ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 11 )
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

في سجن نقرة السلمان

في يوم من ايام نيسان 1965 بلغت انا ومجموعة من السجناء بقرار نقلنا الى سجن ألنقرة ألصحراوي. وبذلك خسر والدي زميلا ورفيقا وابنا، كان دائما بجانبه يقدم له المساعدة ويتسلى معه. كان ألوالد مطمئناً من وجودي بالقرب منه لأكون تحت رعايته وتوجيهه، وإن وجودي معه في سجن واحد يخفف من متاعب العائلة في الزيارات وتكاليفها بينما انتقالي الى سجن اخر صحراوي وبعيد يشتت امكانيات العائلة الاقتصادية والمتواضعة جدا، اضف ألى هذه ألمصاعب مشكلة ألزيارات الى سجن نقرة السلمان والتي لآ تتم إلا بموافقة ألحاكم ألعسكري في بغداد واعتقد كان حينها رشيد مصلح. انتابت الوالد مسحة من ألحزن والقلق، وجاءه بعض ألزملاء واخذوا يهدؤنه، وقال له أحدهم: لاتحزن زميل ابوكفاح سنعوضك عن خسارتك للزميل محمد ونهتم بك وبإحتياجاتك!. إبتسم الوالد لهم بألم واضح وقال انني لست زميله فقط وانما أنا والده وبنقله يكونوا قد ابعدوه عني وعن والدته المسكينة، وسوف تفتقده ولا يمكنها زيارته.

بعد اربعة ايام من تبليغنا تم تسفيرنا في سيارة مشبكة خاصة لنقل ألسجناء. كنا أكثر من عشرة سجناء، اتذكر منهم جواد الرفيعي، محمود الحبوبي ورزاق من ألنجفيين، ومن الكربلائيين عباس واخوه اسماعيل الجصاص، محمود الصافي وعبد الأمير قنبر وكذلك المعلم مضر من الديوانية واخرون. سارت السياره مخترقة شوارع الحلة باتجاه مدينة السماوة، وكنا ننشد الاناشيد الثورية وكان أهالي الحلة يحيوننا فيشدون من عزمنا ويرتفع صوتنا عاليا ونحن ننشد:
ألسجن ليس لنا نحن الاباة ألسجن للمجرمين ألطغاة
أو ننشيد نشيد الاممية:
هبّوا ضحايا ألإضطهاد ضحايا جوع ألإضطرار
بركان ألفكر في اتـقاد هذا آخر انـفجـار
بـجـمـوع قـويـة هـبـوا لاح الـظـفـر


وما ان ننتهي من هذا النشيد ألاممي حتى ننشد للجبهة الوطنية:
جبهة ألشعب وحدي كادحيه
ووطدي في ألنضال قوى الشعوب
في سبيل السلام والارض والخبز والوطن
قد كفى الشعب ما احتمل

وهكذا ودون كلل وبحماس متصاعد ننتقل من نشيد ثوري لآخر، حتى أن حراسنا يستغربون من كلمات اناشيدنا وحماسنا المتصاعد وكأننا ذاهبين لنزهة وليس لسجن صحراوي، ونحس بنظرات اعجابهم واحترامهم لنا، وهم في حيرة من هذا العناد والتصميم في السير بهذا الطريق الصعب. كان حراسنا يجلسون معنا في نفس (المقصورة) ويحتلون ألطرف الخلفي قرب الباب المقفل بمفتاح يوجد لدى احد الحراس المرافقين والجالسين بجانب السائق. وصلنا الى مركز شرطة ألسماوة، وعلمنا بمحاولة ألهروب ألفاشلة للشهيد وعد الله النجار من موقف السماوة ونقله قبل وصولنا بيومين الى بغداد، حيث وشى به أحد ألمعتقلين ألعاديين وكشف امر محاولته للهرب، وقد نفذ به حكم ألأعدام في زمن عبد ألسلام عارف.

بعد يوميين من وصولنا تم نقلنا الى النقرة بمرافقة سيارة من شرطة البادية لمعرفتهم الطريق الصحراوي بشكل جيد، فاحيانا كثيرة تمحو الرياح ألشديدة اثار الطريق ويصعب على السائق القليل الخبرة معرفة الطريق الصحراوي المؤدي الى نقرة السلمان. التحق بنا في السماوة بعض مراجعين المستشفى من نزلاء النقره اتذكر منهم الملازم الطيار خالد حبيب. مع انطلاق السيارة لتشق شوارع السماوة انطلقت حناجرنا وبحماس ننشد أغانينا ألثورية مجددا:
يالرايح للشعب خـذني وبـنار الـمعركه ذبـني
بركبتي دين اريد اوفي على عوام ألمـضت مني
حزبك دوم غانم وسالم شوكه بعين كل عدو ظالم

ثم ننتقل لاغنية:
على يامال يردونه نوقع هالبراءة
شعبنه الأبي مانعوفه ولا نرضه بدناءة
رفيق انخاك دوم اصمد ولا تحني الهامة
يزول اللي يعادينه ونظل احنه النشامة

كان الحرس يطلبون منا ألسكوت لان هذا قد يعرضنا لعقوبات وكنا نجيبهم هل يوجد سجن اسوأ من النقرة؟ كما ان السلطة لايمكنها اسكاتنا، فنحن سجنا لأننا رفضنا السكوت والمهانةا؟ وترتفع اصواتنا ويشتد حماسنا كلما حيانا اهالي السماوة وهم يرفعون قبضات اياديهم تعبيرا عن المساندة والتأييد. وعرفت السماوة واهلها بمواقفها الوطنية الشجاعة، والتي كللوها بتحديهم ايام حكومة شباط الدموية، عندما خرجوا متحدين الارهاب البعثي ليقدموا مساعداتهم لركاب قطار الموت من عسكريين ومدنين وطنيين، كان يراد لهم الموت في تلك المقبرة الحديدية.

ابتعدت السيارة عن مدينة السماوة تتقدمها سيارة شرطة البادية. أختفت عنا معالم الحضارة وساد امامنا منظر الصحراء ألقاسي على مد البصر. في أول الطريق كنا نرى بعض الطيور وبعض الجمال، وكلما اخترقت السيارة عمق الصحراء واقتربت للحدود السعودية، اصبح منظر الطيور نادرا، ولم نعد نرى حتى الجمال واصبحت الارض خالية حتى من الشوك البري. وبرزت طبيعة الصحراء بقساوتها وكأنها تتحدانا، ونحن نرى كيف ان الكثبان الرملية تتحرك كأمواج البحر. وصلنا السجن بعد الظهر وكان الراحل عباس بغدادي طيب الله ثراه، ممثلنا لدى ألإدارة، ومسؤولين من أدارة السجن في انتظار النزلاء الجدد وبعد الترحيب اخذنا عباس الى داخل السجن وكان في استقبالنا صفين من السجناء للترحيب بنا، وهي عادة اعتادها سجناء النقرة في استقبال زملاؤهم الجدد، ومن ثم وزعنا على ألقاعات (القواويش او الردهات). كنت انا وألأستاذ جواد الرفيعي وهو استاذ لغة عربية وكان آمر المقاومة الشعبية في النجف وصديق لابي وزميلي وزميل الوالد في سجن الحلة، من نزلاء القاعة رقم 3. وكان من نزلاء ألقاعة بعض الاصدقاء من كربلاء وهم ابراهيم كرماشه وجاسم فرحان وكذلك النقابي والشخصية ألوطنية صادق جعفر ألفلاحي، والطيب الذكر مصطفى عبود، والمهندس صباح محمود شكري.

كان فراشي الى جانب ألمقدم ألحقوقي نوري عبد الرزاق ونه طيب الله ثراه، عضو لجنة تحقيق محكمة الشعب، كان كبير السن ومريضا وكنت اقدم له ألمساعدة كلما اراد، من يراه يقدر عمره اكثر من 80 عاما، بسبب مرضه وما قاساه في السجن، واعتقد انه لم يتجاوز السبعين. في احد الايام تدهورت صحته ولم ينقل بالسرعه اللازمة الى مستشفى السماوة، لان نقل السجين الى مستشفى السماوة يتطلب إرسال برقية الى بغداد ليأتي الجواب بالموافقة من الحاكم العسكري، رشيد مصلح، وهذه البيروقراطية كان يراد بها زيادة الضغط النفسي على السجناء، بدون أي شعور بالمسؤولية على حياة السجناء. نقل نوري الى مستشفى ألسماوة متأخرا فوافاه ألأجل بسبب التسمم الكلوي ولم يعد الاطباء قادرين على انقاذ حياته. وكان مرضه نتيجة حتمية لما عاناه في قطار ألموت ألسيء الصيت، خيم الحزن في السجن على فقدان زميلنا وهو بعيد عن اسرته وابنائه، وفي قاعته اقمنا له الفاتحة واستقبلنا زملاؤنا من القاعات الاخرى بتقديم التعازي المتبادلة لفقدان هذا الرجل الطيب.
 


مجموعة من سجناء النقرة عام 1964 في وسط ساحة سجن نقرة السلمان وخلفنا تظهر بعض
القاعات، الواقفون من اليمين محمد الشبيبي وعلى يمينه مؤيد من الموصل وبجانبه جبار واخرون

 

كتب الكثير عن قطار الموت، ولابد هنا من الأشارة ولو بإختصار شديد الى هذه الجريمة التي اقترفها انقلابيوا 8 شباط عام 1963 من بعثيين وقوميين. اطلق مصطلح قطار ألموت على قطار حمولة لنقل ألبضائع، خصص لنقل مايزيد عن 500 (1) ضابطا وجنديا وسياسيا من ألشيوعيين وأصدقائهم، اختيروا من بين 1200 معتقل أو أكثر موجودين في سجن رقم واحد في معسكر ألرشيد بعد حركة ألشهيد حسن سريع في 3 تموز 1963. اطلق على القطار هذه ألتسمية لأن سلطة 8 شباط الفاشية كانت تهدف من عملية ألنقل هذه ألقضاء على حياة هؤلاء ألمناضلين. بعد ان جربوا عدة انواع من القتل منها تحت التعذيب بأنواعه، او الاعدام، أرادوا ان يجربوا القتل الجماعي بقطار الموت. فقد حشر هؤلاء ألمناضلين في عربات ألقطار الحديدي الخاصة لنقل البضائع والمواشي، بإشراف رئيس الجمهورية عبد السلام عارف ورئيس اركان الجيش طاهر يحيى والحاكم العسكري العام رشيد مصلح، وبمشاركة كوادر بعثية وبعلم قياداتهم. وهي عربات حديدية تخلو من ألعازل ألحراري والكراسي، وكان معظمها مطلي بالقار ولايوجد فيها أي منفذ للهواء أو ألنور ماعدا الثقوب ألصغيرة والنادرة بين بعض مفاصل ألعربة. حُشِرَ هؤلاء ألمناضلون في تلك ألعربات بعد منتصف ليلة 3 تموز واقفلوا ابوابها، وبقوا داخل العربات عدة ساعات قبل ان ينطلق القطار في صباح 4 تموز حوالي الرابعة صباحا. كما طلب المسؤولون من سائق القطار (عبد عباس ألمفرجي) أن يسير ببطء للحفاظ على ألبضاعة !!، بحيث ان الوصول للسماوة سيستغرق عشر ساعات لقطع مسافة 290 كلم!! كانت العملية مخططة من قبل مجرمين احترفوا القتل، مستغلين ما ستسببه أشعة شمس تموز ألحارقة وتحويل العربات ألى فرن حراري ومن ثم قبرا جماعيا. لكن بعض ألشرفاء والطيبين من عمال ألسكك، والذين عرفوا بتعاطفهم مع ألحزب الشيوعي وبغضهم ألذي تضاعف لحزب ألبعث بسبب ممارساته ألدموية، أسرعوا وأخبروا سائق القطار بطبيعة حمولته البشرية ليسرع بها لإنقاذهم من موت محقق، وتمكن الشرفاء من المواطنين من ابلاغ سائق القطار بطبيعة حمولته بعد ان توقف في احدى المحطات بعد ساعات من بداية رحلته، كما بادروا وابلغوا أهالي مدينة السماوة لإنتظار ألقطار وتقديم ألمساعدة لراكبيه. وهكذا اُنقذ هولاء الضباط من موت محقق ماعدا الرائد يحيى نادر حيث توفى في المستشفى. وما ان وصل الخبر الى اهالي السماوة الطيبين حتى خرجوا نساءً ورجالا وشبابا متحدين بشجاعتهم سلطات 8 شباط الدموية، يحملون معهم المياه والمواد الغذائية لتقديمها للسجناء واسعافهم لانقاذهم من موت محقق، ولولا توجيهات الدكتور رافد صبحي (احد ركاب قطار الموت) ورفاقه من اطباء للمسعفين لكانت نتائج اسعافاتهم عكسية، حيث طلب من المسعفين الامتناع عن سقي المعتقلين بالماء وانما بالماء المركز بالملح لتعويض الجسم بما فقده من املاح. وقد يتسائل البعض عن ألسبب وراء مبادرة عمال ألسكك وسائق القطار لإنقاذ حياة ألركاب المعتقلين، ويرون ان العملية مجرد صدفة وليس فيها اي دافع سياسي او اي حب وتعاطف مع المناضلين، فأقول لهؤلاء أن تعاطف ألشعب مع ألحزب والقوى الديمقراطية وعزلة حكام شباط جماهيريا ومكانة الحزب الشيوعي التأريخية بين عمال السكك هي التي كانت وراء تصرف هؤلاء الشجعان ألمجهولين من عمال ألسكك لإفشاء سر حمولة قطار ألموت، وسيبقى اسم سائق القطار عبد عباس المفرجي خالدا في قلوب ركاب قطار الموت وفي قلوب كل ابناء الشعب العراقي لتصرفه الشجاع وستذكره الاجيال بفخر واعتزاز.


في سجن نقرة السلمان وبين الشجيرات التي زرعناها، محمد الشبيبي وخليل الفخري جالسان
والواقفون من اليمين خلف جودة طيب الله ثراه، خضير عباس (ابو سهيل) وكريم حسين
 

بعد ايام من وصولي بلغت بواجبي في العمل بتهيأة وجبات الشاي للقاعة، وكان عليَّ تحضير ثلاث وجبات شاي يوميا لزملائي في القاعة البالغ عددهم اكثر من 170 زميلا. لقد أحببت هذا العمل وكان كل مايهمني ان اقدم لزملائي شايا صافيا وبنكهة طيبة. فالماء الذي نستعمله كثير الاملاح حتى أن الشرب منه اول الايام يسبب إسهال شديد مصحوب بآلام معوية أحيانا، لذلك ينصح القادمون الجدد بعدم الاكثار من شرب الماء في الايام الاولى، حتى تتعود المعدة على املاحه. يوم خفارتي لتحضير الشاي اهيأ الاواني والماء اللازم من الليل، فأقوم بغلي الماء الضروري لوجبة الشاي الصباحي واتركه لتركد في قعره الاملاح التي يحتويها الماء، لأن هذه الاملاح تفقد الشاي طعمه ولونه الزاهي. احيانا استغل عملي في المطبخ الصغير الخاص بالقاووش لصناعة الروبة (البن) من الحليب الباودر مستفيدا من الحرارة بقرب قدر الشاي، خاصة في الشتاء حيث الجو البارد، كي تساعد وتسرع عملية التخمير. نقوم بإعداد ألشاي وحفظ ألأواني ألخاصة بالقاعة في ملاحق بمساحة 6 متر مربع بنيناها ملاصقة للقاعات من ألجهة ألخلفية ألقريبة للسياج الخارجي. وكان نشاطنا في تنظيم حياتنا اليومية واضحا وذلك من خلال بناء المرافق الضرورية لتسهيل معيشتنا في هذا السجن الصحراوي.

بذلت منظمة الحزب في السجن من خلال ممثلنا جهودا لأقناع إدارة السجن بمطالبنا في توفير الكهرباء والماء للسجن، كانت إدارة ألسجن هي الاخرى تعاني من شحة ألماء. تمكنا أخيرا من الحصول على ألعدة اللازمة لتمديد الكهرباء الى السجن كذلك حصلنا على إمكانية سحب المياه من ابار قريبة ومد أنابيب الماء الى السجن، كانت نوعية الماء رديئة ولا يصلح للشرب بسبب كثرة أملاحه، مما اضطررنا لاستعماله للغسيل والتنظيف فقط، وبذلك نكون قد سهلنا مشكلة كبيرة، كنا نعاني منها وهي شحة ألماء. ونكون نحن سجناء نقرة السلمان أول من أسس الكهرباء والماء في هذا السجن الصحراوي ألمقيت. وهذا لايعني اننا استغنينا عن جلب الماء الصالح للشرب من مسافات بعيدة، وهو ليس صالحا 100% فما يحتويه من املاح ليست قليلة وتاثيرها على الصحة واضحا، ولكنه افضل من الماء الذي توفره لنا الابار القريبة واقل ملوحة منها. لذلك كان ينقل الماء بالتنكرات الى السجن ويقوم الزملاء الخفراء بملأ اواني الشرب الفخارية (ألأحبوب) الموزعة بين القاعات، وتزويد المطبخ بالماء الكافي لأنجاز وجبات الطعام، وتخزين مايحتاجونه في خزانات خاصة. اما الماء الذي تمدنا فيه الابار القريبة فهو لايصلح حتى للأستحمام، لكننا كنا مضطرين للاستحمام به لعدم توفر الماء الجيد، وكان هذا الماء سببا في تساقط شعر رؤوس الكثيرين (طبعا انا واحد منهم)، وحتى الملابس التي نغسلها به لم تتحمل أملاحه، وتهتري بسرعة! اما بالنسبة للكهرباء فلم يكن سجن نقرة السلمان موصل بالكهرباء ماعدا الادارة التي كانت تتمتع بالكهربة وبالماء الصالح ، وكان هذا اسلوبا للأنظمة الأستبدادية للامعان في أضطهاد المناضلين والضغط عليهم. وبجهود ممثليننا لدى الادارة ومطالباتنا المستمرة والدؤبة وبوحدتنا حول التنظسم، تمكنا من اجبار السلطات على الموافقة على تمديد الطاقة الكهربائية الى داخل السجن، فأستغنينا عن الفوانيس واللوكسات في انارة القواويش وبقية الملاحق من الابنية.

كانت أعدادنا في السجن في إزدياد ووصل عددنا الى اكثر من الفين بقليل. ازدحمت القاعات وسبب هذا الازدحام بعض الاحتكاكات والمشاكل بين سكان القاعة ألواحدة. قررنا في قاعتنا، وكذلك في معظم القاعات، ان يتم تحديد عرض فراش كل سجين وقمنا بهذه العملية عدة مرات، حيث نسلم يطغاتنا (فراش النوم) لأحد زملاؤنا الندافين وهو حمد النداف الكربلائي لأعادة ندفها ليصبح عرضها متماشيا مع شروط القاعة، واخيرا تقرر ان لايتجاوز العرض 40 سم، وبامكان القارئ ان يتصور مشاكل ومتاعب هذا ألضيق، خاصة اذا تواجد في ألقاعة مجموعة من كبار السن واصحاب الكروش ويعزفون سمفونياتهم بشخيرهم اثناء النوم، وتكون انت وسط اثنين من العازفين البارعين، أو أذا نشبت ألحرب بين مجموعة وهم يغطون في نوم عميق وبسبب امراض المعدة وطبيعة الطعام تبدأ مدافعهم بالقصف ألعشوائي، وكانت كل هذه الاحداث، بما فيها ألآحلام المسموعة، محل تندر وتعليق من قبل الزملاء الخفراء في الليل، خاصة ان بعض الخفراء يحاول المبالغة وتزويق كلامه ليجعل حديثة مسليا ومشوقا. كان لكل قاعة خفراؤها ليلا، كل خفر عليه ان يتنقل داخل القاعة بهدوء ودون ازعاج النائمين لمراقبة مايحدث في القاعة او تقديم المساعدة لزملائه اذا اقتضت الضرورة، وتدوم الخفارة لساعة، بعدها يوقض الخفر التالي وهكذا تكون الخفارات من الساعة الثانية عشر ليلا وحتى السادسة صباحا ويوميا. ويمارس هذا العمل كل زملاء القاعة. وهناك خفارة اخرى على مستوى السجن بكامله، حيث يتناوب كل ساعة زميلين في الخفارة، مهمتهم مراقبة الاوضاع خارج القاعات وحتى داخل القاعات، وتقديم المساعدات الطارئة اذا ماطلب منهم احد السجناء والتبليغ عن كل حدث غير طبيعي يشاهدونه.

 

يـتـبـع
 


(1) – لاتوجد مصادر تحدد بدقة عدد الضباط المنقولين، حتى ان المنظمة الحزبية في نقرة السلمان للأسف لم تحاول ان تجري احصاء وتثبت العدد بالاسماء وتدون تفاصيل الحدث والمشرفين عليه ودور كل ولحد منهم، وقد ذكر الدكتور الراحل علي كريم سعيد في مؤلفه (العراق البرية المسلحة، حركة حسن سريع وقطار الموت 1963 في الصفحة 250) عدة ارقام من عدة مصادر، منها من كانوا مسؤولون في سلطة 8 شباط كحازم جواد وطالب شبيب وغيرهم، واخرون كانوا من ضمن الضباط المنقولين بالقطار، ورجح الراحل الرقم (1150) الذي ذكره الضابط الطيار عبد النبي جميل، ولاحظت ان كريم سعيد يخلط في ذكر الارقام بين عدد العسكريين الموجودين في سجن رقم واحد في معسكر الرشيد وبين عدد الذين نقلوا بقطار الموت.


¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 23/7/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة