ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(19)


محمد علي الشبيبي

إنتخابات ألطلبة ربيع 1967
إجتزت إمتحان البكالورية وقبلت في كلية الزراعة في بغداد. كنت متلهفا في العودة لبغداد ومواصلة نشاطي الحزبي الذي كنت شبه مقطوعا عنه بسبب تواجدي في كربلاء. وأخبرني رفاقي بترحيب الحزب بقبولي في بغداد وفي كلية الزراعة بالذات لعدم وجود لجنة طلابية في الكلية، والنشاط فيها يعتمد على النشاطات والمبادرات الفردية. كان لابد من العمل المدروس من أجل تقوية العلاقات مع طلبة ألأوائل مستغلا فترة مراجعات الطلبة للكلية من أجل إنجاز معاملاتهم. وهكذا كنت أتواجد في الكلية معظم أيام الأسبوع وقبل بدء الفصل الدراسي والإستفادة من تجربتي الخاصة في متابعة معاملات القبول في القسم الداخلي والتعرف على أقسام الكلية، وبذلك قدمت مساعدات لأبأس بها لكثير من الطلبة دون تمييز، فإستفاد من خدماتي التقدميون، البعثيون، القوميون، إخوان المسلمين والمستقلون وحتى الطلبة العرب. لم يكن يهمني إلى من أقدم مساعدتي، المهم أن أساعد الجميع بغض النظر عن إتجاهاتهم السياسية، وقد نجحت لحد ما في بناء علاقات طيبة مع بعض الطلبة العراقيين والعرب تركت أثرها فيما بعد.

قبل أن تبدأ دراسة الصفوف الأولى، أعلنت الصفوف المتقدمة إضرابا عن الدوام بهدف تعديل شهادة التخرج وأعتبار خريجي كلية الزراعة مهندسين زراعيين، إلتزم بالأضراب جميع الطلبة دون إستثناء. من خلال علاقاتي البسيطة والحديثة مع بعض طلبة الصفوف المتقدمة توصلت الى إستنتاج أن الطلبة الديمقراطيين هم في طليعة الداعين للإضراب. في هذه الأثناء بلغت من قبلي مركزي الحزبي بأربعة أسماء لتشكيل اللجنة الإتحادية والتنسيق في قيادة النشاط الطلابي بما فيها الأضراب. للأسف لم يكن ألاشخاص التي سماها الحزب لي للإتصال بها والتنسيق معها من الشجاعة للتواصل والنشاط، ماعدا الزميلين ظافر عبد الله وزميل آخر (للاسف نسيت إسمه) وهما في الصف الثاني، أما الزميلين (ص.م) و (ف.ح) من الصفوف الاولى، كانا يتهربان من اللقاءات والتنسيق، حتى أنهما رفضا المساهمة معي في القيام بزيارات مسائية للطلبة في أقسامهم الداخلية للحديث معهم عن أهداف الأضراب والتعرف على الطلبة. كنت أستغل علاقتي البسيطة مع طلبة الصفوف الأولى في شرح أهداف الأضراب المهنية، بعيدا عن السياسة، وأحثهم على ضرورة المشاركة الفعالة مع بقية الصفوف المتقدمة، وقد لاقت دعوتي ترحيبا من جميع الطلبة دون تحفظ وهكذا نجحنا في إقناع طلبة الصفوف الأولى في الإلتزام في الأضراب. وبعد شهر أو أكثر من الإضراب إستجابة الجامعة لطلبنا بمنح خريجي كلية الزراعة عنوان (مهندس زراعي) شرط أن تجري بعض التعديلات على برنامج الكلية، وأقمنا حفلا غنائيا إحتفالا بهذا النصر أحيته المطربة عفيفة إسكندر على قاعة الخلد.

تميزت السنة الدراسية 1966/1967 بتشكيل أللجان الإتحادية في معظم الكليات وإستقرار عملها، حتى ساهم طلبتنا بنشاط وفعالية في معظم ألأضرابات الطلابية التي حدثت خلال العام الدراسي، وقد اتسمت هذه الاضرابات بأهدافها المهنية. كما نظم إتحاد الطلبة العام بالتنسيق مع الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكرستاني، سفرة طلابية لجامعة بغداد وثانوياتها الى سدة الهندية للإحتفال بعيد نوروز. كان هذا أول نشاط شبه علني للقوى الديمقراطية بواجهة ترفيهية إجتماعية في تلك السنه وربما لسنوات مابعد إنقلاب شباط. كان هدف الحزب والأتحاد من هذا النشاط تحريك الطلبة وزجهم بداية في نشاطات ترفيهية – سياسية وكسر حاجز الخوف الذي تركته أحداث 8 شباط، ومعرفة مدى إستعداد الطلبة في المساهمة بنشاطاتنا. تجمعت الباصات المستأجرة والسيارات الخاصة بالقرب من كلية التربية، وتحركت الباصات وهي تنقل مئات الطلبة من كل كليات بغداد وثانوياتها، ومئات الحناجر تنشد (عاش إتحاد الطلبة هو وحماماته يسقط الأستعمار هو وعصاباته)، السيارات أخترقت شوارع بغداد بإتجاه المسيب وكلما دخلنا إحدى المدن بطريقنا تعالت هتافات الطلبه لتشيد بنضال إتحاد الطلبة العام وإنشاد الأناشيد الثورية. دخول باصاتنا للمدن ونحن ننشد أغانينا وشعاراتنا دفعت بكثير من المواطنين باللحاق بنا بسياراتهم الخاصة ليشاركوننا أفراحنا. تجمعنا في السدة في إحدى المزارع، والقيت الكلمات وللأسف حدث خلاف بسبب إحدى الكلمات، فقد كان متفقا أن تلقى كلمتان إحداهما بإسم الطلبة العرب الديمقراطيين والثانية بإسم الطلبة الأكراد الديمقراطيين، وبذلك تشمل الكلمات كل القوى الديمقراطية في العراق. القيت الكلمة الاولى كما أتفق عليها أما الكلمة ألثانية فالقيت بإسم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مما سبب مشكلة أدت إلى إنسحاب الطلبة الشيوعيون وأنصارهم من إتحاديين كردا وعربا، مطالبين بأن تلق كلمة الحزب ألشيوعي، ونظموا تجمعهم مما سبب إحراجا لمجموعة الديمقراطي الكردستاني الذين شعروا بقلة عددهم مقارنة مع العدد الضخم لنا مما إضطرهم للإعتذار والعودة للإحتفال حتى نهاية الحفل. كان الحفل هذا إختبار لشعبية إتحادنا ماقبل الإنتخابات الطلابية المقرر إجرائها بعد أسابيع.

بدأت الحملة الإنتخابية وأشترطت السلطة بأن تكون الترشيحات فردية. ونشطت لجنتنا بالتحرك ولم تكن عندنا فكرة واضحة عن شعبية إتحادنا بين الطلبة، على الأقل في الصفوف الأولى. تم ألإتفاق في الكلية مع مايسمى بالبعثيين اليساريين، حيث ترك الإتحاد للجانه في الكليات حرية الأتفاق مع (ألبعثيين أليساريين). كان الطلبة متخوفين ولايفصحون عن موقفهم بسهولة خاصة طلبة الصفوف الاولى. حتى أن بعض زملائي ممن وصلتني بهم توصية من الحزب للإعتماد عليهم في نشاطاتنا تهربوا من الترشيح وفضلوا البقاء خلف الكواليس! كان ألترشيح في تلك الظروف يتطلب الى قدر من الشجاعة والجرأة والتحدي وللأسف كان بعض الزملاء كثيري الكلام وقليلي ألعمل. كان الحزب يفضل بزج آخرين غيري في العمل الديمقراطي، لكن تهرب زملائي المعتمدين ليس من الترشيح وحسب وإنما حتى في النشاط الدعائي والتضامني واللقاء من أجل التنسيق، هذا الوضع أضطرني لترشيح نفسي.

بعد مرور هذه السنوات وتغيرت كثير من الظروف فلابد أن شمل هذا ألتغير هؤلاء الزملاء، لذلك لااريد ان أذكر حقيقة تصرف بعضهم بجبن وبروح إنتهازية أمثال (ف) و (ص) وتهربهم من الترشيح وحتى من التجمع التضامني وترك المرشحين وحدهم بالساحة يواجهون إعتداءآت عصابة مستهترة من ألبعثيينن، أذكر هذا لأني تابعت نشاط ألزميلين (ف) و(ص) وعرفت أنهما أصبحا فيما بعد من الناشطين في المجال ألطلابي والشبابي!! لكن بعض الأصدقاء أبدوا إمتعاضا من تصرفاتهم، خاصة أثناء ألتظاهرات ألتي كان يساهم بها الحزب أيام ماقبل إنعقاد الجبهة ألوطنية، وكيف كانا يتهربان من هذه النشاطات!!. ومن تجربتي ألمتواضعة في العمل السياسي السري، يمكن ملاحظة كيف تتغير مواصفات وقدرات الفرد في خضم العمل السياسي في مختلف الظروف، هنالك من يكون شجاعا ويستسهل الموت وآخرون من يفقدوا القدرة على الإستمرار وربما يصل بهم الأمر للخيانة، ومن كلا المجموعتين تجد كيف أن العمل السري وظروفه تحَوّل وتغير إمكانيات الفرد في الصمود. لقد صادفت مناضلين ضعفوا وانهاروا خلال مسيرتهم، ولكن بعد سنوات تحولوا الى مناضلين صلبين لم يبخلوا حتى بحياتهم من أجل ألحزب. لذلك لآ أوجه اللوم لزملآئي ممن تهرب من الترشيح أو حتى التهرب من مرافقتي والتضامن معي خلال وجودي في الكلية أثناء الأنتخابات، أوتهربهم من مساعدتي للرد على الإعتداءآت ألتي واجهتها من البعثيين، أو للوقوف بجانبي ولو معنويا.

منذ اليوم الأول من بدء حملتنا الإنتخابية شعر البعثيون بإفلاسهم شعبيا فأتبعوا إسلوب التهديد والإعتداء على العناصر الإتحادية النشطة وكانت إعتداءآتهم مركزة عليّ بالذات من دون الآخرين من زملائي، وتعرضت لعدة أعتداءات من قبل عصابة حسن التكريتي أحد الطلبة البعثيين، وبتشجيع وتوجيه من أستاذهم هاشم قدوري. وحسن ألتكريتي طالب فاشل دراسيا، كان طالبا في الكلية العسكرية، أو ضابطا في الجيش مستفيدا من الدورات العسكرية التي أنشأتها حكومة 8 شباط الفاشية، للإستفادة من طلبتها الفاشلين دراسيا للإلتحاق بالجيش كضباط من خلال دورة دراسية مكثفة لمدة ستة أشهر. وفصل حسن بعد إنقلاب عبد ألسلام عارف وحسن كان أكثرهم عدوانية وشراسة. كان طلبتنا مستعدين للتصويت لصالحي مرشحينا ولكن لم يكونوا مهيئين للتصادم وخوض المعارك وما يترتب عليها من نتائج قد تفقدهم مستقبلهم الدراسي. فتأثيرات إنقلاب 8 شباط الدموي، وما سببه من مآسي إنكوت فيها عوائل كثيرة حتى لم تكن لها إهتمامات بالسياسة، ثم مجيء حكومة عبد السلام والتي سارت على نفس نهج ألبعث في محاربة القوى الديمقراطية والزج بها في السجون، كل هذه الأسباب جعلت الطلبة المتعاطفين مع القوى الديمقراطية حذيرين في الإجهار عن مواقفهم السياسية. كما أن هناك سبب آخر مهم وهو أن معظم كوادر الإتحاد الطلابية، تعرضت للتصفيات الجسدية، كما حدث للشهيد فيصل الحجاج، أو زج بها في السجون، لذلك كانت الحركة الطلابية بقيادة إتحاد الطلبة العام تعاني من تفكك لجانها في الكليات، ونقص في كوادرها المجربة وهذا جعل التحرك الطلابي في الكليات ضعيفا، ومع هذا حققنا نجاحا باهرا في الإنتخابات، وأن دل هذا على شيء فيدل على جماهيرية الإتحاد وعمق جذوره.


مجموعة من الزملاء في الصف الاول كلية الزراعة سنة 66/67
من اليسار أحمد، فائز، كاتب السطور، غسان، كريم وعبد الحسن

كنت أحد مرشحي إتحادنا عن الصفوف الاولى، وكان ظافر مرشحا عن الثواني وللأسف لاأتذكر بقية الأسماء، وزميلي المرشح الثاني هو من (البعث أليساري). أما منافسي في الصف الأول كان محمد عبد الرحمن العاني وهو من عصابة حسن التكريتي، كما كان بعض المرشحين من الإخوان المسلمين وحتى من المستقلين والقوميين. بدأت إعتداءات البعث تتزايد عليّ، ولم يكتفوا بالإعتداء علي أثناء الدوام وإنما مارسوا ذلك ضدي ليلا، عندما أكون في غرفتي في القسم الداخلي. قدمنا مذكرة لعميد الكلية الدكتور حسين العاني حول الجو العنفي السائد وحملناه مسؤولية إستمرار الأعتداءات، وطالبناه بمحاسبة الطلبة الذين يمارسون العنف ضد زملائهم. لكن العميد كان مرتاحا لتصرف عصابة البعثيين وحتى السلطة كانت مرتاحة لهذه الحالة. أجتمعنا مع ألعميد أكثر من مرة وحذرناه من خطورة مايجري لكنه إستمر في لا أباليته ولم يفعل شيئ. عندما إستمرت مضايقاتهم لي ليلا في غرفتي بالقسم الداخلي، ورافق ذلك محاولتهم الضغط علي لسحب إسمي من الترشيح، قررت حينها اللجوء الى زملائي المقربين من الصف الأول أمثال (ف و ص) فتهربا من مرافقتي بحجج واهية، بل كانا يتهربان من اللقاء أو حتى الوقوف بجانبي في فترات الإستراحة. في تلك الفترة كانت لي علاقات أخرى مع بعض الطلبة الأردنيين ذوي التوجه القومي وقد أغاضهم تصرف البعثيين وأعتبروا أن إسلوبهم ألغير متحضر في المنافسة الإنتخابية يجب أن يدان ووقفوا بجانبي وأستضافوني ليلا في غرفهم. كذلك إستضافني أحد أفضل وأشجع زملائي وهومحمد رشيد عبدان، ولا أنس موقفه يوم كنت في غرفته لأتجنب إعتداءآت عصابة البعث وجاؤا يبحثون عني في غرفته ورفض فتحها وهددهم إذا ماتجرؤا وحاولوا الدخول للغرفة بالقوة فسوف لن يتركهم سالمين، وكان هذا موقف زميل واحد، تمكن بموقفه الجريء هذا أن يردعهم. كان البعثيون يطمحون من خلال إعتداءاتهم وتهديداتهم على إجبارنا للإنسحاب من عملية الترشيح، فقد نجحوا في ذلك كما أتذكر في كلية الطب أو الصيدلة، ولكن مقاومتنا وصمودنا فوت عليهم هذه الفرصة. وفي يوم الإنتخاب شنوا حملتهم عليّ وعلى ظافر وإضطررنا أن نترك الكلية الساعة الثالثة ظهرا. وقد وصلت لنا مساعدة من زملاؤنا في جامعة بغداد لكنها كانت متأخرة أي بعد مغادرتنا الكلية وقد إنتهى الجميع من التصويت.

مساء يوم ألإنتخابات بينما كنت على موعد حزبي لإشرح لرفيقي المسؤول مجريات الإنتخابات وإذا بأحد الزملاء يلقاني ويهنؤني بالفوز، فقد حصلت على 72 صوت والبعثي اليساري على 47 صوت وأعتقد معظمها أصوات زملاؤنا، أما البعثي المنافس لي محمد عبد الرحمن العاني فقد حصل على 10 أصوت بينما إخوان المسلمين حصلوا على 13 صوت وكان مجموع ألأوائل 125 طالب تقريبا.

إلتقيت برفيقي وحدثته عن الجو الإنتخابي وفوزنا، وطلبت من الحزب المساعدة لإني أشعر وكأني وحيد في الكلية وحتى الأصدقاء المعتمدين كانوا يتهربون من الحديث واللقاء معي، وأوعدني خيرا. مساء ذلك اليوم إحتفلت مع رفاقي وبعض الأصدقاء في فوزنا وفوز معظم مرشحينا في الإنتخابات. لم تكن عندنا فكرة دقيقة عن مدى النجاح الذي حققناه في الإنتخابات من فوز ولكن المعلومات كانت تصلنا من خلال علاقاتنا الشخصية. كنا جالسين في إحدى مقاهي أبا نؤاس ونستمع لنشرة الأخبار وهي تشيد بالإنتخابات باعتبارها إنجاز ديمقراطي للحكم العارفي. وفي اليوم ألثاني أثنت ألصحف على قرارالسلطة باجراء الإنتخابات لكي يختار الطلبه ممثليهم كخطوة اولى لإنتخاب المجلس الوطني، وحتى التعليق السياسي صباح اليوم الثاني أشاد بالإنتخابات ونتائجها بإعتبارها مكسب ديمقراطي. لكن السلطة تفاجأت بعد يومين من حصيلة نتائج الإنتخابات على مستوى العراق كله فالنتائج لم تكن لصالح القوى القومية بكل أطيافها ولا لصالح القوى ألإسلامية وأن ألإنتصار الساحق والوحيد هو فوز مرشحي ألحزب ألشيوعي وأصدقائه، وقد حصلنا على نسبة تتجاوز 75% وفي بعض الكليات حققنا فوزا 100%، تحولت ألإشادة بالإنتخابات ونتائجها، من قبل ألإذاعة والصحافة ألحكومية والأهلية، بعد يومين الى الهجوم والنقد والطعن بشرعية ألإنتخابات!!!. بعد يومين من التقييم الرسمي الإيجابي للإنتخابات صدر مرسوما جمهوريا وأعتقد من الدائرة القانونية يلغي الإنتخابات ويعتبرها غير شرعية.

قرر حينها أتحاد الطلبة العام أن يعتمد هذه الإنتخابات وعدم الإعتراف بإلغائها، ودعوة المرشحين الفائزين لعقد مؤتمر عام للطلبة لإنتخاب قيادة الإتحاد، وفعلا عقد المؤتمر وأنتخبت قيادة للإتحاد وأصبح سكرتير الإتحاد حسن الشمري وهو طالب في كلية التربية الرياضية في بغداد. للأسف لم أتمكن من حظور ألمؤتمر كوني كنت معتقلا حينها.

في اليوم الثاني باشرت في الكلية وكان الزملاء يقدمون التهاني لي ووزع بعضهم ألحلوى داخل قاعة الدراسة. ظهرا وعند عودتي لغرفتي وكنت بمفردي تعرضت لي شلة حسن التكريتي من البعثين وهم يحملون المساحي والعصي ولم أتمكن من مقاومتهم أوالهرب إلا بعد أن أصابوني بعدة ضربات. قررت مغادرة الكلية ولافائدة من الشكوى لدى العميد فهو متواطئ معهم، خاصة بعد أن ظهرت نتائج الإنتخابات وفوزنا الكاسح على مستوى العراق. في شارع النهر إلتقيت بمسؤولي الحزبي، وحدثته بما جرى لي فقال لي أن الحزب مستعد للدفاع عنك وتأديبهم أذا كنت مستعد لتحمل مسؤولية ذلك. لم يكن أمامي أي خيار آخر، فهم مستمرون في إعتداءآتهم. صار ألإتفاق أن يرافقني إثنين من الرفاق إلى داخل الكلية، وأن يكونا مسلحين بمسدسات وألا يستعملا سلاحهما إلا في حالة ألضرورة القصوى، والهدف من مرافقتهما لي تشخيص العناصر البعثية الشرسة والقيام بعملية تأديب لها تتناسب وسلوكهم المستهتر على أن أكون أنا بعيدا عن عملية التأديب.


كاتب السطور ومحمد رشيد عبدان في مختبر الكيمياء للصف الأول كلية الزراعة سنة 66/67
ومن الخلف منافسي البعثي في الإنتخابات محمد عبد الرحمن العاني

التقيت بالرفيقين وهما صبري ،بائع متجول لأربطة عنق مستعملة في شارع الرشيد، ورفيقه أيضا بائع متجول، وللأسف لا أتذكر أسماؤهما الكاملة، وإتفقنا أن نلتقي صباح اليوم الثاني في باب العلاوي ليرافقانني للكلية. ذلك اليوم نمت خارج القسم الداخلي. صباحا إلتقيت بالرفيقين في باب العلاوي وركبنا سيارة سوية الى كلية الزراعة، إتفقت معهم على ان يسيروا خلفي وأن يتظاهرا بعدم علاقتهم بي لاُُعرفهم من خلال إشارات إتفقت عليها معهم لتشخيص العناصر البعثية الشرسة. سارت الامور بخير الى أن أنهيت مختبر الكيمياء، الثانية ظهرا، حيث كانا المرافقين بإنتظاري خارج المختبر. أبلغتهم بأن عليهم مغادرة الكلية والعودة غدا صباحا مع بعض الرفاق لتأديب شقاوات البعث والتي مارست إعتدآءآتها خلال الفترة الماضية. أثناء سيرنا للخروج من الكلية، وإذا بأكثر من عشرة من البعثيين، يقودهم حسن التكريتي، يتوجهون نحونا وبأيدهم مساحي وفؤوس وعصي، وهم يهددونني ويشتمونني ويهتفون (فلسطين عربية فالتسقط الشيوعية)!!. كان الموقف حرجا، الشجار معهم وهم يحملون عدتهم يعني تعرضنا للأذى وربما إلى خسارة حتى مسدساتنا، وقد ننتهي للمسائلة الأمنية، فقررنا أن نهددهم بإطلاق العيارات النارية لإبعادهم عنا. طلبت منهم أن يبتعدوا عنا ويتركوننا بسلام فإزدادوا شتما وتهديدا وأتجهوا نحونا مصممين على الإعتداء وكان الشرر والحقد يتطاير من أعينهم، وكانوا أكثر تصميما على الأعتداء. سحبنا مسدساتنا وطلبت مرة اُخرى من أحدهم (حاجم) وهو زميلي في الصف بأن لايجبروننا بإستعمال السلاح للدفاع عن أنفسنا، لكنهم كانوا مصرين حتى أصبحت المسافة بيننا بحدود عشرة أمتار. إضطررنا أن نطلق النار فوق رؤوسهم، توقف بعضهم وآخرون تقدموا نحونا، أطلقنا إطلاقات على الأرض قرب أقدامهم، تراجع بعضهم وإستمر خمسة منهم بالتقدم من بينهم زميلي في الصف وحسن التكريتي. لم يتوقعوا أننا جادين في إستعمال السلاح، وأصبحت المسافة قريبة جدا، أصبنا أحدهم في قدمه وصرخ متألما يطلب نجدته، حينئذ عرفوا أننا لانمزح و طلب مني الرفيقين أن أنسحب وهم سيلاحقونهم لكي يبتعدوا عنا ثم يتمكنا من الإختفاء ومغادرة الكلية، لكني رفضت أن أترك الرفيقين لوحدهما، خاصة كنت أعرف أن أحدهما (صبري) كان متحمسا لمثل هذه المعارك وقد نبهني رفاقي وطلبوا مني مراقبته كي لايندفع أكثر من اللازم. أنهزمت المجموعة، بما فيهم حسن، ولاحقهم رفاقي كي يبتعدوا عن المنطقة، حينها تركتهم وإنسحبت.

لم يكن من السهل عليّ ألوصول للشارع العام للحصول على واسطة نقل بعد أكثر من ستة إطلاقات سمعت في فضاء الكلية عاد على أثرها ألبعثيون مفزوعون وهم يحملون أحدهم مجروحا. قررت الإختفاء موقتا بأحد بيوت القرية، تاركا الرفقين يطاردان عصابة البعث. لحسن الحظ كان البيت الذي دخلته تواجهك فيه صورة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، فإطمأن إليهم قلبي وأستقبلتني ربة الدار، وكانت وحيدة في البيت، تسألني عن سر إطلاق ألنار فقلت لها بدون تردد أن الكلاب البعثيين يلاحقونني، أدخلتني إلى أحدى غرف الدار الطينية، وقفلت الدار وخرجت لتتابع مايجري في الخارج. بعد نصف ساعة سمعت هرجا قرب الدار وأصوات تهدد بدخول البيت عنوة، وعرفت صوت صاحبة الدار تؤنبهم وتدعي أنها لم تكن موجودة في البيت وقد عادت لتوها. بعدها فتحت البيت وقفلته من الداخل، أخبرتني بان أحد الأطفال أخبرهم بوجودي هنا و بعد أن نهرته تراجع لكنهم مازالوا يعتقدون بوجودي هنا، ولكي تطمأنني أخبرتني أنها ستجلس عند باب الدار وتتابع لي الأخبار. بعد فترة قصيرة عاد البعثيون ومعهم رئيس حرس الكلية وإسمه فهد يسألون صاحبة الدار عني وعندما نفت وجودي داخل الدار هددوها بالدخول بالقوة للتفتيش عني، إدعت أنها لوحدها ولا تسمح لأحد بدخول الدار إلابحضور ألمختار، فتركوها متوعدين.

لم أكن أرغب في جلب متاعب لهذه المرأة الطيبة المسكينة، فأعتذرت لها اسفاً لما سببته أو قد أسببه من متاعب، وأخبرتها بقراري في ترك البيت قبل أن يأتوا بالمختار، وطلبت منها أن تحتفظ بالمسدس وملابسي وأن تدبر لي ملابس شعبية. غيرت ملابسي فلبست ثوب وسترة زوجها وسلمتها المسدس وطلبت منها أن تحتفظ به وألا تسلمه لأحد إلا إذا أخبرها أنه من قبل أبو صادق أي من قبلي. إرتاحت للفكرة، وبعثت بأحد أطفالها ليراقب الطريق، لأن رئيس الحرس وزع حراسه لمراقبة المنطقة. لما كنت غير متأكد من تذكر موقع البيت، أخذت إسم زوجها الكامل، وهو عامل في معامل الطابوق، وقالت يكفي أن تسأل عن بيت ألعريف محسن زوج الخبازة فبيتنا مقابله. طمأنني إبنها بأن رئيس الحرس قد مرّ لتوه من هنا فودعتها وشكرتها وخرجت.

إبتعدت عن البيت وأصبحت قريبا من كلية البيطرة ولسوء الحظ كانت دورياتهم كثيرة فأمسك بي الحرس وكدت أقنعهم بأن يتركوني لولا قدوم رئيسهم وأخذوني للعميد. حاول العميد د. حسين العاني أن يعرف ماجرى، قلت له: هل تريد أن تعرف ماجرى اليوم أم ماجرى خلال الإسبوعين الماضيين، كتبت وزملائي مذكرتين شرحنا فيها الإعتداءات علينا وخاصة عليّ من قبل بعض الشقاوات من الطلبة ولم تتخذ أي إجراء، بل أن هؤلاء الشقاوات إدعوا أنك متفاهم معهم، والان تريد أن تعرف ماجرى؟ ألم يكن إهتمامك هذا متأخر؟!. لم يقل شيئا وطلب الشرطة. وهنا لابد ان أذكر ماكان يتداوله طلبة الصفوف المتقدمة عما كان يقصه بتلذذ د.حسين العاني عليهم، أثناء محاضراته، من طريقة تعامل العنصريين الأمريكان مع السود، وكيف يقتلون السود في تكساس ويتركون جثة المواطن الأسود تسبح بالدماء دون خوف من أية محاسبة، كان معجبا بالعنصريين وبطريقة قتل ألسود!!! عندما وصلت الشرطة إلى العمادة لأعتقالي، كان ألبعثيون متجمعين خارج العمادة، ومازالوا يحملون العصي والمساحي، ويتدافعون للإعتداء عليّ والشرطة تمنعهم. أثناء صعودي لسيارة الشرطة والبعثيين يهددون بقتلي، لفت إنتباهي رجلا بملابس أنيقة وسأل الشرطة ما الأمر، فأخبروه أني إستعملت السلاح في الكلية ضد بعضهم، فرد عليهم: إذا آذيت القط فسوف يؤذيك بمخالبه ثم ألتفت وقال للشرطه أنتم مسؤولون عن حياته فهو أمانة بيدكم وغادر.

عندما وصلت مركز أبو غريب كان ستة من البعثيين متواجدين في غرفة مأمور المركز (للأسف لا أتذكر إسم مأمور المركز) ويشربون الشاي ويتحدثون وكأنهم يعرفوه جيدا. فتح مأمور المركز محضرا لتسجيل الإفادات. كانت إفادة كل واحد منهم تختلف عن الآخر، بعضهم إدعى أنه كان معي مرافقين ولما سألهم عن عددهم إختلفت الإجابات من 2 إلى 4، وعندما سألهم عن السلاح أيضا إختلفت الإجابات بين مسدس ورشاش وحتى عدد الأطلاقات فقد بالغ بعضهم وقال أكثر من 20 إطلاقة!!!. مبالغتهم الغبية هذه كانت لصالحي، نفيت حملي للسلاح وكذبت إدعائهم وقلت: لو كانوا صادقين بأني والمرافقين نحمل سلاح من مسدسات ورشاشات ونحن في الكلية من الصباح فلماذا لم يُخَبروا عنا وإذا كانوا صادقين بأنهم يراقبوننا من الصباح فلماذا هذا الإختلاف في عدد المرافقين والسلاح كما يدعون؟. بررت هروبي كوني أنا المطارد وكانوا يحاولون قتلي وقد إعتدوا عليّ أكثر من مرة وقدمت بذلك مذكرة للعميد. أثناء إستجوابي كان مأمور المركز يتوقف ليروي للبعثيين بعض بطولاته. فحدثهم كيف أن الشيوعيين أيام عبد الكريم قاسم، مسكوا به إحدى المرات وربطوه بحبل مشدود بسيارة وسحلوه من إبي غريب إلى بغداد!!!!. كانت أحاديث مأمور المركز تدل على غبائه وحقده اللامتناهي، ويهددني بإعادتي إلى سجن نقرة السلمان. بعدما إنصرف البعثيون، أخذني مأمور المركز بسيارة الشرطة إلى المنطقة التي إختفيت فيها وطلب مني أن أرشدهم للبيت. وعندما أنزلوني لأتجول وسط القرية الصغيرة بمرافقة الشرطة لأرشدهم على البيت، وكان يقوم بهذه المهمة رأس ألعرفاء ألحاج والي، إلتفت أليَ ألحاج والي وقال: كن رجال ولاتخبرهم عن البيت. لم أكن أنوي أن أدلهم ولكن كنت أريد أن اُسمع صوتي لصاحبة البيت كي أطمأنها. كما لم أكن واثقا من جدية وصدق ألحاج والي، فقلت له أني لاأعرف المنطقة وكنت هاربا وخائفا ولم أتذكر المنطقة. لم يعجبه جوابي وبدى عليه القلق من أن أرشدهم للبيت وكرر كلامه بلهجته القروية كن رجلا. تأكدت من صدقه وطلبت منه ألا يتظاهر بتعاطفه معي وأن يمثل أمام مأمور المركز دورالمتحمس لمعرفة البيت، فكان بارع في تمثيل الدور فطلب منه المفوض أن يدور بي في أنحاء المنطقة لأرشده. وصلت إلى الزقاق الذي فيه البيت وكانت مجموعة من النسوة والأطفال متجمعين يراقبونني وكانت صاحبة المنزل بين النسوة، فقلت للحاج والي بصوت عال لكي تسمع النسوة وصاحبة المنزل ما أقوله: أني متأكد أن البيت ليس في هذه المنطقة ومن الصعب أن أهتدي أليه. وبعد أن درت معه بين بيوت القرية الطينية عاد بي الحاج وقال لمأمور المركز سيدي أنه دايخ والبيوت متشابه ولايتذكر البيت. وهكذا اُعدت للموقف دون أن أرشدهم للبيت وقد طمأنت صاحبة ألبيت بأنني كتمت سر مكان إختفائي.

يـتـبـع


¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

السبت 23/9/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة