ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(14)

 

جليل حسون عاصي

(الفصل الثالث)
2

شنت حملة أعتقالات واسعه في مدينة الشطرة من قبل مفارز مشتركه من الشرطة والامن والحرس القومي على بيوت الشيوعيين واعتقلت العشرات منهم ،اما التنظيمات الريفيه فلم يعتقل منها سوى خليه واحده تتكون من ثلاثة رفاق في منطقة آل سعدمع مسؤولها الرفيق عذافه عضو لجنة الريف .
مما ادى إلى مغادرة الرفيق جليل عبد الخالق مدينة الشطرة إلى جهة مجهوله لدينا أعتقل بعدها وأرسل مخفوراً إلى مدينة الكوت ، وتمكن الرفيق الشهيد محسن وارد من الافلات منهم والوصول إلى الريف ، برفقة الاخت نعيمه .( التي جندت نفسها كليا إلى الحزب رغم أنها لم تكن عضوه فيه وتركت عملها الذي تعيل نفسها و عائلتها من خلاله وهو - النقش على الأزر المصنوعة من الصوف بحيث يصبح جميلا و سميكا وأكثر دفئا - بل وأكثر من هذا صرفت قسم كبير مما ادخرته كأجور نقل وشراء مواد غذائية و ملابس وسكائر للرفاق ) واستقر في غرفة صغيرة مبنية من الطين منعزلة عن البيت الذي هو الأخر منعزل لوحده عن القرية أيضا يقع في منطقة بني زيد قرب مرقد السيد علي في بيت ( حسن الكاطع ) والد الرفيق ( رحيم حسن ) الطالب في إعدادية الشطرة عضو لجنة الريف.
تشكل مركز حزبي لقيادة التنظيم في الناصريه مكون مني والرفيق محسن وارد ، بعد ان تفرق أعضاء اللجنة المحلية بين معتقل و مختفي خارج الناصريه , إلا إن هذا المركز لم يقم بأي عمل يذكر بسبب الضربة التي وجهت له مباشرة فقد اعتقل كل من ( محسن وارد ، ورحيم حسن ، ووالده حسن كاطع ) الذي أصيب بطلق ناري عندما حاول الهرب والتغطية على الرفيق( محسن وارد) ورغم الكارثه التي حلت بالعائلة الا ان بيتها ظل مفتوحاً للرفاق وبهذا اصبحت أمام مهمة قيادة تنظيم الناصريه لوحدي وإلى جانبي مجموعه من الرفاق المطاردين من الفلاحين أبرزهم الرفيق سيد جاسم سيد نعمه الياسري عضو لجنة ريف الشطرة لقد تركت حادثة الاعتقال ردود فعل سلبية فقد أخذت العوائل تتردد باستقبال المطلوبين للدولة لذلك اضطررنا للبقاء في العراء طيلة النهار متخفين بين حقول الحنطة والشعير و بين البردي والقصب بدون طعام أو سقف يحمينا من الإمطار نعتمد في غذائنا على النباتات البرية و عندما يجن الليل ويغط الناس في النوم نلجأ مضطرين إلى بيت أحد الرفاق الذي نشخصه مسبقا و نتناقش طويلا حوله ذاكرين سلبياته وإيجابياته إلى إن نتفق عليه عندها يكون الرفيق مضطر هو الأخر على الترحيب بنا وتقديم وجبة عشاء متواضعة غالبا ما تكون من ( طابك من التمن ) مع الحليب أو مشتقاته و في بعض الأحيان نحتفظ بقطعة من( الطابك ) للفطور لأننا ننسحب من البيت قبل طلوع الفجر و بعد إن وجدنا مشقة كبيرة في مواصلة حياتنا على هذه الشاكله ناقشنا الموضوع بشكل مستفيض وتوصلنا إلى قرار يقضي بانسحابنا إلى الهور .والانطلاق منه لانجاز عملنا الحزبي .
كان اليوم الأول والليلة الأولى وصباح اليوم الثاني مدهشا ومثيراً لنا لأنها المرة الأولى التي نواجه فيها مثل هذه الحياة , فقد تجمع عدد من الرجال في منطقة داخل الهور يقال أنها مشهورة بوفرة الصيد من مختلف الأعمار من سكنه القرى القريبة كل في زورقه ومعه عدته ( شباك الصيد ) وقبل غروب الشمس بقليل تفرقوا على مسافات متقاربة بين بعضهم البعض ونصب كل منهم شباكه، و تعلمنا منهم إن الشباك لا تنصب في النهار لان الأسماك ترى وتبصر الشباك و تبتعد عنها إما في الليل فينعدم مجال الرؤيا لديها .
تجمع الصيادون كل في زورقه بعد نصب شباكهم يتجاذبون إطراف الحديث ويتبادلون تقديم السكائر ، لا يهمهم من الدنيا غير الإحداث التي واجهتهم أو واجهت أقارب أو أصدقاء لهم فهذا يتحدث عن صيده لسمكة كبيرة طولها كذا ووزنها كذا باعها بمبلغ مجزي وهذا يذكر الآخرين بالسنة التي كثر فيها الصيد لدرجة إن السمك بقى مكدسا ولا يوجد من يشتريه و ثالث يقول انه جرب حظه إذا التقى بفلان الفلأني لا يحصل حتى على ( جرية ) " وهي نوع من السمك لا يأكله أبناء الطائفة الشيعية لان أكلها محرم عندهم " وأخر يروي انه وجد في احد الليالي حية كبيرة ترقد إلى جانبه في الزورق دون إن تمسه بسوء ألا انه قابل موقفها بالجحود فقد هجم عليها وقتلها يقاطعه أخر بالقول نقلا عن فلان الفلأني إن احد الصيادين دخل في معركة حامية مع (الحنفيش)_ وهو نوع من الحيات السامة صغيرة الحجم يكسو جسمه الشعر سريع الحركة اقرب إلى ألجرذي منه إلى الحية يقفز من مكان إلى أخر و يسبح في الماء بسرعة متناهية وكانت نتيجة المعركة إن قتله بآلة تعرف بـ( الفالة ) و ينهض أخر من بين الحاضرين رافعا ثوبه إلى الأعلى مشيرا إلى أثار جروح قديمة يدعى إن احد الخنازير البرية الهائجة هاجمة و مزق جسمه ولولا عناية الله لكان في عداد الموتى ...... الخ من الأحاديث التي لا تتوقف إلا في حالة انهماكهم بعمل معين بعدها نهض الجميع وكأنهم على موعد أشعل احدهم النار وبدأ بإعداد الشاي في وقت اخرج كل منهم صرته وبدأو بتناول عشائهم الذي غالبا ما يكون من الخبز و البيض المسلوق . بعدها توجه كل منهم بزورقه إلى شباكه التي نصبها قبل فترة . لإخراج السمك الذي علق بها . عاد الجميع وهم مستبشرون بما حصلوا عليه من صيد وتجمعوا في نفس المكان السابق وكانت أحاديثهم هذه المرة عن الحب والليل والمرأة فقد ذكر احدهم انه محروم طول حياته ولم يفرح حتى في ليلة زفافه فبدلا من زغاريد النسوة ودبكات الرجال تحول العرس إلى صراخ النساء وانشغال الرجال بأخذ ( عطوة ) والتهيئة لدفن الطفل الذي قتل بطلق ناري فقد جرت العادة إن يطلق الضيوف عيارات نارية عند وصولهم مكان العرس . ومن سوء الحظ أصابت طفلا واردته قتيلا ولم أتمكن من قضاء حاجتي عندما دخلت على عروسي في ساعة متأخرة من الليل رد عليه أخر مستهزأ (( من يومك مخنث )) أخوك بليلة عرسه خلة الناس فزعت على صراخ العروس ؟! وسرد أخر قصة غرامه مع حبيبته التي استمرت سنين طويلة لان بن عمها وقف حائلا في طريقها وفرض عليها الإقامة في البيت ولم يلتقي بها إلا في الأعياد والمأتم وظل مصرا على موقفه إلى إن أعطاه شقيقته بدلا عنها مع مبلغ من المال قال احدهم سأكون بعون لله في اللية القادمة إلى جانب أم عباس بعد إن هزه حديث الحب والغرام و الأحاديث الشيقة والأنين الذي صاحب غناء أحدهم وهو يصدح ( بالطور الشطراوي ) تحرك الجميع نحو شباكهم لتفقدها مرة أخرى خوفا من ( الرفش ) وهذا الحيوان يرابط بالقرب من الشباك وعند تعلق السمكة بالشباك يهجم عليها ويلتهمها هي والشباك معا فتكون الخسارة مضاعفة عندها خلدوا للنوم في زوارقهم وفي الصباح الباكرنهض الجميع واتجهوا نحو شباكهم لجمع الأسماك العالقة فيها ورفعها من الماء وغسلها غسلا جيدا للتخلص من الأوساخ التي علقت بها ونشرها في الهواء وتحت ضوء الشمس وعند جفافها يقومون بتعديلها وإزالة ما علق بها ورتق الخروق في الأماكن التي التهمها الرفش بينما ذهب قسم منهم لبيع السمك للتاجر الذي يعرف بـ ( الصفاط ) ويكون البيع بالعدد فمثلا كل مائة سمكة بين متوسطة وصغيرة بدينار واحد أو أكثر أو اقل تضاف إليها عشرة سمكات مجانا وهي ما تعرف بـ(الشرهة) يسدد (الصفاط) ثمنها نقدا بعد اقتطاع قيمة المواد التي يزودهم بها كالشاي والسكر و التمر والتبغ والطحين وشباك الصيد …. الخ في حين إنشغل الآخرون بإعداد الفطور هذا يعجن وأخر يخبز على الأرض ما يعرف بـ ( الفطيرة ) و ثالث يهيئ الوقود المعمول من فضلات الحيوانات وإشعال النار ورابع يقوم بسكف السمك عندها جلس الجميع متقابلين لتناول وجبة الفطور المؤلفة من السمك المسكوف والخبز الحار وربما يتبادر إلى الذهن غرابة هذا النوع من الفطور إلا إن من يجربه لا يمكن إن يفضل عليه فطوراً آخراً أبدا وبعد عدة أيام من وجودنا في الهور تعلمنا المهنة وأصبحنا صيادين ماهرين .ومن العارفين بتقلبات الاحوال الجويه لأن الحياة القاسية التي نعيشها في العراء إضطرتنا للإستفسار من أشخاص متمرسين في هذا المجال لأخذ الحيطة والحذر وهؤلاء الأشخاص لديهم خبرة جيدة في معرفة ايام السنة يوما يوما من خلال حساب دقيق يعتمدونه وغالبا ما يلجا اليهم المزارعون لمشورتهم عن الاوقات المناسبة لزراعة المحاصيل الزراعية و قد عرفنا من خلال الاحتكاك بهم اسماء عدد من المواسم مثل المربعانية، الستينية ، الجلة ، العجوز طلوع سهيل ،( طلوع الثريا ) ووقت طلوع الثريا محدد بين نهاية الشهر الرابع وبداية الشهر الخامس من كل سنة وحسب ما يقال ان الجو في مثل هذا الوقت ربما تتكاثر فيه الامطار او تشتد يه حركة الرياح المحملة بالغبار او موجة برد قارصة في غير اوانها وصادف ان كان طلوع الثريا ربيع عام 1963 هطول امطار غزيرة وهذا ما يهمنا من الموضوع . ففي احدى الامسيات وبعد ان نصبنا شباك الصيد وتناولنا طعام العشاء . بدأ هطول المطر الذي إستمر إلى صباح اليوم الثاني اصبحنا بوضع بائس لا نحسد عليه فعلى رؤوسنا يسقط المطر مباشرة ونجلس في بركة من الماء تجمعت في قاع الزورق تلف كل ما لدينا من مواد غذائية كالطحين والملح والسكر وكذلك الاوراق والكاربون التي نستخدمها في كتابة البيانات و الرسائل الحزبية وتشوهت الكتب و الكراريس إلى حد ما . وفي الصباح انسحبنا إلى اليابسة على حافة الهور بدأنا بتجفيف ملابسنا وحاجياتنا وما ان عرف سكان البيوت المتناثرة بأمرنا حتى هبوا لمساعدتنا وقدموا لنا كل ما نحتاج اليه.
ان استقرارنا في الهور هيء لنا امكانيات جيده فقد تمكنا من اعداد بيانات حزبيه صيغتْ على ضوء ما تذيعه أذاعة صوت الشعب العراقي التي تدار من براغ عاصمة جيكوسلوفاكيا الاشتراكيه وتوزيعها على رفاقنا وأصدقائنا ،وتوقفت الزركات على المناطق الريفيه بعد ان وصلتهم معلومات عن انسحابنا إلى الهور الأمر الذي فسح المجال لرفاقنا الفلاحين بالتحرك فقد سيطروا على قيادات بعض الجمعيات الفلاحيه وشاركو في الهيئات الاداريه لجمعيات أخرى ،كما أن الاشاعات المبالغ فيها كثيراً عن قوة الشيوعيين في الهور رفعت من معنويات الجماهير في الريف والمدينة وأرعبت الحرس القومي مما دفعنا إلى تشجيعها ، فقد بادر احدهم على ملىء زورقه بحزم من البردي والقصب وغطاه بشكل جيد . واخذ يتنقل بين الصيادين في الهور مدعيا ان حمولته رشاشات وبنادق مكلف من الحزب بايصالها إلى الرفاق في الجهة المقابلة . وفي الجهة المقابلة يخبرهم العكس وهكذا مارسنا حرب الاعصاب ضدهم لدرجة ان كلمة الهور بحد ذاتها اصبحت تستفزهم .كما ساعدتنا على تثبيت عدد من المحطات للمراسله ،وفي أقامة أحتفالات بسيطه ومحدودة ، فقد أقيم احتفال بمناسبة الذكرى التاسعه والعشرون ، لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31/آذار .في الهورأطلقنا عليه أحتفال التحدي .
وكان لهذه الاحتفالات تأثير أيجابي على معنويات الجماهير وقد تمكن رفاقنا في المدن من أيصال البيان الذي أعد بالمناسبه إلى مقرات الحرس القومي وبيوت بعض البعثيين وتوزيع الحلويات على المواطنين ، التي تتضمن شعارات اعدتها المنظمة تحيي المناسبة .

يتبع


¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر

¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 25/3/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة