ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 25 )
¤ معركة سينا
بعد الانتهاء من تلك الجولة ، تقرر إستدعاء الرفاق الى المقر، عدا السرية الرابعة التي تشكلت بعد تلك العملية ويقودها الرفيق لازار ميخو ( ابو نصير ) ومستشارها السياسي سلام صبري (ابو امجد ) للتحرك في منطقة القائدية ، بعد تعزيزها بأنصار من ابناء المنطقة .واستمرت السرية الرابعة بنشاطاتها في منطقة المزوري (1) ملتقية بأعداد متزايدة من اهالي قرى القائدية. يوم 18/1/1982 كانت السرية بكاملها تقضي ليلتها في قرية (سينا) حيث تجمع الانصار للنوم في مدرسة القرية الواقعة في الجهة الشرقية .
وفي فجر يوم 19/1/1982 تسلل فوج من الجيش من جنوب القرية عن طريق (شيخ خدر) ليسيطر على المنافذ الغربية للقرية دون ان يشعر الانصار بأية حركة غريبة. وفي خطوة من أجل استكمال تطويق القرية، مرت مجموعة عسكرية من الجيش امام المدرسة. وكان يقوم بمهمة الحرس الخفر الرفيق محمد حسين راشد(2)، فما ان لمح هؤلاء الأفراد دون ان يستطيع تمييزهم بسبب الظلام ، حتى نادى عليهم مستفسرا بالكلمات المعتادة ... من انتم ؟؟
رد عليه الضابط بشتيمة رافقها اطلاق النار بأتجاه الرفيق. وفي الحال خرج الرفيق رافد اسحق حنونة (حكمت )(3) واطلق بإتجاههم قذيفة RBG7. وبسبب انكشاف موقعه اثر الانارة التي تتركها القاذفة، فقد إنهال الرصاص عليه فخر جريحاً. وتمكن جميع الانصار خلال دقائق من مغادرة مبنى المدرسة وتحصنوا على السفح الشرقي للجبل المقابل للقوة العسكرية. وفي مسعى للإنسحاب، حمل الرفيقان ابو رستم (4) وعايد (5) رفيقهم الجريح على ظهر حمار حصلوا عليه من القرية، وتوجهوا نحو الجهة الشرقية الجنوبية من القرية ، ليقعوا في كمين محكم استشهد على اثر الصدام معه الرفيقان حكمت وعايد.
هكذا كانت البدايات، صعبة وقاسية جدا. فقد فرض على الانصار خوض معارك ضارية مع قطعات عسكرية مدربة بشكل نظامي ، في وقت كان الانصار لا يزالون لا يتقنون فنون القتال بسبب حداثة انخراطهم في العمل العسكري. ويمكن القول ان مجمل خسائرنا نجمت عن قلة الخبرة وعن عدم الالتزام بالضوابط والارشادات.
¤ مفارز لاستطلاع منطقة الدشت
بعد تأسيس قاعدة بهدينان 1979 تشكلت اولى نواة للجنة المحلية في نينوى، وتكونت من الرفاق خديده حسين (ابو داود) وناظم وابو ايفان (6).
وفي ربيع عام 1980، تشكلت اول مفرزة استطلاعية لمنطقة الدشت بقيادة الرفيق علي خليل (ابوماجد)، حيث تمكنت من الوصول الى الدشت (السهل)، وتوزعت على ثلاثة محاور : القوش - بحزاني - دوغات .
وكان الرفاق يختفون نهارا في كهف في "كنود دوغات"، ليدخلوها ليلا.وقد طالت مدة بقاء المفرزة دون اي مبرر ، فتمكن بعض عملاء السلطة من استدراج احد افراد المفرزة وهو من اهالي دوغات، وتقديم الإغراءات له بالتمتع بالعفو اذا ما سلم نفسه للسلطة. و شكل ذلك خطرا جديا على بقية الانصار فتفرقوا دون التمكن من الالتقاء بمسؤول المفرزة، الذي اضطر بدوره للتوجه الى منطقة سنجار في محاولة للعبور الى سوريا، ولم يفلح فتوجه الى الجبل ملتحقا بأحدى مفارز حدك ليصل مقرنا لوحده.
واضطر احد الرفاق من المفرزة ( خديده طيبان - ابو سلام ) الى التوجه الى القوش والاختفاء في دارنا رغم ما كان يشكله ذلك من مخاطر عليه وعلى العائلة. اما الرفيقان خليل وابو ايفان فقد تركا القوش بأتجاه سنجار ومنها الى القامشلي، ليعودا ويلتحقا بمقرنا في ( كلي كوماته ) مع مجموعة من الرفاق الملتحقين الجدد.
ولم يطل بقاء الرفيق ابو ايفان في المقر حيث تقرر توجهه ثانية الى المنطقة للقيام بمهماته، فتسلل مع مجموعة من الرفاق الى القوش على امل البقاء فيها مدة اطول.
وفي خريف 1980 توجهت مفرزة اخرى بقيادة ابو ماجد ايضا الى منطقة الدشت. واثناء تواجدهم في المنطقة طلب أربعة من الانصار السماح لهم بزيارة عوائلهم في القوش، فرفض طلبهم لخطورة ذلك عليهم وعلى المفرزة. فما كان منهم الا ان تركوا سلاحهم وغادروا الى القوش ، والتقوا هناك بالرفيق ابو ايفان.
بعد ايام قام الاربعة بتسليم انفسهم للسلطة، الامر الذي دفع بالرفيق ابو ايفان الى المغادرة بأتجاه الجبل فوصل الى منطقة ( بري كاره ) ليلتقي بالرفيقين خديده حسين (ابو داود) وناظم.
كنا نتهيأ للتوجه بمفرزة للالتقاء بالسرية الرابعة في بري كاره حينما وصل الرفيق سليمان يوسف - ابو عامل الى مقر بهدينان. فأرجأنا مغادرتنا لعدة ايام .
وفي برواري بالا التقينا بأنصارنا وهم في طريق عودتهم، فأرسلنا المتعبين منهم الى المقر، وواصلنا جميعا مسيرتنا نحو منطقة بري كاره .
حينما دخلنا قرية كاره، علمنا بمغادرة الرفاق ابو داود وناظم وابو ايفان بأتجاه الدشت .
الرفيقان توفيق وناظم في كلي رمانكانت مفرزة خالد باني من ( حدك ) في بري كاره ، وقد حاول احد أفراد الپيشمرگة ( احمد ميركه تو ) معرفة وجهة رفاقنا الثلاثة . وبعد تأكده من انهم سيتوجهون الى الدشت ، سبقهم بمغادرة القرية ليكمن لهم مع جماعة له في نهاية ( كلي آفوكي ) وهو الطريق الوحيد الذي يتوجب على رفاقنا المرور فيه ويتحول في منطقة منه لممر ضيق ، وعند وصولهم لمسافة 150 مترا من الكمين اطلقت عليهم النار بكثافة فأستشهد في الحال الرفيق ابو ايفان واصيب الرفيق ناظم بجراح في يده وتمكن الرفيق ابو داود من الانسحاب لمسافة مناسبة . عندها تقدم المجرم احمد ميركه تو وانتزع بندقية الشهيد ، ليتوجه بها الى سرسنك حيث سلم نفسه للسلطة هناك . بعدها ارسل بندقيته الى خالد باني بإعتبارها عائدة لقوات الپيشمرگة. وقد اكد لنا احد كوادر حدك بأن خالد باني كان على علم مسبق بالجريمة وقد شجع (احمد ميركه تو) على تنفيذها.
توجهنا الى الموقع مباشرة بعد وصول النبأ ، فوجدنا احد بيش مركة حدك ( خالد شلي ) قد سبقنا ليقوم بمهمة دفن الشهيد ، في منطقة ما بين قرية آفوكي ومراني ، ولا زال قبره موجودا هناك ..
ومرة اخرى نفقد رفيق اخر بسبب قلة الخبرة وحداثة التجربة ، اذ لم يكن انصارنا قد مروا بتجارب تمكنّهم من معرفة اساليب اعدائهم وتساعدهم على توخي الحذر من المخاطر وتوّقع الخيانة. فقد استبعدوا ان يكون احد پيشمرگة حدك مكلفا بعملية غادرة وقذرة ، مقابل العفو عنه او مقابل مبلغ من المال .
¤ معركة كَلي رمان ـ فوج من الجيش في كمين من للانصار
بعد استشهاد الرفيق ابو ايفان، بقيت قوتنا في منطقة المزوري. وكانت تتشكل بالاضافة الى فصيل الحماية من عدة سرايا وتجاوز عدد الانصار (70) نصيرا مسلحا بالاسلحة الخفيفة وبقاذفات RBG7 ورشاشات عفاروف ومدفع هاون 60 ملم .
كانت معنويات الانصار عالية، فهم يجوبون لأول مرة القرى بهذا العدد وهذا التسليح بهدف اعادة ثقة الجماهير بحزبنا وبالكفاح المسلح. وكانت السلطة في ذلك الوقت تقوم بحملات ملاحقة واسعة وتمشيط دقيق للمناطق التي قد يلجأ اليها الپيشمرگة والانصار .
ارسلنا مجموعة من الانصارالى قرية باعذرا بمهمة. وعند محاولتهم دخول القرية اصطدموا بمجموعة عسكرية، فأنسحبوا الى حيث تمركزت قوتنا. وبسبب توقعنا تقدم القطعات العسكرية لتفتيش المنطقة ولملاحقة الانصار، قررنا التجمع في قرية كلي. وكانت لدينا مفرزة بقيادة الرفيق ابو فؤاد على قمة جبل بيرفكا لمراقبة اية تحركات في المنطقة والتصدي لاية قوة عسكرية قد تتقدم على الشارع الترابي المار نحو اتروش. الا ان الرفيق ابو فؤاد قام بسحب مفرزته في التاسعة والنصف صباحا دون إذن .
ينحدر من باعذرة طريق ترابي يمر بقرية بيرفكا نزولا الى قلعة نور الدين آوا حتى اتروش. وهو طريق مناسب لمرور السيارات ، ويمر بمحاذاة قرية كَلي رمان من جانبها الشرقي ويفصله عن القرية وادي عميق ويطل عليه تل مخروطي وراء القرية من غربها، وتحيط به مرتفعات جبلية تقرر ان يتخذها الانصار نقاط تمركز لمواجهة اية تطورات .
على ضوء تلك التوقعات بتقدم عسكري، فكرنا بإرسال قوة مع مدفع هاون الى الجبهة الشرقية من الطريق لنحكم السيطرة عليه وبالتالي محاصرة اية قطعات واسرها بسهولة.
طرحت الفكرة للمناقشة، ولم يحظى مقترحي بالقبول بسبب اصرار الرفيق ابو باز وتأكيده على عدم امكانية تقدم اية قطعات عبر هذا الطريق . ووقعت قيادة المفرزة في الخطأ بسبب الانصياع لرأي الرفيق ابو باز .
في حوالي الساعة الحادية عشر صباحا حيث كان الانصار في مواقعهم، ظهر رتل من السيارات العسكرية تتقدم الى اتروش. وفي نفس الوقت تقدمت قطعات اخرى من عين سفني ووصلت الى قلعة نورالدين آوا.
قررنا فورا التصدي لهذه القوات المتقدمة، على ان تكون اشارة البدء صلية كلاشنكوف تطلق باتجاه السيارات. وبمجرد اطلاق الاشارة بدأت اسلحة الانصار تمطر الرتل بوابل من الرصاص. فتوقف الرتل وترك الجنود سياراتهم محتمين بالصخور القريبة دون اية مقاومة، ولكن بعد فترة وجيزة بدأوا بالرد العشوائي .
استمر القتال وقتا طويلا دون ان نتمكن من الوصول الى موقع قريب من الرتل بسبب الوادي العميق الفاصل بين موقعيينا. وهكذا تشبث كل طرف بمواقعه، حتى اوشك عتاد الانصار على النفاذ . في تلك الاثناء حاول الفوج المعسكر في قلعة نورالدين آوا التقدم نحو مواقعنا، الا ان انصارنا كانوا له بالمرصاد ليردوه على اعقابه. وبذلك فشلت كل المحاولات لفك الحصار عن رتل السيارات .
بعد تأخر الوقت، كان لابد لنا من فسح المجال امام الجنود بالانسحاب ، لعدم امكانية حسم الوضع لصالحنا. فقررنا انهاء القتال ، نادى الانصار عليهم يبلغونهم بوقف اطلاق النار والسماح لهم بالانسحاب الى اتروش .كانوا فرحين ومتفاجئين ، وكمن لا يصدق ، هل حقا نالوا الخلاص ، بقرار الانصار . وباشروا بصعود الجبل نحو القمة ثم الانحدار بأتجاه قلعة نورالدين آوا ، بعدها انسحبت السيارات.
خلال المعركة، لم تطلق المدفعية اية قذيفة، ولم يتحرك الطيران لحسم الموقف، وذلك بسبب تداخل مواقعنا.إن اهم ما حققته تلك المواجهة ، هي انها جعلت من المنطقة ومن طريق الشيخان - دهوك منطقة محرمة على القطعات العسكرية حتى حملة الانفال .
1 ـ منطقة ما بين جبل دهوك وجبل دهكان تحدها شرقا منطقة المزورين والكوجر ، سكانها ايزيديون ، هدمت قراها عدة مرات ونقل سكانها الى مجمع شاريا .
2 ـ محمد حسين راشد ، من اوائل الانصار الملتحقين بقاعدة كوماته في 4 /10/ 1979 واحد مؤسسيها ، معاون امر السرية المستقلة استشهد في 23 /2/ 1983اثناء معركة مع الجحوش في قرية باعذرا .
3 ـ رافد اسحق حنونه - حكمت ، مواليد 1958 من اهالي القوش طالب في كلية الهندسة - بغداد التحق بالانصار في 17 /4/ 1980 من رماة RBG7 المتميزين ) .
4 ـ عبد الودود شاكر - ابو رستم ، من اهالي بغداد مواليد 1958 ، امر فصيل في السرية الرابعة طالب جامعة ، تعرض مع رفيقين اخرين يوم 19 /3/ 1983 لكمين من المرتزقة الجحوش في منطقة نهلة ، وبعد قتال صعب جرح اثناءه ، ولم يستطع الانسحاب ، فأطلق رصاصة على رأسه منهيا حياته قبل وصول المرتزقة اليه لأسره .
5 ـ هيثم ناصر الصكَر - عايد ، التحق بالانصار عام 1980 ، امر فصيل في السرية الرابعة استشهد مع رفيقه حكمت فجر يوم 19 /1/ 1981 .
6 - هرمز يوسف سليمان - ابو ايفان ، من أهالي القوش مواليد 1946 ، التحق بالانصار في ناوزنك في 30 /4/ 1979 ، نشط في العمل ضمن التنظيم المحلي في نينوى ، اغتيل على يد احد بيش مركة حدك في 9 /11/ 1980 .يتبع
¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |