ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(2)

 

جليل حسون عاصي

(4)
في العام الدراسي 1945 /1946 شارك أخي الكبير رسول في الامتحان الوزاري للصف السادس الابتدائي وكان ترتيبه الاول على لواء الكوت ( محافظة واسط ) ,مما أهله للقبول في (كلية الملك فيصل ) , التي تديرها الإدارة البريطانية وفق برامج خاصة ,وعلى الطريقة الأوربية, ويجري التعليم فيها باللغة الانكليزية ,سافر إلى بغداد ولأول مره برفقه قريبه يونس علي المذخور الذي تحمل كل التكاليف ,وكان معه في الكلية إثنان من أبناء مدينة الحي هما ,الشهيد (عبد الرضا الحاج هويش )(1) والراحل ( زاهد محمد )(2) .
وضمت الكلية فضلا عن هؤلاء كوكبة لامعة من الطلبة ,أصبح لهم دور بارز ومؤثر بالعمل السياسي ,أمثال الراحل عأمر عبد الله الذي أصبح فيما بعد غضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ,وعدد أخر من الكوادر الحزبية .
لقد تحولت هذه الكلية إلى واحدة من معاقل الحزب الشيوعي الأمر الذي دفع الإدارة إلى ممارسة الضغوط على الطلبة والتعامل معهم بشكل فظ ,مما دفعهم للدخول في اضراب طويل أحتجاجا على المعاملة القاسية التي يتعرضون إليها عام 1947 .وكان رد فعل الإدارة فصل العديد منهم ,ومع هذا ظل نفوذ الحزب الشيوعي كبيراً بينهم وشاركوا بحماس مع الطلبة الآخرين ,في وثبة كانون الثاني عام 1948 ,مما جعلهم هدفا للاعتداء بعد الوثبة .وفعلا أقدمت زمرة من العناصر الرجعية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية بمهاجمة الطلبة في وضح النهار وجرح العشرات منهم ,وبدلا من معاقبة المعتدين عمدت الحكومة على غلق الكلية , وأعادة جميع الطلبة إلى مدنهم .
أشيع خبر الاعتداء على الطلبة في المدينة خاصة بين نساء المحلة ، ووصل الخبر الى الوالدة لم تكترث بالخبر اول الامر لانها تعرف ان ولدها هادئ ولم يتشاجر مع احد طيلة حياته . وليس له اقارب او عشيرة في بغداد لكي يفزع معها ، لأنها تعلمت بشكل غريزي ان المعارك دائماً ما تكون بين العشائر ، وبما أن ولدها خارج المعركة فلايهمها ان يذبح كل أهل بغداد ومثلها هنا كمثل ذلك الرجل الذي لم يكترث بحريق البصرة لأن أهله في الناصرية . واستغربت ايضاً عندما سمعت ان المعركة مع الحكومة ؛ فالحكومة في نظرها الرب الثاني وكل ما تقوم به على الرأس والعين ، ولا يجرأ شخص عاقل ان يتحرش بها . ولكنها عندما عرفت بأن الشرطة هاجمت كلية الملك فيصل واعتدت على الطلاب وطردتهم من الكلية أمتعضت وأخذت تبكي وتلطم على رأسها ، وتجمعت النسوة في البيت تروي كل واحدة منهن الأحداث حسب هواها ، ويتبارين في تهويل الأمور . حاول والدي تهدئتها فلم يتمكن وحذرها من دعايات النساء انها تخرب البيوت ، لقد أربكت دعايتهن القوات التركية المرابطة في احدى المناطق القريبة من البصرة عند دخول القوات الإنكليزية الأراضي العراقية في الحرب العالمية الأولى . مما دفعهم الى جمع نساء المنطقة ووضعهن في احدى الخانات الواقعة بين البصرة وناحية الدير ، وجعل حراسة مشددة عليهن . وصدفة وضعت أحدان رأساً من البصل في (الملة) – نار غير متوهجة – وأنشغلت في الحديث مع صاحبتها ، أحترق رأس البصل دون ان تفطن صاحبته، فنبهتها صاحبتها ان البصلة أحترقت ، ألتبس الامر على واحدة قريبة منهن وتخيل لها ان البصرة احترقت صرخت بأعلى صوتها (يبوي احتركت البصرة) وأخذ الصراخ يتعالى بينهن . ارتبك الحرس وهرعوا الى داخل الخان لاستطلاع الموقف وبعد التحقيق ظهر ان هناك التباس بين البصلة والبصرة .
ولم تغير قصة الوالد ولا تطميناته العديدة من تهدئة الوالدة وظلت تذرف الدموع بسخاء وبعد ان نفذ صبرها التقطت عباءتها وطلبت مني مرافقتها الى بيت (أم زاهر) لعلها تجد خبراً لديها . ولم تنفع كل توسلات العائلة من ثنيها على مغادرة البيت .
كان الوقت ليلا والجو باردا والشوارع خاليه من المارة الا من صوت عذب يردد اغنية شعبية شاعت في تلك الفترة , يقول مطلعها:

                             الوجن الوجن         يهواي الوج عليك
                             ظليت اهو جن        مثل الشربله سموم 


استقبلتها (أم زاهد) استقبالا حاراً وأكدت لها ان كل ما قيل مجرد إشاعات لا أساس لها من الصحة . وأقسمت لها بأغلظ الأيمان بأن المظاهرات توقفت والحكومة سقطت ، وأن الاولاد سيعودون إلينا غداً . وسأدعوكِ الى (شاي العباس) عند قدومهم ، عادت الوالدة تكفكف دموعها بعد أن طيبت (أم زاهد) خاطرها ببعض الكلمات وأعطتها الأمل بسلامتهم وعودتهم ومع هذا ظلت تندب الله ان يعيذها وأولادها من هذه السنة وعاشت العائلة شتاءاً صعباً, عانت فيه اللوعة والجوع والبرد والحرمان, وبعد أيام قلائل وصل رسول إلى المدينة وأصبح حبيس البيت إلا انه يتمتع بمعنويات عالية وإصرار كامل على مواصلة دراسته ، واشترك فعلاً في الامتحان الوزاري لطلبة الصف الثالث كطالب خارجي ومن ثم أكمل المرحلة الإعدادية في ثانوية الكوت قضاها بضيافة طلبة القسم الداخلي الذين أشركوه طعامهم وشرابهم وفراشهم لمدة سنتين متتاليتين على مسؤوليتهم الخاصة, بعد ان رفضت مديرية المعارف الموافقة على قبوله في القسم الداخلي, هكذا كان التضامن الطلابي ,والذي ترسخت على أساسه وحدتهم الفولاذية .ورغم الظروف الصعبة التي جابهته حصل على معدل جيد أهله للحصول على بعثة دراسية, خارج العراق إلا انه حرم من هذا الحق لأسباب سياسية مما اضطره لإكمال دراسته في دار المعلمين العالية, وترك هذا الحرمان أثره السلبي على مجمل سلوكه اللاحق.وظل طيلة حياته يعاني من عقده أسمها الفقر.يعتقد أنها حالت دون تحقيق طموحاته، للالتحاق بكلية مرموقة.كالطب أو الهندسة لان الدراسة فيهما حين ذاك، كانت على نفقة الطالب الخاصة وهو لا يملك ثمن رغيف الخبز.

(5)
التحقت بالكتاتيب بعد انتقالنا إلى البيت الجديد, لرغبة والدي في تعليمي قراءة القرءان الكريم انسجاما مع توجهاته ألدينية، ولان عمري لا يتناسب مع السن القانوني لدخولي المدرسة.اصطحبتني جدتي إلى (الملّه بحري ) وهي امرأة كبيرة تعيش مع أختها في بيت واحد، تقوم الثانية بكل إعمال البيت في حين تتفرغ هي لتعليم الأطفال فقط، والاثنتين عوانس دخلن سن اليأس من فترة بعيدة، وهن من عائلة عريقة ومعروفة في المدينة، كنت موضع رعاية واهتمام لديها بسبب العلاقات العائلية التي تربطنا معها وأحظى بعطفها واهتمامها كثيرا بسبب وضعي الصحي المتردي، ولكوني أتابع تعليمي بشكل جيد، وأساعدها في تعليم الأطفال، حيث تقوم هي أولا بقراءة عدد من الآيات القرآنية عدة مرات بعدها تطلب مني مواصلة قراءتها أمام الأطفال وهم يرددونها من بعدي وهكذا. كما عهدت لي بزفة الأطفال الذين يختمون القرءان من كلا الجنسين لان التعليم مختلط, والزفة تعني تعريف أهل الطفل المحتفى به بأنه قد ختم القرآن وهي بمثابة شهادة تخرج كما هي الحال عليه في المدرسة.
وفي العادة تنطلق الزفة من دار الملّه ويكون خاتم القرءان ، نظيفا ومرتديا أفضل ما لديه من الملابس ، ويكون في ألمقدمه من زملائه ويقف إلى جانبه اثنان أحدتهما من اليمين والآخر من اليسار يرتدون أيضا أفضل ما لديهم من الملابس ويعرفون بـ (السراديج) . ويصطف الأطفال من ورائهم على شكل رتلاً يتجولون في الشوارع وهم يرددون الديباجه التالية :

                الحـمـدُ لله الذي تحـمدا                 حمداً كثيراً ليس يحصى عددا
                كلم موسى واصطفى محمدا           وانزل القرآن نـوراً وهـدى

وهكذا حتى نهاية الديباجة، وبعدها يتوجهون نحو بيت خاتم القرءان، وفي بعض الأحيان تقوم عائلته بتوزيع الحلوى على الأطفال أو إعطائهم قطع نقدية صغيره أو وجبة طعام بسيطة ان كانت ميسورة الحال.
التحقت بالمدرسة بعد ان ختمت القرءان، وعانيت من جراء ذلك صعوبات كثيرة ، لعدم تمكن العائلة من توفير الملابس والأحذية التي تقيني برودة الشتاء ، فكم من مرة تعرضت إلى التهابات حادة من جراء ذلك وفي أحدى المرات على ما أتذكر توقفت في منتصف الطريق بين البيت والمدرسة لعدم قدرتي على المشي وأنا ارتعد من البرد القارص ، فما كان من احد المارة إلا ان وضعني تحت عباءته وأرسلني إلى أهلي كما عانيت من تدهور وضعي الصحي بسبب سوء التغذية لأني اذهب صباحا إلى المدرسة دون ان أتناول أي نوع من أنواع الطعام فضلا عن حالة الانكسار النفسي الذي عانيت منه ، إمام زملائي التلاميذ لأنهم يشترون قطع الحلوى من حانوت المدرسة عند الاستراحة في حين لا استطيع أنا مجاراتهم في ذلك لأني لم استلم يوما أي قطعة نقدية خلال الست سنوات التي قضيتها في المرحلة الابتدائية لذلك كنت أكابر أمامهم وامتنع كليا عند دعوتي لمشاركتهم ولم يكن حال ( رسول ) في بغداد أفضل من حالي فمعاناته اكبر بكثير لأنه يدرك التمايز بينه وبين غيره من الطلبة الآخرين بشكل أعمق ودائما ما يذكر والألم يعتصر قلبه انّه يتحاشى دخول نادي ألطلبة لأنه لا يملك ثمن كوب الشاي ويتذكر كيف زاره عمه (كرم عاصي) يوما في الكلية وعرض عليه المساعدة ، الا انّه رفضها مدعيا انه غير محتاج لاي مساعده وبعد ان فتش العم جيوبه وجد فيها (ثلاث عانات ) أي(اثنا عشر فلسا) وقال له في حينها لديك ثلاث عانات وتدعي انك غير محتاج! ومع هذا رفض ان يستلم أي مبلغ منه .ولم تستطع العائلة تقديم المساعدة لنا وتخليصنا من الوضع النفسي الذي نعاني منه، بسبب وضعها الاقتصادي الذي استمر بالتردي شيئا فشيئا . وكل ما استطاعت العائلة تقديمه لنا هو ستر أجسامنا بملابس نظيفة رغم انها لا تفي بالغرض تيمناً بالمثل القائل ( اظهر امام الناس جوعان ولا تظهر امامهم عريان). هذا ما تردده العائلة على أسماعنا دوما على اعتبار أن الناس لا تلاحظ ما في بطوننا وانما قطعا تلاحظ مظهرنا الخارجي .
بهذه الروحية كانت العوائل الفقيرة تربي ابنائها على الكرامة وعزة النفس لكي لا تنحدر إلى طريق الرذيله تحت ضغط الحاجة .
أن حياة العوز والحرمان اضطرتني للعمل في سن مبكر أيام الجمع والعطل الرسمية في بيع الحلوى والفواكه والخضر ورعي الأغنام والعمل عامل بناء في وقت كان فيه يوم العمل من طلوع الشمس حتى غروبها . لسد احتياجاتي من الدفاتر و الأقلام ومساعدة العائلة في شراء بعض احتياجاتها البسيطة جدا ، ومع هذا كانت العائلة متماسكة مستسلمة لقدرها بل واكثر من ذلك كانت متفائلة جدا على مستقبلها ومستقبل ابنائها الذين يتقدمون بالدراسة .

(6)
رافقت جدتي عندما كنت تلميذا في الصف الثالث الابتدائي , لزيارة العتبات المقدسة فقد ظلت توعدني بها منذ زمن بعيد ، لانها هي الأخرى كانت تمني نفسها وتحلم بهذا اليوم لذلك أستمرت فترة طويله تضع الفلس على الفلس إلى ان جمعت المبلغ وحققت أمنيتها ، وقد لاحظت لاحقاً العديد من العجائز في القرى النائية ومناطق الاهوار يمارسنه نفس الأسلوب الذي مارسته جدتي من أجل تحقيق زيارة العتبات المقدسة والخروج إلى العالم بحدوده الدنيا أي كما يقال ( زيارة وتسياره) أقول هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أغادر ,فيها المدينة وأركب الباص الخشبي الذي انطلق بنا من مدينة الحي باتجاه الغرب ,مارا بطريق صحراوي في منطقه تدعى(ضحيه) , وهي مشهورة برمالها المتحركة ،وهذا الطريق محفوف بمخاطر كبيرة فقد روت جدتي مشيره إلى الكثبان الرملية المنتشرة على جانبي الطريق انّ هذه الكثبان تتحرك عند هبوب الرياح من مكان إلى اخر وبسبب ذلك كثيراً ما تظل السيارات طريقها مما يؤدي إلى هلاك ركابها لانعدام الماء والطعام ويعثرون على جثثهم بعد حين وقد مزقتها الحيوانات المفترسة ،التي تعيش بكثرة في هذه المنطقة . واخبرتني ان احد ابناء عمومتنا (درويش) وجد جثمانه ممزقاً في هذا المكان وهو في طريقهِ للحاق بماشيته المسروقة . وعندما لاحظت علامات الخوف بانت عليّ , أدارت الحديث معي باتجاه اخر محاولة طمأنتي من ان السيارات التي تقصد العتبات المقدسة لا يمسها أي ضرر بفضل بركات الامام علي (ع ) وولديه الحسين والعباس ( عليهم السلام ) وبقيت في حالة ارتياب رغم كل هذه التطمينات إلى ان وصل الباص إلى مدينة عفك اول محطة في طرف الصحراء الغربية . وقف الباص في طرف المدينة قرب مقهى تقع على ضفة النهر نزل الركاب واحدا بعد الاخر وانتشروا حول ضفته ، غسل كل منهم وجهة ويديه ورجليه لازالة التراب الذي علق بهما من الطريق انشغل الجميع في أداء فريضة صلاة الظهر بعدها اخرج كل منهم متاعه من صرته ، تجمع الرجال في جهة والنساء والأطفال في جهة أخرى . وبدؤوا الأكل بشكل جماعي تقريبا حيث يضع كل منهم أمام صاحبه قسما مما في صرته ، توجه الرجال إلى المقهى لشرب الشاي ، وجلبوا معهم أقداح الشاي للنساء اذ لا تسمح التقاليد للمرأة بالجلوس في المقهى وشرب الشاي امام أنظار الرجال ، وبعد هذه الاستراحة القصيرة التي شملت حتى السيارة فقد قام سائقها بتزويد الراديتر بالماء لتبريدها ، اخذ الجميع أماكنهم بالباص وانطلقت من جديد وسط دعوات الجميع بالصلاة على محمد وال بيت محمد ولم يكن الطريق هذه المرة موحشا اذ كانت تحيط به القرى والمزارع من الجانبين ، واستمرت في سيرها تجتاز العديد من المدن والقصبات حتى وصلت مع صلاة المغرب إلى مدينة الديوانية ، وتكرر نفس المشهد الذي حصل في مدينة عفك، بعدها واصل الباص سيره ليلا مما خلق حالة عدم الارتياح لفقدان متعة النظر والاطلاع على الأماكن التي يمرون بها إلى ان لاحت لهم مدينة النجف الاشرف ، وبدأ الجميع وبصوت واحد بالصلاة على محمد وال بيت محمد ، كانت تلك الليلة ليلة التاسع من محرم الحرام ، والقمر لم يختفي بعد وعلى ضوئه والضوء المنبعث من المصابيح الكهربائية يلاحظ المرء لمعان القباب العالية المطلية بالذهب لمرقد الإمام علي ( ع ) مشكلة منظرا خلابا يترك أثرا كبيرا في النفوس ويعطي هالة كبيرة من الوقار لهذا المكان المقدس وما ان توقف الباص حتى هرع الجميع رغم عناء السفر ، الا ان صياح السائق وبعض الرجال أوقفهم بعض الشيء ، للتعرف على مكان التجمع بعد اداء الزيارة .
دخل الجميع مرقد الإمام ، هذا يقبل الباب ، واخر يقبل الشباك وثالث يجهش بالبكاء ، ورابع يرفع يديه عاليا بالدعاء ، وخامس يصلي على محمد وال بيت محمد بأعلى صوته ، عندها طلبت الجدة مني ان لا أفارقها وامسك بعباءتها لكي لا أضيع في الزحام ، كان الزحام قليلا لان الوقت كان متأخراً لذلك تمت مراسيم الزيارة بيسر ، طافوا حول الضريح ثلاث مرات مع مسك الشباك باليد وتقبيله عشرات المرات والتوسل إلى الأمام بمنحهم الصحة والعافية والرزق والستر وشفاء المرضى بما لديه من كرامة عند الله ، صلت الجدة صلاة الزيارة في حين بقيت احرك رأسي يمينا وشمالا مبهورا بهذا البناء الضخم المرصع بالذهب والفضة والجدران المغلفة بالرخام والمرمر والثريات الكبيرة التي تنير المكان وتعطيه بهجة فوق بهجته طلبت مني الجدة ان اقرأ لها الأدعية الموجودة على الضريح كانت حريصة كل الحرص على سماع كل كلمة لكي تكون زيارتها مقبولة واجرها كبير ، وهي تحثني على الاستمرار في القراءة عندما أتوقف لأني لا أجيد القراءة بشكل جيد أصلا فضلا عن ان الكتابة بأنواع الخط العربي غير المألوف لدي وقبل انتصاف الليل طلب احد الرجال ممن يضعون العمامة على رؤوسهم من الجميع مغادرة المكان تجمع ركاب الباص في المكان الذي حدد لهم مسبقا عندها رافقهم السائق إلى بيت قريب من مرقد الإمام الذي سبق وان حجز لهم فيه غرفتين واحدة للرجال وأخرى للنساء والأطفال قضوا ليلتهم فيهما.
وفي صباح اليوم التاسع من محرم تمت نفس المراسيم ولكن بجهد كبير لشدة الزحام ، وبعد منتصف النهار توجهوا إلى الباص وحشروا أنفسهم فيه منطلقين إلى مدينة كربلاء المقدسة لإقامة مراسيم زيارة الإمام الحسين ( ع ) في ذكرى يوم استشهاده وفي الصباح الباكر للعاشر من محرم دخلت صحن الإمام ( ع ) مواكب طويلة لرجال حليقي الرؤوس يرتدون الأكفان ،ويدعى هؤلاء بمواكب القامات او (التطبير) يحمل كل منهم سيفا يضرب به رأسه والدماء تسيل منه وخلفهم رجال يحملون عصى غليظة يعرفون(الشكافة) ويعملون على رفع السيوف عن الرؤوس للتخفيف من قوة الضربة ثم جاءت مواكب (الزناجيل) ومواكب اللطم على الصدور وبعد الانتهاء من هذه المراسيم توجه الجميع إلى ضريح ( الحر الرياحي ) الذي استشهد في معركة الطف دفاعا عن الإمام الحسين (ع) بعدها تجمع مئات الآلاف من الناس في مكان واسع خارج المدينة بعد الظهر حيث أقيمت مشاهد تمثيلية تبين سير المعركة بين جيش يزيد بقيادة عمر بن سعد وبين الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأنصاره والتي انتهت بانتصار الأول عسكريا واجتياح المخيمات التي تلوذ بها العوائل وحرقها بعد نهبها وسَوْق النساء والأطفال سبايا إلى الكوفة برفقتهم نجل الحسين ، الإمام علي بن الحسين (ع) الملقب( بزين العابدين) وجسدت كيفية استشهاد عبدالله الرضيع وهو في حجر والده بسهم اطلقه عليه حرملة بذبحه من الوريد إلى الوريد ، وكيف تجمع القوم على قتل الإمام الحسين(ع) ثم قطع رأسه وإبراز الجانب الهمجي واللإنساني في هذه المعركة الغير متكافئة والتي دارت بين الخير والشر مما اثار مشاعر الحاضرين الذين ضجوا بالبكاء والصراخ والعويل واللطم على الصدور والرؤوس من قبل الجماهير الغفيرة المحتشدة التي جاءت من جميع إنحاء البلاد لإحياء هذه الذكرى الأليمة بعدها هدأ كل شيء ، ايذانا بالعودة إلى الاماكن التي قدموا منها .

يتبع


1- عبد الرضا حجي هويش/ أحد أبناء مدينة الحي أنتسب للحزب منذ بداية شبابه فصل من كلية فيصل بعد وثبة كانون 1948، شارك بأنتفاضة الحي 1956 بعدها هرب إلى سوريا و اصبح فيما بعد نائبا لرئيس اتحاد الطلبة العالمي وأستشهد على أثرسقوط الطائره التي أقلته والوفد المرافق له في طريقه من الصين الشعبيه إلى الاتحاد السوفيتي في خريف عام 1958 ,وأقام في حينها أبناء مدينة الحي حفل تأبيني,أضافه إلى مسيره جماهيرية صامته له.
2- زاهد محمد / ..الشاعر الشعبي والمناضل المعروف الذي قضى زهرة شبابه في السجون والمعتقلات وأصبح شعره الذي يتغنى بالوطن والشعب والحزب,على كل لسان وله اشعار غنائية أيضا ,منها (أوبريت غيده وحمد ) و(ورده وبدر) ,التي غناها المطرب الريفي الراحل(جواد وادي ) .
 

¤ الحلقة الأولى

الثلاثاء 26/12/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة