ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(23)


محمد علي الشبيبي

معاناة الفصل
بعد أن ضاعت مني فرصة الحصول على زمالة دراسية، شعرت بإحباط كبير ووجدت نفسي في جو عائلي يحملني بعض المسؤولية لضياع مستقبلي الدراسي، خاصة عندما فشلت حتى في الحصول على قبول في معهد إعداد المعلمين، وكنت عاجزاً حتى في تبرير عدم منحي لزمالة. فقد سبق وأن تأخرت ثلاث سنوات دراسية عن أقراني بسبب دخولي السجن، ثم جاء فصلي من الجامعة ليزيد من تأخري الدراسي في الجامعة وربما قد لأ أوفق في الدراسة الجامعية. وأضاف فصلي من الجامعة مشكلة جدية جديدة للعائلة، وزاد من أعبائها، وهم يرونني أمامهم وقد فقدت أمكانية الدراسة وأنا عاطل عن العمل، وقد أقدم للمحاكمة بتهمة حمل السلاح وإطلاق النار داخل الكلية وأصابة أحد الطلبة، وقد أدخل السجن مجدداً. إضافة إلى محاولات والدي للعودة للتعليم وإصطدامها الدائم ببيروقراطية المسؤولين وأحقادهم السياسية. لذلك كان الجو العائلي متوتراً، وكنت أرى الوجوم ونظرات العتاب واللوم في عيون أمي ووالدي، كلما جلسنا وتحدثنا عن أوضاع العائلة الاقتصادية ومعاناتها المالية ووالدي عاجز عن توفير ماتتطلبه ضرورات الحياة.

قدم والدي أكثر من طلب لعودته للتعليم، وكانت ترفض الطلبات بحجج شتى، كعدم توفر شواغر أو درجات أوعدم حاجة المحافظة أو أن قرار الأعادة يجب أن يكون قرار من الدولة وغيرها من أعذار. كل ذلك لم يمنع الوالد من الإصرار على حقه في العودة وهو الذي خدم في التعليم 27 عاما بكل إخلاص يشهد به طلبته، كنا نقتصد حتى في صرفيات المأكل كي نوفر للوالد مصاريف مبيته وسفره من كربلاء الى بعقوبة (ديالى) ليراجع مديرية تربيتها أو ليراجع مجلس الخدمة في بغداد، لكن تلك المراجعات كانت بدون فائدة. عانى الوالد كثيراً بسبب عجزه عن توفير متطلبات الحياة لعائلته، وقد زادة من معاناة الوالد المضايقات التي مارستها الأجهزة الأمنية عليه في زمن حكم الشقيقين عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن.

بسبب الضغوط الشعبية في الداخل والضغط الدولي كان حكم العارفين يعلن من حين لاخر عن قرارات لإعادة المفصولين، لكن النظام العارفي لم يكن جادا في قراراته، حيث كان الهدف من هذه القرارات إمتصاص الغضب الشعبي ودعاية سياسية أمام الرأي العام العراقي والعالمي. كانت مراجعات المفصولين تصطدم ببيروقراطية الأجهزة الإدارية، وأحيانا بعرقلة مقصودة من قبل بعض الإداريين الحاقدين الذين يشترطون على المفصول أن يعلن براءته من الحزب الشيوعي، وهكذا يبقى المفصول يدور من دائرة لأخرى في مراجعات لاجدوى منها حتى تنتهي الفترة المحددة لدراسة مشاكلهم، ويكون كل جهودهم ألتي بذلوها راحت هباء.

كانت آخر مرة حاول فيها والدي للعودة للتعليم مستفيدا من القرار الرئاسي في إعادة المفصولين الصادر أواخر 1967. راجع لجنة إعادة المفصولين في بعقوبة، كونه كان معلما في قضاء الخالص التابع لمحافظة ديالى عند فصله. كانت لجنة إعادة المفصولين في بعقوبة مؤلفة من مدير التربية ومدير الأمن وممثل عن المتصرف (ألمحافظ). قدم والدي طلبه وحدد له يوم لمقابلة اللجنة، وفي يوم المقابلة وعند إستدعائه دخل وحيا اللجنة فوجد مدير الأمن يمسك بفايله ويقلب أوراقه كمن يبحث عن شيء، وكان الوحيد الذي لم يرد على تحية الوالد. بادر مدير الأمن بسؤال والدي ما أسمك؟ وهو يتطلع بوجه والدي بنظرات كلها إتهام وتشكيك قبل أن يستمع إلى جواب الوالد. ودار الحوار التالي بين والدي ومدير الأمن:
ــ إسمي علي محمد الشبيبي.
ــ ماهو عملك؟
ــ معلم مفصول.
ــ كم سنة سجنت؟
ــ سنتان.
ــ تكذب !!!
قالها صارخا في وجه والدي وبطريقة غير مؤدبة وليس فيها أي إحترام حتى لزملائه أعضاء اللجنة، ألتي بان على وجوههم الإندهاش والمفاجئة. لم يعرف والدي لماذا يتهمه بالكذب وبقي في حيرة ينتظر أن يتدخل أحد أعضاء اللجنة للتعليق علَّه يفهم سببا لهذا الإتهام الساذج، وبدون أية مقدمات. للأسف لم يتدخل أي عضو من اللجنة، بل بالعكس ساد الوجوم والأرتباك وحتى الخوف عليهم، منتظرين من والدي أن ينقذهم من هذا الموقف، مما أضظر الوالد للإستفسار وبهدوئه ولباقته الأدبية معرفة لماذا هذا الإتهام:
ــ أنا لم أكذب، ولا اجد داعيا للكذب أمام لجنتكم الموقرة وأمامها كل الوثائق عن وضعي، ولا أعرف لمَ هذا الإتهام؟
ــ أنت تكذب لأنك حكمت لعشرة سنوات أيام العهد الملكي وليس لسنتين كما أن أسمك الصحيح محمد علي الشبيبي!!! قالها بعصبية وبثقة مطلقة.
ــ لم أسجن في العهد الملكي، وكنت في ذلك العهد معلما في لواء المنتفك (محافضة ذي قار) وأسمي مسجل أمامك على ملفي وهذه هوية نقابة المعلمين وجنسيتي تؤكد صحة ما أقول، والاستاذ عضو اللجنة زميلك مدير التربية كان مدير المعارف في لواء المنتفك وهو يعرفني معرفة جيدة منذ تلك الأيام.
قال والدي جملته الأخيرة ملتفتا الى مدير التربية يطلب منه التدخل ليضع حدا لهذا الألتباس ألغبي والخبيث من قبل مدير الأمن. لقد أختلطت الأسماء على مدير الأمن الغبي أو ربما تقصد ذلك ليعرقل عودة والدي للتعليم، فهو يتذكر عمي محمد علي حيث كان محكوما أيام العهد الملكي بعشرة سنوات. لكن غباءه وحقده أعماه عن معرفة الحقيقة ووجد في غباءه هذا وسيلة جيدة وخبيثة لعرقلة دراسة ملف والدي. لم يكن يتوقع والدي جبن مدير التربية، الذي أتكأ ألى الخلف خافيا وجهه وهو يرفع سبابته الى شفتيه طالبا من والدي السكوت وتجنب النقاش والأستفسار!. أستجاب والدي لطلب مدير التربية وصمت، متوقعا أن المدير سيقف الى جانبه ويضع حدا لجهل وغباء مدير الأمن، لكن تدخل مدير التربية خيب أمل الوالد. أقترح مدير التربية على والدي حسما للألتباس، أن يجلب والدي كتابا بمحكومياته من دائرة التحريات الجنائية، وهذا يعني تأخير دراسة ملف الوالد، إضافة للجهد والمصاريف والوقت الذي سيبذله والدي الغير ضروري متنقلا بين كربلاء وبغداد وبعقوبة. حاول الوالد أن يعترض على هذا المقترح لأنه مجرد مضيعة للوقت، خاصة أن مدير التربية لم ينف معرفته بالوالد، وهو يتذكر الوالد جيدا بسبب مشادة حدثت بين الوالد وأحد مفتشي اللغة العربية أيام العهد الملكي في مدينة الناصرية. حيث أن هذا المفتش كتب تقريرا عن طريقة تدريس الوالد لدرس اللغة العربية لطلبة الصف السادس من دون أن يقوم بزيارة فعلية أثناء تدريسه، وأن كل ماقام به المفتش هي عملية تنصت غير مؤدبة وجبانة من وراء باب الصف على والدي أثناء تدريسه، وشاء سوء حظ المفتش أن يفتح والدي باب الصف ويرى المفتش واقفا يسترق السمع. كان منظر المفتش يثير السخرية وهو واقف خلف الباب شارد الذهن حتى أنه لم يشعر بوالدي وهو يفتح الباب، مما أثار داخل الصف ضجيجاً بين الطلبة مصحوبا بالضحك والسخرية. تلافيا لحرج المفتش المحترم أنب والدي طلبته ودعى المفتش للدخول للقيام بواجبه كما يجب، لكن المفتش أعتذر من الدخول للقيام بمهمته وعلى مايظهر إكتفى بتنصته. تفاجأ والدي عندما أخبره مدير المدرسة، ألسيد باقر (أبو منذر) طيب الله ثراه، أن المفتش غير مرتاح من نتيجة التفتيش على طريقة وأسلوب تدريس الوالد وقد كتب تقريرا قاسيا بحق والدي. روى والدي للسيد باقر كيف أمسك بالمفتش وهو يتنصت من خلف الباب كالطفل الغير مؤدب ليستمع الى مايدور بين كبار العائلة، وكيف أثار منظره ضحك وسخرية الطلبة. وليؤكد والدي صدقه أرسل على ثلاثة طلبة، وسألهم أمام المدير عن سبب ضحكهم وضجيجهم في الصف أثناء فتحه الباب للمفتش، فأجابه الثلاثة بصوت واحد: أستاذ كان المنظر مضحك ولم نتمالك أنفسنا، وقد بدى المفتش كطفل من الصف الأول وقد مسك متلبسا بسلوكه الغير لائق! كان هذا رأي طلبة الصف السادس بالمفتش المحترم. ورغم إكتشاف والدي للمفتش وهو متلبساً بسلوك لا ينم عن الخلق التربوي والشعور بالمسؤولية، فأن المفتش الجاهل كتب تقريرا عن طريقة والدي في التعليم تفوح منه رائحة الحقد السياسي والطائفي. فما كان من الوالد إلا أن يكتب مذكرة لمدير المعارف (التربية)، عضو لجنة إعادة المفصولين حاليا، يسخر فيها من أسلوب التفتيش الذي مارسه المفتش، وهو أسلوب تجسسي يتنافى مع أبسط قواعد الأخلاق والتربية، ويدل على جبن المفتش الذي لم يجد في نفسه الجرءة لمواجهة معلم عربي خريج مدارس النجف الدينية، ذو مقدرة عالية من اللغة العربية. أعتمد والدي في مذكرته على بعض الأخطاء الإملائية والقواعدية إضافة للصياغة الركيكة ألتي إتسم فيها تقرير المفتش. وهكذا فضح والدي جهل وحقد المفتش. هذه الحادثة يتذكرها جيدا مدير التربية، لما تركته من ضجيج وسخرية في تلك السنة بين أوساط المعلمين في مدينة الناصرية وأصبحت حديث المعلمين، كما أن مدير التربية كلما التقى بوالدي يذكره بالحادثة ويثني عليه لموقفه الجرئ.

فضل والدي ألتزام الصمت وعدم أحراج مدير التربية، معتقدا أن المدير ربما سيساهم في حل الإشكال والمساهمة بإجابية في إعادة والدي للتعليم. وتقبل الوالد على مضض المقترح لوضع حد لغباء وخبث رئيس اللجنة. إستغرقت عملية حصول الوالد على عدم المحكومية أكثر من إسبوع. وتوجه ألوالد ألى بعقوبة لتسليمها لتكن إحدى وثائق ملفه. في مديرية تربية بعقوبة لم يجدوا أثراً لملف الوالد، رغم أن الموظف المسؤول أكد للوالد أنه يتذكر ملفه جيدا. وحلاً لهذه المشكلة طلب من الوالد أن يقدم طلبا جديدا، على أن يقدم الطلب ألى اللجنة في أول إجتماع لها. لم يكن لدى الوالد خيار آخر، وقدم طلباً جديدا وهو متأكد بأن ملفه إختفى بتدبير من مدير الأمن لعرقلة عودته. لم يكن والدي محظوظاً في محاولته هذه للعودة للتعليم، فسرعان ما أنتهت الفترة المخصصة لأعادة المفصولين من دون أن يستدعى الوالد لمقابلة اللجنة.

في 17 تموز 1968 قام البعث بانقلاب عسكري ضد حكم عبد الرحمن عارف. قوبل الانقلاب من قبل الشعب بحذر شديد، ويعود سبب ذلك للسلوك الدامي الذي سلكوه في إنقلاب 8 شباط الفاشي. ومازال الشعب يعيش مأساة ذلك الانقلاب الدموي ويعاني من آثاره، حيث الشيوعيون والديمقراطيون مازالوا في السجون، والبعض يعاني من الفصل الوظيفي والبطالة والمطاردة الأمنية. شعر الانقلابيون بعزلتهم من اليوم الاول حتى أنهم لم يجرءوا عن إعلان أسماء حكومتهم أو قادة إنقلايهم في الساعات الاولى. تدارك الانقلابيون ذلك ببعض القرارات كإطلاق سراح السجناء السياسيين، إلغاء القضايا السياسية، إعادة المفصولين على أن يعاد العسكريون لوظائف مدنية.

بعد أيام من الأنقلاب زارني في البيت الشهيد علي محمد النوري طيب الله ثراه، وهو المسؤول الحزبي لمحلية كربلاء، وكان يقود النشاط الحزبي لمدينة كربلاء متخفيا بعد أن نجح في الهرب من موقف مركز شرطة النجف والتحق بمنظمة منطقة الفرات الاوسط للحزب. بعد أن تناول الشاي وسألني عن أخبار الوالد وعن وضعي، شرحت له بإختصار محاولاتي للحصول على زمالة وأن جميع تلك المحاولات كانت فاشلة. سألته عما يحتاج ودوافع زيارته وخروجه من الاختفاء في هذه الظروف الغير واضحة. وفهمت هدف زيارته بعد أن طلب مني أن أرافقه بجولة في المدينة! ليرى ردة الفعل ومن ثم ليراجع مديرية تربية كربلاء لغرض إعادته للتعليم. كان طلبه محرجا فما زالت قضية الوالد وإتهامه بقيادة العمل الحزبي في كربلاء معلقة في المحكمة، حتى أن والدي أستدعي للمحاكمة في المجلس العرفي والتقى هناك مع (س. ح) وأعتذر ألأخير لماسببه لوالدي من متاعب لم يقصد بها أذية الوالد. رافقت علي النوري وتجولنا في المدينة، وكانت ردود الأفعال مختلفة من قبل الأصدقاء والاعداء، بعضهم كان يحذرنا من هذه المغامرة الغير مدروسة، وآخرون كانوا يسألونه بخبث عن سر أختفائه، بعدها ذهبنا لمديرية تربية كربلاء وتحدث مع معاون المدير وأعتقد كان حينها ألاستاذ رضا مرتضى، وأخبره معاون المدير بان التعليمات واضحة بإعادة المفصولين، وبإمكانه تقديم الطلب الآن. بعدها طلب مني أن نحتسي الشاي في أحدى مقاهي العباسية الشرقية، وجلسنا في مقهى صغيرة تطل على شارع العباس، بالقرب من دارنا، يلتقي فيها معظم شباب ورجال المحلة. شكرني علي النوري على مرافقته وسألني مجدداً عن وضعي وأخبرته بالتفصيل عن محاولاتي والجهود التي بذلتها من أجل الحصول على زمالة ولكن للأسف حتى لم أحصل على وعداً. نصحني بإختصار طريق التقديم وذلك بالأتصال بصاحب الحكيم (أبو بشرى) وتقديم نفسي له كوني أبن أخ الشهيد حسين الشبيبي وأني مفصول من الجامعة بسبب نشاطي الحزبي والطلابي، وأعطاني عنوان أخ صاحب ليرتب لي لقاء مع أخيه. شجعني مقترح علي على السفر للقاء صاحب لمعرفته الجيده بعائلتي، وهو ليس بحاجة للتعريف بها. ألتقيت بأبي بشرى، والغريب كان يعرف كل تفاصيل مشكلتي في الزراعة ولايعرف بأني قدمت طلبا لزمالة ولم أحصل عليها، وطلب مني أن أقدم طلبا جديدا عن طريقه مرفقا برسالة للمكتب ألسياسي للحزب، وقدمت وثائقي من جديد.

ألتزمت الجهات المسؤولة في مؤسسات الدولة، بعد إنقلاب 17 تموز، بتنفيذ قرارات إعادة المفصولين، وأطلق سراح السجناء والمعتقلون السياسيون والغيت الدعاوى السياسية بما فيها الدعوة ضد والدي بقيادة التنظيم الحزبي في كربلاء، وأعيد معظم المفصولون ألى وظائفهم ولكن في دوائر ومدن غير مدنهم. إستفاد والدي من هذه القرارات وأعيد للتعليم، ولم تخلُ إعادته من خبث وحقد بعثي مازال يهيمن على عقلية ألبعثيين الجدد. حيث تم تعيين الوالد في مدينة الرمادي بعيداً عن عائلته بحجة عدم وجود شواغر في كربلاء أو في المحافظات المجاورة، ولم تشفع للوالد خدماته الطويلة في التعليم وكبر سنه.

باشر والدي عمله في احدى مدارس الرمادي، وأستأجر غرفة للعيش فيها تاركا عائلته في كربلاء على أمل أن يحصل على نقل الى محافظة كربلاء مع بداية العام الدراسي القادم. عمله في الرمادي سبب له وللعائلة متاعب كثيرة، فالبعد وتشتت العائلة أضافة للمصاريف ألإضافية التي يضطر والدي لصرفها في الرمادي من إيجار ومعيشة وتكاليف تنقله إسبوعيا لزيارة العائلة في كربلاء. أفلحت جهود الوالد بعد سنة من عمله في الرمادي من حصوله على الموافقة لنقله لمحافظة كربلاء. لم تقدر مديرية تربية كربلاء خدمات والدي الطويلة في سلك التعليم ولا حتى عمره الذي زاد عن 56 عاما، حيث صدر قرار تعينه في أحدى قرى كربلاء. كان وصوله لقرية المدرسة يتطلب أن يسير مسافة طويلة مشياً على الاقدام ومن ثم التنقل على الدابة لعدم توفر واسطة نقل أفضل ، أما في الشتاء فكان يعود للبيت وقد إتسخت ملابسه بوحل الطريق وهو منهك القوى.


والدي في الرمادي شتاء 1969 وقد خط خلف الصورة بيت الشعر التالي :
أيا جارتا انا غريبان هاهنا                    وكل غريب للغريب نسيب

كافح والدي بصمت وصبر من أجل أن يوفر لعائلته وأبنائه ضروريات الحياة. مازلت أتذكر أحد المواقف المحرجة والصعبة ألتي عاشتها العائلة، يوم وصلت رسالة من أخي كفاح عندما كان طالبا في كلية التربية يطلب فيها مبلغا لشراء بعض الكتب المهمة. كان الوضع ألمالي للعائلة سيء، وكانت العائلة تعاني من متاعب مالية فراتب والدي لم يكف لسد متطلبات معيشتنا وتكاليف معيشة أخي في بغداد مما أجبر أخي همام للتضحية وعدم التقدم للقبول في الجامعة وأنما الدخول بدورة لتسعة أشهر لإعداد المعلمين ليكون عونا لوالدي في إعالة العائلة ومساعدة أخي كفاح في متطلباته الجامعية. وصلت رسالة أخي كفاح في فترة كانت تعاني فيه العائلة من ضائقة مالية بسبب عدم إمكانية الوالد من تحرير حُلي الوالدة المرهونة في البنك، وأحتمال بيع الحلي في المزاد لتسديد قيمة الرهن. وقد زادت رسالة أخي كفاح وطلبه من هموم الوالد ولم يجد حلا لمساعدة أخي سوى أن يبيع بعض أثاث ألبيت، وكان من ضمن هذا الأثاث سرير النوم المزدوج والوحيد، وكلف والدي ألشيخ محمد المسلماني لعرض الاثاث في المزاد. هكذا ضحى الوالد بسريره الوحيد ليدفع لأخي مصاريفه الجامعية ولاتسعفني الذاكرة لتذكر كيف عالج الوالد مشكلة تحرير رهن الحلي والتي كانت دائمة الضيافة الثقيلة في بيتنا. هكذا كان طيب الله ثراه مضحيا من أجل مستقبل أبنائه وسعادتهم. كان دائما يقول عندما فصلت من التعليم سنة 1947 قررت أن اُمارس أي عمل لأعالتكم لا أن أفعل مثل البعض، ويقصد أحد أصدقائه، حيث سحب أبنائه من المدارس وشغلهم في بيع ألنفط في الشوارع، فرأس مالي هو أنتم وعليَ الاهتمام بكم.

يـتـبـع


¤ الحلقة الثانية والعشرون

¤ الحلقة الواحدة والعشرون

¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأثنين 23/10/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة