ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

الشهيد سعد مزهر رمضان ( أبو ليلى )

إصرار على مقارعة الدكتاتورية والشهادة
 


محمد علي الشبيبي

Alshibiby45@hotmail.com

 


الشهيد سعد مزهر رمضان صيف 1981 في الجزائر بمدينة سعيدة
 

وصلت الجزائر في آذار 1979 وحصلت على عمل في مدينة سعيدة بالغرب الجزائري، في مكتب هندسي للتصميم والمراقبة. وبعد اسابيع من وصولي كلفت من قبل الحزب بالعمل على ألأتصال بالوافدين العراقيين الجدد وتشخيص الرفاق والاصدقاء منهم في منطقة الغرب الجزائري لأقامة وتنظيم العلاقات معهم وبحذر شديد. وقد علمت بوجود مجموعة من الوافدين في مدينة البيض، التي تبعد عن سعيدة مسافة تزيد عن 150 كلم. سافرت الى البيض بهدف اللقاء مع الاخوة العراقيين ومعرفة توجهاتهم السياسية، وكان اسم سعد وزميله شاكر (موجود حاليا في السويد) من الاسماء التي وصلتني من الحزب للأتصال بها.
كان لقائي الاول بسعد، ووجدته شابا متحمسا للتطوع والعمل في صفوف الانصار في كردستان العراق ومتعطشا للعمل الحزبي، وكان يرى ان حركة الانصار اذا ماتطورت واتسعت لتشمل كل انحاء الوطن ستكون كفيلة بأسقاط النظام الدكتاتوري. وحدثني عن التحاقه بالخدمة العسكرية في العراق وكيف اصبح ملازما وان الخبرة العسكرية التي اكتسبها من التحاقه بالجيش ستنفع كثيرا حركة الانصار إذا ماالتحق بها. كان حديثه معي واصراره على الالتحاق بحركة الانصار ومحاولة اقناعي بضرورة التحاقه كونه كان ملازما، يعكس مصداقيته ورغبته الجادة في العمل بصفوف الانصار. ووضحت له ان الحزب مازال لم يفكر بأرسال رفاق متطوعين للعمل الانصاري في كردستان، لأنه مازال لم يتبنى بعد اسلوب الكفاح المسلح في النضال من اجل ألأطاحة بالنظام الدكتاتوري، وان مهمة الحزب الان تجميع الرفاق والاصدقاء وتنظيمهم. ومنذ ذلك اللقاء توطدت علاقتي بالشهيد واصبحت لقاءاتنا مستمرة، واصبح سعد المسؤول الحزبي في منطقة البيض.
كان الشهيد في كل لقاء يكرر رغبته في الالتحاق بحركة الانصار وكتب اكثر من رسالة للحزب يعرض فيها استعداده للتطوع في العمل الانصاري ان وجد، خاصة بعد التحاق رفيقه شاكر (كاوه) بحركة الانصار، وقد غضب لأختيار شاكر أولا وبدون علمه، حيث تم تبليغ شاكر بالالتحاق بحركة الانصار من الحزب مباشرة بقصد الصيانة، لكنه عرف ذلك بعد سفر شاكر وربما من شاكر نفسه.
في صيف 1981 بلغت الرفيق بقرار الحزب بالتهيؤ للألتحاق بحركة الانصار، واستقبل الخبر بكل ارتياح، واخبرني بأنه هو وشاكر كانا يمارسان رياضة الركض لتحسين لياقتهما البدنية والتهيؤ للعمل الانصاري، وبعد سفر شاكر أستمر لوحده على ممارسة هذا البرنامج الرياضي. وبناء على هذا القرار قام في بداية العطلة الصيفية بتصفية اثاث بيته ولم يجدد عقده مع مؤسسة التربية، وبقي خلال الصيف يترقب توجيه الحزب له بتحديد يوم السفر، ولكن سوء الظروف الامنية التي كانت تعاني منها الحركة الانصارية في تنقلها من قواعد تجمعها في سورية ادى الى الغاء سفره. وقد اثاره قرار الحزب في الغاء سفره، وقال لي مازحا: اما ان يسهل الحزب التحاقي بحركة الانصار او ان اتزوج، وأذا تزوجت لن اسافر.
واضطر الى تقديم طلبا جديدا لأعادته للعمل كمعلم، وجدد له العمل في مدينتي سعيدة. وبسبب تأخر تجديد عقده وازمة السكن لم يتمكن من الحصول على شقة للسكن، فعرضت عليه السكن معي في البيت، ليشاركنا انا وزوجتي وابني نورس السكن، وهكذا عاش طول العام الدراسي 81 – 82 معنا في البيت.
شتاء 1982 سألني الحزب ان كنت ارشح سعد للدراسة الحزبية وهل اعتقد ان صفاته الحزبية تشجع على ترشيحه لمثل هذه المهمة ؟ وأجبتهم بالإيجاب لأنضباطه الحزبي ومبادرته المتقدمة للعمل في الحركة الانصارية واصراره المستمر على ذلك، وطلب مني ابلاغه وأخذ رأيه ان كان موافقا، وان يبق هذا القرار سرا بيننا وعدم طرحه امام الهيئة الحزبية. وعرضت المقترح على سعد واستقبل هذا الترشيح بأعتزاز واعتبره دليل ثقة الحزب به وتقديرا لأصراره على الالتحاق بحركة الانصار، وعلق مازحا: ساسافر للدراسة الحزبية واعود كادرا حزبيا للأشراف عليك واقتص منك. في صيف 1982 سافرت وعائلتي لقضاء الصيف في احدى الدول الاشتراكية (ألمجر) واستلم العمل الحزبي في مدينتي الرفيق (ص). وبعد عودتي من سفرتي ابلغني (ص) بأن سعد غادر الجزائر بمهمة.
بعد شهر من سفر سعد استلمت منه الرسالة الوحيدة والاخيرة، وفيها عتاب بمرارة لما لقاه ورفاقه من تعامل معهم من قبل الحزب في سورية. يقول مامعناه في رسالته لي:
بُلغنا من منظمة الجزائر باننا سنلتحق بالدراسة الحزبية، وعلينا التوجه الى سورية ليتم التحاقنا من هناك، وقد كنا خمسة رفاق. وفي سورية سلمنا الرسالة التي حملتنا اياها منظمة الجزائر الى الرفاق في سورية. وبعد ايام من تسليمنا الرسالة بلغنا من قبل الحزب في سورية، باننا سنلتحق بحركة الانصار ولا يوجد اي حديث في رسالة الجزائر عن الدراسة الحزبية !!! ويضيف في رسالته لي: لقد تفاجئنا لذلك وكان رد فعلنا قويا، ففي الجزائر منعتنا المنظمة من الاتصال بمعارفنا واهلنا لأخبارهم بالمهمة الدراسية الحزبية، او توديع حتى شقيقتي، وحتى اضطررنا ان نترك اموالنا ومقتنياتنا لدى اصدقاؤنا على امل ان نتصل بهم عندما يستقر بنا المقام، وأكدوا (منظمة الحزب في الجزائر) لنا ان مهمتنا الدراسية تقتضي منا غاية السرية والانضباط الحزبي !! وهكذا سافرنا الى سورية ونحمل معنا رسالة المنظمة وفيها قرارترشيحنا للدراسة. فما الذي تغير وهل فعلا ان الرسالة فيها التحاق بحركة الانصار ام ان مقاعدنا الدراسية سرقت منا لمنحها لآخرين غيرنا ؟. ثم يكتب لي بمرارة وعتاب محاولا ان يذكرني بمواقفه منذ وصوله الجزائر ورغبته المتواصلة للالتحاق بحركة الانصار، ويتسائل لماذا هذا الخداع وعدم المصارحة !! يقول: كان رد فعلنا قويا بحيث اننا قررنا قطع علاقتنا بالمنظمة، وبعضنا اخذ يرتاد المقاهي ويتحدث علنا امام الاصدقاء بالخدعة التي وعدونا بها. لكنني قررت بعد ان هدأت ان اعيد صلتي بالمنظمة والتزم بقرار السفر الى كردستان، وسوف اثبت لهم من أكون!!
تأثرت كثيرا لرسالة سعد واحسست بالغضب والذنب، لأني اول من فاتحته برغبة الحزب بترشيحه للدراسة بصفتي مسؤوله الحزبي، ولأني وخلال عملي الحزبي كنت ارفض الغموض وعدم الشفافية في العمل وكنت ارى ان الدقة في العمل الحزبي هي من اهم مواصفات الشيوعي الجيد، فكيف افسر مثل هذا الخطأ قررت ان انتظر منه رسالة ثانية قبل ان افاتح المنظمة بما جرى لأطلع على كل تفاصيل القصة. وحدثت مسؤولي بما جرى ولم يصدق القصة خاصة بعد ان استفسر من المنظمة المركزية وأكدوا له انهم سافروا للدراسة الحزبية!! وبقيت في لهفة لأستلام رسالة منه ومعرفة مكانه في كردستان للتراسل معه لمعرفة تفاصيل قصته ولكن لم يصلني منه اية رسالة حتى مغادرتي الجزائر صيف 1984 الى سورية. وفي سورية التقيت بشاكر (كاوه) واخبرني كيف ان سعد حاول العبور مع مجموعة من الرفاق، لكنهم تعرضوا لكمين واستشهد من بين المجموعة سلمان، وعاد سعد مع رفاقه الى القامشلي بأنتظار فرصة جديدة للوصول لكردستان. ونجح من الوصول لكردستان بعد انتظار اكثر من شهرين. واخبرني شاكر انه سيسافر خلال الايام القادمة الى كردستان بمهمة. طلبت من شاكر ان يتقصى اخبار سعد واعطيته مبلغا من المال لأيصاله له. لكن شاكر عاد من سفرته وهو يحمل لي خبرا محزنا عن استشهاد سعد في احدى المعارك مع اوك. حيث كان في مهمة انصارية في جبال كردستان، وتعرضوا الى كمين من اوك وبقوا محاصرين في المنطقة بينما قوات اوك سيطرت على منبع للماء بالقرب منهم، واشتد العطش والجوع بالمجموعة، مما دفع بالبطل سعد بالتطوع لجلب الماء لرفاقه متحديا اعدائه، لكن الاعداء كانوا له بالمرصاد، فأستشهد برصاصهم الغادر، الرصاص الذي كان من المفروض ان يوجه ضد النظام الدكتاتوري.
وهكذا انتهت حياة المناضل الشهيد سعد مزهر رمضان في ربوع كردستان وهو مؤمنا بمبادئه التي دفعته للتطوع في الحركة الانصارية رغم مارفقها من التباس واخطاء. وادعو رفاقه الذين عاشوا معه في كردستان ورافقوه في نشاطاته الأنصارية بالكتابة عنه ايفاء لبطولته وتضحيته.
المجد والخلود لشهيد الشعب سعد مزهر رمضان

السويد

الأربعاء 24/5/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة