ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

أسرار عن نفق سجن الحلة والكفاح المسلح في الأهوار

الجزء الثاني

 

متابعة : المهندس علي الكناني

احلام الثوار وهموم القمع

رسالة الشاعر مظفر النواب الى عقيل حبش
الجزء الثاني 17/7/2006
نص الرسالة :
((ايها الحبيب
مر لوني ... مر طبعي ... مر طعمي . مرتان عيناي حتى اراك ثانية و حتى ذاك اليوم توقظني الوحشة والنار التي في حزامي وفي قلبي الومك كثيرا لاشياء . واشياء وفي قلبي احكي معك كثيرا عن اشياء واشياء . وفي قلبي اقبلك وانت ترفض كثيرا وكثيرا عن اشياء واشياء !!!
لقد كنت حقيقيا في كل ما حدث . والناس  شعبنا يتحدث عنكم في كل مكان واريد ان اقبلك كما بالامس من عينيك . للتحدي الذي فيهما . للتحدي الذي نتحدث عنه للجماهير بفرح .
كان كل خبر جمرة تطفئ في عينيي . قالوا . اسرت . وقالوا  كسرت . وقالوا . قالوا مت يااخي ياحبيبي . وحفر النمل قلبي ولكني مابكيت . كانت الدموع ترفض . كنت احس انك مازلت تنبض ومع هذا صرخت في الليل كما يصيب الذئب طلق في عينية. اما عن العزيز ابو هادي . فقد دحض كل ماقاله الثرثارون الغباة بالامس . وثبت مفهوما جديدا . وعنه وعنك وعن الاخرين يتحدث الفلاحون حول النار في الليل . وتتحدث اخبار المدن . ولم يكن موقفكما غريبا علي بالذات كنت اعرف هذا فيكما منذ زمن بعيد . وتحدثت عنه للاخرين منذ اكثر من نصف سنة ايها الحبيب الحبيب يااخي .اذكرك دائما . واتيت من مكان بعيد – كما تدري – لأكون قريبا من مكانك . واكتب هذه الرسالة . في ليلة واحدة سرت تسع ساعات على الأقدام . ولكني رغم الاجهاد كنت خفيف الخطى و اسير بفرح واشم الرياح التي تاتي من هناك . واتذكر كيف كنت اضع(( الريحه )) علىشاربيك صباح المواجهة..,.
سوف لا انتظر رسالة منك . لاني مضطر ان اغادر هذه المنطقه بسرعه او اتعرض لخطر اكيد . ايها العزيز العمل ينمو بسرعه وانا اكثر تفاؤلا من السابق . وسوف لن يطول الليل . مع الرساله ( ديناران ) لااملك اكثر منهما حاليا . ربما تفيدكما لقد كنت اريد ان اتي الليك بملابس الريف . في المواجهه ولكن الحذر والعمل منعاني ومهما يكن فأنت في عيوني دائما .
سلام وقبله. وشوق للعزيز ابو هادي اقبلك اخي الحبيب . واتذكرك دائما
اخوك
سوف تعرفني من المحبه والخط ))

انتهت الرسالة
عندما تقرا مذكرات عقيل حبش تحس بانبهار كأنك في حكايات الف ليله وليله، تلقائية الكلمات وصدق الوصف تبعدك عن شؤون الادب الوصفي والقصصي والسير الذاتيه ، اما ان تسمع حديثه وجها لوجه ،فهو الأمر الاشد غرابه , مملوء بالصدق والعفويه ،له جملة بسيطة معبره سحريه ،تقترب من قصص الجدات وحولها الاطفال صامتون غير انها لا تنزعج من الاسئله الكثيره ومن المقاطعه كما عقيل يروي حقيقة لا يخاف فقدان خيوط الالهام او نسيان القصة التي يرويها من حياته ،كل حياته ،يتلذذ .يتلذذ بتلك الالام ويذكر كل الرفاق ،اسماء عالقة في ذاكرته الطريه المملؤة ،يتحدث عن الثوره والحزب عابر على معاناته الذاتيه , على اساليب التعذيب والالام النفسية .
في يوم ايلولي ساخن من عام 1968عقيل ورفاقه الاربعه في السجن مقر انضباط الفرقة الأولى في الديوانية , تقلبهم اخبار مقلقه .تعصرهم .بين تنفيذ حكم الاعدام الصادر ضدهم واخبار الحزب المنقطعة وغصة الالم الذي تولدت لديهم بعد احداث 17 تموز . احباطات ومرارات .غير انهم ما زالوا يتحدون اليأس ينشدون اناشيد الثورة والصمود، لتلك الاناشيد اثر معنوي يدركه عقيل فيكرره غير مره .في احداث محدده .في لحظة صدور حكم الاعدام او تنفيذه في لحظة عودة احدهم من التعذيب او ذهابه الى الاستجواب.تلك الاناشيد تحافظ على تأجج الثورة وحس التحدي .تبعد اليأس من التسرب الى بعض الرفاق .
خمسه في السجن ، يتوالى دورهم في الاستجواب والتعذيب بعد ان انهار سادسهم فأفشى بكل اسرار الحزب الخطيرة .حتى عزله المحقق في زنزانة اخرى ليبعده من تأثير ردود افعال رفاق.صدر الحكم عليه بالسجن المؤبد .على خلاف رفاقه . سته كانوا البقيه الباقيه من خلية هور الغموكه الأثنى عشر يمارسون الحياة بطرق بدائيه يصنعون من عجين الخبز المتبقي لعبة الشطرنج , يتقاسمون السيكاره التى يغنمونها ويتناقشون في امور المعتقل والتحقيق والمحكمه . عن اخبار الحكومه . وبصيص الامل الذى بدء يصل مسامعهم بالعفو او بتخفيض الاحكام القاسيه . مازالوا متماسكين حتى الساعه . في الديوانيه في سجن مقرانضباط قيادة الفرقه الاولى وهي المحطه الثانيه بعد سجن الناصريه عندما انتهت قاعدة الكفاح المسلح في هور الغموكه في اولى عملياتها بنهاية دراميه عظيمه ، تحتاج بذاتها الى دراسات وتقيم عن مدى الارتباط و الا يمان الذي كان يتمتع به اولئك الاثنى عشر شابا .تتملكهم اخلاقيات احترام الحياة حتى يفضلون عدم قتل الشرطة في لحظة المواجهة كانوا حقا وطنيين ترف قلوبهم بنفس النبض الذي ينبض في قلوب الاخرين من افراد الشعب ولو كانوا شرطة .
جاءت عائلة (هادي ) او (ابو هادي )الى سجن مقر انضباط قيادة الفرقه الاولى في الديوانيه .(ابو هادي )كما يشير له مظفر النواب في رسائله الى عقيل وهو الاسم الحركي لبطل عظيم اسمه عبد الجبار على جبر من قرية برنون في لواء الحله (محافظة بابل ).كنت اعرف لهذا البطل موقفا عظيما سحر طفولتي قبل ان اعرف اسمه من عقيل حبش في لقائي به هذا العام 2006 .
في بدايات عام1968 وفي نهاية المدارس في ايلول تقدمت القوات العسكرية والشرطة ،ملئت مدينة الدواية تلك المدينة الصغيرة من نواحي لواء الناصرية كان عدد القوات العسكرية كبيرا ، اصبحت المدينة .كأنها ثكنة ترافقها البرمائيات والسيارات المسلحة والشرطة والمسؤولون ،الكل يعرف انهم جاءوا بعد عملية الغموكة بايام .عملية الغموكة التي قامت بها قاعدة الكفاح المسلح في الهور .لكننا نعيش الاخبار لحظة بلحظة من الشرطة الساكنين في المدينة او من القادمين من الهور شهود عيان ،لحظة بلحظة .يقصون حوادث وقصص خيالية .حتى بلغ ان طائرة هليكوبتر قد اسقطوها ،كان حجم الحدث مؤلم للسلطة رافقه خبر مصرع طيارها خبر جديد يهز معنويات جموع العسكر والشرطة المحتشدة .اثارت تلك الاخبار ان الهور يحترق وان حجم المقاومة كبير.فمن عملية مخفر الغموكة و مصادرة السلاح الى اسقاط طائرة الى قتل طيار .بلغ الامر مقتل شرطة وجرح بعضهم .عمل كبير يثير الخوف والقلق لدى الحكومة التي وقعت بين حيرة التقارير والوشاية والاعترافات عن حجمهم وهذا الفعل الذي لا يمكن ان تنجزة تلك الاعداد.انتهت المواجهه عند المساء .او بالتحديد في بدايات عصر ذلك اليوم .عند المساء والشمس تقارب الافق , قدمت القوة بسيارات الشرطة المختلفة وخلفها عاصفة من التراب . تقدمت السيارات الى مركز الشرطة .وقفت السيارة . . . المسلحة على مقربة من مركز الدواية وبالتحديد . . . في زاوية الحديقة الامامية تجمع الناس حول السيارة ،شباب في حوض السيارة ايديهم مربوطة الى الخلف ،كان حوض السيارة الشوفرليت الزيتونية يسعهم خمسة او اربعة . اثنان على كل جانب توسط الجلسة خامسهم يرافقهم شرطيين الى الامام جلسا على حافة حوض السيارة الخلفية .وثالث نزل حال توقفها ليدخن سيكاره ،كانت وجوههم مرفوعة , عيونهم تلتقي بعيون المتجمهرين اصرارا واباءا ,تحد واضح رغم تلك الحالة من البؤس والإرهاق , الثياب الممزقة , شكلهم يومي بأنهم اعظم مما يرتدون حتى قال احد الواقفين , هؤلاء طيارون او اطباء او مهندسون هربوا الى الهور ، ادعاءات من وحي الخيال الذي يرسمه التحدي ويصور عمق الأيمان انعكس بأحترام الجمهور الذي حولهم . . . بعيني رأيت كل ذلك لم اسمع احدا يكيل لهم الأهانة او كلمة ( خطيه ) حتى يتراجع البعض معجبا بالتحدي الذي خلف القيود في سيارة الشرطة والحرس فوق رؤوسهم . . . خمسة او اربعة كما ترسمها ذاكرتي الآن . ابتعد عنهم الشرطي ليدخن سيكارته , التف حوله الفضوليون وكنت صبيا بين سيقان الواقفين ادخل واسمع . . . . قال : انهم ابطال ( بصوت منخفض ) الجميع في صمت الا اسئلة الأعجاب , قال : . . . . ان احدهم قطعت يده اليمنى , بقيت متصلة بذراعه , ضاق ذرعا بها , . . . وضعها تحت قدمه اليمنى وسحبها , انقطعت كف يده وبقيت تحت قدمه , قطع الانسجة و الاعصاب المتصلة .اقشعر الجميع لتلك الصورة التي وصفها الشرطي للواقفين . جرءة صّورت ارادة الثورة واستفزت معنويات الجموع الواقفة عند الخندق المتناثرة على جوانبه اضلاف الرصاص والبنادق المرمية وشواجير الرشاشات , ثلاثة كانوا على جانبي الخندق او ذلك الجدول الجاف متجمدة اجسادهم في حركة مقاومة , بنادقهم بأيديهم او في احضانهم , التصق احدهم بالأرض , شهداء ثلاثة على الأرض ( خالد احمد زكي , ومحسن حواس , وكاظم منعثر ) .
تدلت يده بعد ان تلقف القنبلة المتدحرجة على الأرض المرمية من قبل الطيار ( كما قال لي عقيل حبش ) ليبعدها عن خندق رفاقه ويعيدها الى الجموع المحتشدة على مقربة منهم المكونة من الجيش والشرطة وشرطة الخيالة , الا ان الزمن كان حرجا . . . انفجرت بيده , قطعت يده اليمنى من الرسغ , بقيت يده متدلية ولم تزل في يده اليسرى بندقيته , احساس فطري باصرار على الثورة , اخذه النزف والجروح التي توزعت على جسده الواهن . علقت بذاكرتي الصبية واخذت ابحث عن هذا البطل الجريء , مرات لم اجد جوابا ومرة قالوا انه عقيل حبش وكم تهللت مرة ان عقيل الذي حكم عليه بالأعدام قد خرج من المحنة . . . انتصر البطل الذي في داخلي وفرحت أي فرح .
تغربت في بلاد الدنيا , مازال عقيل البطل الذي لا اعرفه يمثل علامة في ذاكرتي حتى ذلك اليوم في بدايات تموز من عام 2006 عندما التقيت عقيلا , كان سؤالي عن صاحب اليد المقطوعة . . . قص لي القصة . . . انه هادي اسمه الصريح عبد الجبار علي جبر من قرية برنون في لواء الحلة , هو احد الهاربين من سجن الحلة , التحق بقاعدة الكفاح المسلح . . . عرفت الآن بطلي الذي سبق فعله اسمه اكثر من اربعين عاما .
ارسل مظفر تلك الرسالة مع عائلة هادي القادمة من الحلة الى الديوانية لزيارة هادي في السجن مع عقيل ورفاقهم الباقين ، قدم مظفر من تلك الأصقاع البعيدة الى بيت (( هادي )) عّله يجد من يحدثه اخبارا جديدة عن عقيل , صديقه , كانت الرسالة التي بين ايدينا من خطها يبدو انها سريعة الكتابة مكتوبة على عجل في نفس المكان ودون أي مقدمات او رموز يريد اخبارها لعقيل سوى رفع المعنويات وبعض اللوم الذى قاله مظفر في بداية جمله ثم ابتعد عنها كي لايثقل على عقيل المكبل بالقيود والحكم القاسي كتب الرساله في 5 اب 1968 وقد وصلت مع العائله في 8 اب 1968 في تلك الفتره كان حكم الاعدام قد صدر بتاريخ 7 تموز 1968 وحصلت المتغيرات المعروفه . يالهذا البطل الذى تضطرب عنده الاحداث وعندما تتوقف الاحداث عن الاضطراب يضطرب عنده الزمن .!! زمن اعتقال عقيل ورفاقه مضطرب بذاته يحمل متغيرات كثيره غير ان عقيل هو عقيل كما قلت اكثر من مره قدريا يسوقه قدره وايمانه الفطرى . يحترم اللحظه . ولا تتعدى اهتماماته تلك اللحظه .
من الاجدى ان نقرأ الرساله لنستكشف من خلالها عوالم القضيه التي من الممكن ان نذكرها دون اسهاب ولكن من زاويه جمل الرساله اما الشؤون الاخرى فلها مجالها .
((ايها الحبيب
مر لوني . مر طبعي . مر طعمي . مرتان عيناي حتى اراك ثانية وحتى ذلك اليوم توقظنى الوحشه والنار التي في حزامي وفي قلبي الومك كثيرا لاشياء واشياء وفي قلبي احكي معك كثيرا عن اشياء واشياء وفي قلبي اقبلك و انت ترفض كثيرا وكثيرا عن اشياء واشياء))
من رسالة الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش

لم يخفي مظفر معاناته بأرتجالية الرساله وهو الذى يهوى عقيلا هوا عظيما . الاثنان يمد وشائجه نحو الاخر بلا اراده كنخيل الشواطئ تلتحم جذوره بدون اراده واعيه ، يحكي اضطراب احساسه بارتجاليه في التعبير عن المراره التي يعانيها في خارجه كما في داخله . المطاردات . مرارة الخوف . مرارت الحرص على الثوره والثوار ، وها هي الايام تأتي بأنتصارات قليله وانتكاسات كثيره ولكن الثورة باقية لم يبلغ انها احبطت . كان الاحباط الاعظم ان البعثيون عادوا وان المعانات ستكبر والذى احس به عقيل ومظفر من قبل قد حصل وبعنف . اه لأحساس الثائر المرهف كم هو عميق الجرح كبير !! . ما ان قرأت رسالة مظفر حتى انتبهت الى مفردات لها دلاله في شخص مظفر وظروفه ( المراره ، الوحشه ، النار ،اشياء واشياء ) كلمات تعني معانات واحباطات تصارعها النفوس الثائره ، تبعث الحياة فيها لتنهض من جديد . يفور هذا المظفر من ذلك الصديق النزق لايوقفه توسل ولوم ، لاتثنيه دمعة امه او مشورة صديق . صديق ينبض بنفس النبض, سار عقيل يتبع ثورته وعشقه للمواجهه غير ان خيوط الصداقه والمحبه باقيه وشائجها . يتسرب اللوم في ارتجال حروف مظفر يغطيها بحنو عبارة اخرى كي لايزيد الجرح عمقا وليرفع من معنويات ذلك النمر في قيوده . يدرك مظفر ان عقيل ثوره متساويه الاحساس في نفس المستوى لحظة الانتصار لا زهو كبير ولحظة الاحباط لا انهزام ، فالايمان واحد يخفي مظفر كل تفاصيله خلف الكلمات التي عليها لظروف المطارده والمتابعه فيكرر ( اشياء واشياء ) وكأنه يذكر عقيلا بتلك الاشياء التي يعرفها الاثنان لتبقى الكلمات تحتفظ بخصوصية الاثنين .
عاتبا في مقطع الرساله الاول لطيفا يضرب راسه ليواسي عقيله بالم الجسد من التعذيب والم الروح من كل الاحباطات ، احباطات قاعدة الهور ومرارة انهيار بعض الرفاق الذي بلغ عقيل عنها برسائل وتقارير ورسائل شفويه وتنويهات وتحذيرات الى الحزب والى الرفاق عبر منافذ متعددة ،قمة معاناته ان يحافظ على تماسك رفاقه من الانهيار .انهار احدهم ،ليكون جرحا نازفا في جسد الحزب ،اعتقلت بسببه قيادات الحزب العاملة .والنشطة ،لأ طلاعه على اسرار الحزب المهمة .لحظة ضعف في سجن مظلم وقسوة مفرطة ونفس آثرت ان تقدم ما لديها مقابل لحظة رحمة .انفصل عن المجموعة .كانوا ستة وهم عقيل حبش / عبد الجبار علي جبر\ محمد حسين الساعدي /علي بوجي /عبد الامير عبد الواحد يونس الركابي /عبد الله شهوار زنكنه .كان عبد الامير عبد الواحد يونس الركابي .الذي انهار في التحقيق قدم كل شيء .حتى عزل في غرفة اخرى من سجن انضباط الفرفة الاولى .في الديوانية خوفا من مضايقات رفاقه او ضغطهم علية .المحنة .هي مقياس قوة الرجال .وكل لابد ان يعرف قدره .هكذا هي مقادير الرجال .اقترب من المحقق .يسجل اسماء وعناوين كانت تعمل من اجل الحزب ،لم يحترمه المحقق لان الخونة لا يحترمهم المستفيدون ولا يأمنهم ، تهاوت ملامح شخصيته .كالشمعة .ذابت ،ذابت من قمتها عبر جسدها حتى الأقدام , تساوى الرأس بالنعل بدون ملامح تلك هي قيمة الخونة الضعفاء .ولايخفى على قارئ التأريخ ان كل احباط يرافقه بطل خائن .يشي برفاقه .فتحبط الثورة في لحظة الصفر المتفجرة .سحقا للخونة .
كان اول من اعلن الخيانة من اولئك الستة .صراحة .خوف .لم تكن الصورة مكتملة لدية عندما اختار هذا الطريق .وهنت قواه وخارت عندما شاهد خالد احمد زكي يسحب على الارض جسدا مدمى .ومحسن حواس وكاظم منعثر قد قتلا,اكله اللوم عندما هرب حسين ياسين مسؤول التنظيم وعضو الارتباط الذي اثبت للمرة الثانية انه ضعيف عند المواجهة .ترك رفاقه في محنة المواجهة في خندق مجهول الاتجاهات امام قوة العسكر والشرطة ،فأفتعل سببا ،صدقه رفاقه بانقاذ رفاقهم الذين سبقوه بالهروب وهم (حمود وعبود خلاطي )تسلل وهو ابن الهور الذي يعرف الطريق دون ان يلتفت الى الوراء ،مرة اخرى يقدم نفسه ومصالحه كانت المرة الاولى عندما اراد ان يهرب لوحده من النفق ويجهز على مشروع له دلالته اكثر من الهروب نفسه وقد كان ايضا مسؤول فريق العمل عن مشروع النفق هكذا النفعيون يحبطون الثورات في لحظة المواحهة او التنفيذ .توهم الاخرون بالحقيقة .
في سجن قاس يعاني عقيل بين الحفاظ على تماسك المجموعة ومحاولة مراقبة ضعاف النفوس ، يروي لهم انجازات يستحث بها النفوس الواهنة المتعبه حتى بدأ (محمد حسين الساعدي )يجمع المعلومات عن لسان عقيل ، ليبيعها الى دائرة السجن بعد ان وعدوا بتخفيف الحكم عمن يدلي بمعلومات مهمة ،تصاغر هذا المناضل الهارب منذ حركة (حسن سريع ) ليفوز .بجائزة يتوهما ، مضطربا كان بين الباب ورفاقه المتناثرين في تلك الغرفة المعتمة ،اضطرابه نبه عقيلا ان هذا "الرفيق "في حالة مضطربة ،حاول ،خرج لمقابلة المحقق ،لم يحصل على شيء كل المعلومات ليست لها اهمية فهي قديمة وهم في امس الحاجة الى معلومات حديثةعن الحزب وقياداته .وتلك المعلومات لدى عقيل بالتفصيل ،خافيا تلك الاسرار تعويذة السلامة والطمئنينة .يكبر عقيل بقدر الاسرار التي في قلبه وقد ذكرني قول مظفر عندما قال لعقيل في رسالته السابقة "كتمت اسمك في سري مع السماء الاخرى "الحفظ في بئر الاسرار من ميزات المناضل الحريص حتى تصبح (الاشياء )دون اسماء ،مبهمة للغرباء واضحة الملامح .للاصدقاء والاوفياء لها لون براق ورائحة عبقة وملمس ناعم دافىء .يتصاغر الخونة بقدر الاسرار التي يفشونها يمسخوا بحجم خنفساء او (مردانة ) !!!!.
ادركت المرارة على لسان عقيل لا يصرح بها ،غير انها واضحة لي اذوقها واحسها .اليت ان اكتبها بأي ثمن بعد ان تحققت منها فالتاريخ حاكم عادل ولكن لا ينبغي ان نضلله باخفاء الحقيقة ،رسالة مظفر هذه جاءت في ظرف قلق .ليس لعقيل ولا للحزب ولكن للعراق كله .
الجميع في قلق ،ما زال مظفر هاربا،لم يصدر العفو العام حد اللحظة ،عقيل حبش في الديوانية قي السجن كما هو دائما بطلا قائدا يرهبه الجميع ويحترمه ،يكرر مظفر لأكثر من صديق ان عقيلا كان صاحب مشروع النفق .هو المخطط وهو المنفذ .وهذه حقيقة للتاريخ ومن له رأي اخر فالصفحات البيضاء واسعة لكل معلومات تستند الى حقيقة واحداث واقعية .

(( لقد كنت حقيقيا في كل ما حدث .والناس .شعبا يتحدث عنكم في كل مكان واريد ان اقبلك كما بالامس من عينيك .للتحدي الذي فيهما .للتحدي الذي نتحدث عنه للجماهير بفرح ))
من رسالة الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش

بعيني رأيت كل شيء .كما وصفها مظفر في تلك السنوات .رأيت الناس .الجمهور يحترم الابطال .يحترمهم وجها لوجه في الدوايه , ناول احد الواقفين قرب سيارة الشرطة المسلحة التي تقل الثوار الخمسة ،ناولهم سيكاره أشعلها لهم ،ولانه مكبل اليدين الى الخلف ،وضعها في فمه .غطى الدخان وجهه كغيمة عطر . . . الجميع , الجمهور يحترم الأبطال بحس فطري لأنهم ثوار مبدء وقضية . الكبير والطفل لم يتجاوز حدود اللياقة , رغم انه كان ممكنا ,حتى الشرطة في تلك اللحظة لم تظهر غلظتها او تجاوزها امام الجمهور كأنهم يحترمون مشاعر الجمهور او التعاطف مع اولئك الثوار .
يالقداسة الأبطال !! حتى وهم في القيود !!
سألت عقيل : من الذي اسقط الطائرة ؟ قال : تعرف اني لم اكن هناك فقد تهت في بداية العملية وتاه بي الطريق بعد قصة مثيرة مليئة بالأحداث , اعتقلت ,غير اني في السجن تقصيت الحقيقة من الأفراد المتواجدين وهم عبد الجبار علي جبر وعبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي ومحمد حسين الساعدي وعلي بوجي وعبد الله شهواز وبعد ان حاصرتهم الطائرة الهليكوبتر , هبطت قرب موضعهم . . . كان الطيار متسرعا عندما رماهم بقنبلة يدوية . . . الموضع عبارة عن نهر صغير جاف , جاءتهم القنبلة تتدحرج حتى تلقفها هادي ليبعدها عن رفاقه وعن نفسه . . غير ان الوقت كان حرجا , انفجرت بيد هادي ( من تلك الحالة ترتسم في ذهني مدى قرب المسافة بين موضع المقاتلين وموقع رمي الرمانة القريب ) .
بدء الطيار بالإقلاع ليقترب من خندق خالد احمد زكي ورفاقه . . انهالوا بوابل منهم نحو الطائرة المائلة . . . اخترق وابل الرصاص من بنادق المجموعة الثمانية جانب الطائرة.تهاوت وسقطت ،كان الوابل كثيفا اصاب الطيار, صرعه ،فقد السيطرة على الطائرة .عمل تسجله البنادق شرفا جماعيا قبل الأقلام ،سألت عن الطيار (قال عقيل )انة من الموصل ،شديد الكراهية للشيوعيين ،وقد تهكم اكثر من مرة ان مجموعة صغيرة لا تستطيعوا القضاء عليها ؟! ،كل اهل الناصرية خونة متخاذلون مع الشيوعيين ،كل تلك الرواية سمعتها من لسان عقيل حبش في جلستي الثانية ،من جلساتنا ، المتكرره حال وجود مبرر لمعرفة حقيقة امر اوقضيه غير واضحة المعالم .
استلم عقيل رسالة مظفر بلهفه غامره . ومعها مبلغ ديناران اشار مظفر لهما غير مره . كان هذا المقطع اكثر قوة ، عندما رسم الصوره التي يراها لعقيل في خارج السجن وفي الهور ، كلا المكانين هو انقطاع عن العالم فالهور سجن والسجن ابتعاد ولكن الصوره واضحه وليست جديده على مظفر كما هى على عقيل ، ارتجافة الفرحه في تهدج صوت مظفر ان عقيل معدنا حقيقيا .رجل له حقيقة واحدة في كل الاتجاهات والازمنة ،لا تتغير مواقفه بل قد تمنحه الملمات قوة وبريق اصرار يحترمه المحقق الذي يضربه او حتى يبصق بوجهه .
هذا الشاب الناحل ،الطويل،مفتول العضلات ، تخشبت تقاسيم وجهه،يتصلب لحظه المواجهة .ليكون تمثال كونكريت لا تهزه كل الاستفزازات , يتوقف لديه الاحساس بالأ لم او لذة الاغراءات .يجده مظفر مثالا اسطوريا للبطل الذي وصفه يوما امام بعض اصدقاء . . . بجيفارا لكنه عقيل . . . عقيل حبش بطلا كما جيفارا لم تهن قوته ولا ايمانه . . . فهو صنو لامثل.
ورغم فطرة هذا البطل فله حس خبير وبعد في النظر تحركه ارادة واعيه لأفعاله وحتى ردود افعاله . . . في ذلك الزمن الذي لم يتجاوز عقيل سنته السادس والعشرون . . . ايمانه مكتمل وحسه مكتمل ،كان لتلك السنه التي التقى فيها مع مظفر صاحبه كل ذلك العمق في العلاقة الصادقة وهذا الشوق الجارف ،ورغم ان الثوار لهم عواطف من نار وبارود ،الا ان هؤلاء البشر كانت لهم مشاعر اخرى , كانت تغريهم الثورة والمعاندة والرفض.تحرك الحس الداخلي ان الرفض كينونة الرأي المستقل لكلا الاثنين حتى كان عقيلا ينال من الاعجاب في عمق مظفر ،عمقه المخفي عن النطق والاطراء الظاهر خلف الكلمات او بين الافكار وصور الابطال حتى سالت عقيلا : ما دمتم بهذه العلاقة وهذا العمق بالايمان والاعجاب هل عرفت ان مظفر كتب عنك قصيدة بالاسم او الاستعارة او استلهم احد قصصك او بطولاتك التي تثير اعجابه .كان صوته هادئا بنبرته المتساويه لا .لا ادري ولكن من المحتمل لأني لم التقي مظفر ،الا مرتين بعد الهروب من سجن الحله ، المرة الاولى في سجن بغداد وقد كان لقاء مواجهة لم يكن كافيا للحديث عن كل الاشياء و الامور واللقاء الثاني في دمشق قبل سقوط النظام بستة اشهر ،كان الوقت غير كاف للكلام عن كل شيء، ولاننا امام بعضنا ،فالحقيقة تشغل كل احاديثنا .الذكريات وبعض الاسرار التي كان يسميها "اشياء "او غيرها من الاسماء المهمة
يقول مظفر ان القضية التي تبناها عقيل ورفاقه لم تعد قضية افراد ووجهة نظر مجموعة ، بل هي قضية يهتم بها عموم الشعب ويتحدث عنها الجمهور بفخر ،ان هناك ابطال ارادوا وفعلوا ليدخلوا بوابات الاسطورة بكل ما انجزوا من افعال ،ويكونوا رمزا يؤكد ان الامة الحية قادرة على ان تلد الابطال .في كل مرة من المواجهة والتحدي .
(( كان كل خبر ،جمرة تطفىء في عيني .قالوا :اسرت .وقالوا :كسرت وقالوا .قالوا : مت يا اخي الحبيب .وحفر النمل قلبي ولكني ما بكيت .كانت الدموع ترفض ،كنت احس انك مازالت تنبض ومع هذا صرخت في الليل كما يصيب الذئب طلق في عينية .))
من رسالة مظفر النواب لعقيل حبش

ولمن تشكو وعقيل في المعتقل تقلبه احلام الثورة وكوابيس الاعدام .كلما ينادون على احدهم .يتسرب الشك عند تأخره ،حتى يضيق النفس في صدورهم ،تلتف حبال المشنقة ، يختنقون ، ثم يقفز احدهم هاربا من ذلك الوهم . كوابيس القلق المشروع لا توهن قوة الارادة الساكنه في قلوب البعض ، وهذا الغارق في اعاصير التقولات التي تبعد الطمأنينه يوما وتقربها ساعه . هاربا في البيوت المظلمه وعينه كعين ذئب مغمضة واحدة ومفتوحة اخرى . قلق مظفر في قلبه وعقيل يعيش في قلق ايضا ، قلق تأخر احد الرفاق ، خوف الاعدام ,قلق قائم في كل لحظه .
ارتجال عبارات مظفر تعبر بصدق عمق مشاعره وهمومه , يكررعقيل بلهفه وكل مره في كلامه وفي كتاباته. حال ان يأتي السجان يفتح الباب او ينادى على احدنا حتى نحس بلحظة الصفر قد ازفت واقترب موعد التنفيذ يرافقها احساسان كلاهما مر, انهيار احد الرفاق الذى يخفي تحت لسانه اسرار كبيره ومهمه في لحظة الم او ضغط موجع على الجرح او تنفيذ حكم الاعدام ، قلق قاسي عند عقيل لا يبدده سوى وضوح الحال بعد ساعات ليتنفس الجميع الصعداء . بعد ان تنتهى تلك الملمه . ومظفر كأحساس ام يعرف الألم في كل حلقاته .
ساعة بلغه الخبر الاول ، اهتز للمفاجئه . كان الخبر غير واضح او انه ككرة ثلج جاءت من بعيد ، كبر حجمها بتقولات وخيالات لتكون ( ثيمه) الموضوع ، تاهت الصوره على مظفر المضطرب المفجوع بذلك البطل ،سقط البطل في ارض المعركه وهنت قوته لبعض الوقت ، تخدرت اطرافه ، كبر الازيز في رأسه حتى اصبح ينوء بهذا الرأس المتضخم ككره كبيره من القطن . اثقله التفكير ، لا احد يملك الصوره سوى صور الخيال التي ترافقها الضنون السوداء ، مرة اسير مسبي تسير به جند السلطان في الشوارع والازقه تستعرض اذلاله ومرة تمزق ثيابه الكلاب ، تفترسه العصي الغليظه وآلات التعذيب القذره. الخبر لم يتضح بعد ، مظفر خائف قلق على البطل في صورته الناصعه ذلك المقدام في اكثر من عمليه سمعها من الاخرين او رأها بعينيه قالوا: لبس عقيل كل معانات الأثني عشر بطلا , فتارة سقط في ساحة المعركه مثل خالد احمد زكي وتارة تقطعت اوصاله مثل عبد الجبار علي جبر وتارة هارب من المعركه مثل حسين ياسين ورفاقه وتارة اسير بعد المواجهه وتارة انهار فأفشى بأسرار الحزب .
الاخبار هكذا . مركبة الاحداث احادية البطل او الشخصيه وكل يختار الفعل لبطله حتى تجلى كل شيء , فرح بالخبر ان عقيل مازال البطل المسحور بالخلاص دون اسباب كثيره ، مؤهلاته انه يستطيع ايقاف كل اجهزة الاحساس بألالم ويقفل ابواب صناديق الاسرار ، يصمد في لحظة الاستجواب والتعذيب . صلابته مثار اعجاب داخلي عند لجنة التحقيق , ان العقيدة اقوى من الالم الا ان الكراهيه والحقد اعراض فوق تلك الاحاسيس الحياديه.
((ومع هذا صرخت في الليل كما يصيب الذئب طلق في عينيه . . . ))
من رسالة مظفر النواب لعقيل حبش
يالقسوت الموقف الذي يتسرب من كلمات مظفر الصادقة المرتجلة تخفي الماٍ حاد الجوانب ليقطع اوصاله من الداخل لااحد يرى او يحس سواه .
(( اما عن العزيز ابو هادي فقد دحظ كل ماقاله الثرثارون الغباة بالامس وثبت مفهوما جديدا عنه وعنك وعن الاخرين يتحدث الفلاحون حول النار في الليل وتتحدث اخبار المدن . ولم يكن موقفكما غريبا عليه بالذات كنت اعرف هذا فيكما منذ زمن بعيد وتحدثت عنه للاخرين منذ اكثر من نصف سنه ))
من رسالة مظفر النواب لعقيل حبش
لان الرساله بواسطة عائلة ابو هادي فلابد لمظفر كلمه ترفع معنويات ذلك الرفيق الذي عرفه في سجن الحله وهرب مع الذين هربوا ، التحق بقاعدت الكفاح المسلح في هور الغموكه مع مجموعة الاثنى عشر بطلا ابتعد عن قرية برنون في لواء الحله الى اقاصي الهور مادأ اواصره مع الرفاق ليخوض المعركه الحاسمه عندما تتقابل الجموع فيدرء خطر القنبله عنه وعن رفاقه في لحظه كانت البطوله حاضره وحس الدفاع عن المجموع ابعد من حب السلامه . تلقف القنبله اليدويه وهي تتدحرج نحو رفاقه الثمانيه بعد ان فقدوا عقيلا قبل يومين في هور الغموكه ، على يقين انه مات او اصيب ولا بد من المغادرة , تسرب اثنان تبعهما حسين ياسين عندما اختلق عذرا او ذهب لاداء عمل لم ينجز بقي خالد وعبد الجبار ومحمد حسين الساعدي وعبدالله وعبد الامير وعلي وكاظم ومحسن ثمانيه ابطال بقوا في مكانهم . يده اليمنى اصيبت وتدلت من كفها واصيب جسدة بجروح سال الدم متناثرا قال لي عقيل انها قنبله لها فتيل مشتعل من هذا الوصف انها قنبله صوتيه , من تأثيرها على عبد الجبار لم تصب غيره حتى اصابته لم تكن اصابه لقنبله يدويه بل من تأثيراتها وتأكيد عقيل على انها ذات خيط مشتعل فهي تعني انها صوتيه رغم اني في البدايه لم ارجح ذلك ، الا ان وصف عقيل رجح عندي عندما لاحظت تأثير القنبله على عبد الجبار الذي مسكها وانفجرت بيده وتركت جروحا متناثره هي اقرب الى الحروق على جسده ولم يصب رفاقه الذين على مقربة امتار منه . هو مجرد تحليل . كان فعل ابو هادي او هادي , عملا بطوليا آثر فيه جماعته . فعل ميداني رائع اثار اعجاب مظفر حتى ذكر انه رد على كل التقولات التي يعرفها . استوضحت من عقيل عن تلك التقولات . . .! اجابني بلا علم له , فقد كان بعيدا عنه في السجن لأنشغاله في عمل النفق وانشغاله في نشاطات منظمة الحزب في السجن , تلك الجملة نوعا من الكشف التأريخي لحقيقة ذلك الشخص الذي كتب ببطولته الرد . . . . موقفه المعروف عندما وقف متحديا بعد ان انتهت ذخيرة المجموعة التي امطرت الطائرة فقتلوا الطيار في اللحظة ففقد السيطرة لتسقط الطائرة على الأرض متحطمة رغم ان سقوطها من مسافة قريبة , بقيت الطائرة المصابة في المكان لمدة اكثر من عشرين عاما في منطقة قريبة من مزار (( مرقد فواده )) القريب من ناحية الآصلاح , حتى استخدمت اجزاء منها كخردة بعد ان اصاب الناس قحط الحاجة في سنوات الحصار الأقتصادي بدايات عام 1991 استخدمت كل اجزاء الطائرة كخردة بيعت في اسواق الخردة لتختفي الطائرة من مكانها المعروف فتصبح اثر بعد عين . امسكت الشرطة كل من عبد الله شهواز وعبد الأمير الركابي و محمد حسين الساعدي وعلي بوجي وعبد الجبار علي جبر الذي تدلت يده اليمنى بعد اصابتها حتى تخلص منها بوضعها تحت قدمه اليمنى وتخلص منها متحديا الألم لتبقى هناك حيث رفاقه الشهداء خالد احمد زكي و محسن حواس وكاظم منعثر. . . تناثرت الشواجير في الخندق , فارغة , اضلاف الرصاص الفارغة , الدم المسكوب , ويد بطلة , باقية على مقربة من الموقع .
يكرر مظفر فرحه ان الكل قد سجل موقفه بالدم الذي يسكت كل المتقولين الذين لايفهمون الرجال , ومواقفهم في اللحظة الصعبة . شعر مظفر انه في الموقف الصحيح عندما اثبت للأخرين ان الذي تصوره اصبح حقيقة ترسم على صفحات تأريخ الحزب والعراق في وقت واحد ولابد ان تسجل بأكثر من قلم لتعطيها حقها دون المساس بدور البطولة والصمود الأسطوري لأولئك الأبطال الثوار .
(( ايها الحبيب . . . الحبيب يا أخي اذكرك دائما , اتيت من مكان بعيد _ كما تدري _ لأكون قريبا من مكانك . . واكتب هذه الرسالة . في ليلة واحدة سرت تسع ساعات على الأقدام ولكني رغم الأجهاد كنت خفيف الخطى واسير بفرح واشم الرياح التي تأتي من هناك . . واتذكر كيف كنت اضع ( الريحة ) علىشاربيك صباح المواجهة . . . ))
من رسالة الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش

قص لي عقيل حوادث كثيرة بين الجد الثوري وهزل الحياة حتى ان الأحداث التي يرويها تأخذ زمنا عمريا !!! رغم ان مدة لقائهما لم تتجاوز العام من بدايات عام 1967عندما قدم عقيل منقولا من سجن العمارة الى سجن الحلة ،لم يلتقي الاثنان قبل ذلك ، رغم ان ذاكرتهما تختزن احداث وبطولات لأسميهما . . . ارتباطهما مع بعضهما سبق اللقاء . . . فمظفر صاحب قصائد الثورة المرسومة في دواوين جدران السجون . . . سجون الأحواز وعبادان وطهران . . . وكأنها عهود ثوار أبديه الالتزام ,وعقيل بطولة وجرءة كاملة وايمان بالقضية ،كل يستمد مادته من الاخر حتى كان اللقاء في سجن الحلة لتبدء مرحلة الاعداد لبطولة الاثنين ليبدء العمل بحفر النفق (لتدق ساعة العمل الثوري )بعد فترة جدا قليله لا تتجاوز الاشهر .
معجب مظفر بحس عقيل الميداني وبعقله المبتكر دون تحديد ،حتى عرفت انه اسر الشاعر رياض النعماني ان صاحب فكرة مشروع النفق كان عقيل حبش هذا من لسان مظفر ,وهي حقيقه يتردد عقيل بالتصريح عنها خوفا من ذاتيه النسب وبطولة الافراد اذ ينسب كل عمل ثوري الى حس وتكاتف جماعي .
تكلم مظفر عن حوادث عشتها انا عندما قال ان الفلاحين يحكون بطولاتهم حول النار ،وكانت حكايات البطولة لعبة لدينا نحن الصبية في ذلك الوقت حتى اصبح للهزيمة طعم الرفض والصمود على المبادئ اصبحنا شيوعيين ابطالا ،كنا نتخاصم على دور البطولة ،من يأخذ دور عقيل حبش .بعدها ننصرف الى بيوتنا الطينية في الدواية .
لنتجمع حول الموقد في مساء شتوي بارد يقص علينا (الجد دخان) بعد ان كان يحكي عن السلطان و الحرامية والجن حتى كنا نطالبه بحكايات عن الابطال الساكنين في الهور .حتى ترتسم صور لأبطال ملثمين او وجوه مرتفعة كما رأيناهم في سيارة الشرطة , صور تعلق في حكايات الموقد الشتوية .
سئلت عقيل وكيف لك ان تتذكر تفاصيل تلك الاحداث بهذه الدقة ،اجاب .بنبرة هادئة مسترسلة لم يترك فراغا للهرب ،بصوت حان : كنت اكتب الحوادث والاسماء في قصاصات ورق ارميها في ادراج مكتبتي حتى اني الجأ احيانا كثيرة ان اسجل ذكرياتي على الة المسجل وفي اليوم التالي ادونها في قصاصات ورق لأحافظ على دقة المعلومات رغم اني اكتب التقارير الى الحزب من داخل السجن عن تفاصيل ما حدث لي ولرفاقي وعن معنويتنا ، كتبت اكثر من مرة حذرت قيادة الحزب بطرق كثيرة من الشك بحسين ياسين الذي يعرف الكثير عن قيادات الحزب ،فقد تجاوز مرحلة الشك الى اليقين بانه مندس في صفوف الحزب .قلبه على الحزب هذا العقيل يردد النشيد الاممي في كل مواجهه او نوبه تعذيب قاسيه .
((سوف لا انتظر رسالة منك .لاني مضطر ان اغادر هذه المنطقة بسرعة او اتعرض لخطر اكيد .ايها العزيز العمل ينمو بسرعة و انا اكثر تفاؤلا من السابق . وسوف لن يطول الليل , مع الرسالة ديناران لا املك اكثر منهما حاليا .ربما تفيدكما لقد كنت اريد ان أأتي اليك بملابس الريف .في المواجهه ولكن الحذر والعمل منعاني . ومهما يكن فأنت في عيوني دائما
سلام وقبلة .وشوق للعزيز ابو هادي
اقبلك اخي الحبيب .واتذكرك دائما
اخوك
سوف تعرفني من المحبة والخط ))
خاتمة رسالة الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش
قراءة الرساله المرتجله تبرز اضطراب الكاتب بين قلق ذاتي يعيشه وقلق على صديق بطل وصلته اخباره , وامنية مضطربه للوصول اليه بأي طريقه كل الاحتمالات والمجازفات مفتوحه , رسم سيناريوهات كثيرة لعملية اللقاء بعقيل , يريد مقابلة البطوله وجها لوجه يستشعرها بحواس ترسم قصائد تحد وافكار تمتد جذورها الى الواقع . اراد مظفر التحدي بزيارة سجن مقرانضباط الفرقه الاولى في زمن لم يزل مطاردا فيه وكل احتمالات الخطأ وارده جدا غير انها رغبة تنم عن مدى الشعور بعظم ذلك الرابض في الغرفه المظلمه حتى تكون الزياره من نفس ايقاع الحدث ، زيارة بطوليه لبطل اتم المهمه ولم يقف عند هذا الحد مازال ساخنا يتحرك في ابسط النشاطات الحزبيه. رسم مشهد الزياره بزي ريفي يخترق الممنوع الى السجن ليقابل عقيل ، توقف لحظه عندما حضر قلقه الانساني ، ماذا لو وقعت في الفخ ؟ سؤال يحضر في جمل مظفر والاخيله فتجده يموه في رسائله ويعمم في كلامه ، يتحرك باتجاه لاتعرفه حتى عيونه التي في رأسه ، حس امني كبير وحركة دائمة يخفي اسراره في صندوق صدره لتكون في مأمن عن البوح لحظة ضعف . في اللحظة الاخيره استثنى . اكمل الرساله وارفقها بدينارين هو كل المبلغ الذي لديه يهب ماعنده لعقيل . يقول عقيل حول تلك الرساله انني لم اقرئها لصغر حجمها وحجم الكتابة فقد اعطيتها الى والدتي في احد زياراتها ، سألته :ولماذا احتفظت بها ؟ قال : فقط للتاريخ .توقفت عند نفسي لحظة امام هذا المحكوم بالاعدام الذي يحسب ان فتح باب المعتقل هو لحظة تنفيذ حكم الأعدام ، أي حركه غريبه هي لحظة تنفيذ حكم الاعدام حتى بات يتصرف بالحقيقه الواضحه انه ميت ولا خوف من الأقتراب من الموت والتاريخ هاجسه ، يدرك من ذلك حقيقه الارادة المصره على ما اختاره عقيل ، ان عقيل اختار الاعدام قبل ان يختار الكفاح المسلح وانه اختار التعذيب قبل ان يخفي هذا الكم الكبير من الاسرار واختار المتاعب عندما سار على تلك المسارات الخطره بتحد . انه يعني مايفعل ويعرف كل تبعات اعماله ليتحمل المسؤوليه كاملة حتى الاحباطات لاينسبها لأحد بل يعدها تجربه شاءت ان لاتنجح في المحاوله الاولى وكأن بعد حكم الاعدام محاوله ثانيه مؤمنا ان امتداده الحقيقي هي الجماهير المؤمنة التي لابد ان تاتي . وقد كانت هناك الكثير من المحاولات التي سنذكرها في موضوع مستقل
المقطع الاخير من رسالة مظفر كان تمويهيا مظلل.فيه حس امني , خوف ان تقع الرسالة في ايد غير امينة مثلها مثل الرسائل الاخرى يرافق ذلك تفاؤلا غير دقيق المصدر رغم ان الرسالة كتبت بعد  17 تموز بشهر والمتغيرات فيها الكثير من المفاجئات . ولا اكثر من الحكم بالاعدام .

انتهى الجزء الثاني

رجاء من الأخوة المهتمين بالتأريخ او اصحاب الشأن او الذين لديهم معلومات او تصويبات ارسالها على العنوان مع فائق الأحترام .
Eli57@maktoob.com

المهندس علي الكناني
الناصرية 10\8\2006
 

¤ الجزء الأول

الجمعة 25/8/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة