ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.

يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة


أوراق توما توماس
( 8 )


محاولات لانهاء نفوذ انصارنا بين الجماهير في منطقة بهدنان - 2

في يوم 15 آيار 1967 وجرياً على ما يحصل كل عام ، اقيم الاحتفال بعيد مريم العذراء ( شيرا ) في دير السيدة ـ القوش. إن الاحتفال اشبه بكرنفال شعبي تحضره الاف العوائل المسيحية من مختلف انحاء العراق. وتنتشرحول الدير العوائل وهي مزودة بمختلف انواع الاطعمة. وتسود معالم الفرح وترتسم البهجة على الوجوه. أما الدبكات الشعبية فتستقطب مجاميع الشباب والشابات، ويتحول المكان الى لوحة فنية تتراقص فيها الوان الملابس وضحكات الاطفال . وتجمع الانصار الشيوعيون برفقة عوائلهم ومجاميع من الاصدقاء في مكان واحد، وكنت مع عائلتي اشارك الاخرين هذا الاحتفال .

جاء احد ازلام مردان حسن زكر ليخبرني ان مدير الناحية يريد اللقاء بي، وهو ينتظرني في الوادي امام الدير. استغربت من طلبه ، اذ لم يكن بيننا اي معرفة مسبقة. فقلت للمراسل، اخبر سيدك بأن خيمتنا واسعة والجميع سيرحبون به اذا جاء بنفسه. اما انا فلن اذهب الى حيث يريدني شخص لا اعرفه. اقترح الرفيق عبد جمعة تلبية الطلب لمعرفة ما الذي يريده. رفضت ذلك بشكل قاطع ، واوضحت للرفاق انه يريد ان يري للجميع لقائي به ، وبالتالي يمكنه ان يلفق مزيدا من التهم ، ويدعمها بهذا اللقاء .

*****
لم تفل عزيمة مردان حسن واستمر في محاولاته الدنيئة ضدنا. واستطاع في احدى تلك المحاولات الايقاع برفاقنا لغفلتهم مما يحاك ضدهم في الخفاء. ففي صيف عام 1967 كان مردان حسن و كاتب ناحيته انطوان في بيبان ضيفان على شيخ ميرزا(3) بمناسبة ( طوفان بيبان )(4). قام المدعو صاحب، وهو نصير سابق ترك الانصار، وبدفع من صالح نرمو وتشجيعه، بمحاولة اعتداء على الرفيق اسماعيل كجل وأهانته اثناء مروره بالقرية في طريقه الى المقر في دير الربان هرمز. وقد تحمل الرفيق اسماعيل تلك الاهانة و تمكن من مغادرة القرية، وحال وصوله الى المقر قدم تقريرا موجزا عن الموضوع. وبأنفعال متعجل اقترح بعض الرفاق، ومنهم شعيا اسرائيل وصباح ياقو واخرون، التحرك مباشرة الى القرية لاعتقال المدعو صاحب. لم اوافق على مقترح الرفاق لانني كنت واثقا من ان محاولة الاعتداء على رفيقنا ما هي الا فخ واضح لجرنا نحو الاسؤ. وان من قاموا بها يتوقعون رد فعلنا ومتهيئين له تماما. وقلت " علينا التريث واتخاذ القرارات بحكمة وبهدؤ بعيدا عن اي تصرف غير مدروس غير محسوب النتائج ". واضافة لذلك فأن مجموعة الرفاق اصحاب المقترح كانوا اكثر الرفاق بعدا عن ضبط انفسهم في مثل هذه المواقف. الا أن تمسك رفاقنا بالمقترح واصرارهم على تنفيذه، اضطرنا اخيرا الى طرح الموضوع على اللجنة الحزبية في المقر، والتي وافقت على تحريك مفرزة من الانصار الى القرية ولكن من اجل التحقيق في الموضوع فقط والعودة بسرعة .
قاد المفرزة الرفيق شعيا اسرائيل. وعند وصولهم الى القرية توجهوا فورا الى دار شيخ ميرزا. كان مدير الناحية وكاتبه انطوان ما زالا هناك. وبمجرد أن دخل رفاقنا، استنفر مسلحو صالح نرمو واحتلوا الاسطح المحيطة بالدار. وانتبه الرفاق لهذه الحركة غير الاعتيادية فقرروا الخروج من الدار. الا ان مسلحو صالح اطلقوا النار عليهم، فما كان من رفاقنا الا الدفاع عن انفسهم والرد على الاعتداء. و على اثر تبادل اطلاق النار سقط احد مسلحي صالح ويدعى ( داؤود ) قتيلا .

انسحب الرفاق بسرعة متوجهين نحو بوزان في طريقهم الى المقر. الا ان مجموعة من المسلحين قادها مشكو خمي وصلت قبلهم بواسطة تراكتور الى بوزان. وكان هناك كمين لهم على طرف منها، واصطدم رفاقنا مع أفراد الكمين فجرح منهم ستة رفاق .

وهكذا وجدنا انفسنا وسط مشكلة عويصة نتيجة لفخ محكم نصبه صالح نرمو ومروان حسن. وزج رفاقنا انفسهم فيه بسبب تسرعهم ، وبذلك قدموا للمعادين لنا مبررات مقنعة لتحريض قيادة الثورة الكردية ضدنا. كما توحدت جهود عدة قوى معادية لنا في مسعى لتصفية نشاطنا اولا، ثم الانقضاض علينا .

تحرك صالح نرمو وبدعم من بيت المير ومحلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني المتكونة اساسا من الايزيديين، وتمكنوا من تحريض الفلاحين في القرى ضد الشيوعيين وضد المسيحيين. ولم تكن السلطة بعيدة عما كان يحصل، بل كانت تؤجج الصراع من خلال ممثلها مدير الناحية.

وفرض حصار على مقرنا في دير الربان هرمز. فقد وضعت الكمائن في اطراف القوش لقطع الطريق امام انصارنا لمنعهم من دخول القوش والتزود بالارزاق. كما فرض حصار مماثل على عوائلنا لمنعهم من الخروج من القوش. واخيرا دونت عريضة وقعها مختارو القرى وقصر المير واعضاء لجنة الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني ، ورفعت الى قيادة الثورة الكردية ،وتشترط الآتي :
1 ـ محاكمة الشيوعيين المتسببين بمقتل داؤود.
2 ـ طرد الانصار الشيوعيين من بهدينان ونقلهم الى سوران.

وفي حالة عدم موافقة قيادة الثورة الكردية على المطلبين، فإن الموقعون سينسحبون مع مسلحيهم من الثورة ويلتحقون بالسلطة .
اوعز البارزاني الى آمر الهيز حسو ميرخان بالتحقيق في المشكلة. فوصل الى مقرنا ولاحظ الحصار المفروض علينا من جهة القوش. ولاحظ ايضا مجموعة شباب يتقدمهم إبني جوزيف يقودون بغالا محملة بالارزاق ويسلكون طرقا عصية عبر الجبل تجنبا للكمائن. ثم توجه حسو الى بيادر القوش للالتقاء بممثلين عن الاهالي لاستطلاع رأيهم. وتبين لحسو ميرخان ان الاهالي ليس لديهم اية شكوى ضدنا اطلاقا، وانما العكس تماما. ولم يوقع العريضة اهالي القوش بإستثناء اعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني فقط .

بعد اسبوع كامل من التحقيقات، تنقل حسو خلاله بين مقرنا وبين ( بيبان )، قرر تحميل الرفاق شعيا اسرائيل وصباح واسماعيل كجل وعلي خليل وسيدو خلو مسؤولية الحادث، فأخذهم معه الى مقره واودعهم السجن .

مع ذلك لم يستقر الوضع، حيث استمر الايزيديون في المنطقة بدعم من منظمات الحزب الديمقراطي الكردستاني بمحاربة رفاقنا ومنعهم من دخول قراهم. وشمل المنع رفاقنا الايزيدية ايضا، اذ لم يسمح لهم بزيارة عوائلهم في تلك القرى .

واخيرا وتحت ضغط كبير من الايزيدية استجاب البارزاني للضغوط، وطلب من حسو ميرخان نقلنا الى منطقة سوران .

درست اللجنة المحلية ولجنة الانصار قرار النقل ووافقت عليه لاجهاض المؤامرة المحاكة ضدنا، على ان نشترط على حسو الموافقة على بقاء مكتب المحلية ومن لا يصلح للعمل الانصاري في قرية جمانه (5) لتمشية الشؤون الحزبية في المنطقة. وقد استجاب انصارنا لذلك القرار بشكل جيد، ولم يتخلف عن السفر الا عدد قليل جدا ولاسباب صحية .

وصلنا الى مقر حسو ميرخان وعدد انصارنا 45 نصيرا، ويرافقنا الرفيق احمد كريم (ماجد) سكرتير محلية الموصل. رحب بنا حسو بحرارة، مستغربا حماسنا للسفر بعيدا عن منطقتنا وعن عوائلنا، ومعجبا بنفس الوقت بأخلاص الشيوعيين وصدقهم. كان حسو قلقا، يبدو عليه وكأنه مغلوب على امره، بسبب الوضع الجديد والمتأزم في منطقة الزيبارعلى اثرالتحاق مصطفى دوستكي وجماعته بالسلطة. اذ لم يتبق لحسو في هذه المنطقة الخطرة سوى مفرزة لا تتجاوز 15 مسلحا من البارزانيين، اضافة الى 12 مسلحا بقيادة عبد الرحمن الذي لم يكن پيش مرﮔة، وانما كان هارباً من عقرة. حاول حسو ايجاد طريقة مناسبة للحديث حول الموضوع، و فاتحنا أخيراً، الرفيق ماجد وانا، بمقترح البقاء في منطقة الزيبار بدلا من السفر الى سوران. ولم يكن حسو يجهل بأن ذلك يتطلب قرارا مباشرا من البارزاني .

لم نعطه جوابا، بل طلبنا منه وقتا لاستطلاع اراء الانصار بالمقترح. ووافق الجميع بأعتبار ان بقاءنا في منطقة الزيبار سيكون حلا وسطيا يمكّننا من العودة ثانية الى منطقتنا. كنا على ثقة ان حسو بحاجة لقوتنا الانصارية، وهو على استعداد لايقاف تنفيذ قرار البارزاني، وله مبررات مقنعة سيقدمها لقيادة الثورة. إنه لم يطلب منا البقاء في الزيبارالا بسبب عدم وجود قوة اخرى بديلة يعتمد عليها .
وعليه قررنا الموافقة على البقاء في الزيبار، على أن يقترن ذلك بتعزيز مكانة قوتنا الانصارية، وعلى الاخرين ان يعترفوا بهذه المكانة، وان يفهموا اننا لم نحمل السلاح لكوننا مجرد هاربين من السلطة، بل لكوننا انصاراً مسلحين للحزب الشيوعي العراقي ، ولنا مكانتنا المشهودة وسط الجماهير .

اخبرنا حسو بالموافقة ولكن بشروط : اطلاق سراح رفاقنا المحتجزين عنده، و ارسال الرفاق المحتجزين مع مفرزة الى منطقتنا لاثبات وجود قوتنا الانصارية، وفي خطوة كتحدي لكل من تسبب في تلك المشكلة. كما إشترطنا ابقاء فصيل حماية من 15 نصيرا برفقة مكتب المحلية .

وافق حسو وبسرعة على شروطنا، فأطلق سراح رفاقنا، وأرسلناهم مباشرة الى منطقتنا .
ثم قررنا التوجه الى منطقة الزيبار، وأرجئنا التوجه لمقابلة البارزاني لغرض الحصول على قرار بإلغاء نقلنا الى سوران الى ما بعد الانتهاء من اختيار مقر جديد لنا واستقرار انصارنا فيه .

اتخذنا من قرية ديڤري (6) مقرا لنا، وتوفرت فيها لانصارنا ولاول مرة الفواكهة والخضراوات التي خلفها الزيباريون بعد تركهم للمنطقة. وبات الانصار يمتلكون الشاي والسكر والطحين والرز ايضا. وكان لقوتنا الانصارية صدى قويا في منطقة عقرة نتيجة الدعايات التي بثها الاصدقاء والاعداء عنا وعن سلاحنا الفتاك (البازوكا).
بقيت قوتنا في ديفري صيف 1967 وحتى عام 1968، حيث رجعنا الى منطقتنا لان كل التوقعات كانت تشير الى استعدادات غازي حجي ملو للالتحاق بالسلطة. وكان من غير الممكن ترك المنطقة فارغة من البيشمركة. واتخذنا بيرموس مقرا لنا، في الوقت الذي كانت حدة التوتر بيننا وبين اهالي المنطقة قد خفت كثيرا .


(3) شيخ ميرزا رجل دين ايزيدي من بيبان ، كانت له مكانة مرموقة في الوسط الجماهيري ، كان بعد ثورة 14 تموز عضوا في الحزب الشيوعي العراقي ، ترك العمل السياسي بعد تأزم الاوضاع وملاحقة الحزب من قبل رجال الامن .
(4) من اعياد الأيزيدية ، وهو اشبه بمهرجانات شعبية احتفالا بمقدم الربيع ، وتبدأ عمليا من بعشيقة في نيسان لتنتهي في سنجار  .
(5) قرية جمانه ، قرب بيرموس مقرنا الانصاري اتخذناها مقرا لمكتب المحلية للتنظيم المحلي .
(6) ديفري ، قرية في منطقة نهلة قرب دينارته مركز ناحية نهلة ، تقع على سفح جبل بيرس جنوبا ، كان سكانها من الاثوريين هجّرهم الزيباريون وحلوا محلهم ، فيها نهر صغير ينبع من بيرس ، اراضيها خصبة ، اصبحت مقرنا اثناء ابعادنا من المنطقة .

يتبع

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
 

الأحد 26/11/ 2006

| أرشيف الذكريات  |