ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني



الذكرى 37 لاستشهاد المناضل ستار خضير

صرخة وتحدي بوجه القتلة
 

ولد الشهيد ستار خضير في ناحية الكحلاء التابعة لمحافظة ميسان في عام 1929 . وقد كان لنشأته في وسط عائلة كبيرة ومعروفة في وطنيتها وأخلاصها لقضايا الشعب والوطن أثراً في بلوغه وعياً سياسياً واضحاً وهو لم يزل في السنة الثالثة عشر من العمر ، مما دفعه وعيه و فطنته لما يدور حوله من أحداث في أن يجد نفسه في خضم المعترك السياسي الوطني وهو يقارب عامه الثامن عشر. أما سنواته التي سبقت كل ذلك ، فقد كانت مفعمة بالتفوق والنجاح في مراحل الدراسة الإبتدائية والثانوية ، وكذلك طموحاته وقدراته في الدفاع عن مصالح الطلبة الفقراء القادمين للدراسة الثانوية في مدينة العمارة من النواحي والأقضية القريبة. وقد ساعد نشاطه مع باقي زملائه من الطلاب في تلك السنوات في الضغط على دائرة المعارف لفتح قسم داخلي للطلاب الفقراء ، مما أكسبه سمعة طيبة وواضحة ساعدته في أن يكون هؤلاء الطلبة وغيرهم رصيداً وذخراً لنشاط الحزب ولتنظيماته لاحقاً.
وفي غمرة الإنتفاضة الوطنية في وثبة كانون المجيدة عام 1948 ، كان له شرف قيادة إحدى المظاهرات الكبيرة في مدينة العمارة وهو لم يزل في الصف الرابع العلمي ، ثم مبادرته هو ورفاقه في إحياء أربعينية شهداء الإنتفاضة في إحد الجوامع في ناحية الكحلاء وإلقاء الكلمات التي تشيد بتضحيات الشهداء مما أنعكس على روح التضامن الذي أبدته مكونات الشعب المختلفة في تلك الناحية مع الإنتفاضة وشهدائها البررة.
في عام 1949 – 1950 تخرج الشهيد ستار خضير من الثانوية العامة وعمل معلماً مستخدماً في ناحية الكحلاء لمدة سنة واحدة ساعدته في التقرب أكثر فأكثر من صفوف أبناء الطبقات الفقيرة ومن صفوف الفلاحين . بعدها إنتقل الى بغداد ، لكي يكون معلماً في مدرسة الحاجب الإبتدائية في ناحية أبو غريب القريبة من مدينة بغداد. ولكي يكمل تعليمه المهني فقد إلتحق عام 1952 بدار المعلمين العالي في مدينة العمارة و واصل هناك نشاطه السياسي الملحوظ على تحريض وقيادة الجماهير الشعبية ، ففي أحداث إنتفاضة تشرين المجيدة من نفس العام قاد تظاهرة كبيرة مناهضة للحكومة آنذاك ، مما أدى الى إعتقاله وإيداعه السجن لمدة عام ونصف في سجن الكوت بتهمة تحريض أبناء المدينة ضد الحكومة وقيادته للتظاهرات هناك. وبعد إنتهاء محكوميته تلك ، عاد الى ناحية الكحلاء ، ليس كونه معلماً ، بل كاسباً في محل لبيع القرطاسية والحلي الكاذبة ( الأكسسوارات ) وكانت غايته في ذلك هو توفير المكان المناسب لتواصله مع شباب الناحية في العمل والتنظيم السياسي الحزبي ، مما ساعده وبعون من رفاقه في أن يكون مسؤولاً لتنظيم الحزب الشيوعي العراقي في ناحية الكحلاء .
وأثمرت نشاطات التنظيم آنذاك في زيادة وعي العمال الذين يعملون كأجراء في المعامل الصغيرة والقليلة المنتشرة في الناحية و دفعهم لمطالبة أصحاب تلك المعامل الى زيادة أجورهم وتحديد ساعات العمل ، مما أثار حفيظة دوائر الشرطة والأمن لإعتقال الشهيد ستار وملاحقته بتهمة تحريض العمال ، ودار هناك إشتباك بالأيدي بينه وبين عائلته من جهة وبين رجال الأمن والشرطة من جهة أخرى ، مما أدى الى إعتقاله هو وبعض من أفراد عائلته وتوقيفهم في مركز الشرطة في الناحية . ومن داخل السجن أرسل هو و رفيق له برقية الى وزارة الداخلية و مدير شرطة مدينة العمارة ، كان نصها ما يلي : (( هل يجيز القانون العراقي ضرب وإهانة المواطنين تحت سارية العلم العراقي )) ، وعلى أثر تلك البرقية أطلق سراحه بكفالة هو وعائلته بعد أيام معدودات !
في عام 1954 ألقي القبض عليه عندما كان في مهمة حزبية للإتصال بأحد رفاقه في إحدى المقاهي الشعبية في ناحية الكحلاء وكانت بحوزته مجموعة من المنشورات والصحف الداخلية الحزبية المحظورة ، ورغم محاولته التخلص منها إلا إنها نسبت اليه ، لتكون دليلاً واضحاً ومسبباً لإعتقاله هو وبعض رفاقه . وقد وافق على مضض أن تكبل يديه شريطة أن يوقف ( معاون الشرطة ) إبتزازه لوالده وإظهاره بمظهر المتوسل وإستغلال عاطفة الأبوة الإنسانية تلك ! وجرى بعد ذلك تسفيره الى مركز مدينة العمارة لغرض محاكمته هناك . وعلى أثر ذلك حكم عليه لمدة ثلاث سنوات وأرسل الى سجن بعقوبة لقضاء محكوميته هناك ، كما أن عائلته التي توارثت النشأة منذ مئات السنين بالقرب من بطائح الأهوار لم تسلم هي الأخرى من تهوشات السلطات الحكومية ، فأبعدت بجميع أفرادها ، صغاراً وكباراً من الناحية بالقوة بقرار من وزارة الداخلية الى بغداد عام 1955 لغرض الحد من نشاطاتها السياسية وتأثير تواجدها في تلك البقعة الملتهبة آنذاك من جنوب العراق.
ولم تكن تلك العقوبة التي إمتدت لثلاث سنوات هي نهاية المطاف بالنسبة للسلطات الحكومية بحق الشهيد الراحل ، فبعد تلك السنوات المريرة ومعاناة الأهل وتغربهم عن ديارهم وموطن معيشتهم ، أبعد ثانية الى قضاء بدرة منفياً هذه المرة لمدة سنة .. قضاها تحت مراقبة السلطات الحكومية هناك ، بعدها أطلق سراحه وذلك قبل أشهر من قيام ثورة 14 تموز 1958. ولم تكن تلك الإجراءات القسرية المتعددة والمتنوعة لتثني الشهيد ستار عن مواصلة ما تعلمه من فنون العمل السياسي وصلته بالجماهير ، فقد كانت العاصمة بغداد وهي تشهد المظاهرات والإضرابات المتلاحقة ضد السلطات الحكومية إلا فرصة أخرى لكي يكون في صلب الأحداث التي تلاحقت حتى أحداث ثورة الرابع عشر من تموز من عام 1958 المجيدة.
ومع أجواء الحريات النسبية والسلم الإجتماعي التي وفرتها تلك الثورة المجيدة ، فقد وجد الشهيد ستار فرصة جديدة لكي يعيش فترة من الإستقرار العائلي بالقرب من عائلته الكبيرة ، وتزوج حينها من أحدى بنات عمومته ، ثم عمل موظفاً لأشهر معدودات في المركز الرئيسي لمصرف الرافدين في بغداد ، وليعود ثانية متفرغاً للعمل الحزبي ، حيث أرسل للعمل في مدينة الموصل في ظل الظروف الإستثنائية التي عاشتها تلك المدينة بعد حركة الشواف 1959 وإشتداد الهجمات على تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي ، حيث إستطاع بفطنته وخبرته وبالتعاون مع رفاقه تجنيب تنظيمات الحزب الكثير من الخسائر بسبب الهجمة الشرسة للقوى المعادية والرجعية.
وبسبب من تعقيد الأوضاع في كردستان في تلك الفترة ، فقد أرسل الى مدينة كركوك وعمل هناك حتى ما بعد إنقلاب شباط الأسود 1963 وساعد مع رفاقه الآخرين في صيانة تنظيمات الحزب بالرغم من الحال الصعبة التي عاشتها المدينة وتكالب القوى الرجعية في مخططاتها التي أستهدفت بالدرجة الأولى تصفية تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي عبر الإعتقالات والإغتيالات والتصفيات الجسدية. ورغم هذا كله إستطاع الشهيد ستار خضير من أن يرتقي بالعمل التنظيمي الى درجة أستطاع من خلالها أن يكون أحد المشرفين على نشاطات الأنصار العاملة في مناطق كردستان، وأستمر عمله في تلك النشاطات لسنوات معدودات ، حيث أرسل في عام 1965 الى مناطق السليمانية وأربيل للأشراف على فصائل الأنصار وبالتنسيق مع قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وفي مقدمتها القائد الكردي البارز المرحوم مصطفى البارزاني الذي إلتقاه لمرات عديدة لتنسيق الأعمال.
بعد أكثر من أربعة أعوام قضاها مع رفاقه في مدن كردستان وعلى سفوح جبالها ، عاد الشهيد الى بغداد في عام 1967 ، ليكون بعدها عضواً في اللجنة المركزية للحزب و تتعدد مسؤولياته ونشاطاته الحزبية ، وكان يردد بيننا مقولته : ( أن مبادئ الحزب قد سرت في دمــي ولايمكن الفصل بيني وبين الحزب ).
وكان أمراً طبيعياً و وسط تآمر السلطات الرجعية المتعاقبة على الحكم في العراق ، أن يتم إستهداف كوادرالحزب الشيوعي العراقي الذي تنامت قدرته و سمعته بين الأوساط الشعبية ، فكان الشهيد ستار من بين الضحايا الذين تناولتهم تلك الهجمات من قبل سلطة البعث الحاكمة وأجهزتها الأمنية ، ففي مساء يوم 23 حزيران من عام 1969 وفي أثناء عودته من لقاء مع رفاقه الى داره في منطقة الوزيرية ، باغتته عصابة من رجال الأمن الخاص التابعة للمجرم صدام حسين شخصياً قبل وصوله الى مسكنه وأحاطوه في بادئ الأمر بينهم وحدثت مواجهة بالأيادي بين تلك العصابة المددجة بالسلاح الناري والشهيد ستار الأعزل من أي سلاح .. إنتهت بإطلاق النار عليه وإصابته في مناطق متعددة في جسمه ، في بطنه و يديه و رجليه ، وتركوه هاربين في جانب الطريق ظنــاّ منهم أنه قد فارق الحياة ! وفي تلك اللحظات العصيبة إستجمع الشهيد الراحل بعض من قواه وقدرته وأخذ يهتف عالياً بإسم الحزب الشيوعي العراقي وهو ينزف دماً غزيراً ، مما أثار سكنة المنطقة القريبة من الحادث من العائلات والمارة الذي بادروا الى طلب سيارة أسعاف طبية عاجلة لنقله الى مستشفى الطوارئ في الرصافة . وبالرغم من العمليات الجراحية العديدة التي أجريت له لإنقاذ حياته من قبل الكادر الطبي وجهودهم الإنسانية الرائعة ، إلا أن شدة الإصابات القاتلة و عمقها وكثرتها في مناطق مختلفة من جسده والنزف الكبير في الدم الذي عانى منه ، لم تسعفه في تجاوز تلك المحنة ، ففارق الحياة في تمام الساعة 7,35 من صباح يوم 28 حزيران 1969 تاركاً بناته الأربعة الصغار و زوجته مع معترك آخر جديد للحياة. وكانت وفاته بهذا الشكل الدموي وهو في عنفوان حياته ونشاطه الوطني ، صدمة كبيرة وبالغة لعائلته وأقاربه و رفاقه ولكل من أحبه من الأصدقاء والمعارف والذين لازم البعض منهم أيام مكوثه في المستشفى ، فيما إفترش البعض الساحة المقابلة للمستشفى ليلاً ونهاراً ليتخذها مبيتاً له من أجل الإطمئنان على صحة وحالة الشهيد ووفــاءً له ولحياته البطولية. وقد أثار حادث الإغتيال البشع هذا من قبل عصابات سلطة البعث المجرمة ، ردود أفعال قوية في الشارع العراقي ، فأستنكرت كل القوى الوطنية الجريمة هذه وتواصلت الإدانة من خارج العراق .. و جرت مراسيم التشييع مساء نفس يوم رحيله عن الحياة وشاركت فيها حشود كبيرة من العراقيين وبمشاركة القوى الوطنية والنقابات المهنية الجماهيرية وحتى مواراته الثرى . ولكي يكشف القتلة عن وجههم القبيح أكثر فأكثر ، فإنهم قد وضعوا أجهزتهم الأمنية طوال مسيرة التشييع في حالة أستنفار شامل ، يراقبون عن كثب كل ما يدور خلالها والذين فقدوا صوابهم للعدد الهائل الذي شارك فيها ، فبادروا الى الإساءة والإنتقام من العديد من المشيعين المشاركين بإحتجازهم لأكثر من ساعة مع سياراتهم إثناء عودتهم من المقبرة ! وأقيمت له لاحقاً في الأيام التالية لرحيلة مراسيم فاتحة كبيرة تليق بمكانته بين أهله ورفاقه وأبناء شعبه و بمواقفه الشجاعة .. شارك في حضورها ورغم مضايقات السلطة العديد من أبناء الشعب ومن مختلف قواه الوطنية .
قتلة الشهيد ستار خضير يقبعون الآن خلف القضبان بإنتظار محاكمات عادلة وقصاص عادل لجرائم دموية أرتكبوها بحق أبناء الشعب العراقي منذ مجيئهم للسلطة في 8 شباط من عام 1963 وحتى رحيلهم غير المأسوف عليه في 9 نيسان 2003 . و وفـــــاءً للشهيد الراحل إبن الشعب البار وللشعب العراقي الجريح ، لابد أن تكون قضية الإغتيال الدموية تلك من بين القضايا التي يجب أن يحاكم عليها الطاغية وبشكل مباشر من أجل عدم نسيان التاريخ الأسود لتلك العصابات المجرمة وفضح المزيد من جرائمها ومن أجل تكريم كل شهداء الوطن والشعب .

الخزي والعار للمجرمين القتلة.

المجد والخلود للشهيد ستـار خضيــر و لذكراه الطيبة .
المجد والخلود لشــهداء الحزب الشيوعـــي العراقـــي و لشــهداء الحركــــــة الوطنيـــــــــــــــة.


عائلة الشهيد

السبت 24/6/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة