ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(19)

 

جليل حسون عاصي

(الفصل الثالث)
(7)

و في صبيحة اليوم الثاني 14/9/1963 التقيت بالرفيق ( حسين ياسين )الذي قدم لي صورة عن الظروف الجديدة التي حدثت في المنطقة اثناء غيابي عنها حيث انه الرفيق الوحيد الباقي في الهور بعد ان أنفض الاخرون من حوله لاعتبارات أمنية لان التحرك في الهور أصبح محفوفا بالمخاطر ولابد من التهدئة بعد المعركة التي حصلت يوم 1/9/1963 والتي حمل فيها كل من الرفاق عبد حمود وسيد جاسم المسؤولية بالدرجة الاولى لضعف يقظتهم و عدم اتخاذهم الحيطة و الحذر لتلافي المواجهة ومما قاله بهذا الصدد أن المدعو ( حريجة ) ، وهو من معارف كل من الرفيقين ( عبد حمود ، وسيد جاسم ) زار قاعدتنا وبقي عدة ساعات معنا ، جرى فيها حديث عن كثير من الامور ، وبعد أن تناول معنا طعام الغداء ،واخذ قسطا من الراحة غادرنا لزيارة مرقد العلويه (فواده) القريبه من المكان كما يدعي ألا أنه ذهب مباشرة و أتصل بالحرس القومي في الناصريه و اعطاهم خريطة المنطقة بشكل دقيق ، و تقريرا مفصلا عن عدد الرفاق ونوع الاسلحة التي بحوزتهم ، و بالغ في ذلك كثيرا ، لان الاجر يدفع على قوة التقرير و ضخامة المعلومات التي فيه ، وفي صباح اليوم الثاني سمعنا حركة غير طبيعية بعدها فوجئنا بوجود قوة كبيرة من الشرطة و الحرس القومي في زوارق ضخمة ، عملنا بسرعة على اتلاف الوثائق الحزبية وارشدنا النساء على الطريق الذي تسلكه كل منهن ، ونزلنا نحن من الزوراق و تسللنا عبر البردي و القصب دون ان يشعروا بنا ، احرقوا اولا الموقع والزوارق وكل الحاجيات التي تعود لنا ، بعدها طاردوا النساء و تمكنوا من القبض على زوجة الرفيق ( عبد حمود ) مع طفلتها ، عندها تقرر الدخول معهم في معركة لتحرير المرأة .
قمنا بحركة التفاف حول المنطقة لاننا نعرفها جيدا . و اخترنا موقعاً حصيناً وانتظرنا قدومهم في طريق العودة ، و بعد ان اصبحوا على مرمى اسلحتنا خاطبهم الرفيق - عبد حمود- قائلا ( ان كنتم رجال حقا . اطلقوا سراح المراة وطفلتها . ستموتون معها في هذا المكان ان أخذتموها وطلب من الشرطة ان لا يتدخلوا لان المعركة بين الشيوعيين والبعثيين وليس هم طرفا فيها) ابتدأ الحرس القومي باطلاق النار . اما الشرطة المزودين برشاشات من نوع برن فقد اطلقوا نيران كثيفة و لكنها في الهواء - عاقبهم الحرس القومي على موقفهم في المعركة - استمرت المعركة حوالي ربع ساعة .عندها اطلقوا سراح المراة و طفلتها . بعد ان تكبدوا سبعة جرحى وسقوط عدد من رشاشات بور سعيد في قاع النهر ، انسحبت القوة تجر اذيال الخيبة و توقفت عند مضيف احد ابناء عمومة السيد حميد السيد حسين قائد الفرقة الاولى في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم - و الذي يذكر انه لم ينفذ قرار الزعيم باحتلال الكويت بناءا على فتوى من السيد الحكيم عندما زاره لاخذ رايه بالموضوع - .وهو غير بعيد عن موقع المعركة واعدّ لهم و ليمة كبيرة , مما حفز مربي الماشية المتواجدين على ضفاف الهور في نفس المنطقة إلى اقامة وليمة لرفاقنا ايضا . بعد ان اطروا شجاعتهم واقسموا على مشاركتهم في مقاتلة الحرس القومي ان عاودوا الهجوم مرة اخرى . وللتغطية على فشلهم والخسائر التي لحقت بهم قدموا تقريرا إلى قيادتهم ذكروا فيه ان عدد الشيوعيين الذين اشتركوا في المعركة يقدر بـ(80) مقاتلا . مدربين تدريبا جيدا . و ان اغلبهم من العسكريين المحترفين . ومجهزين باسلحة متطورة ومدافع هاون , واجهزة اتصال , بقيادة كاتب السطور بينما كنت في نفس الساعة التي حصلت فيها المعركة.في مدينة البصره وخلص التقرير إلى ضرورة تهيئة قوة كبيرة وفعالة ولديها خبرة للقتال في الاهوار وتهيئة زوارق مطاطية سريعة الحركة للمطاردة . وارسلت فعلا القيادة في بغداد عدة زوارق مطاطية اودعت في مبنى محافظة الناصرية على امل استخدامها في الهجوم المرتقب . وبما ان ( الامن , والموقف , والمحافظة ) تضمهم بناية واحدة . وبعد ان عرف رفاقنا الموقوفون الغرض من جلب هذه الزوارق عبثوا بها وهم في طريقهم إلى دورة المياه . الا ان انقلاب تشرين اجهض العملية برمتها. تركت المعركة صداها الواسع على رفاقنا والجماهير واظهرت لهم مدى ضعف وخواء النظام وحرسه القومي ولكن من الجانب الاخر دفعت العشرات من عملائها إلى المنطقة لتقصي اخبار الشيوعيين ونشاطاتهم واماكن تواجدهم . ورصدت مبالغ نقدية لمن يلقي القبض او يقتل النشطاء منهم . مما خلق حالة من القلق والترقب واخذ الحيطة والحذر من لدن ابناء المنطقة . واصبح التحرك محفوفاً بالمخاطر لهذا انسحب الرفيق ( عبد حمود ) وزوجته من المنطقة إلى ناحية البطحاء التابعة ايضا إلى الناصرية . كما انسحب الرفيق ( السيد جاسم ) مع زوجته والتنقل بسرية تامة في المناطق الريفيةالقريبة من بيته لانها كما صرح اكثر امنا من الهور المستهدف بصورة دائمة .
كانت المهمة الاولى المطروحة علينا والتي لا تقبل التأجيل ، بعد مغادرة رفاقنا المنطقة ايجاد مكان أمين وثابت بعض الشيء لكي نستقر فيه ونواصل عملنا ، لذلك انتقلنا الى الجهة الثانية من الهور الذي كنا نتواجد فيه ، واقمنا فيه قاعدة غير معروف مكانها للآخرين ، تتكون ارضيتها من زورق قديم حشر بصعوبة بين القصب والبردي وسقفها اقيم على غرار اكواخ الفلاحين . بربط اطراف البردي والقصب على شكل حزم ببعضها على جانبي الزورق . وضعنا عليه قطعة من النايلون خضراء اللون لحمايتنا من الشمس والمطر والبرد . وحجب الضوء عند الطبخ وضوء الفانوس ليلا . للتعتيم على المكان ، وبعد الاستقرار بالقاعدة جرى توزيع المهام الحزبية بيننا والعمل على ضوء توجيهات لجنة المنطقة الجنوبية وجرى التأكيد على ان يكون تحرك الرفاق بشكل هادىء لتجاوز الازمة والحفاظ على التنظيم . لذلك اقتصر النشاط الحزبي على اللقاءات الفرديه وتداول البيانات التي تصدر بين فتره واخرى باسم محلية الناصرية.
كانت الحياة قاسية جدا . بسبب العزلة عن الناس . والسكن في مكان موحش لا اثر للحياة فيه اللهم الا من قطعان الخنازير التي تجوب الهور ليلا ونهارا . والمعارك المستمرة مع الجرذان والفئران التي تهاجم ليلا زورقنا لاخذ حصتها من المواد الغذائية كالطحين والتمن وكانت السلوة الوحيدة . المطالعة , والاستماع إلى نشرات الاخبار . واجترار الذكريات بحلوها ومرها وصيد السمك للاستهلاك الشخصي . وكتابة ابسط التفاصيل عن حياتنا اليومية . واعداد مفكرة تحتوي معلومات مفيدة . الا ان الملاحقة والتنقل المستمر ادى إلى ضياعها . استمرت هذه االحالة لغاية انقلاب تشرين 1963 الذي قام به عبد السلام عارف ضد حلفائه بالامس . واسقط نظام البعث الفاشي وحرسه القومي الموغل في الاجرام .


(الفصل الرابع)
(1)

جاء انقلاب 18 تشرين 1963 الذي قاده رئيس الجمهورية عبد السلام عارف ومجموعه من الضباط الكبار، الملتفين حوله ليحسم الصراع.الذي ظل يتصاعد شيئاً فشيئا منذ أنقلاب شباط 1963.بين أطراف الفريق غير المتجانس من البعثيين والقوميين والرجعيين والإقطاعيين وأذناب العهد الملكي المباد الذي كل ما يجمعه هو إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم والقضاء على المنجزات التي حققتها ثورة 14 تموز ألمجيده بالتعاون مع الدوائر الامبرياليه التي ساهمت بقوه في التخطيط والتمويل وبإسناد ومباركة أطراف عربيه وإقليمية تحت شعارات مكافحة الشيوعية والشعوبية.وإقامة الوحدة الفورية مع الجمةورية العربية المتحدة_مصر العربية - بأي ثمن وأي وسيله متجاهلين مصلحة الشعب العراقي وتطلعاته في تقرير مصيره بنفسه, والفوارق ألاقتصاديه والثقافية والاجتماعية بين البلدين.
أن انقلابيي تشرين لم يقطعوا صلتهم بحلفاء الأمس (البعثيين). بل أزاحوهم عن السلطة بشكل تدريجي.فقد كان احمد حسن البكر رئيس وزراء حكومة شباط من بين تشكيلة الحكم الجديد. بصفة نائب رئيس الجمةورية ولم تتخذ الاجراءات المناسبه حتى بعد أحالة البكر على التقاعد ، ضد عصابات الحرس القومي التي كانت تسرح وتمرح والتي ضمت أعتى المجرمين، الذين أتخذوا من مقراتهم ألمنتشره في طول البلاد وعرضها، ومن قصر النهاية والنادي الاولمبي مسالخ بشريه لممارسة أبشع أساليب التعذيب، وأستشهد من جرائها العشرات من خيرة أبناء شعبنا، ودفن العشرات منهم أحياء في مقابر جماعية وأعدم شنقاً حتى الموت ورمياً بالرصاص العشرات من المدنيين والعسكريين، بما فيهم الشهيد عبد الكريم قاسم ورفيقاه الشهيدان فاضل عباس المهداوي والعميد الركن طه الشيخ أحمد مدير الحركات ألعسكريه في دار الاذاعه يوم السبت 9/2/1963 .وأكتفت بالطلب من الحرس القومي وعن طريق الاذاعه بتسليم أسلحتهم إلى مراكز الشرطة والجيش.وبدلاً من إنصاف ضحاياهم وإطلاق سراحهم وتعويضهم عما لحق بهم من أذى، استمرت جلسات المحاكم ألعسكريه بالنظر في آلاف الدعاوى المقامة على هؤلاء الضحايا.وسط أجواء مشحونة بالحقد والكراهية ومرافعات بعيده كل البعد عما يمت للقانون بصلة وأتباع أساليب غاية في الانحطاط، بما فيها الضرب داخل المحكمة لإجبارهم على التخلي عن أفكارهم بتقديم البراءة سيئة الصيت.وتكبيلهم بأحكام ثقيله وصلت لحد الحكم بالإعدام لا لجريمة ارتكبوها وأنمى لمجرد أنهم لم يتخلوا عن أفكارهم. وإرسال الأفواج منهم يوميا إلى السجون المنتشرة في وسط وجنوب وغرب العراق. بما فيها سجن نقرة السلمان الصحراوي .
كما استمرت سياسة محاربة الشيوعية والشيوعيين ومطاردتهم وممارسة التعذيب البشع على من يقع في قبضتهم وظل النهج الشوفيني هو السائد في معالجة القضية الكردية فما أن يتوقف القتال مؤقتاً حتى يعاد كرةً أخرى. وبقي النشاط السياسي محضوراً على الاحزاب السياسية وأقتصر على الاتحاد الاشتراكي التنظيم السياسي الوحيد المرخص قانونا في البلاد. للتماثل مع الجمةورية العربية المتحدة، وأنخفض مستوى الخدمات في كل المجالات، وأتسع جيش العاطلين عن العمل بعد أن انظم إليهم الآلاف من المفصولين لأسباب سياسية والخريجين الجدد وظلت النقابات العمالية والجمعيات ألفلاحيه أسيرة هذه الجماعة أو تلك من التيارات المنضوية تحت لافته الاتحاد الاشتراكي وتدور في حلقه مفرغه، وتعاني من العزلة عن الجماهير.ويمكن القول إن المكسب الوحيد الذي تبجح به النظام كثيراً إصداره قرارات التأميم في حزيران 1964.وكتاب المنحرفون الذي فضح فيه النزر اليسير من الأعمال الاجرامية التي ارتكبها الحرس القومي ولجانه ألتحقيقيه، لتبرئة أنفسهم من هذه الجرائم وتحميل البعثيين وحدهم مسؤوليتها.
حقا أنهم كانوا اقل عدوانية ولم يرتضوا كل الجرائم التي ارتكبت ولا للحد الذي وصلت إليه والتي هزت الضمير الإنساني والعالمي وأدت إلى حملة تضامن واسعة شملت العالم بأسره، وجندت طاقات كبيرة من أجل إنجاحها، ومع هذا فأن انقلاب تشرين، لم يغير من طبيعة الحكم بشيء وإنما ظل، امتداد للنهج الدكتاتوري المعادي لحقوق وحريات الشعب ولا ينفي من هذه الطبيعة كونه أزال الغمامة السوداء التي لفت العراق من أقصاه إلى أقصاه، وتنفس الناس الصعداء، وأصبح بالا مكان التحرك والتنقل من مكان إلى أخر بيسر.

 

يتبع


¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر

¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

السبت 28/4/ 2007

| أرشيف الذكريات  |