ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 5 )

انقلاب شباط الدامي
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

استيقظت متأخرا صباح الجمعة 8 شباط 1963، على صوت المذياع وهو يذيع البيان الأول للإنقلابيين. لم اركز في البداية على صوت المذيع، الذي كان يقرأ الفقرة الأخيرة من البيان، وحسبت ان هذا احد بيانات عبد الكريم قاسم والتي عودنا عليها في مهاجمة القوى المعادية للثورة، بينما كانت سياسته الفعلية قمع قوى الثورة الحقيقية الديمقراطية والوطنية وارخاء الحبل لنشاط القوى الرجعية والعروبية المعادية لنهج ثورة 14 تموز. وقفت بجانب المذياع لسماع وفهم ما يذاع. وبعد فاصل من الإستراحة مصحوبا ببعض الأناشيد القومية أعاد المذيع تلاوة البيان وهو يعلن: (....لقد تم بعون الله القضاء على حكم عدو الشعب عبد الكريم قاسم وزمرته المستهترة.....) حينها ايقنت أنها حركة إنقلابية وأن الإنقلابيين قد سيطروا على الإذاعة. وهكذا علم كل من في البيت بطبيعة الإنقلاب من خلال تعليقات المذيع واسلوبه في وصف عبد الكريم قاسم، وتجمع الكل حول المذياع لسماع ما يستجد وعلى أمل ان تحدث معجزة وتسترد الإذاعة، وإحباط الحركة الإنقلابية.

كان موقف الحزب الشيوعي واضحا من اي حركة إنقلابية، وهو العمل على إحباطها بكل الوسائل الممكنة بإعتبار أن أي إنقلاب سوف يستهدف المكاسب الوطنية التي انجزتها ثورة 14 تموز، وكان اخر بيان للحزب يحذر من مؤامرة وشيكة ويدعو الشعب لفضح وكشف خيوط المؤامرات التي تحاك ضد منجزات ثورة 14 تموز ومصالح ألشعب. قررت الخروج للإتصال بالحزب لمعرفة حقيقة ألموقف، وقد شجعني والدي على ذلك. التقيت بمسؤولي ألحزبي عند الباب، فقد جاء ليبلغني بتوجيه ألحزب: رفيق ألتجمع في ساحة ألميدان، واجلب معك أي سلاح تملكه! وحشد ألأصدقاء لهذا التجمع. لم افهم من رفيقي مالمقصود بجلب اي سلاح ممكن، وهل نحن على وشك خوض حرب شوارع!! وهل بهذه الطريقة يتم احباط المؤامرة؟؟ واين دور تنظيمات الحزب بالجيش؟ غادرت البيت وكانت تدور في ذهني كل هذه التساؤلات، وبدون أي سلاح لعدم توفره في البيت، وحشدت بعض ألأصدقاء من المنطقة للذهاب والتجمع في ساحة لميدان.
بعد تجمع المئات وقف عباس سلمان (معلم وعضو لجنة مدينة كربلاء للحزب) والقى كلمة مختصرة فضح فيها الإنقلاب واهدافه وطالب المتظاهرين بمقاومة الإنقلاب بالوسائل الممكنة!! واعلن بأن الحزب شكل وفدا لمقابلة عبود الشوك متصرف (محافض) كربلاء وبقية المسؤولين كمدير الأمن ومدير الشرطة لأتخاذ موقف حازم من الإنقلابيين، ومطالبتهم بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين. وتم تشكيل الوفد من فيصل الشامي وابو انعام (معلم ممثلا عن الحزب الوطني الديمقراطي) وفائقة وأعتقد كان ضمن الوفد وجها فلاحيا (ابو عباس او كاظم ناصر). لم يتمكن الوفد من إقناع المتصرف وبقية المسؤولين من إتخاذ موقف صارم من الإنقلابيين أو حتى اطلاق سراح الموقوفين الموجودين في موقف كربلاء. كان موقف المتصرف وبقية المسؤولين يتميز بالمماطلة والإنتظار كي تتجلى لهم الامور ويحسم الوضع لتحديد موقفهم، وهو موقف إنتهازي.

سارت التظاهرة وهي تجوب شوارع المدينة منددة بالمؤامرة الدنيئة للقضاء على ثورة 14 تموز ومنجزاتها الوطنية. جابت التظاهرة معظم شوارع المدينة بما فيها المناطق السكنية المعروفة بتعاطفها مع ألبعثيين والقوميين، وقد تجمع نفر منهم في مناطقهم للتظاهر تأييدا للانقلاب وبعضهم ارتدى ملابس الحرس القومي، وما ان شاهدوا تظاهرتنا حتى هربوا مذعورين، من دون ان تحدث مصادمات. حاول ألحزب القيام بمحاولة للسيطرة على المدينة من خلال ألإعتماد على بعض ألإمكانيات ألمتواضعة من ألتسليح لدى تنظيماته ألفلاحية. وهي محاولة ارتجالية وانفعالية وقد فشلت محاولة ألحزب واعتقلت المجموعة ألفلاحية ( مؤلفة من 7-10 فلاحين بقيادة الفلاح مهدي النشمي) من الحزبيين وأصدقائهم، من قبل شرطة باب العلوة او شرطة الحسينية، وهم بطريقهم الى ألمدينة. تفرقت ألتظاهرة مساء 8 شباط دون حوادث وتصادم مع البعثيين ولا مع السلطة، ومن دون أي توجيهات حزبية عن كيفية مواجهة ألإنقلابيين في ألأيام ألقادمة!! وبالرغم ان الحزب كثيرا ماكان يحذر من المؤمرات التي تحاك ضد ثورة 14 تموز وخاصة التحذير الذي سبق الانقلاب بأيام لكنه فشل في تهيأة منظماته وتمرينها على كيفية مواجهة الانقلاب واحباطه بصورة عملية وبأقل الخسائر.

أكَّد ألإنقلابيون في اليوم الثاني نواياهم ألإجرامية ببيانهم الفاشي، بيان رقم 13 وجاء فيه : (نظرا لقيام الشيوعيين العملاء شركاء عبد ألكريم قاسم في جرائمه بمحاولات يائسة لأحداث ألبلبلة بين صفوف الشعب وعدم ألإنصياع الى ألأوامر والتعليمات ألرسمية، فعليه يخول آمرو ألقطعات ألعسكرية وقوات ألشرطة والحرس ألقومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن. واننا ندعو جميع أبناء ألشعب المخلصين للتعاون مع السلطة ألوطنية بالإخبار عن هؤلاء ألمجرمين والقضاء عليهم) وكانت تعليقات المذيع الحماسية تشجع على القيام باعمال ألإبادة والقتل ألعشوائي قبل اجراء اي تحقيق بحجة مقاومة الانقلاب. لم يكن ألإنقلابيون بحاجة لمبررات لإصدار بيان 13، فهم ابدعوا في إبادة الشيوعيين وكل وطني هب للدفاع عن الثورة من اليوم ألأول، ومازال الكثير منهم ليومنا هذا يتبجحون بجرائمهم، وحتى الذين ابتعدوا عن البعث وكتبوا مذكراتهم يحاولون التنصل من تلك الجرائم وتحميل بعض العسكرين من بعثيين وقوميين امثال عبد السلام عارف مسؤلية الانتهاكات.

اعتقلت صباح 9 شباط وكنت اول المعتقلين في ألمدينة بعد اول حملة اعتقالات منظمة في كربلاء. وأعتقل والدي بعد اربع ساعات وهو في طريقه ألى الخالص ليلتحق بعمله، حيث انزل من ألسيارة التي تقله من قبل ألحرس ألقومي. استمر تجميع ألمعتقلين في مكتب القلم ألسري في مديرية الامن في مركز شرطة كربلاء حتى تجاوز عددنا العشرون، ولم تعد الغرفة تتسع للمعتقلين إضافة إلى موظفي ألأمن بمكاتبهم وهم يقومون بحراستنا. كان أحد ألشرطة السرية لايتورع في ألإعتداء على بعض ألمعتقلين بالضرب والشتائم، وقد ركز في ذلك على والدي كلما دخل او خرج من المكتب، وكان والدي يتحمل اعتداءآته بصبر ويحاول احيان صد ضرباته بيده لكنه لم يحاول اخفاء نفسه وراء الآخرين. ويحاول والدي من حين لآخر ان يستفسر منه عن سبب اعتدائه فيسأله بعتاب: ليش ابني انا رجل بعمر والدك، ماذا فعلت؟ الله يسامحك ويهديك يا أبني!. كنت أرى هذا ألشرطي ألتافه يعتدي على والدي ولايمكنني رده وانا أتألم واغتاظ لسلوك هذا الشرطي القذر، فقررت أن اقف أمام والدي، لكي ابعد والدي عن طريقه. لكن هذا الشرطي إستمر في ضرب والدي وشتمه. من خلال تجربتي الشخصية في معتقلات اجهزة الامن، لاحظت ان الشرطة السرية (شرطة اجهزة الأمن) كانوا معظمهم منبوذين أجتماعيا، ويتم اختيارهم من العناصر الفاشلة في حياتهم الاجتماعية والعملية، فيلجؤون للإلتحاق والعمل كمخبرين في اجهزة الامن السيئة الصيت، وهم بإعتدائهم على المعتقلين السياسيين يحاولون تغطية هذا النقص في شخصياتهم والتظاهر وكأنهم ارفع شأنا من الاخرين ويتحكمون بمصير وحرية المعتقلين. بادر أحد كتاب القلم السري، إسمه جدوع، سبق وكان معتقلا معي في مركز شرطة كربلاء عام 1962 (لم اعد اتذكر سبب توقيفه)، وكان يتعاطف معي في الموقف وكنا نشركه معنا في الطعام وجلساتنا واحاديثنا وتكونت بينه وبيننا زمالة معتقل تركت تأثيرها ألإيجابي في سلوكه. طلب جدوع من والدي أن يقف قريبا منه اي خلف مكتبه ليجنبه هذه ألإعتداءات من هذا الشرطي المستهتر، وكان موقفا نبيلا من موظف يعمل في جهاز ألأمن، ربطتني به علاقة زمالة في الموقف لمدة أيام معدودة.

بعد ان طال احتجازنا وإزداد عددنا وبسبب ارتباك دائرة ألامن حيث برزت قوة ألحرس ألقومي باعتبارها السلطة ألوحيدة لإصدار ألأوامر ألمتعلقة بالمعتقلين واصبح مصيرنا بيد الحرس القومي، حينها بدأت أللامبالاة تسود بين شرطة ألامن. عندما طلبنا أن يسمحوا لنا بالذهاب ألى المرافق ألصحية بعد حجز زاد عن خمس ساعات، أجابنا أحدهم أنهم غير مسؤولين عنا ولايمكنهم تحمل مسؤولية مرافقتنا للمرافق الصحية لقضاء حاجتنا، لأن المرافق الصحية كانت في ساحة المركز وخارج الأبنية الادارية وتتطلب الوصول لها السير مسافة 150 م او اكثر وقريبة من السياج الخارجي. فخيرتهم بين أخذنا ألى المرافق أو ألاضطرار لقضاء حاجتنا في نفس الغرفة، لأننا لم نعد نتحمل، وكان هذا مجرد استهزاء ولم أكن جادا، ولكن شرطة الامن كانوا يعرفون مكانة دائرتهم فوافقوا على أن نتبول فقط في داخل الغرفة!! فكنت أول ألمبادرين في رش بوله على جدران غرفة ألقلم السري لمديرية أمن كربلاء ثم تلاني والدي فهمست باذنه أنها بولة ستسجل في تأريخ مديرية امن كربلا وفي ظل حكم البعث الوحدوي!! وبعد أن بال رابع واحد منا منعوا ألاخرين من مهمة رش ألبول على جدران دائرتهم لأن رائحة البول انتشرت في الغرفة وأوعدونا بأنهم سيتحدثون مع مسؤولي ألحرس ألقومي.

مساء 9 شباط نقل جميع المحجوزين الى الغرفة الأكبر من غرف موقف مركز شرطة كربلاء. وأزدحمت غرفة ألمعتقل بالمعتقلين وتجاوز عددنا الثمانين، من مختلف قطاعات ألشعب من أطباء، معلمين، طلبة، عمال، محامين وفلاحين، ولم تعد غرفة المعتقل تستوعب اكثر من هذا العدد، فهذه الغرفة لم تستوعب في أصعب ألظروف، التي قضيت فيها أيام إعتقالي في عهد عبد ألكريم قاسم، اكثر من عشرين معتقلا. لذلك كان بعضنا يقضي ليله ساهرا متعلقا بالشباك الكبير والوحيد ذو ألرف المنحدر بدرجة 45، وهو غير مريح للجلوس بسبب انحدار رفه. كان ألبعض يفضل إحتلال هذا ألرف ألمائل ليقضي ليلته، مفضلا ذلك على نومه وسط هذا ألزحام، والبعض كان ينهكه ألسهر ويضطر لحشر نفسه بين ألآخرين ويستسلم للنوم. وكم مرة كنا نبحث عن أحدهم ولم نعثر عليه بسبب تكدس هذه ألأجساد ألبشرية على بعضها، وقد حدث هذا مع صكر ألنشمي، وهو طفل لايتجاوز عمره الخمسة عشر عاما اعتقل مع والده ألفلاح مهدي ألنشمي، ولم نعثر عليه إلا بعد أن مدد أحدهم ساقيه دافعا صكر فوق الاجساد المتكدسة، وصكر مازال يغط في نومه! كان ألوضع في ألموقف مزريا مع تزايد عدد ألمعتقلين، ولم يعد المكان يتحمل زيادة ألعدد، حتى أن ألموقف في أليوم ألثالث لم يعد يسعنا ونحن جالسين!


من اليمين انا واخي كفاح ووالدي وعمي محمد علي قبل اعتقالنا

اعتقل أخي الأكبر كفاح في اليوم الثالث، وكان يعمل مدرسا في ثانوية كربلاء للبنين، والذين أشرفوا على اعتقاله طلبته من الحرس القومي من بعثيين وقوميين. زاد وضع الموقوفين سوءاً عندما قرر أوباش الحرس القومي نقلنا أنا وأخي كفاح ومجموعة من الزملاء المعتقلين الى معتقل أخر لضيق المكان ولتهيئته للمعتقلين الجدد حيث ان الاعتقالات كانت مستمرة واعدادنا في ازدياد، قيل لنا أنه سجن بعقوبة، وقد أحضروا الباصات وقت الظهيرة وكانت عوائلنا متواجدة في باب المركز وبدأ صراخ الاطفال وغضب وبكاء النساء يتعالى، فأضطروا للتراجع. وهنا يحضرني موقفا مضحكا مؤلما، يؤشر الى قسوة ولآأخلاقية البعثيين والقوميين من افراد وقادة الحرس القومي وعدم احترامهم لأساتذتهم وكبار السن. كان من بين المعتقلين الاستاذ موسى الكرباسي وهو مدرس في الثانوية او دار المعلمين (لا أتذكر بالضبط)، وكان قادة الحرس القومي واخص منهم عبد الواحد شمس الدين(1) من بين المشرفين على عملية التسفير لأنه آمر الحرس القومي ومسؤول بالمنظمة وكان المسؤول الاول في حزب البعث، ولما تأخر الكرباسي لأنه لم يعثر على حذائه من بين عشرات الاحذية المكدسة، صرخ عبد الواحد حاثا استاذه السابق الكرباسي على الاسراع ليلتحق بالمنقولين لأن الباصات تنتظره، وكان منظر الكرباسي وهو يرتدي طقمه ورباط العنق وبقدمين حافيتن وبضخامة جسده يبعث على الحزن والاسف في ان يعامل التلميذ استاذه بهذه الطريقة المذلة! فقال له الكرباسي متوسلا: استاذ عبد الواحد قابل اخرج حافي، لم اعثر على حذائي؟؟؟ فرد عليه عبد الواحد صارخا : نعم اخرج حافي!!

يتبع


(1) عبد الواحد شمس الدين كان مسؤول حزب البعث في كربلاء وكان آمر الحرس القومي، وبعد انقلاب 18 تشرين الذي قام به عبد السلام عارف وتعرض حزب البعث لنكسة بسبب جرائمه، راجع الكثير من القادة البعثيين سياستهم وتجربة حكمهم الدموي في عام 1963 واتخذوا مواقف متباينة من تلك السياسة حتى ان البعض منهم ابتعد كثيرا عن حزب البعث، وسمعت ان عبد الواحد ابتعد وتعرض لمضايقات حزب البعث.

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الخميس 22/6/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة