعدة مرات. فقد ابتدعت عدة طرق لازالة صبغ الاصبع وتهيئة سيارات لضمان الانتقال من مركز الى اخر.
3. تدخل الپيشمرگه في عملية التصويت والضغط على الناخبين لفرض التصويت لصالح قائمة معينة.
4. وضع شروط لمنع وصول الاحزاب الصغيرة الى البرلمان من خلال فرض نسبة 7 % من مجموع الاصوات للتأهل لدخول البرلمان .
هذه النواقص وغيرها اثرت على النتيجة التي خرجت بها قائمتنا ( قائمة كلدواشور ). فعلى الرغم من عدم حصولها على اصوات كبيرة في دهوك، الا انها تجاوزت الاربعة الاف صوت في عينكاوا. ومع ذلك فقد كان المقعد الرابع من حصة الحركة الديمقراطية الاشورية بموجب القانون الذي حدد اضافة اصوات اية قائمة لا تفوز ب 20% الى القائمة التي تحصل على اعلى الاصوات. وبهذا خسرنا مقعدنا لان قائمتنا كانت بحاجة الى 20 صوتا فقط للوصول الى نسبة 20% .
اما بالنسبة الى قائمة الحزب فقد حصلت على نسبة 2،5 %. ففي السليمانية مثلا ، انسحبت قائمة الحزب في الساعة 12 ظهرا احتجاجا على التزوير. ولم تتمكن الاحزاب الصغيرة هناك من الحصول على النسبة التي تؤهلها لدخول البرلمان عدا الحركة الديمقراطية الاشورية وحزب زحمة كيشان لتحالفهم مع الاتحاد الوطني الكردستاني ، حيث منحوا 3 مقاعد من حصة اوك.
ولم ينل اي من الحزبين النسبة المؤهلة لتشكيل الحكومة وهي ( 50 + 1 ). حيث تضاربت المعلومات. فالديمقراطي الكردستاني يؤكد حصوله على 51 % من الاصوات. اما الرئاسة فهي الاخرى لم تحسم اذ لم يحصل اي منهما على النسبة المطلقة. وهكذا بدا الوضع في كردستان اكثر تعقيدا مما كان عليه.
وقد ادان مسعود البارزاني ما حصل من التزوير والتجاوزات العديدة اثناء الإنتخابات وإعتبرها مصدر عار على الكردستانيين. وتقرر اجراء انتخابات اخرى بعد 3 أشهر لاختيار الرئيس و6 أشهر للانتخابات البرلمانية.

حكومة كردستان بالمناصفة
لم يكن من السهل بمكان التوصل الى اتفاق بين الحزبين يخدم مصالح اقليم كردستان. فالتنافس والخصام بين الحزبين لم يكن جديدا او وليدا لنتائج الانتخابات. وبعد مشاورات وتدخلات تقرر تقسيم البرلمان بين الحزبين "حدك و أوك "، حيث يحتفظ كل منهما بـ 50% من مقاعد البرلمان على ان يتم إختيار اعضاء البرلمان من الاشوريين (4 أعضاء) من بين الحزبين مناصفة. وهكذا بقي التعادل سائدا وعائقا ايضا امام اتخاذ القرارات ومعرقلا لعمل البرلمان. وبشكل عام كان انبثاق البرلمان ومن ثم تشكيل الحكومة بهذه الطريقة، يحمل معه الكثير من المشاكل المستعصية والمخاوف الجدية من احتمالات تأزم العلاقات بين الحزبين ، والتي سرعان ما حولت كردستان الى ساحة صراعات دموية ادت الى خسائر جسيمة.
وقد تشكلت حكومة كردستان بإشراك ممثلين من الاحزاب الصغيرة ( حزبنا – اقليم كردستان و الحركة الديمقراطية الاشورية و حزب زحمة كيشان )، وإالتحق لاحقاً ممثل الحزب الاشتراكي الكردستاني قبل توحده مع حدك.
اما المراكز المتبقية فقد قسمت بين الحزبين بالتساوي، حيث اتبع الحزبان اسلوب المناصفة في شغل كل المراكز الادارية والامنية والعسكرية والوظائف من المدير وصولا الى الفرّاش. واصبحت الرتب في الجيش والامن والشرطة ( خاصة الضباط ) حكرا على الحزبين . أما الوزارات التي خصصت لحزبنا - اقليم كردستان" وللاشوريين وزحمة كيشان، فلم يكن للوزراء دوراً فيها و كانوا بعيدين عن المساهمة في صنع القرارات. و اقتصرت الوظائف فيها على شخص الوزير فقط ، أما وكيل الوزير وحتى الفراشين فكانوا يعينون من منتسبي الحزبين " حدك و اوك " .
وبذلك حرمت الاحزاب من المشاركة الفعلية في ادارة الاقليم، ومن ابداء ارائها السياسية بعد تجميد نشاط الجبهة الكردستانية. ولم تدعى القيادة السياسية للجبهة ولا السكرتارية للاجتماع، وتم حل لجان الاقضية واغلقت مقرات لجان المحافظات.
ورافق ذلك ان جميع الاحزاب السياسية في كردستان فتحت ابوابها لاحتواء المزيد من الاعداد، لضمان الاكثرية او خوفا من الالتحاق بالطرف الاخر. وهكذا اغرقت الاحزاب وخاصة الحزبين الرئيسيين بعناصر كانت حتى الى الامس في خدمة نظام البعث، إن لم يكونوا يواصلون اداء تلك الخدمة. واسندت وظائف حساسة لاعداد منهم.
سألت في أحد الأيام احد كوادر اوك عن الاسباب التي تدعهم لقبول العناصر الفاسدة من الجحوش والعملاء ، فاجاب اننا لو لم نقبلهم في صفوفنا فسيأخذهم الاخرون !!! مما قد يؤثر على نتائج الانتخابات القادمة.
وكان جلال الطالباني محقا حينما قال " ان الذين يخلقون المشاكل بيننا وبين حدك هم الذين خدموا البعث وربما لا زالوا في علاقة مع البعث. و لكننا وبسبب التنافس نضطر الى قبولهم في صفوفنا رغم ذلك ".
ومع الأيام، اشتد الصراع على الانفراد بالسلطة وإشغال المراكز الحساسة بين حدك و اوك ، بشكل خفي في البداية ليمهد الطريق نحو الانفجار. و كانت تنظيمات الحزبين قد تهيأت فكريا للتصادم بينهما لاي سبب كان .
في ايار 1994 ، في قلعة دزه ، حدث نزاع بين احد منتسبي حدك ومجموعة من منتسبي اوك على قطعة ارض, وأدى ذلك الى إندلاع القتال بينهما. وبدلا من تطويق النزاع وحله بهدوء، فقد تم استغلاله ليتحول الى قتال شمل كل محافظات الاقليم. ودفعت الجماهير ثمنا باهضا من الضحايا والمآسي دون ان يكون لها لا ناقة ولا جمل في ذلك الصراع .
ومع أستمرار القتال، شل عمل البرلمان والحكومة. وإنقسم الإقليم عمليا الى ادارتين، واحتفظ كل حزب من الحزبين بالموارد المالية ضمن ادارته ليوظفها في صراعه مع الحزب الاخر.
وجهدت الاحزاب الاخرى في اقتراح الحلول. وحاول الامريكان ايضا ولكن دون جدوى. ولم يدم طويلاً حتى ما سمي ب "الاتفاق الاستراتيجي حتى عام 2000 ". اذ استأنف الحزبان القتال ثانية وبضراوة اكبر، حيث سيطر " أوك " على اربيل ليشل عمل البرلمان والحكومة رسميا. فتشكلت حكومتان احداهما في اربيل والاخرى في صلاح الدين .

لقد تناسى الحزبان ان جماهير كردستان بكل احزابها قد فجرت انتفاضة آذار، بمعنى انها كانت انتفاضة الشعب الكردستاني ، ولم تكن حكرا بيد شخص او حزب من الاحزاب. ولذلك فإن صيانة هذه التجربة الفتية ونجاحها وتطويرها مرهون بمدى مشاركة الجماهير في القرارات التي تتخذها القيادات السياسية. وان الشعب الذي كافح طوال ثلاثة عقود له القدرة على تقرير مصيره دون وصاية من احد، شريطة التزام كل الاحزاب السياسية بقرارات الجبهة الكردستانية. وكان على الحزبين نبذ سياسة الاستئثار والاستحواذ على السلطة والانفراد بالقرارات المصيرية. فلو التزم الحزبان بالملاحظات التي قدمتها الاحزاب حول كيفية اقامة السلطة في الاقليم واسلوب ادارة شؤونه، لما كان حدث ما حدث . وبالرغم من كل ذلك ، ما زال هناك متسعاً من الوقت لرأب الصدع والعودة الى سبل التفاهم والحوار ضمن الجبهة الكردستانية.
ان اجراء انتخابات ديمقراطية لبرلمان تتمثل فيه جميع القوى السياسية التي تهمها مصالح الشعب، وتشكيل حكومة من اناس كفوئين تعمل تحت رقابة البرلمان مباشرة ، وبعيدا عن تدخل اي من الاحزاب في شؤونها الادارية والتنفيذية، لكفيل بتحقيق شراكة صحيحة بين جميع القوى السياسية للخروج من الازمة ولتلافي المزيد من المآسي التي ستصيب الجميع بلا استثناء.

يتبع

¤ الحلقة التاسعة والثلاثون

¤ الحلقة الثامنة والثلاثون

¤ الحلقة السابعة والثلاثون

¤ الحلقة السادسة والثلاثون

¤ الحلقة الخامسة والثلاثون

¤ الحلقة الرابعة والثلاثون

¤ الحلقة الثالثة والثلاثون

¤ الحلقة الثانية والثلاثون

¤ الحلقة الحادية والثلاثون

¤ الحلقة الثلاثون

¤ الحلقة التاسعة والعشرون

¤ الحلقة الثامنة والعشرون

¤ الحلقة السابعة والعشرون

¤ الحلقة السادسة والعشرون

¤ الحلقة الخامسة والعشرون

¤ الحلقة الرابعة والعشرون

¤ الحلقة الثالثة والعشرون

¤ الحلقة الثانية والعشرون

¤ الحلقة الحادية والعشرون

¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
 

الأحد 29 / 7 / 2007

| أرشيف الذكريات  |