ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

من الذاكــرة

أيام صعبـة بإتجـاه الوطـن
4

فائز الحيدر

قاطع بهـدنان

بعـد ان تجلى لنا الموقف للرفيق ( ابو .. ر ) واصلنا المسير، وبعد أكثر من ساعتين وصلنا مقـر قاطع بهدنان في ( كلي زيـوة ) بعد ظهـر يوم 26 / آب / 1983 بسلام وسط ترحيب قيادة القاطع ومنهم مسؤول القاطع الرفيق ابو جميل (1) وأعضاء مكتب القاطع وكافة الأنصار .
بعد الأنسحاب من وادي كوماته كان يتوجب على الحزب وحركة الأنصار لمواصلة النضال بناء قاعدة عسكرية بديلة جديدة لمختلف المهمات القتالية في موقع مناسب ومحصن ، بعيدا" عن العدو لتعوض عن الموقع السابق ، وأن يكون مناسبا" لتنفيذ المهمات الأساسية للحركة وأبرز مهمات هذه القاعدة كما هو معروف هي وضع الخطط العسكرية اليومية وفق الظروف المستجدة ، ومعالجة الجرحى والمرضى ، وضمان التموين اللازم للأنصار، توفير الأدوية والعتاد ، والنشاط الإعلامي من إذاعة ، طباعة ، إصدار النشرات والبلاغات السياسية والعسكرية وهذه النشاطات تحتاج الى ابنية عديدة وجهود كل الأنصار ، كما ويفترض استحداث دورات سياسية وعسكرية للتدريب على القتال واستعمال الأسلحة المختلفة الحديثة لمن لم يدخل دوارات تدريب عسكرية ، والوقاية من الغارات المفاجئة التي قد يشنها العدو بالأسلحة الاعتيادية أو الأسلحة الكيماوية ، والانتباه والحذر من تسميم الأكل عن طريق الفواكه والمعلبات الجاهزة والأدوية التي يلجأ لها العدو وله خبرة كبيرة في هذا المجال ، أو إرسال عناصر لغرض التجسس والتوغل في صفوف الأنصار كملتحقين جدد او لتقديم شكاوي للقيادة وغيرها من أجل الحصول على المعلومات السرية ، ومعرفة التحركات اليومية ونوعية السلاح الذي يحمله الأنصار ووضعهم الفكري والمعنوي ومحاولة القيام بالاغتيالات لتصفية العناصر النشطة أو التفجيرات لمخازن العتاد ، وخلق بلبلة فكرية ، وإشاعة روح اليأس والتشاؤم عبر نشر الأشاعات ، الاتصالات اليومية السريعة مع القوى الحليفة ، وتقديم المساعدات اللازمة لسكان المنطقة من الفلاحين ... ووقع الأختيار بعد مشاورات مطولة مع الأحزاب الحليفة على أن يكون كلي زيوة موقعا" لقاطع بهدنان الجديد وكذلك بقية الأحزاب الحليفة .
يمر في كلي زيوة نهر الزاب الكبير وهو مصدر الماء للمنطقة وقراها وخاصة قرية زيوة ، اضافة الى عدة عيون ماء عذبة على قمم الجبال المحيطة بالوادي وتم ايصال الماء منها الى بطن الوادي ولمسافة اكثر من نصف كيلو متر بالأنابيب المطاطية ( الصوندات ) ليستعمله الأنصار في حياتهم اليومية ، كلي زيوة محاط بجبال شامخة القمم ذات نتوءات صخرية شديدة الانحدار تتوسطها وديان سحيقة يعتقد انها مجرى لأنهار قديمة ، تناثرت هنا وهناك اشجار البلوط والأعناب وأشجار الرمان والمزارع المتروكة التي هجرها اصحابها . وبين تلك الاودية وسفوح الجبال آثار لبيوت سويت بالارض ولجأ اهلها الى الحدود والقرى البعيدة بعد أن ذاقوا القتل والتنكيل . صخور كبيرة متنائرة متساقطة من قمم الجبال تلاحظها في مناطق مختلفة من بطن الوادي . الحقول الزراعية قد جفت ، لا أثر للحياة ولا ترى غير الخراب ، نهر الزاب الكبير يبعد عدة مئات من الأمتار من موقع القاطع المقترح ، ويقع عليه مباشرة مقر الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكردستاني ( حدك ) .
هذا الوادي الحصين كما كان يعتقد للذين خدموا في الجيش العراقي أو ذوي الخبرة في الحركة الأنصارية اختير مكان مناسب ليكون مقر القاطع الجديد بعد مشاورات مع الأحـزاب الكردية الصديقة ، كان أختيار هذا الموقع قد تم قبل أسابيع فقط من وصولنا الى بهدنان وعلى اثر الأنسحاب من مقر القاطع السابق في وادي ( كلي كوماتة )(2) المقابل للحدود التركية وبعد معارك طاحنة مع القوات التركية التي دخلت الأراضي العراقية في نهاية شهر مايس / آيار عام 1983 حسب الأتفاقية الأمنية مع النظام السابق والتي تجيز قوات البلدين الدخول الى البلد الآخر مسافة قد تصل الى خمسة عشر كيلومترا" لمطاردة البيشمركة في كلا البلدين حيث تصدى لها الأنصار وأستشهد فيها النصير المندائي البطل ( ابو فكرت )(3) . في هذا الوادي الجديد ( زيوة ) تجاورت مقرات احزاب عدة منها مقر الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكردستاني ( حدك )الذي يقع على الزاب مباشرة أما الحزب الأشتراكي الكردستاني والحركة الديمقراطية الأشورية فهي مجاورة لمقر قاطع بهدنان لأنصار الحزب الشيوعي وهناك تنسيق وتعاون عسكري وسياسي بين هذه الأحزاب عند الحاجة .
كان بأنتظارنا بعد رحلتنا الطويلة بناء مقر قاطع بهدنان الجديد فهناك عمل شاق جديد ومرهق ومن نوع آخر فأنشاء مقر للقاطع يحتاج الى عمل وجهود كثيرة من جميع الرفاق ولعدة اشهر . الوقت الأن صيفا" ودرجة الحرارة عالية وجميع الأنصار وهم بالعشرات يفترشون الأرض المكشوفة على سفوح التلال بما يتوفر لديهم من أغطية وبطانيات قديمة للنوم ليلا" ، ويقتسم معظم الأحيان كل نصيرين بطانية واحدة وأذا صادف أن قضي أحد الأنصار ليلته جنب النصير عمودي (4) وهذا ما كان من حظ الواصلين الجدد فأنها ستكون ليلة تعيسة لا تحسد عليها بسبب الرفس والحركة التي يمتاز بها عمودي ، ليس هناك أثر للبناء في هذا المقر وعلينا المباشرة بالبناء والأنتهاء منه قبل فصل الشتاء حيث يبدأ موسم الأمطار والثلوج وهنا بدأ الصراع مع الوقت وهذا ما سوف نتحدث عنه .

لم تكن الحياة القاسية الجديده في البداية سهلة على الانصار الذين توافدوا على مقرات الأنصار ومنها مقر قاطع بهدنان من دول عديدة بناء على دعوة الحزب بالألتحاق بفصائل الأنصار وتبينت لهم صعوبة الحياة الجديده عندما بدأوا يعيشونها فعلا" ، وفاقت كل ما يحملونه من تصورات وأحلام عن هذه الحياة ، ووضعت على الرف صور النضال التي انطبعت في اذهانهم من خلال الكتب التي طالعوها عن حرب العصابات والكفاح المسلح وسيرة جيفارا وهوشي منه وماو تسي تونغ وغيرهم ، فعليهم ان يتعلموا الأن ، كيفية ملازمة السلاح في كل وقت ، الحذر والأستعداد في أي لحظة تحسبا" للطوارئ ، أعمال يومية يجب القيام بها تعود لعشرات السنين سابقة ، كيف يعجنون العجين ويخبزون الخبز بأيديهم ، كيف يطبخون وجبات الأكل صيفا" وشتاء" وفي مطابخ مكشوفة وتحت الأمطار والثلوج وبطرق بدائية ، كيف يتعاملون مع البغال ويحملون المؤن ، كيف تتعود اكفهم الملساء الرقيقه التي لا تعرف غير الورقة والقلم على ان لا تجرح وتتألم وأن تخشن وهي تقطع سيقان الأشجار ب(التورداس)(5) ، وتجمع الاغصان والجذوع اليابسة من أشجار الغابات من سفوح الجبال البعيدة ، وتنقل الاحجار الكبيرة الملائمة للبناء وجذوع ( السبيندارات )(6) العملاقة الطويلة من أمكنة بعيدة لتبني وتسقف بها قاعات اضافية لنوم الأنصار الجدد الذي يزداد عددهم يوما" بعد آخر ، كان تصور الكثير منهم في البدايه ان هذه الحياة الصعبة والقاسية لن تطول كثيرا" ، فسرعان ما سينهار النظام ونعود الى بيوتنا مرفوعي الرأس كأبطال كما سمعه اعضاء الحزب من قيادته حينها وتتحقق الاهداف والأماني .
خطط القاطع الجديد لكي يحتوى على غرف وقاعات عديدة تبنى من الحجر والطين وسيقان الأشجار موزعة بشكل متناثر ومتقارب على امتداد الأرض المنبسطة المحاطة بالجبال من كافة جهاتها ، منها غرفتين متجاورتين لا تتجاوز مساحة كل منها ثلاثة امتار مربعة لمكتب القاطع وعدد من القاعات المخصصة للنوم منها قاعة لفصيل الإدارة وملحق بها مطبخ وأخرى لفصيل الحماية ومطبخ وقاعة كبيرة للطبابة اطلق عليها المستشفى وأخرى للأعلام والطباعة وغرفة خاصة بالنصيرات ومخزن التموين بالأضافة إلى السجن وإسطبلات للحيوانات وغرفة صغيرة لجهاز اللاسلكي والمشجب والحمام كما وبنيت قاعة لفصيل الأسناد حيث يحوي سلاح الدوشكا والأسلحة المضادة وهو على تل مجاور وعلى مسافة عشرة دقائق مشيا"من المقر . وبنيت فيما بعد عيادة لطب الأسنان للرفيق ابو بدر .
نحن الأن في أواسط شهر ايلول والبناء الواسع المخطط له يحتاج الى جهود كافة الأنصار ، عدد الأنصار لا يتناسب مع البناء المقترح وعلى الأنصار بذل جهود استثنائية لأنجاز مهمة البناء قبل حلول موسم الشتاء حيث الأمطار والثلوج.
بناء كل قاعة يحتاج الى أطنان عديدة من الصخور والطين وسيقان أشجارالقوغ (السبندارة ) الطويلة للتسقيف التي عادة ما تقطع من قرى تبعد عدة كيلومترت عن المقر ، تنظف من كل الفروع الجانبية ب( البفر )(7) وترمى في نهر الزاب لكي تسير مع التيار وبمتابعة الأنصار وهذا يحتاج الى ساعات طويلة وقد تأخذ يوما" كاملا" وحتى مدخل القاطع وعندئذ تبدأ مهمة عشرات الأنصار لحملها على الأكتاف لأيصالها الى موقع البناء ، انها عملية شاقة ومرهقة خاصة وان طريق السير المؤدي الى مقر القاطع غير سهل وتكثر فيه الصخور المتناثرة على ارض الوادي مما يسبب صعوبة كبيرة بالسير ، اما عملية قلع وتوفير الصخور للبناء فهذه مهمة شاقة اصلا" رغم توفره في الوادي ولكن علينا أخراجة من الأرض بواسطة بالقزمات وبحذر شديد فمن الممكن ان يكون تحت كل حجرة افعى سامة او عشرات العقارب الصفراء الكبيرة المخيفة والسامة أيضا" لكون ان الوادي غير مسكون منذ قرون . كانت عملية قلع الصخور وايصالها الى موقع العمل مرهقة للجميع مسببة آلام في الظهر والرقبة خاصة بالنسبة للنصيرات وكبار السن وسط العديد من الثعابين المختلفة الألوان والعقارب التي نقتلها يوميا" اثناء عملية القلع هذه واخذنا نتغزل بالوانها الجميلة وطولها وعندما تتجمع كمية صخور نعتقد انها كافية لبناء قاعة مع كمية مناسبة من الطين يبدأ البناء من الصباح وحتى المساء أحيانا" تتخللها فترة الغذاء ولمدة ساعة واحدة فقط . وهكذا بدأت عملية البناء حسب أهمية كل قاعة وحجمها ، استمرت عملية البناء عدة اشهر ، كانت بعض القاعات الكبيرة تحتاج الى خبرة القرويين في عملية البناء وعادة ما يتم دعوة ذوي الخبرة من عمال البناء القرويين لتنفيذ المهمة وفق اجور متفق عليها . ويجب ان لا ننسى دور النصيرات في بناء الموقع الجديد ، لقد ساهمت النصيرات بكافة الأعمال الشاقة أسوة بالأنصار الأخرين رغم الفارق في التكوين البايولوجي لجسم المرأة ، أن الحياة القاسية وقلع الأحجار وقطع الأشجار ونقلها من اماكن بعيدة والواجبات اليومية المختلفة أثرت بالتـأكيد سلبا" على صحة غالبية النصيرات ولم تتخذ أي أجراءات من قبل الحزب أو قيادة الأنصار للتخفيف عنهن أو أعفائهن من بعض المسؤوليات الصعبة التي لا تتناسب مع قابلياتهن البدنية ، والأن وبعد ما يقارب اربع وعشرين عاما" او أكثر على الحدث نرى ان غالبية النصيرات لديهن مشاكل صحية من تلك الفترة وأثرت على الأنجاب لكثير منهن ناهيك عن ما يعانيه الأنصار انفسهم وهذه تضحية بحد ذاتها .
بعد الأنتهاء من البناء يبدأ موسم جمع الأخشاب للتدفئة وتخزينها لفصل الشتاء. وهذه العملية صعبة ومرهقة اذ تحتاج الى قطع الاشجار بمناشير يدوية محلية كبيرة ومن مسافات بعيدة وعلى سفوح الجبال المحيطة بالمقر ويمنع منعا" باتا" قطع الأشجار من اماكن قريبة من المقر لأسباب أمنية لحماية المقر ومن ثم ينقل الأنصار الأشجار المقطوعة على أكتافهم لمسافات تزيد على كيلومتر احيانا" ومن أعالي الجبال ، ثم تبدأ عملية (التحطيب) وهي قطع السيقان الى قطع صغيرة لنتمكن من ادخالها في المدفأة المعدنية المحلية وهي عبارة عن برميل صغير يتصل به انبوب يمتد الى سقف القاعة لخروج الدخان الى الاعلى ، وتلك المدفأة البدائية عبارة عن صفائح معدنية تربط مع بعضها بشكل اسطواني قطره حوالي نصف متر وهي وسيلة التدفئة الرئيسية في كردستان ، وعملية قطع الأخشاب هذه عملية خطرة لمن لا يجيدها وشاقة ومملة وتستنزف جهدا" عضليا" كبيرا" وتستغرق اشهر الخريف لتأمين الوقود للشتاء .


1 ـ أبو جميل ... الرفيق توما توماس عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي مسؤول القاطع العسكري وهو ضابط قديم في جيش الليفي .
2 ـ ( كلي كوماتة ) وادي يمر فيه نهر صغير يفصل العراق عن تركيا على مجرى الخابور وهي منطقة يحميها جبل عال ، اتخذها البيشمركة مقرا" لهم .
3 ـ ابو فكرت هو الشهيد المندائي رحيم كوكو العيداني استشهد بتاريخ 25 / 5 / 1983 . يذكر عنه رفاقه أنه كان بطل بحق في المعارك وصيد الحيوانات البرية ، كان يصرف الساعات الطويلة مع رفاقه لطبخها على النار حتى يلين لحمها قليلا" لعدم توفر اللحوم لفترة طويلة بسبب الحصار المفروض على المنطقة ، وان صادف اثنـاء رجوعه من أحدى المفارز قبل أعياد رأس السنة ومر بأحدى القرى الأثورية فلا ينسى أن يشتري بطل من المشروب المصنع محليا " من العنب خلسة " رغم التوجيهات المشددة بهذا الخصوص ويجمع رفاقه في أحدى الليالي على أحدى القمم المحيطة بفصيل يكماله حيث تكمن ربيئة الدوشكا . حيث الرقص والدبكات والأغاني وسط ركـام الثلوج .
4 ـ عمودي .... ، شاب التحق بالأنصار ولم يكن قد بلغ سن الرشد وهو من أبويين شيوعيين من عائلة بحر العلوم المعروفة من كربلاء، وعمودي لم يكن شيوعي وانما صديق للحزب وحصل على عضوية الحزب فيما بعد وفي الأنصار وحين حصل على العضوية اعترف مازحا انه اضطر إلى ( الكذب الأبيض ) بتكبير عمره بسبب حماسه للحصول على عضوية الحزب ويسمى عمودي أيضا وللمزحة بطفل المعجزة وترتبط باسمه مجموعة كبيرة من المفارقات والمزح التي كانت تحصل أو يقوم هو بها تلك الأيام والتي كانت غالبا" ما تشيع جو طيب من المرح والسرور .
5 ـ التورداس ... آلة أشبه بالمجل حادة كالسكين ولكنها مستقية ومعقوفة في نهايتها بزاوية قائمة تستخدم لتنظيف سيقان الأشجار المقطوعة من الأغصان الصغيرة .
6 ـ السبيندارة ..... هي شجرة القوغ ومعناها في اللغه الكردية الشجره البيضاء تنبت عند منابع الماء وتكون مستقيمه وتستخدم للبناء .
7 ـ البفر ( الطبر ) ... فأس كبير يستعمله القروين في تقطيع سيقان الأشجار لقطع صغيرة لغرض التدفئة شتاء" .
8 ـ الصورة العليا لكلي زيوة في بهدنان حيث يقع قاطع أنصار بهدنان والوسطى لمجموعة من الرفاق اثناء خبز الخبر للوجبة الغذاء .

آذار / 2007


يتبع

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى
 

الأحد 25/3/ 2007

| أرشيف الذكريات  |