ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

| أرشيف الذكريات  |

 

 

 

 

 

                                                                                  الخميس 26/5/ 2011


 

سجن نقرة السلمان
ذكريات قاووش رقم 10
القسم الأول

حكمت السليم

بعد جريمة 8 شباط وسيطرة البعث وجلاوزته على الحكم تم اعتقالنا في مدينة البصرة من داخل الصف الذي كنت ادرس فيه,وتم نقلنا الى امن العشار وبعد فترة نقلنا الى مركز شرطة العشار ، بقينا فترة ارسلنا الى معسكرات الأعتقال في الشعيبه ثم استقر بنا الأعتقال في سجن البصرة الكبير المقابل للمستشفى الجمهوري وفي جميع هذه المواقف والتنقلات كانت عصابات الحرس القومي يتلذلذون بطرقهم المبتكرة بالتعذيب وباساليب بشعة لم نقرأ عنها في التأريخ, كانوا نموذجآ لكل اساليب الخسة والنذاله وفقدان الأنسانية .

ان جرائمهم واساليبهم المبتكرة بالتعذيب وألأهانه سوف تبقى عالقة في اذهاننا نحن ضحاياهم , لقد تكلم عن هذه الجرائم البعثية الكثيرمن ضحاياها ونشرت في اكثر من كتاب وموقع وصحيفة فلا حاجة لي لشرحها ثانية (ويمكن ألأطلاع على جزء من جرائم البعث في ما نشر في كتاب طوارق الليل للمناضل توفيق جاني والبطلة ابتسام نعيم الرومي او كتاب سلام عادل لزوجته ثمينة ناجي يوسف) و لشدة اساليب تعذيبهم كنا نحن الشباب وجميع المعتقلين نتمنى الموت للتخلص من تعذيبهم . يروي هانئ الفكيكي عضو القيادة القطريه لحزب البعث في كتابه أوكار الهزيمة عن التعذيب البعثي متحدثآ ( وبسبب هذه البدائية في التعذيب والقتل الكيفي خيم على المعتقلين شعور عميق بالهلع والقلق وضاعت عليهم مقاييس - التحقيق - ومعاييره, فقد خضع المعترف وغير المعترف القائد والعضو العادي , المتصدي بالسلاح والقابع في داره للقسوة ذاتها في التعذيب وكان الموت اقرب للجميع من حبل الوريد).

بقينا ما يقارب من 8 اشهر في سجن البصرة وكنا نخضع لحماية شرطة السجن الذين كانوا متعاطفين معنا وينقلون لنا الأخبار ونرسل بواسطتهم الرسائل الى اهلنا وخلال وجودنا في سجن البصرة تمتعنا ولأول مرة بالنوم الكامل اثناء الليل , اذ كنا محرومين من النوم طيلة وجودنا في مراكز التحقيق ومواقف معسكرات الشعيبة ولكننا لا نعرف ماهو مصيرنا وجميع المعتقلين يتجرعون الموت .

في بداية عام 1964 في الشهر الخامس على ما اتذكر سرت اشاعة بيننا أوصلها حراس السجن بان هناك نية لنقلنا من سجن البصره الكبير, كان عمري آنذك لم يتجاوز الواحدة والعشرين, وما ان حلت الساعة الثالثة ظهرآ حتى دخل الى قاووشنا رقم 2 ثلة من حرس السجن ومعهم مجموعة من الحرس القومي ، وبألصراخ و الدفع والضرب طلبوا منا جمع ملابسنا الضرورية وقسم من افرشتنا باسرع وقت والتجمهر في ساحة السجن وبعد التعداد وتسجيل اسماءنا انطلقوا بنا الى البوابه الخارجية لسجن البصرة واخذوا يدفعوننا مع الضرب والركلات الى داخل سيارات خشبية يطلق عليها (النيرن) كدسوا فيها اكثر من اربعين معتقل في السيارة الواحدة .,

الذي فاجأنا العوائل المتجمهرة امام باب السجن باعداد كبيرة بحيث قطعوا الطريق امام السجن والمستشفى وهم يصرخون ويهاجمون الحرس القومي وكان الحرس يرد علهم بالضرب والشتائم واخذت قسم من النساء تلقي بانفسها امام السيارات لمنعها من السير ,كانت مظاهرة رائعة تهتف بسقوط البعث بالرغم من ارهابهم البشع .

انطلقت بنا السيارات ونحن مربوطي ألأيادي على مقاعد السيارة . سارت بنا قافلة السيارات في طريق صحراوي لاهب وكان الماء الذي نحتفظ به في قناني صغيرة قد نفذ مع عدم وجود الطعام او اي شئ نأكله وصلنا الى منطقة بصيه القريبة من سجن السلمان على امل الحصول على الماء من البئر الموجود فيها , ولكننا وجدنا عامل البئر الوحيد قد اعتقل من قبل الحرس القومي بتهمة الشيوعية .

مساء اليوم الثالث وصلنا الى دائرة سجن نقرة السلمان منهوكي القوى والعطش كان يقتلنا .

سجلوا اسماءنا وتم توزيعنا على قواويش السجن الجديد الملاصق لسجن القلعة القديم بينهما بوابة للدخول الذي يتكون من عشرة قاعات وكان نصيبي في قاووش رقم عشرة .

قاووش رقم عشرة
مستطيل الشكل يتسع لقرابة الثلاثين معتقل و كان عددنا يصل فيه الى اكثر من مئتين معتقل لكل معتقل مساحة من الأرض يسكنها ويفرش عليها (بطانيته) بالثلث ويعلق ملابسه في حقيبته او يضعها عند راسه وبجانبها قناني ماء للشرب , قاووشنا رقم 10 خصص وبشكل متعمد لأكثرية الضباط الشيوعيين والقاسميين من مختلف الرتب العسكرية وبعض من الجنود الذين قاوموا أنقلاب شباط ألاسود ومجموعة من عمال الموانئ متهمين بقتل انس طه في البصرة اضافة الى المحامي حمدي ايوب الكادر الشيوعي الذي قاوم الأنقلبيين لمدة 3 ايام واحتل الكاظمية وبعد وصول قطار الموت من بغداد اضيف المحامي عبد الوهاب القيسي الى قاووشنا ,

كان (يطقي) وهو فراش نومي قريب من الباب الخارجية المطلة على الساحة الرئيسية وبجانبي شخصآ الظاهر كان يعرفني جيدآ عن طريق تنظيم السجن ومنذ البدء سألني عن اهلي وبالاخص عن جدتي ووالدي في قلعة صالح كان يصف لي منازل المندائيين بشكل مفصل وأثناء الحديث معه عرفت بانه عزيز سباهي كنت سعيدآ لملازمته طيلة فترة بقائي في قاووش عشرة , وبعد فترة تعرفت على ان هناك مجموعة من الصابئة في السجن اذكر منهم طالب المتوسطه صديقي الذي لازمني طيلة وجودي في السجن البطل رحيم علاوي الخميسي الذي كان يتصف بالبراءة والطيبة والشجاعة ومن المندائيين الدكتور عصام عبد الرزاق وألأستاذ نعيم بدوي والصديق ريسان السبتي وغيرهم وكانت العلاقة التي تربط جميع المعتقلين هي كلمة (زميلي) فقط حيث لا توجد علاقات مميزه طائفية او قومية .

كل شئ كان منظماً في القاووش ولكل معتقل واجب عليه ان يقوم به ، كان واجبي في القووش استلام مسؤولية ادارة حانوت القاووش سلمني المسؤولية الرفيق كريم الشذر من اهل البصرة وكان قبلها بعهدة السجين سامي مهاوش من الصابئة المندائيين .

كان الحانوت يحتوى على المعلبات المختلفه وألسكاير بانواعها والعصائر وانواع من الشكولاته اضافة الى الملابس الداخلية والكوفيات وغيرها وكان كل يوم خميس يأتي الرفيق كريم للحساب عن المباع والمدور , وعندما تأتي بضاعة جديدة يجلبها الى القاووش لأستلامها , واحياناً لم تكن جميع مواد البضاعة تكفي لكل المعتقلين في القاووش او بعض الأصناف مرغوبة اكثر من غيرها مما يضطرني لتسجيل اسماء الراغبين ثم اجري قرعة للتوزيع وتسجيل اسماء الذين استلموا حصتهم لهذا الأسبوع لفسح المجال لغيرهم عندما تأتي بضاعة اخري .

حدثت الكثير من المشاكل اثناء التوزيع وكانت تصل احيانآ للأعتداء والكلمات النابية من قبل بعض المتواجدين وبألاخص قسم من الضباط الذين بقوا يتصرفون معنا وكأنهم في وحداتهم العسكرية وعلينا ان نقدم لهم الطاعة والخدمات الخاصة .

كنت اقضي جزء من اوقات فراغي بالدردشه مع المتواجين في القاووش للتعارف ، ولكل سجين آماله عندما كان خارج السجن وطموحاته والآلام التي مر بها مع مجرمي البعث واكثر الأوقات كنت اقضيها مع المحامي المثقف عبد الوهاب القيسى ، كان يحدثنا عن تجربة الحزب النضالية اثناء العهد الملكي والجمهوري القاسمي والتنظيم العسكري في الحزب ومعارضة المكتب السياسى للحزب لتغيير عبد الكريم قاسم .

مطبخ السجن ووجبات الغذاء اليومية في القاووش
كان هناك مطبخ خاص بالسجن يشرف على اعداد الوجبات الغذائية طباخون ماهرون يجيدون طهي جميع الأكلات المتوفرة موادها الأولية ومن اشهرهم صديقي وعد الله النجار الذي نفذوا به حكم الآعدام الصادر ضده ايام عبدالكريم قاسم في حوادث الموصل .

كل خمسة من المعتقلين في قاووشنا لهم سفرة واحدة يجلب مسؤول القاووش الأكل بعد ان يسمع احد الطباخين المسؤول في المطبخ بصوته الجهوري (زملاء ريوك --- ريوك في الساعة الثامنة صباحآ) ويبدأ التوزيع على المجموعات كل خمسة مشتركين في تجمع واحد ثم يوزع الشاي على المعتقلين لكل معتقل كوب من الشاي , وفي الساعة الواحدة يوزع الغداء , وفي الساعة الثالثة بعد الظهر تبدأ فترة استراحة لمدة ساعة لا يجوز الكلام فيها بصوت عالى والكل يخلد للنوم والراحة في الساعة الرابعة تبدأ نشاطات وفعاليات مختلفة كلعبة كرة القدم والطائرة وغيرها او مزولة اي هواية يرغبها السجين,كنا تحت مراقبة الحرس القومي .

كانت علاقتي متميزه فالجميع يعرفني في داخل القاووش بحكم مسؤوليتي عن ادارة الحانوت, وكلما سنحت لي فرصة اقوم بزيارة قاووش رقم 3 والمقابل تقريبآ لقاووشنا وألخاص بألأكراد من التنظيمات الحزبية الكردية .

كنت ارتاح لهؤلاء الناس وقررت ان ادخل في دورة لتعلم اللغة الكردية كان مدرسنا كاكا مصطفى .

يتبع القسم الثاني


 



 

free web counter