ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(16)


محمد علي الشبيبي

في سجن نقرة السلمان
نزلاء السجون، ألسياسيون والجنائيون، يتواجد بينهم اشخاص يتركون في الذاكرة انطباعات قوية ولايمكن نسيانهم لدورهم في حياة السجناء ولشخصياتهم ألمتميزة، ايجابية كانت او سلبية. والانطباعات التي سأتحدث عنها الان في هذه الحلقة وماورد منها في الحلقات السابقة وحتى القادمة، هي انطباعات شاب بدأ تجربته في السجون قبل ان يبلغ 17 عاما بسبب معتقداته السياسية، وعاش ظروف التحقيقات والسجون في ايام الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، وايام البعث بعد انقلاب 8 شباط الدموي، وايام نظام الاخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف، فانا عشت حياتي منذ شبابي في المعتقلات بدل ان اعيشها بحرية واتمتع بشبابي كما هو حال ألأجيال الشابة في كل انحاء العالم المتمدن، واضعت بسبب ذلك ستة سنوات دراسية. وللأسف مازالت اجيالنا الشابة لغاية اليوم ولأسباب عدة يفتقدون طعم الحرية والامان والاستقرار. فكنت حينها قليل التجربة ونظرتي للآخرين من رفاق واصدقاء نظرة مثالية منطلقا من طبيعة معتقداتي وتربيتي العائلية التي اعتز بها. وقد اصطدمت هذه النظرة المثالية في كثير من الاحيان بالواقع لكنها لم تصل لحد الاحباط بفضل مواقف بعض الطيبين من رفاق واصدقاء، وتفهمي التدريجي بأن الانسان مهما حمل من مباديء انسانية سامية او ثورية ومهما كان مركزه القيادي، لابد ان يتأثر بمواقف ذاتية وانانية تسيء له ولمبادئه. وسأتطرق في هذه الحلقة لعدة شخصيات اخترتها من بين الكثيرين من سجناء النقرة لأسباب عدة، منها احتكاكي المباشر معها او انها شخصيات تلفت النظر وتدعو للأهتمام، ومازالت صورهم راسخة في ذاكرتي رغم كل هذه السنين.


عضو لجنة التحقيق في محكمة الشعب،
المقدم نوري ونه طيب الله ثراه عام 1961

الراحل المقدم نوري ونه طيب الله ثراه، لم يسبق لي ان عرفته او سمعت بإسمه، سوى ان الصدف جعلت فراشي بجانب فراشه في قاووش 3 في سجن نقرة السلمان لفترة لاتتجاوز الشهرين قبل ان يودعنا اسفين على فراقه والى الابد. الراحل من مواليد 1916 ، نشأ في الكوت وسلمان باك، دخل المدرسة الحربية وتخرج ملازما في عام 1936 صنف المشاة. خدم في الحرس الملكي، وفلسطين في عام 1948، وفي مناطق مختلفة من الوطن وتولى رئاسة الهيئة التحقيقية في القضايا التي تهدد الامن العام. عوقب ايام العهد الملكي ونقل من مكان الى اخر واجلت ترقيته عدة مرات. حاول احالة نفسه على التقاعد ولكن طلبه رفض الى ان وافق الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم على احالته على التقاعد عام 1961/1962 أي انه كان متقاعدا عندما اعتقلوه انقلابيوا 8 شباط، وزجوا به في سجن رقم 1 ومن ثم في قطار الموت الى سجن نقرة السلمان. قدم اكثر من طلب لرئيس الجمهورية عبد السلام عارف لأحالته الى اي محكمة او الافراج عنه ولكن عبد السلام عارف، ولموقف شخصي منه، رفض جميع طلباته حتى وافاه الاجل من دون ان يحاكم وهو في سجن النقرة (1).

لم يكن للراحل دور كبير في حياة السجناء، فقد كان مريضا ومتعبا لدرجة انه يتعب حتى عندما يتحدث، وقليل الحركة والتنقل بين القواويش، ولذلك كان معفوا من الخفارات او الاعمال الاخرى البسيطة. مازلت اتخيله بالبيجاما البيضاء المخططة طوليا بخطوط زرقاء غامقة. بالتأكيد لم تكن هذه البيجاما الوحيدة التي يرتديها ولا أدري لماذا اتخيله لغاية اليوم بتلك البيجاما، ربما لأنه بعد اسبوع من سكني بجانبه، كلفني في احد المرات بغسلها مع بعض الملابس الداخلية، وفعلت ذلك بكل سرور. كان هذا الرجل (المسن) وقد بان عليه التعب والانهاك الى درجة حسبته فيها قد جاوز السبعين واحسست بالتعاطف معه بقوة وصدق وكنت دائما عندما انظر اليه اتخيل والدي إلا أن والدي كان يبدو اصغر منه سنا وافضل صحة واكثر نشاطا. وبالرغم من ان فراشه كان بجانبي لم ابادله الحديث كثيرا، ربما لتهيبي واحترامي لسنه وندرة تحدثه مع الاخرين، فقد كان قليل الكلام والحركة، وكنت دائما حريصا على عدم التطفل في علاقاتي مع الاخرين، وهذه عادة لازمتني لغاية اليوم، لذلك لم اكن فضوليا واحرجه في اسئلة قد لايرغب في الاجابة عليها. كنت انظر اليه نظرة احترام واعجاب وانا اراه ممدد على فراشه يطالع كتابا اويحدق بالسقف حالما، واذا مانهض احس وكأنه يحمل في داخله كل هموم ومتاعب الدنيا.

بعد ان اعدت اليه ملابسه وهي نظيفة ومرتبة، بادرني شاكرا وبإبتسامة كلها حنان وعطف سألني مجموعة من الأسئلة، كان يريد من خلالها معرفة من اكون واسباب سجني وغيرها من اسئلة كانت تثير فضوله. حينها عرف اني تركت والدي في سجن الحلة، واني اقضي عقوبة السجن خمس سنوات، وشرحت له جو المحاكمة ودور سمسار المحكمة المحامي جمال بابان. ومن خلال حديثي معه عرفت انه كان احد اعضاء لجنة التحقيق في محكمة الشعب، وقال لي، مامعناه، ليت محاكمهم اليوم تكون مشابهة لمحكمة الشعب، فمحكمة الشعب كانت علنية، والشعب يرى ويسمع مايدور فيها من مداولات، والقضايا التي تناولتها دامت اسابيع وبعضها اشهر، والمتهمون ووكلاؤهم كانت لهم كل الحرية للمناقشة، بينما انت تقول ان المجلس العرفي اصدر حكمه في قضيتكم والتي شملت 48 مواطنا خلال نصف ساعة تقريبا، وأن المحامي لم يقم بواجبه للدفاع عنكم مطلقا، فاية عدالة هذه، ومن المؤسف مازالوا ينتقدون محكمة الشعب! نشأت بيننا صداقة منذ ذلك اليوم ولكن الحديث بيننا كان نادرا بسبب مايعانيه من مرض وكنت اتجنب المبادرة في التحدث معه إلا في الضرورات لأني كنت احس حتى خلال اجابته انه منهك وانفاسه تتسارع. وفي يوم من ايام تموز 1964 تدهورت صحته واهتم الاطباء والسجناء بوضعه، وطالبوا من ادارة السجن نقله الى مستشفى السماوة بأسرع وقت، لكن الأجراء التعسفي وللا إنساني المتبع في سجن النقرة لايسمح لأدارة السجن بنقل المريض الى المستشفى إلا بموافقة من الحاكم العسكري العام! وهذا يعني الحكم على السجين المريض بالموت خاصة اذا كان مرضه خطرا. وبعد يومين وربما اكثر من مرضه ومعاناته وتحمله للآلام وصلت موافقة الحاكم العسكري (رشيد مصلح)، حين ابلغ بالموافقة لأخذه للمستشفى لم اكن متواجدا في القاووش لتوديعه لذلك احس بعذاب نفسي خاصة بعد ان وصلنا خبر وفاته بسبب التسمم الكلوي وعدم قدرة الاطباء من انقاذ حياته لتأخر وصوله للمستشفى. كنت جاره في القاووش لفترة قصيرة جدا لاتتجاوز الشهرين، ولكنها تركت في ذاكرتي اثرا كبيرا، لذلك اندفعت وبدون تخطيط لكتابة هذه السطور، فقد فقدت زميلا بعمر والدي صبورا تحمل عذابات الاعتقال وقطار الموت والسجن الصحراوي من اجل مباديء واخلاق كان يؤمن بها وفضل الموت، بعيدا عن عائلته وابنائه، مفضلاً البقاء في السجن رافضا حياة الذل والخنوع للأوباش من بعثيين او عروبيين اسلاميين لم يخلصوا لمباديء العروبة والاسلام بقدر اخلاصهم للرياء والحقد والنفاق السياسي. في مخيلتي صورة الراحل وكأنه قد تجاوز السبعين، ربما هذا انطباع شاب لم يتجاوز 19 عاما، وغير قادر على تقدير السن جيدا بسبب ما تركه انقلاب 8 شباط من اثار نفسية ومعاناة، ورحلة قطار الموت وماتركته من امراض في كليتيه، حتى وصلتني من نيوزلاندا رسالة الدكتور وشاح نوري ابن الراحل ليخبرني بأن والده لم يتجاوز عمره حينها 48 عاما! وعلى القاريء ان يتصور اي عذاب ومعاناة عاشها هذا الرجل الوطني بحيث اثرت الى تلك الدرجة عليه وكأنه كبر عشرون عاما خلال سنة ونصف من الاعتقال. هكذا ودعنا زميلا وابا وطنيا تحمل بصبر الاضطهاد رغم مرضه واثقا من ان الاوضاع لابد ان تتغير نحو ألأفضل.

ابو وميض (سامي أحمد) طيب الله ثراه أحد هذه الشخصيات الإيجابية المؤثرة والتي التقيتها في سجن النقرة. كان المسؤول الحزبي الثاني في منظمة السجن بعد الراحل ابو خلوق (عبد الوهاب طاهر)، ولكنه كان اكثر نشاطا وحيوية ورعاية لمشاكل ألسجناء، هذا مالمسته انا وربما لمسه الاخرون. انه انسان وشيوعي رائع ولا ابالغ لو قلت ان سامي احمد ترك مثل هذا الانطباع عند كل من تعرف عليه. كان بسيطا في علاقاته، هادئا في معالجاته، يشعرك بحنوه ورعايته واهتمامه ومسؤوليته عنك كرفيق حتى وان لم يكن على علاقة مباشرة معك ، وهو رحب الصدر دقيقا في ملاحظاته ومتأنيا في مناقشاته وطروحاته. كان يوميا يدور بدون كلل بين السجناء ويتحدث معهم ويستمع لمشاكلهم دون استعلاء وكأنه المسؤول الوحيد عن السجن. وخلال تجربتي الخاصة وتنقلي بين السجون لابد ان اشير الى قلة من القادة الذين تمتعوا بصفات شخصية مثل ابو وميض. وهذا لايعني ان الحزب خال من أمثال أبو وميض، فقد التقيت خلال تنقلي في المعتقلات وحتى في عملي الحزبي خارج السجن برفاق جيدين ورائعين ومازلت اكن لهم الاحترام والتقدير، بغض النظر عن مواقعهم الحزبية، بعضهم استشهد، بينما اخرون خانتهم قدراتهم ومعنوياتهم على البقاء في صفوف الحزب واخرون مازالوا في صفوف الحزب يعملون بنكران ذات وهدوء بعيدا عن حب الظهور واحتلال المراكز الحزبية المتقدمة. وانا اذ اتذكر كل هذه الشخصيات لا لكونهم شيوعين يتحركون وينشطون داخل منظمات حزبية يقودونها وانما لسلوكهم كبشر عاشوا وسط مجتمع (السجن) خليط من مستويات ثقافية مختلفة وانحدارات اجتماعية وقومية متباينة، وقدرتهم على القيادة لابحكم سيف القيادة وانما بقدراتهم على كسب احترام الاخرين لهم بمنطقهم ومتابعاتهم وبساطتهم ونكران الذات الذي يتمتعون به. تعرفت داخل السجون على قادة حزبيين يتنقلون بين السجناء ويشاركونهم في الطعام متنقلين بين مجاميع السجناء ويرفضون الامتيازات ويسهرون ليلا ليهتموا بشؤون المعتقلين الجدد وتنظيم نومهم مثلما كان يفعل صاحب الحكيم (ابو بشرى) ايام الحرس القومي، وتعرفت في الغربة على قادة يتجنبون سياقة السيارة لخمسة ساعات ويطلبون من رفاقهم ان يأتوا لأخذهم واعادتهم وكأنهم مدراء ومالكي شركة وبدون اي حرص على حياة رفاقهم، وبعضهم يطالب بأن تقدم له الخدمات (الطوعية) من قبل الاخرين لخدمة سيادته، بينما يوجد من هو احوج منه للخدمة ولا يحصل عليها. وهذه انطباعات لااريد التفصيل فيها، فالشيوعيون هم بشر تجد فيهم كل ايجابيات وسلبيات البشر. ما اكتبه عن سامي احمد الانسان في هذه السطور القليلة هو متابعته وكيفية معالجته لمشكلة عانيتها بعد وصولي لنقرة السلمان بأيام، فترك عندي انطباعا ايجابيا لايمكنني نسيانه، وهو درس لي وللآخرين للإهتمام حتى بدقائق المشاكل وعدم تركها حتى تنفجر ويصعب معالجتها ومن ثم نخسر الكثير.

عندما وصلت النقرة كان عمري 19 عام، اي مازلت شابا قليل التجربة والخبرة في فهم الاخرين، ونظرتي للحزب ولكادره مازالت نظرة مثالية بالرغم ما أفرزته احداث 8 شباط من انهيارات. زارني احدهم (س.ت) من قاووش اخر، وقدم نفسه لي كمرسل من المنظمة لمساعدتي، رحبت به وشكرت المنظمة لأهتمامها. في نفس اليوم زارني ايضا اثنان، هما (ص.ز) و (خ.ف)، من قاعة اخرى وقدما نفسيهما لي على انهما كانا من اصدقاء الطفولة لأخي الراحل همام في مدينة الناصرية، وانهما اعتقدا بأنني همام لشبهي به عندما شاهداني حين وصولي، وسألاني ايضا ان كنت بحاجة للمساعدة. هذه الزيارات رفعت من معنوياتي واكدت لي الانطباع الإيجابي السابق عن منظمة وسجناء النقرة. وهكذا استمرت زيارات (س) المستمرة لي وكذلك زيارة الزميلين الاخرين (خ) و (ص). لكن (س) لم يعد يتحمل زيارات الزميلين الاخرين، وحذرني من علاقتي بهم، مشيرا الى سوء اخلاقهما وضرورة مقاطعتهما والابتعاد عنهما!. تفاجأت بهذه الصورة السيئة عنهما وانتابني شعور بأن (س) غير صادق وان دوافعه شخصية وكيدية. استفسرت من عدة مصادر موثوقة من ضمنها مسؤول قاعتنا ابراهيم علاوي ومن الزميل مضر الذي رافقته من موقف السراي وحتى النقرة واخرين، والكل اكد على ان الزميلين يتمتعان بثقة جيدة لدى المنظمة ولا توجد اية شائبة في اخلاقهما، وحتى ان موقف احدهما (خ) في سجن بعقوبة والرمادي وما تحمله من ضرب وتعذيب رافضا البراءة يشيد به الجميع، وهو احد الرفاق المعتمدين في خط نشرة الاخبار اليومية، وهذه مهمة لايكلف بها احد سوى من تثق بهم المنظمة من رفاق. واجهت (س) بكل هذه المعلومات واخبرته اني لن اقاطعهما إلا اذا كان فعلا القرار من المنظمة وانا بدأت اشك به كمرسل من المنظمة. اغتاض (س) من حديثي وشن حملة تشهير بالزميلين ومنددا بموقفي بين كل معارفي. وقد استغل علاقة سابقة له بأحد الأصدقاء النجفيين (محمود الحبوبي) والذي قدم معي من سجن الحلة وطلب منه ممارسة ضغوطه عليّ، وحرضه على الكتابة لوالدي عن علاقتي بالزميلين!. وسببت ضغوطه علي ومحاولاته لثني عن علاقتي مع الزميلين حالة من الاحباط وعدم الثقة. وهددني محمود بالكتابة الى والدي واصدقاءه، وكأنني طفل، ان استمرت علاقتي بالزميلين!

اصبحت في وضع لا احسد عليه، الزميلان مستمران بزيارتي ولم يبدر منهما مايسيء وسلوكهما ليس فيه اي غموض كي ابتعد عنهما، ومن جهة اخرى استمرار (س) وبعض من حرضهم بالضغط علي. اخيرا تحدثت مجددا مع مضر بما اعانيه، وهو معلم من الديوانية وطيب جدا وخلوق، وفاجئني بأنه كان يعرف ان كل هذه الزوبعة مصدرها (س) مستغلا عدم معرفة الاخرين بالزميلين ومستغلا موقعه بالمنظمة (كان س احد كوادر المنظمة). وصلت الاخبار للمنظمة، ولا انسى موقف الزميل خضير عباس (ابو سهيل) ومؤازرته لي ومتابعة ذلك في المنظمة بالرغم من عدم معرفتي الشخصية له. رفضت المنظمة ما اشاعه (س) عن الزميلين وطلبوا مني مقاطعته بدل مقاطعتهما، لكن (س) استمر في زيارتي والضغط علي مكذبا موقف المنظمة مدعيا انه مرسل من المنظمة وكل مايصلني عن غير طريقه غير صحيح! لم اكن اتصور ان كادرا يسجن في سبيل مباديء سامية ويتحمل التعذيب والقهر من اجل قضية الشعب، في نفس الوقت يضمر لرفاقه مثل هذا الكره ويكون انانيا لهذه الدرجة، فأين هو الخطأ؟ هل في طريقة تقدمه الحزبي!؟ ام في تربيته خلال سنوات انتمائه وصعوده!؟ ام في الاخرين أوالظروف ام في كل هذه مجتمعة!؟. المشكلة ليست في مقاطعة الزميلين، ففي السجن العشرات من الزملاء الجيدين وبامكاني اختيار اصدقاء من بينهم، ولكن ان يتم الطعن بأخلاقهم وبأسلوب تشهيري يسيء لسمعتهم مما يضع علامة استفهام بعلاقتي بهم وانا في ذلك السن مما يسبب لي احراجا وإساءة غير قادر على مجابهتها. كانت زياراته وضغوط الاخرين تضايقني وقررت الاعتزال ومقاطعة الجميع وفقدت ثقتي حتى بمصداقية المنظمة، فهل يجرؤ كادر بالمنظمة في التمادي في سلوكه، والإدعاء انه مرسل من قبلها لولا التردد وعدم الحسم الذي يرافق عمل المنظمة، ولماذا كل هذا السوء؟ ومن اجل ماذا؟ هل ان هذا له علاقة بالقضية التي سجنا من اجلها؟ اسئلة كثيرة لم اتمكن الاجابة عليها، لولا موقف سامي احمد الذي وضع حدا لمهزلة (س).

في احدى اليالي كنت اسير وحيدا افكر بمضايقات (س) وتحريضه لمعارفي وردة فعل والدي اذا ماوصلته رسالة من احدهم تحرضه وترسم له صورة سيئة وسوداوية عن علاقاتي واختياراتي لمعارفي واصدقائي الجدد، وكم ستسبب مثل هذه الرسائل من قلق وعذاب لوالدي وقد تزعزع الثقة التي بيننا. وشعرت لأول مرة بحاجة ان يكون والدي قريبا مني لأكون تحت حمايته ورعايته واستفاد من خبرته الحياتية في فهم الاخرين ومقاصدهم، حينها لا يجرأ احد ان ينتقدني او يلومني او يسيء لي. وبينما كنت سارحا بهذه الافكار وانا اتمشى وسط ساحة السجن ليلا، واذا بسامي يمسك بيدي ويشدني اليه وكأنه كان يقرأ افكاري وهواجسي، ويسألني عن حالي وعن (س) والزميلين، واخبرته بكل القصة. واثناء سيرنا في وسط الساحة، قال لي سوف اختصر الحديث معك بموقف عملي يضع حدا لسلوك (س)، هل ترى من يقف هناك مشيرا لي باصبعه، قلت له انه (س)، فقال لي إذهب اليه وبلغه موقف المنظمة بجملة واحدة وهي: ان المنظمة لاتشتري كلامك عن الزميلين بفلس واحد! واخبره بعدم رغبتك في صداقته! وقل له ذلك امام زملائه الواقفين معه! في البداية ترددت ولاحظ ابو وميض ترددي، فأضاف: رفيق هذا هو قرار المنظمة، ونحن كنا نتابع كل تصرفاته، ولاحظنا تماديه، وعليك ان تنفذ القرار واذا سألك من بلغك أخبره بأني بلغتك بالقرار! ذهبت محرجا واحسست بصعوبة الموقف وقسوة المعالجة، ولكنني اقتنعت ان سلوك (س) كان يستحق هذه القسوة. اخبرته بموقف المنظمة واشرت له بأن سامي هناك وهو الذي بلغني بالموقف، ورد علي بعجل: زين زين بعدين نتفاهم. وهكذا وضع سامي حدا لعقلية انانية متناقضة جمعت بين حب الحزب والتفاني في سبيل مبادئه والتضحية حفاضا على اسراره وحياة رفاقه وبين انانية مدمرة لرفاقه وحزبه دون ان يحسب لتأثيراتها السلبية اي حساب.


كاتب السطور والفلاح مهدي (ابو اسلم) في سجن نقرة السلمان عام 1964

في سنة 1962 وفي موقف كربلاء، اعتقل فلاح مسن من ناحية عين ألتمر (شفاثة). تميز بهدوئه ورزانته والتأني في حديثه ورغبته في ألإستماع للآخرين. عرفناه بأبي أسلم (مهدي)، انسان كله طيبة ونبل واذا ماتحدث معك ينسيك انه فلاح وذلك لثقافته الواسعة وقدرته الجيدة على توصيل معلوماته للآخرين بسلاسة وبأسلوب ممتع. كان ابو أسلم شيوعيا وكانت أحاديثه معنا في الموقف تعويضا عن النقص الذي نعاني منه من إنقطاع الأدبيات، فيحدثنا عن بعض ألروايات والقصص ألتجسسية بين ألسوفيت والأمريكان، وعن الأصلاح الزراعي والعقبات والاخطاء في تنفيذه، وكيف لعب بعض رجال الدين المنافقين في استغلال بساطة وايمان الفلاحين في نهيهم وتحريم صلاتهم في الاراضي التي شملها الاصلاح الزراعي بحجة ان الله لايتقبلها!!!! وانعكاسات ذلك على الوضع السياسي والاقتصادي. كان متأني في حديثه وكأنه يختار كلماته بحذر. وكان أبا حنونا وعطوفا لآيتركك تشرد في أفكارك بعيدا، فيحاول أن يتقرب إليك لمعرفة مايشغل بالك، ليقدم نصيحته وكأنه حكيم يشدك للإستماع اليه والأخذ بنصائحه. والتقيت بأبي أسلم بعد سنتين عام 1964 في نقرة ألسلمان، فقد بقي محجوزا منذ زمن عبد ألكريم قاسم كما اعتقد، وتنقل بين المواقف والسجون حتى أستقر به المقام في سجن ألنقرة. كنا نلتقي به نحن الكربلائيون، فيحدثنا عن جمال مدينة عين التمر وواحات نخيلها ألجميلة وعيون مياهها ألصافية وهي تكّون بحيرات صغيرة تزيد الناحية جمالا. كان يقول لنا وكأنه خبير سياحي، لو كنت مسؤولا لجعلت من هذه ألناحية ألصغيرة المنسية مركزا سياحيا مشهورا يرتادها السواح من كل انحاء العالم، ولكن للأسف حكوماتنا شاطرة في بناء السجون فقط.

يحيى قاف (أبو سعد) هذا الرجل المسن ألموصلي ألأصل، اشتهر بجملته ألشجاعة والرافضة للظلم الذي عاناه كل الشرفاء من أبناء شعبنا. ما أن يصطدم بجلاوزة النظام ألبعثي أو ألعارفي من حرس قومي أو شرطة أمن أو حتى مسؤولين حتى يصرخ بوجههم بمقولته الشجاعة: أنا يحيى قاف يقول ألكلمة وما يخاف!. عرف يحيى قاف كونه شخصية اجتماعية وطنية ومعلم قدير له طريقته في ألتعليم، وقد اعتمدت في التعليم الإبتدائي. رغم كبر سنه زج به نظام البعث بعد انقلاب 8 شباط 1963 في ألمعتقل، واستمر حكم عبد السلام عارف في إبقائه في السجن رغم شيخوخته ولم تحترم او تقدر خدماته كونه مربيا قديرا وشخصية وطنية واجتماعية. وبقي أبو سعد صامدا قويا مؤمنا بقضية ألشعب وانتصارها، رغم شيخوخته رفض تقديم اي تنازل مهين لكرامته مقابل الافراج عنه، حتى فارق ألحياة وهو بين ألناس الذين أحبهم واحبوه، توفى ألمربي والوطني الكبير في سجن الحلة. فارق ألحياة بعد سماعه خبر وفاة عبد السلام عارف في حادث طائرة محروقا. وكان يحيى قاف يلعن يوميا النظام ورئيسه عبد السلام عارف لزجه خيرة ابناء الشعب العراقي بالسجن لمواقفهم الوطنية ورفضهم التخاذل واصرارهم على الصمود، وقد حرمه عبد السلام عارف من رعاية عائلته والعيش بينهم وهو في أواخر عقده الثامن. وعندما بشره زملائه باحتراق عبد السلام عارف بطائرته، علق يحيى قاف بقوله: من اليوم وصاعدا سوف لن اشتم هذا الرجل!! أي نبل ورجولة هذه!؟ نعم هكذا كان هذا الإنسان من النبل حتى أنه لم يظهر شماتته بمن زج به في ألسجن رغم شيخوخته وخدماته في التعليم ، هل يتصور القوميون والمدعون بالاسلام ان الوطنيين من امثال يحيى قاف بالرغم مما عانوه من اضطهاد بسبب حكمهم العروبي والمتمسك جدا بالمفاهيم الاسلامية انهم متسامحون ولايضمرون احقادا وأنهم نبلاء في علاقاتهم الانسانية وخاصة اتجاه الاموات منهم. لقد فارق الحياة بعد سماعه خبر موت عبد السلام بساعات وكأنه قد اجل رحيله عن هذه الدنيا ليرى نهاية من تامر على ثورة 14 تموز وزج بخيرة المخلصين من ابناء شعبنا في السجون.

أبو غازي ألشخصية الفلاحية البسيطة كنا نتناقل اقواله وتعاريفه ألبسيطة والنادرة لبعض ألمصطلحات ألسياسية، وربما كان البعض يعيد صياغاتها ليزيدها طرافة. اعتقل أبو غازي، ايام حكم عبد الكريم قاسم، في إحدى القرى ألجنوبية (ألتابعة لمحافظة الناصرية). كانت الشرطة تبحث عن سرقة راديو، وداهموا صريفة (بيت من ألقصب) أبو غازي للبحث عن ألسرقة، ولم يكن ألرجل له علاقة بالسرقة، فعثرت الشرطة على محاضر اجتماعات حزبية لخلية شيوعية بين طيات فراش البيت. وهكذا اعتقل أبوغازي وعذب من قبل جهاز ألأمن القاسمي لمعرفة اعضاء ألخلية وبقية التنظيم والاسماء الحزبية الواردة في محضر الاجتماع. لم يحصلوا على اية معلومة من أبي غازي، لأنه لم يكن حزبيا ولايعرف ماهية هذه ألأوراق ومن الذي تركها بين طيات فراشه. واُحيل ابو غازي للمجلس العرفي، اصدر شمس ألدين عبدالله ألحكم عليه بعشرة سنوات! شعر ابو غازي بقساوة الحكم وظلم المحكمة، وهو ألذي لم يقم بأي جرم، سوى انهم وجدوا في بيته مجموعة من ألأوراق الرقيقة برقة ورق لف السكاير التي يستعملها. دهشته من قساوة الحكم أعادت له الذاكرة ونشطتها، هذه الذاكرة ألتي عجزت هراوات ومسبات وإهانات شرطة ألأمن من إعادتها وتنشيطها! استيقظ ابو غازي من سباته وتذكر صاحب هذه ألأوراق ألمشؤومة والتي بسببها سيسجن عشر سنوات. فكان رد فعل ابو غازي سريعا، بعد نطق شمس الدين بالحكم، علق أبو غازي قائلا بلهجته الريفية: يامنعول ألوالدين عذافة (ألوجه ألفلاحي ألمعروف عذافة حمود)، وريقات خفاف حكموني بسببها عشرة سنوات، لوكانت وريقات سماك (سميكة) كم كانت ستكلفني من سنوات؟!! استفسر منه شمس الدين عما قاله، فلم يرد عليه ابو غازي، وفضل السجن على افشاء سر عذافة ليبدأ طريقا جديدا في حياته. كان يعتقد ان عدد سنوات سجنه تتناسب مع سمك وعدد الاوراق، لذلك استغرب الحكم عليه. وعاش ابو غازي كسجين سياسي تنقل بين عدة سجون، وقد رعاه واهتم به ألسجناء ألشيوعيون، وتعلم على أيديهم ألقراءة والكتابة، وواظب على جلسات التثقيف وسماع نشرات ألأخبار ألمعدة من قبل منظمة السجن، وسمع لأول مرة بمصطلحات واسماء لم يسبق ان سمعها من قبل، واوجد لها تعاريفا تنسجم وثقافته البسيطة. فإذا سألته عن معنى ألماركسية، اجاب بلا تردد وبإختصار شديد يدل عن إستيعاب مبسط وقناعة مطلقة: ألماركسية هي حجي ترهدن (أي كلام منساب) ما به غلط!! أما ألإشتراكية يختصرها بعائلة واحدة تأكل من قدر واحد. ومن شدة حبه وإعجابه ببطولة وشجاعة ودور الخالد فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، فيحاول ان يقنع محدثيه بأن الخالد فهد هو مؤسس الماركسية وان ماركس سرق المعلومات منه وساعدته الحضارة والتكنولوجية الغربية بنشر الفكر الماركسي والدعاية لماركس!! بالطبع كان يحب النكتة ويحاول إضفاء مسحة من الطرافة والنكتة على تعاريفه النادرة واحاديثه ليتداولها من حوله الاخرون وتتناقلها ألقاعات، وربما كان يبالغ في بساطته متقصدا، وكان البعض يحرف أحاديثه وينشرها بين ألسجناء ليزيدها طرافة. وكان الزميل المهندس كاظم مكي وبما يتمتع به من روح خفيفة وحب للنكتة هو مصدرنا، لعلاقته القوية به وقدرته على تحريكه في خوض النقاشات السياسية معه، في نقل اقوال ابو غازي وتعاريفه الطريفة وربما كان يحرفها ويعدلها لزيادة تأثيرها وقوة طرافتها.

كاكا درويش الرجل المسن ذو اللحية الكثة البيضاء والرأس المشتعل شيبا والجسم المربوع الممتلئ، كنا نحن الشباب ننظر اليه بإعجاب واحترام لمواقفه الشجاعة في محاكم المجالس العرفية رغم شيخوخته. ربما كان عمره قد تجاوز السبعون عاما، هكذا كان يوحي لنا منظره، لكنه كان نشطا وحيويا. اُحيل كاكا درويش الى المحاكمة عدة مرات وبعدة قضايا، جمعت ضده من قبل اجهزة الامن منذ ايام عبد الكريم قاسم. وتجاوزت مجموع محكومياته المائة عام، حتى اصبح زبونا معروفا لشمس الدين عبد الله، لكنه كان زبونا صعبا لايهاب ولايحترم المجلس العرفي ولا رئاسته ولا يأبه لسنوات الحكم التي يصدرها. فكلما دخل القفص واصدر رئيس المجلس حكمه عليه، بادر كاكا درويش لخلع نعاله ورميه على رئيس المجلس وهو يبصق في وجوههم ويشتمهم، مستهينا بالحكم وساخرا من المحكمة واعضاؤها، ويهتف بحياة الشعب ومتوعدا المحكمة ورئيسها بعقاب الشعب لهم. وبقي كاكا درويش في النقرة حتى سقوط حكم عبد الرحمن عارف، وقد علمت من بعض الزملاء انه في سنواته الاخيرة ساءت صحته كثيرا وعمل لنفسه خيمة بجانب القلعة القديمة (السجن القديم) يقضي معظم نهاره وليله فيها ليجنب زملاؤه شخيره وما تسببه امراض معدته من ازعاجات بسبب شيخوخته وتدهور صحته.

يـتـبـع


(1) – جزيل الشكر للدكتور وشاح نوري ونه، لمساعدته من خلال تزويدي بصورة والده وتقديم المعلومات عن حياة الراحل نوري ونه طيب الله ثراه.

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الجمعة 25/8/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة