ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 6 )

انقلاب شباط الدامي
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

كان تراجع الحرس القومي عن نقلنا وتسفيرنا خارج كربلاء مؤقتا ، ففي فجر اليوم الثاني في الثانية صباحا نقلنا الى مركز شرطة الحلة حيث كان بأستقبالنا صفين من الشرطة والحرس القومي وما أن نمر من بينهم حتى ينهالوا بالعصي علينا بعشوائية، وبشتائم تنم عن حقد دفين. أخبرنا بعض الموقوفون العاديون أن الوجبة التي سبقتنا بالأمس من المعتقلين السياسيين أجبرهم الحرس القومي على تنظيف المرافق الصحية وتفريغها من قاذوراتها وحلق شعر رؤوسهم، وذلك لإهانتهم!!. بقينا في موقف مركز شرطة الحلة حتى المساء حيث نقلنا الى سجن الحلة المركزي في قسم المعمل. كان الحرس القومي يتجنب نقل المعتقلين نهارا خوفا من ردود الفعل الشعبية، فكانوا يتسترون بظلام الليل في عمليات نقل المعتقلين.

القسم الذي نقلنا اليه صمم ليكون معملا للنسيج لتشغيل السجناء ثم اهمل المشروع. وهو عبارة عن ممر طويل ربما يتجاوز طوله 80 م وعرض لايزيد عن 5 م، في أحد أطرافه توجد حنفية ماء وحوض صغير وبجانبها تواليت واحد. ويقع المعمل على ما أعتقد بين السجن القديم والسجن الجديد ويشرف من الطرفين على ممر السجن الذي يطوق كل أقسام سجن الحلة. عندما وصلنا الى السجن كان الوقت ليلا ومعظم المعتقلين نيام وكانت القاعة مزدحمه بالمعتقلين فلم نجد مكانا نجلس فيه، فنهض أحدهم وقدم نفسه لنا، انه صاحب الحكيم (أبو بشرى) وهو كادر شيوعي من مدينة النجف، كان معتقلا قبل الانقلاب، وسبق وأن تعرفت عليه لاول مرة بعد ثورة تموز المجيدة عندما تم اطلاق سراح السجناء السياسيين، واطلق سراحه مع عمي محمد علي او جاء مرافقا له، وعانقته معتقدا أنه عمي.

بعد ان قدم صاحب نفسه لنا دعى المستيقظين إلى التراصف لتوفير مكانا للقادمين الجدد، وقد أحدث وصولنا جلبة وضوضاء فأستيقظ معظم النزلاء، وتحلقوا حولنا يستفسرون عن اخر الاخبار ولم نكن نعرف أكثر منهم لاننا من الذين اعتقلوا في الايام الاولى من الانقلاب المشؤوم. وتم تدبير مكان لنا وسط المعمل ( القاووش). كان القاووش مزدحما بالنزلاء من مختلف مدن الفرات الاوسط وحتى من بغداد، كان بيننا الطلبه، الفلاحين، العمال، الاساتذة، الاطباء، المحامين ومن جميع المهن وكان النصيب الأكثر للعسكريين من مختلف الرتب.

كنا نجلس طوال اليوم في هذا القاووش المزدحم ولامجال للمشي والحركة. التهوية كانت رديئة، فالشبابيك الوحيدة كانت على ارتفاع أكثر من 2.5م ولايمكن فتحها، فكان الهواء يدخل من الابواب الموجودة في طرفي القاووش والتي تطل على الممر الذي يطوق اقسام السجن. تجاوز عدد النزلاء السبعمائة معتقل، وسبب هذا العدد أزمة داخل القاووش، ففي أي وقت تحاول أن تغتسل أو أن تذهب للمرافق تجد أمامك عشرون أو أكثر ينتظرون قبلك في صف طويل. ولتوضيح الصورة المزرية التي عانيناها في ظل حكم البعث في شباط 1963 على القاريء ان يوزع 24 ساعة (ساعات اليوم) على المعتقلين (اكثر من 500) ليرى حصة الفرد للأستفادة من حنفية واحدة وتواليت واحد وسيجد حصة كل معتقل يوميا من الوقت للإستفادة من التواليت وحنفية الماء لاتتجاوز 3 دقائق باليوم ليغتسل بها ويقضي حاجته!!!! هذه الحالة المزرية التي كنا نعاني منها، من ازدحام السجناء وعدم توفر المرافق الصحية، عددا ونوعية، هذه الأوضاع المزرية أوحت للشاعر الشعبي الرائع لطيف بربن، من أهالي الحلة، بقصيدة شعبية رائعة صور فيها حياتنا داخل السجن وما نعانيه بأسلوب ناقد وساخر، تحدث فيها عن الازدحام وضيق المكان، عن التعداد وتصرف السجانة كعبدالله الشباب وأبو سبتي وغيرهم أثناء التعداد (المسطر) والمواجهات. مازلت اتذكر بعض ابيات تلك القصيدة، وربما سيتذركها من عاشوا تلك الفترة في سجن الحلة فينشروها او يرسلوها لي مشكورين لأدونها كاملة، فان مثل هذه القصائد توثق ما قدمه الشيوعيون وأصدقاؤهم من تضحيات ومعاناة وتصور حياتهم في السجون كما تصور همجية وحقد البعثيين ومن شاركهم من مدعين قوميين، وهذه بعض ابياتها:

مرحاض وحده والعدد نص الألف
بطنك تحير بيهه تگوم تفتر وتلف
..................

لو أجه الليل يصفطونه مثل تصفيط الهدوم
ولو تحرك شخص راح أمجانه (مكانه)
................

ومن يصيح الخفر مسطر ياشباب
نجَمَع ونضحك على عد عبد الله الشباب
...................

صورة جماعية لبعض المعتقلين الشيوعيين في سجن الحلة عام1964 ويظهر الاول من اليسار في
الصف الخلفي من الجالسين كاتب المذكرات وفي المقدمة الثاني من اليسار المعلم الكربلائي حسين

كانت الإعتقالات تجري بصورة عشوائية وبدون اية مقاييس سياسية. شملت الإعتقالات الشيوخ المسنين، وكنت أرى أحد الشيوخ في عقده التاسع، وعندما نسأله عن سبب إعتقاله، يقول: يتهمونني بأن لي ميلا يساريا، بينما انا اسير معتدلا ولا اميل لايسارا ولايمينا! ثم ينهض ويمشي امامنا ليثبت لنا أنه لايميل لأية جهة! وكان هذا الشيخ الطاعن بالسن ورغم ظروف اعتقاله يهتم بحلاقة وتحديد لحيته مستعينا بشفرة حادة وجزء من قصبة البردي دون ان يجرح نفسه، ونقف نحن الشباب نراقبه مدهوشين من قدرته على الحلاقة بهذه الطريقة البدائية!. أما أموري الطويل الذي اعتقل في اليوم الثاني من الإنقلاب في كربلاء، كرهينة بدل اخيه الأصغر حمودي، وحمودي لم يبلغ بعد ستة عشر عاما، بقي معتقلا حتى بعد ان سلم حمودي نفسه بضغط من والديه، ونقل معنا الى سجن الحلة. ولبساطته رفض ان يرتدي البجامة التي إستلمها من عائلته، لأنها من لباس السياسيين كما يعتقد وتثبت عليه التهمة وهو ليس بالسياسي، وكي يثبت عدم كونه سياسيا للحرس القومي الذين يزورون السجن ويقابلون السجناء من حين لآخر، حلق شعر رأسه وكشف عن آثار جروح في رأسه والتي تركتها ضربات السيوف في المناسبات الحسينية في عاشوراء، وكان يتقدم المعتقلين ليكشف عن هذه الآثار في رأسه للحرس القومي ويؤكد لهم أنه حسيني ويرفض إرتداء البجامة التي يلبسها السياسيون ولا علاقة له بالسياسة!! لم يسلم من إعتقالات الحرس القومي حتى الأطفال الذين اعتقلوا كرهائن بدل أبائهم او أشقائهم وتعرض الكثيرون منهم للتعذيب حتى الموت كما حدث للشهيد فاضل الصفار وعمره لايتجاوز ستة عشرسنة واستشهد أثناء التعذيب البربري امام أعين امه المناضلة نرجس الصفار وهو يرفض أن يرشد الحرس القومي لمكان إقامة أبيه (زوج امه) الشهيد الخالد جمال الحيدري.

في احد الأيام زج بمجموعة (4-6 لا اذكر) من شباب الديوانية، وكانت اعمارهم بين 16 و 19 عاما، وكانت اثار التعذيب والضرب على وجوههم. ولما تجمعنا حولهم مستفسرين، اخبرنا احدهم وهو شاب دون 18 عاما واسمه صبحي، انهم تأثروا كثيرا للتصفيات والاعدامات لقيادات الحزب الشيوعي وقد اغاضهم اكثر تبجح الانقلابيين بإدعائهم بالقضاء على الحزب الشيوعي وقيادته. فقررت المجموعة القيام بنشاط يثبت للقتلة ان الحزب مازال ينشط ولم يتمكنوا من القضاء عليه. أسسوا تنظيما حزبيا خاص بهم واختاروا قيادة بينهم، وتخليدا لقادة الحزب الذين استشهدوا وتحديا لسلطات شباط الدموية، اختاروا لأنفسهم نفس الاسماء الحزبية لقادة الحزب الشهداء مثل فهد وسلام عادل. نشطت المجموعة بين شباب الديوانية وجمعوا التبرعات من المتعاطفين مع الحزب، واستولوا على طابعة يدوية من احدى المدارس، واستفادوا من اذاعة بكي ايران التي يملكها حزب تودة الايراني وخصصت قسم من بثها للشيوعيين العراقيين (وسميت فيما بعد بصوت الشعب العراقي)، وسجلوا بعض البيانات والاخبار وطبعوها، ورموها في مقر الحرس القومي تحديا!!! يقول صبحي كنا نبحث عن صلة بالحزب لنسلمه المطبعة والتبرعات ولم نفلح، لأن جميع الشيوعيين اما معتقلين او مختفين. وانكشف سر الطابعة وبدأت اجهزة الامن والحرس القومي بالبحث عنها وقد اخفيت الطابعة في عربة بيع باقلاء تعود لوالد احدهم. ولكن نشاطهم لم يستمر طويلا سوى اسابيع، عدم التجربة عرضتهم للكشف والاعتقال. لقد شهد العراق في تلك الفترة المظلمة والدموية مبادرات فردية قام بها الكثير من الشيوعيين الذين تمكنوا من الإفلات من اعتقالات الحرس القومي، والكثير منهم بادر لتأسيس تنظيم شيوعي، واحيانا يكون في المدينة الواحدة اكثر من تنظيم ويتم توحيدها بعد التعارف والتلاقي والتأكد من عدم وجود مندسين بين هذه التنظيمات. وهناك امثلة لشيوعيين كانوا قد تركوا العمل الحزبي وابتعدوا عن الحزب قبل انقلاب شباط الدموي، لكن الحب الصادق والمتجذر بقلوبهم للحزب وإيمانهم بمباديء الحزب، حركهم واستعادوا نشاطهم الحزبي تحديا لسلطات انقلاب شباط ، وهذا ماكان يغيض القتلة ويرهبهم. واتذكر في تلك الفترة كتب الخائن مالك سيف مقالا نشره في الصحافة الرسمية يحذر قادة الانقلاب من عودة الشيوعيين لنشاطهم وقدرتهم على اعادة تنظيماتهم .

كان قادة البعث في كربلاء عندما يتحدثون معنا ونحن معتقلون يتسائلون بإستغراب عن سر حب الناس للحزب واستعدادهم للتضحية وتحديهم للسلطة، خاصة بعد ان لاحظوا عدم استعداد الفلاحين لأستقبالهم والأستماع الى توجيهاتهم ولا حتى التعاون معهم بالرغم من الإغراءات والتهديدات. وتحضرني حادثة سمعتها عام 1973 في بولونيا من احد طلبة الدراسات العليا وهو اكرم فهمي وهو منتمي لحزب البعث منذ عهد عبد الكريم قاسم ومازال حينها حزبيا، وكان في كل جلساته يتذكرها ويضحك حيث يصف لنا تحرك منظمة البعث في الناصرية بعد ان تسلموا السلطة عام 1963 وكيف كانوا يعانون من كره وعدم ثقة الجماهير بهم وخاصة الفلاحين، ويقول: في احد نشاطاتنا الجماهيرية كان علينا ان نجمع الفلاحين في مدينة الناصرية ونواحيها لحضور تجمع جماهيري في المدينة. وهكذا اخذنا اللوريات (سيارات الحمل المكشوفة) وتوجهنا للقرى والنواحي وحشدنا المئات منهم، واعطينا كل واحد منهم ربع دينار ووجبة طعام من خبز وبيض، وطلبنا منهم ان يهتفوا بحياة حزب البعث والثورة خلال سير السيارات على طول الطريق. وكانت سيارات الحرس القومي تتقدمهم، الى ان وصلوا مكان التجمع لاحظوا عدم وصول جميع السيارات، وقرروا العودة لمعرفة سبب التأخير، فوجدوا ان نقطة السيطرة في اول المدينة قد احتجزت مجموعة من السيارات بركابها من الفلاحين، ولما استفسرنا عن السبب اخبرتنا نقطة السيطرة ان الفلاحين كانوا (يهوسون) بإهزوجة ضد البعث وهي (خمسة بالشهر ماتو البعثية)، ولما استفسرنا منهم لماذا غيرتم الاهزوجة التي طلبنا منكم ترديدها؟ اجابو: والله ياستاذ ملينا من هذه الاهزوجة وعجبنا نرجع لهوسات ايام زمان! طبعا كان هذا الزميل البعثي يقص علينا هذه القصة وهو معجب بقدرة الحزب الشيوعي على اقناع الفلاحين ببرامجه وافكاره.

كنا في السجن نسمع بأعتقالات قيادات الحزب وحملات التعذيب البربرية وأغتصاب النساء حتى مدينة كربلاء والنجف المقدستين لم تسلم فيها النساء من الاعتقال والتعذيب، ففي كربلاء اعتقل الحرس القومي المناضلات نبيهة الزبيدي، بدرية يحيى النجار وفائقة وفليحة الطيار وام عادل واخريات وتعرضن للتعذيب. ومما شجع مسؤولي حكومة شباط الفاشية بالتمادي في اعتقال النساء وممارسة أبشع أنواع التعذيب معهن وأحيانا الاغتصاب هو مواقف المراجع الدينية المتفرج والمتشمت بكل أسف، لأن الحملة البربرية موجهة بالأساس ضد الشيوعيين وكانت بعض المراجع الدينية في النجف قد أصدرت فتاوي حاقدة ضد الشيوعيين وانجازات ثورة 14 تموز، مما اعطى انطباعا للأنقلابيين بأن المراجع موافقة على جميع انتهاكات الحرس القومي بما فيها القتل تحت التعذيب، وإلا كيف يفسر الصمت المطبق للمراجع، شعية كانت ام سنية، لجرائم التعذيب حتى الموت واعتقال وتعذيب النساء واغتصابهن وقتل الاطفال لأنتزاع اعترافات عن ابائهم. وقد ذكر عبد الغني الراوي احد المشاركين بالانقلاب الدموي انه استحصل على فتاوي من ثلاث مراجع تحلل قتل الشيوعيين لأنهم مرتدين، وذلك ليبرر عمليات الاعدام التي كان يخطط لها قادة انقلاب شباط من بعثيين وقوميين بحق الضباط الشيوعيين والديمقراطيين، ولم يكذب اي مرجع ادعاءات الراوي، وهذا يعني ان ادعائه صحيح. وعلى القاريء ان يتصور كم كان البعثيون والقوميون متعطشين لقتل وتصفية الشيوعيين بحيث ان عبد الغني الراوي كان متحمسا لتكليفه للسفر الى نقرة السلمان بعد حركة الشهيد حسن سريع لأصدار وتنفيذ حكم الاعدام بالضباط الشيوعيين بعد محاكمة صورية. ورفض السفر الى سجن نقرة السلمان لأن العدد الذي حدد له لتنفيذ حكم الإعدام بهم ثلاثين مناضلا، وكان عبد الغني الراوي يرى ان هذا العدد قليل لا يستحق السفر!! وكان يأمل بأن ينفذ حكم الأعدام بالعشرات منهم!! وبالتالي تخليه عن متابعة فكرة اللحاق بالسجناء بعد وصولهم سجن نقرة السلمان لتنفيذ مجزرة الموت !! (1). وفي النجف اعتقلوا ناشطات شيوعيات (مليحة الحكيم وشقيقتها) تربطهن صلة قرابة مع احد المراجع الشيعية البارزة ، وترجت عائلتهن من المرجع مستثمرة صلة القرابة به للتوسط للافراج عنهن من قبل الحرس القومي، فرفض المرجع التوسط لكونهن كما يزعم شيوعيات ملحدات ومرتدات يستحقن القتل!! ودشن إنقلابيوا شباط الدامي من بعثيين وقوميين عهدا جديدا في تأريخ العراق من القتل والإنتهاكات لحقوق الإنسان. واستمرت المجازر وخاصة في عهد البعث ايام حكم احمد حسن البكر ثم صدام بحق شعبنا العراقي وقواه الوطنية وحتى شمل القتل والتصفيات تحت التعذيب البربري العديد من المراجع الدينية بحجة العمالة لأيران.

بعد اعتقالنا أيام الحرس القومي بقيت عائلتنا المتكونة من والدتي وسبعة شقيقات دون رعاية رجل، في ظرف ساد فيه الأرهاب والتصفيات السياسية واعتقال النساء وتعرضهن للتعذيب والإغتصاب، وفقدت الوالدة المصدر المالي لإعالة العائلة، حيث كان مصدرنا المالي الوحيد راتب والدي فقط ، وكان راتب متواضع دون الستين دينارا بالرغم من خدمة الوالد الطويله في سلك التعليم ، فتأثرت واوقفت ترفيعاته بسبب الاعتقالات والفصل وسحب اليد خلال العهد الملكي ثم العهد الجمهوري. أما أخي همام فقد كان معلما في بغداد وفي نفس الوقت كان طالبا في كلية التربية، وكان احد قادة العمل الطلابي والحزبي في الكلية وقد ساهم بنشاط مع رفاقه وزملائه لكسر الاضراب الطلابي الذي قاده الاتحاد الوطني تهيئة لأنقلابهم الدموي، وكنا قلقين عليه بسبب غموض الوضع في بغداد وإنقطاع أخباره. وهكذا كانت والدتي هي المسؤولة عن شؤون البيت ورعاية بناتها السبعة وكانت أكبر شقيقاتي طالبه في الثانوية أما الصغرتان فلم تدخلا المدرسة بعد. وقد عانت الوالدة بسبب انقطاع مورد العائلة الوحيد وهو راتب والدي الشهري، وكان عليها أن تتدبر ايجار البيت البالغ 14دينار شهريا ومصروف البيت ومصاريف شقيقاتي ومعظمهن طالبات إضافة لمصاريفنا ونحن في المعتقل.


أخي الطيب الذكر همام في كلية التربية عام 1962

بعد انتقالي انا واخي كفاح الى سجن الحلة وبقاء والدي معتقلا في كربلاء، تعقدت وصعبت مهمة والدتي، فكان عليها رعاية بناتها وتوفير مستلزمات حياتهن اليومية وما تتطلبه مدارسهن وتوفير ايجار البيت اضافة لمصاريف الزيارات من كربلاء للحلة وتوفير المأكل الضروري لنا. كانت الوالدة تزورنا كل اسبوع مصطحبة معها قسم من شقيقاتي بالرغم من صعوبة وضعها المادي، وتجلب لنا الأغذية من كباب وكبة وبطاطة مسلوقة وطماطة وخبز مايكفي لإسبوع كامل، وتنتظر ساعات تحت أشعة الشمس المحرقة مع شقيقاتي في باب سجن الحلة ولم تتذمر أوتشكُ وكانت بمعنويات عالية، كان كل مايهمها ان توفر لنا الإطمئنان لكي نكون مستعدين لمواجهة تحقيقات الحرس القومي. كانت رحمها الله انسانة شجاعة ومكافحة وصبورة، وتنقل لنا اخبار مدينة كربلاء وما يحصل فيها من اعتقالات وأشاعات، كما كانت تخفي همومها ومعاناتها عنا وتحاول ان تدبر معيشة العائلة وتسديد ايجار البيت دون ان تتذمر او تشكُ. حتى أخي الأكبر كفاح المتزوج والمستقل في بيته مع زوجته، كانت والدتي هي المسؤولة الوحيدة عن وضعه في سجن الحلة وحتى في كربلاء وتزوده بما يحتاج من طعام وملابس وغيرها خلال فترة اعتقاله التي تجاوزت الأربعة اشهر، وحتى بعد الافراج عنه من المحكمة كانت والدتي واخي الراحل همام هما من دبرا له جواز السفر وبطاقة الطائرة لمغادرة العراق الى المملكة العربية السعودية للعمل.

يتبع


(1) د. علي كريم سعيد، العراق البرية المسلحة، حركة حسن سريع وقطار الموت 1963 ص243 – 246 .
 

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الثلاثاء 27/6/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة