ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(10)

 

جليل حسون عاصي

الفصل الثاني
(6)


فازت قائمة الجبهة التعليمية بفارق بسيط جدا رغم كل الانتهاكات والاساليب المخجلة التي اتبعت وهذا بطيعة الحال ساهم في فضح القوى القومية والبعثية وكل القوى الاخرى التي تعاونت معهم بما فيها الاجهزة الأمنية التي اندفعت بعيدا في حمى معاداة الشيوعية .
التحقنا بالمدرسة بعد انتهاء العطلة الربيعية في وضع مختلف عما كنا عليه في بداية مجيئنا فقد أصبح تحركنا طبيعيا وبامكاننا التنقل خارج الجبايش دون الرجوع إلى القائمقام مستغلين موافقة الامن التي اضطروا عليها لمنعنا من المشاركة في الانتخابات بالتحرك في أي منطقة نشاء متجاوزين الحظر المفروض علينا ومما ساعدنا على ذلك أن اهالي المدينة والمناطق المجاورة لها اخذوا يتعاطفون معنا وحتى العناصر القومية والبعثية الذين هم من خارج المدينة ويعملون موظفين في الدوائر الرسمية تخلوا بعض الشيء عن مواقفهم المتصلبة تجاه الشيوعين وكونوا معنا علاقات اجتماعية وحتى علاقات سياسية من خلال تبادل النشريات في بعض الاحيان لان الجميع يعانون من مشاكل كثيرة يتطلب من الجميع معالجتها فالإنسان يجد صعوبة كبيرة في تحمل حياة العزلة التي فرضتها ظروف المدينة دون أن يوطد علاقاته مع الآخرين . وفي احدى اللقاءات التي تمت مع القوميين والبعثيين جرى حديث طويل عن كثير من الأمور السياسية حمّلوا فيها الشيوعيين كالعادة مسؤولية الانعزال عنهم ومقاطعتهم عندها انبرى لهم الزميل اسود عباس قائلا (عشت منذ طفولتي بين الناس اختلط بهم واستمع إلى نصائحهم واعمل قدر الإمكان لمساعدتهم والان وبعد ان وصلت إلى هذا السن الذي احتاج فيه إلى شفرتي حلاقه لحلاقة ذقني وعملت في حزب هو الاول من بين الأحزاب الوطنية التي عملت في البلاد ورفعت شعار قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية وتتهمنا بالانعزال والمقاطعة ثم واصل حديثه قائلا الان جلسنا سوية وتصارحنا مع بعضنا كل ما نأمله ان تتواصل هذه اللقاءات وتتوطد العلاقات فيما بيننا من اجل خدمة وطننا وشعبنا ).
لم يدم هذا الوضع طويلا فقد ادت التقارير الكثيرة عن نشاطي السياسي سواء من قبل الشرطة او من ادارة المدرسة إلى نقلي لاحدى المدارس الريفية التابعة إلى قضاء سوق الشيوخ كان اول عمل قمت به بعد وصول الأمر الاداري بالنقل السفر إلى البصرة وتسليم المنظمة الحزبية إلى مسؤولي الحزبي وبعد رجوعي من البصرة قررنا استغلال هذه المسالة سياسيا من خلال فضح الاساليب التعسفية التي تمارس ضد العناصر الوطنية قمنا بجولة في المدينة اتصلنا خلالها بأغلب اصحاب المحلات التجارية والمقاهي والدوائر الرسمية بما فيها مركز الشرطة وبعدد كبير من الجماهير بحجة التوديع الا ان القصد الحقيقي من وراء هذه الجولة فضح السلطة والاساليب التي تتبعها في انتهاك حريات المواطنين وحرمانهم من ابسط حقوقهم ،كان لهذه الجولة فائدة كبيرة لم تكن أصلا في الحسبان، فقد حذروني من الالتحاق بالمدرسة التي نقلت اليها والتي تعرف بأسم مدرسة الشبيبة في ريف سوق الشيوخ لأن ملاكها بكامله وغالبية أبناء المنطقة المحيطين بالمدرسة من المعادين للشيوعية، وقد تعرضت حياة أحد المعلمين الشيوعيين الذي نقل إليها للخطر بسبب الضرب الذي تعرض له . غادرت المدينة بعد توديع زملائي والام الحبيبة التي رافقتني إلى المحطة حاملة بعض الحاجيات العائدة لي وبقيت واقفة في المحطة وعيونها مسمرة نحو الزورق تلوح لي بيدها إلى ان انقطع مجال الرؤيا بيننا.
استفسر الركاب عن طبيعة العلاقة بيننا ماذا أقول لهم وهم يعرفونها حق المعرفة فهي قطعا لم تكن امي ولا اختي ولا قريبتي فضلت ان اخبرهم انها ( رفيقتي ) بعد ان مهدت للحديث بسرد قصة ريفية سمعتها يوما ما ،استمر الزورق في طريقه إلى ان وصل إلى منطقة ( الطار ) وهي المحطة الأخيرة التي يتوقف عندها الماطور. - والطار عبارة عن مخفر للشرطة محصن بشكل جيد وعلى ما يظهر شيد بهذه الطريقة ليوفر لمنتسبيه الدفاع عن انفسهم لان المنطقة عاشت وتعيش حالة من الغليان بسبب الصراع الدائر بين العشائر والسلطات الرسمية وعلى مقربة منه عشرات البيوت المبعثرة هنا وهناك - ومن الطار ركبت السيارة إلى ناحية كرمة بني سعيد ومنها إلى سوق الشيوخ ثم الناصرية .
كان الوقت ليلا والجو باردا والسفرة طويلة ومتعبة استمرت من الصباح إلى المساء وصوت المحرك الذي امتزج مع صوت ارتطام الماء بالماطور الذي كان يسير عكس التيار، خلقت حالة من الدوار فضلا عن الاثر الذي تركته على نفسيتي أجواء الوداع التي تمثلت في موقف الام ودموعها والإخوة المعلمين والتفكير المتواصل بما تخبئه الأيام القادمة ، والجوع الذي اخذ مأخذه مني لأني تركت متاع السفر الذي هيئته الام دون ان ادري ( العادة تقضي ان يهيئ الراكب متاعا للسفر غالبا ما يتكون من البيض المسلوق وعدد من ارغفة الخبز لان الجميع يتناولون وجبة الغذاء وهم على ظهر الماطور، ودور صاحبه ينحصر في إعداد الشاي مجانا ) اكتفيت باحتساء الشاي رغم ان الجميع طلبوا مني مشاركتهم الطعام .كل ذلك جعلني في وضع لا احسد عليه .
وعند وصولي مدينة الناصرية التقيت عن طريق الصدفه، بأحد أبناء مدينة الحي أستفسرت منه عن وضع المدينة وبشكل خاص عن وضع الرفيق ( كركة )لرغبتي في التعرف على اخر اخباره لان قصته طويلة فهو( من إخواننا الأكراد الفيليين ولد ابوه في مدينة الحي كما يذكر العديد من كبار السن الذين عاصروه تجاوز عمره الأربعين عاما بقليل متزوج وله طفلان يعمل حائكا وهو افضل من يجيد حياكة العباءة الرجالية يتمتع بحس وطني وثوري عالي لذلك انخرط منذ بداية شبابه في العمل الثوري كان يحلم باليوم الذي يتعلم فيه القراءة والكتابة لتوسيع مداركه لذلك التحق بمركز محو الأمية الذي افتتح بعد ثورة 14 تموز 1958 هادئ الطبع حسن الأخلاق شجاعا بكل معنى الكلمة لقد شاءت الصدف ان يكون شاهد عيان على جريمة اغتيال الشـــهيد( حسين مفتاح) وعندما حاولت السلطات المحلية التستر على الجاني والصاق التهمة باخرين لا علاقة لهم بالجريمة توجه إلى مركز الشرطة وادلى بافادة تتعارض مع رغبتهم رغم قناعته الكاملة بانهم سينفذون تهديدهم له بتسفيره إلى ايران وتحول بقدرة قادر من شاهد إلى متهم واودع التوقيف سوية مع القاتل الحقيقي قابل الموقف بكل شجاعة ورفض بإصرار كل المحاولات التي بذلت لاقناعه بتبديل افادته وكان يقول لمن يطلب منه ان يرحم زوجته وأطفاله الذين ليس لهم معيل غيره .( ان غاندي الهند يملك معزة واحدة عاش على لبنها وانا املك حزبا جماهيريا يهز الدنيا ، ومعسكرا اشتراكيا جبارا واخاف على ثلاثة افواه من الموت جوعا ) سفر فعلا إلى ايران وبعد فترة قصيرة عاد إلى العراق سرا وسكن في احدى القرى التابعة إلى ( ناحية الدجيلة ) شيد له بيتا بسيطا من الطين وورشة عمل تعرف ( بالجومة ) وبدأ مزاولة عمله ولكون البناء لازال رطبا لم يتماسك بعد بدأ بالانحراف شيئا فشيئا دون ان يلاحظه إلى ان وقع عليه لم يبقَ فيه ( عظماً سالماً ) اوصله بعض رفاقه إلى بغداد وادخلوه المستشفى الجمهوري باسم مستعار وبعد اجراء الإسعافات الأولية وتجبير الكسور تم تهريبه بمساعدة بعض العاملين في المستشفى قبل اكتشاف حقيقته بقليل اودع في احد البيوت في منطقة الشيخ عمر ( عكد الاكراد ) وفي حينها تبرع احد المضمدين مشكورا بمراجعته يوميا إلى ان تحسن وضعه الصحي ).
وفي صباح اليوم الثاني قابلت مدير المعارف واخبرته برفضي الالتحاق بالمدرسة التي نسبت اليها بعد أن شرحت له سبب الرفض ، وخيرته بين أمرين اما نقلي إلى مدرسة اخرى او قبول استقالتي تفهم الرجل المبررات التي سقتها له فاقتنع بها ووافق على نقلي إلى مدرسة تقع في اطراف الهور تابعة إلى قضاء الشطرة تعرف باسم( مدرسة الاتحاد ) ، ومن حسن الصدف ان زميلي(عبد رسن) الذي سجن واطلق سراحه أعيد تعيينه معلما في نفس المدرسة.
تعتبر مدينة الشطرة بالنسبة لي المدينة الثانية بعد الحي فقد اكملت فيها الصف الثالث المتوسط واختلطت مع ابنائها في دار المعلمين ببعقوبة وعاشت فيها عائلتي بحدود السنتين وتكونت لي علاقات واسعة مع ابنائها .وخلال وجودي في الشطرة عرفت من رفيقي المعلم ( قاسم غنتاب ) الذي بقيت في ضيافته ثلاثة ايام الكثير عن المدرسة التي نقلت اليها وكيفية الوصول لها.
كانت المدرسة محصورة في زاوية بين ( نهرركالة ) وبين جدول يستخدمه الفلاحون لسقي مزروعاتهم وهي كبيرة من حيث عدد صفوفها وتلاميذها وملاكها التعليمي فيها اثنا عشر صريفة بمعدل شعبتين لكل صف مبنية من القصب والبردي ومغطاة بالحصران وهو ما يعرف محليـــا (بارية) عدد التلاميذ كبير جدا اذا ما قورن بالنسبة للمدارس الريفية الاخرى لانها تشمل قرى كبيرة ومتباعدة يتكون ملاكها من (16) معلما فضلا عن مدير المدرسة منهم (14) معلما من خارج المحافظة نقلوا اداريا لاسباب سياسية يمثلون جميع المحافظات من الجنوب إلى الشمال باستثناء اثنين منهم من الناصرية وهم ايضا من المغـضوب عليهم اما مدير المدرسة فهو شخص بسيط جدا وطيب إلى ابعد الحدود ويعاني من أمراض مختلفة عين مديرا فور تخرجه بعد ان اجتاز الامتحان لانه مكمل في سنته الاخيرة رغم علم مديرية المعارف بأنه يجهل أي شيء عن الادارة والعمل الاداري والسبب يعود لانه المعلم الوحيد المستقل والبعيد عن السياسة بين هذه المجموعة !!. رحب به الجميع وساندوه وقدموا له خدمات كبيرة ورعاية تامة بسبب المضاعفات التي تحصل عنده من أمراض عديدة فضلا عن الجانب الإنساني كونه ليس من النوع الذي يشي بهم ويكتب التقارير عنهم إلى مديرية المعارف، كما دأب عليه الكثير من المدراء في تلك الفترة وتعلق هو بهم لانهم يساعدونه شخصيا وينجزون له كل الاعمال الإدارية التي تخص المدرسة وما عليه الا التوقيع فقط يسكن جميع المعلمين في صرائف تم بنائها من قبلهم وعلى حسابهم الخاص ولا توجد في المدرسة اكثر من غرفة واحدة مبنية من الطين متروكة لانها لا تصلح للسكن يعيش المعلمون حياة مشتركة متعاونين ومنسجمين فيما بينهم يسودهم الحب والاحترام والتفاني والإخلاص في العمل يستغلون وقت فراغهم الطويل في امور نافعة منها اقامة دروس إضافية لتلاميذ الصف الخامس والسادس ، جنت المدرسة ثمارها ففي العام الدراسي 1961 ـ 1962 كان الاول والثاني على المحافظة في الامتحان الوزاري للصف السادس الابتدائي من بين تلامذة المدرسة الأمر الذي اثار استغراب الجميع ، واثنى مدير المعارف على الجهود المبذولة من قبل الملاك التعليمي في المدرسة في الحفل الذي اقيم في مركز الناصرية لتكريم المتفوقين .
كانت علاقتهم مع الفلاحين في المنطقة يسودها الحب والاحترام وخاصة اولياء امور التلاميذ الا ان اختلاطهم بالفلاحين من الناحية السياسية كان ضعيفا ومحدودا ومقتصرا على المشاركة في القضايا الاجتماعية كالاعراس ومجالس العزاء في حين يفترض استغلال وجودهم بالمنطقة في نشر الوعي السياسي بين الفلاحين وبلورة مشاكلهم وتوجيههم إلى الطريق السليم الذي يسلكوه لتحقيقها واقناعهم بالانخراط بالجمعيات الفلاحية بغض النظر عن طبيعة قيادتها باعتبارها السبيل الوحيد الذي يساهم في خلق الوعي الديمقراطي بين صفوفهم والقادرة على قيادتهم وتحقيق مطاليبهم فيما لو اتبعت اساليب تتسم بالمرونة مع قيادتها التي فرضت عليها من قبل الاجهزة الادارية وفي كل الحالات لا يجوز اسقاط اداة تحمل صفة رسمية يمكن الاستفادة منها بل اكثر من هذا ان مقاطعتها والنفور منها غالبا ما تؤدي إلى وقوفها موقفاً معادياً للفلاحين وتعمل على سلب ما حققوه من مكاسب . أن من الواجبات الملقاة على عاتق المعلم الشيوعي الموجود في الريف العمل على ايجاد ركائز حزبية تطبيقا للشعار الذي رفعه الحزب ( لكل قرية خلية حزبية وجمعية فلاحية لكل منطقه ) وهذا النوع من العمل ليس جديدا على المعلمين الشيوعيين فقد لعبوا دورا هاما في المجال الوطني والطبقي فضلا عن واجبهم المهني باعتبارهم يمثلون الشريحة الواعية المثقفة في المجتمع العراقي وساهموا مساهمات فعالة في الانتفاضات والنضالات التي خاضها شعبنا العراقي ضد الاستعمار والاقطاع والرجعية فقد شارك الرواد الاوائل في فتح صفوف سرية لمكافحة الامية بين الفلاحين في ظل الهيمنة الاقطاعية وقاتل الفلاح والمعلم في خندق واحد ابان انتفاضة فلاحي ال ازيرج في اواخر عام 1952 وتبوأ الكثير منهم مهام قيادية في جميع الاحزاب الوطنية والتقدمية ولحقهم من جراء ذلك السجن والابعاد والتشرد والاعدام لذلك حازوا على حب وتقدير واحترام شعبهم وكسب ثقته من هذا غالبا ما يلجا اليهم الناس في الاستفسار عن امور كثيرة حتى خارج اختصاصهم على اعتبار انهم متعلمون ولهم اطلاع في كل شيء اما دورهم الاجتماعي فحصتهم وفيرة في هذا الجانب ايضا فكم من مرة تدخلوا في حل الكثير من مشاكل الزواج والطلاق والنهوة وحل الخصومات التي تحصل لأتفه الأسباب بين الافراد والجماعات وتدخلوا حتى في استعادة ممتلكات الفلاحين التي تتعرض للسرقة دون ان يدفعوا عوضا عنها للسراق فلسا واحدا وهو ما يسمى ( الحلاوة ) وهذا يدلل على احترامهم حتى من قبل السراق . ولهذا لابد في البدايه من العمل على كسر الحواجز بين المعلمين والفلاحين ,وكانت البداية اجتماع ضم الاباء والمعلمين واخذت العلاقات تتطور شيئا فشيئا وتتشعب مهماتها حتى اصبحت اللقاءات والزيارات من وإلى المدرسة يومية تقريبا كانت دراسة المشاكل التي تعاني منها المنطقة على راس هذه المهمات على اعتبار ان الحديث لوحده لا ينفع لان الناس شبعت من الكلام ولابد ان يقترن الكلام بعمل فعلي لان ما يهم الفلاح هو ما يتحقق له على ارض الواقع وليس ما يرفع من شعارات . لهذا اتجهنا اولا لمعالجة المشكلة التي يعاني منها ابناء الفلاحين من التلاميذ والتي تتلخص بوجود مسطح مائي يحيط بالمدرسة ، مما يضطرهم للغوص في الماء لاجتيازه وبما أن المدرسة مختلطة بنين وبنات تضطر البنات للخوض بملابسهن وهذا يعرض الجميع إلى برد قارص وما يترتب عليه من أمراض واوجاع فضلا عن لدغة تسببها( دودة )من عظمة حادة بارزة في مقدمة راسها تجرح بها من تصادفه تحت الماء. وكان مستخدموا المدرسة مضطرين لاشعال النار صباحا في ساحة المدرسة لكي يجفف عليها التلاميذ من البنين والبنات ملابسهم وللقيام بعملية ( الكي بالنار ) لمكان لدغتها لان الكي بالنار يهدئ من الألم.
نظمت ادارة المدرسة كتاب رسمي موجه إلى مديرية معارف الناصرية لتزويد المدرسة بزورقين من النوع الكبير لنقل التلاميذ وتخليصهم من الخوض في المسطح المائي. رفض مدير المدرسة الذهاب بمفرده لأنه غير قادر على أنجاز هذا العمل عندها تقرر ان يرافقه أحد معلمي المدرسة ، وفعلاً قابلا مدير المعارف. واطلعناه على الموقف وافق على صرف مبلغ لشراء الزورقين بشرط ان يقوم ابناء المنطقة او مستخدمي المدرسة بالعمل عليهما بدون مقابل .
لقد ترك هذا الانجاز اثرا كبيرا على المعلمين والفلاحين وشجعهم على القيام بنشاطات لتحقيق مطاليب لها اهمية كبيرة في مجرى عملهم وحياتهم.
قضيت العطلة الصيفية ببغداد في وقت كانت الأوضاع السياسية غير طبيعية والحملة المعادية للشيوعيين لا تزال مستمرة وعلى اشدها ففي كل يوم تطالعنا جريدة الثورة الناطقة بلسان الحكومة بعدد من مقالات فيها دزينة كاملة من الاتهامات والتهويشات ضد الشيوعيين وواصلت جريدة الحرية والفجر الجديد وصحف اخرى ناطقة بلسان القوميين حملتها ايضا ضد الشيوعيين والدعوة للاقتصاص منهم وفي هذا الجو المشحون حصلت منعطفات سياسية عديدة وخطيرة ابتداء من اضراب البنزين في نهاية اذار 1961 وانتهاء باعلان الحرب على الاكراد في ايلول 1961 مرورا بالمفاوضات مع شركات النفط الاحتكارية والاعلان عن ضم الكويت إلى العراق لم يكن الحزب الشيوعي بمعزل عن هذه التطورات وانما كان في قلب الحدث فقد عملت منظماته وباشراف مباشر من قيادة الحزب على التهيؤ لامتصاص زخم الهجوم الذي شنته حكومة قاسم وللتحول من حالة التراجع غير المنظم التي دأبت عليها سياسة الحزب بعد الانتكاسة في منتصف عام 1959 إلى حالة الدفاع عن مصالح الجماهير والحفاظ على ما تبقى من المكاسب التي تحققت في العام الاول للثورة باعتباره القوة الوحيدة المنظمة والقادرة على الوقوف بوجه المخططات التأمرية والحفاظ على سلامة الجمهورية خاصة بعد ان اعاد الحزب بناء تنظيماته التي حصل فيها التخلخل بسبب الملاحقات البوليسية وحملات الاعتقال والتشريد والابعاد في هذا الوقت بالذات التحقت بتنظيمات المعلمين في بغداد ومع نفس الهيئة التي عملت معها في السنة السابقة.
كان العمل التنظيمي يجري بشكل افضل بكثير مما كان عليه في السابق ويمكن ملاحظته من خلال النشاطات العديدة التي قامت بها المنظمة وخاصة فضح الاساليب الملتوية التي اتبعتها شركات النفط الاحتكارية في مفاوضاتها مع الحكومة وانعكست من خلال التجمعات واللقاءات في المقاهي والمتنزهات وفي الجمعيات التابعة لنقابة المعلمين ومن خلال هذه التحركات تعرفت على رئيس نقابة المخابز والافران المدعو ( محمد صادق )وهو من اهالي النجف يسكن بغداد صاحب مخبز في وقت كانت فيه نقابة الخبازين هي ونقابات خدمية اخرى مثل ( نقابة عمال المطاعم والفنادق ونقابة عمال البناء ... وغيرها ) لا تزال تحت قيادة الشيوعيين لان التركيز في البداية جرى للاستحواذ على النقابات المهمة ذات التحشدات العمالية الواسعة والتي هي ضمن القطاع العام مثل ( السكك ، النفط ، الميناء ... الخ ) وتسليمها إلى عناصر دخيلة وطارئة على الطبقة العاملة العراقية رافقت هذا القائد النقابي في العديد من الجولات اليومية التي يقوم بها على المخابز والافران والمعجنات، وتعلمت الكثير من هذه الجولات ومن اللقاءات التي تمت مع العمال في مشاريع ومهن اخرى علمتني أكثر بكثير من قراءة عشرات الكتب الماركسية لأني لاحظت وعن قرب طبيعة العلاقات السائدة بين العمال في اماكن تواجدهم بموقع العمل والعلاقة بينهم وبين ارباب العمل وكيف يجري التعامل لحل المشاكل التي تواجههم والذي يعكس الفرق بين مستوى الوعي لدى الوسط العمالي فيما لو قورن بالوسط الفلاحي وادركت بالملموس ومن خلال المعايشة والاحتكاك المباشر ان الطبقة العاملة فعلا متحررة من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وهي الجديرة لوحدها لقيادة المجتمع صوب الاشتراكية على العكس مما لمسته من خلال عملي الحزبي بين الفلاحين الذين تتأصل الملكية الخاصة في نفوسهم فعلى سبيل المثال اجتمعت ذات يوم بمنظمة حزبية تقود العمل الحزبي للعمال الزراعيين في مزرعة الشطرة الحكومية والذين سبق و ان كانوا فلاحين في الارض التي شيدت عليها المزرعة وكما هو معروف لدى الماركسيين ان العمال الزراعيين وفقراء الريف هم الحليف لرئيسي للطبقة العاملة لاحظت من خلال مناقشة وضعهم في الاجتماع ان رواتبهم مجزية ودخلهم السنوي افضل من دخل أي فلاح غني في المنطقة وان ادارة المزرعة بالتعاون مع مؤسسات الدولة الاخرى وفرت لهم مساكن مريحة وصحية مجهزة بالماء والكهرباء وخدمات اجتماعية اخرى من قبيل مستوصف صحي ومدرسة ابتدائية ورصفت لهم الطريق العام الذي يربط القرية بالمدينة والقرية بالمزرعة وحددت لهم الإدارة يوم العمل بـ ( 8 ساعات ) وما زاد عن ذلك تدفع لهم اجور اضافية ويعملون على الات زراعية متطورة ومع هذا وبدلا من ان يفكروا ويطالبوا بخدمات اكثر او بزيادة أجور او تقليل ساعات العمل ...الخ من الأمور الأخرى أقتصرت مطاليبهم على ألغاء المزرعة الحكومية وتوزيع الأراضي عليهم على شكل وحدات استثمارية .
يتبع


¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 25/2/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة