ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 29 )
ثالثا ـ الاتحاد الوطني الكردستاني ـ بداية العلاقة وتطوراتها
بعد انهيار الحركة المسلحة الكردية آذار 1975، تأسس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1976. وتشكل الاتحاد في حينها من منظمة كومله – الحركة الاشتراكية الكردستانية – خط بان – الهيئة التحضيرية (محمود عثمان)، وانتخب جلال الطالباني امينا عاما للاتحاد.
وباشر الاتحاد نشاطه في كردستان على سفوح جبل قنديل قرب الحدود العراقية الايرانية. اما الحزب الديمقراطي الكردستاني، فقد بادرت نخبة من الشباب من المثقفين لاعادة التنظيم وشكلوا القيادة المؤقتة. وقد إنحصر وجودها في بعض المناطق الحدودية مع تركيا كما جرت الاشارة سابقا.
ومنذ الايام الاولى للجوء رفاقنا الى كردستان، قدم الاتحاد الوطني الكردستاني وبشخص امينه العام كل التأييد والدعم لرفاقنا. ويوما بعد اخر تعمقت علاقاتنا الثنائية وتطورت نحو الافضل. وبحكم علاقتنا المتميزة مع اوك تمكنا من تخفيف حدة الخلافات بينه وبين الحزب الاشتراكي الكردستاني الموحد ، بعد انشقاق رسول مامند من الحركة الاشتراكية وأنظمام د. محمود عثمان اليه ، حيث تم تشكيل الحزب الاشتراكي الكردستاني الموحد.
الا ان الخلافات سرعان ما برزت بيننا وبين اوك اثر انظمامنا الى جبهة جود التي جمعتنا مع الاشتراكي والديمقراطي الكردستاني، في الوقت الذي كنا ضمن الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية (جوقد). وتصاعدت تلك الخلافات الى حد الاقتتال عام 1981، حينما حاولت مفارز اوك الاعتداء على مفرزة مشتركة لجبهة جود، فأضطر رفاقنا الى الإنخراط في معركة دفاع عن النفس. وخسر الاتحاد تلك المواجهة التي ادت الى اسر عدد من مسلحيه (اطلق سراحهم فيما بعد).
لكن بعد ذلك عادت علاقاتنا مع اوك الى حالتها الطبيعية. وتواصلت اللقاءات بين قيادتي الحزبين، واستمرت مقراتنا قريبة من مقراتهم (كان مقرنا في نوكان قريبا جدا من مقر الطالباني في ناوزنك).
پشت آشان ـ عربون للبعث
بعد انتهاء اجتماع ل.م في نوكان بدأت الاستعدادات للانتقال الى الموقع الجديد بشت آشان التي اختيرت لتكون مقرا عاما لقيادة الحزب، وموقعا لعقد المؤتمر الوطني الرابع.
غادر الرفيق سكرتير الحزب الى الخارج على امل العودة ربيع 1983 لعقد المؤتمر. في تلك الفترة اتسمت علاقاتنا مع اوك بكونها طبيعية، كما ذكرت قبل قليل. الا ان معلومات بدأت تصل الى قيادة الحزب كانت تشير الى اتصالات سرية تجري بين السلطة و(اوك )، وان ( اوك ) يبدي حماسا لتطوير علاقته بالسلطة. لكن قيادة الاتحاد – وكما هو متوقع – كانت تنفي تلك الاخبار وتؤكد على انها مجرد اشاعات لتشويه سمعة اوك.
اخيرا استقرت المقرات الحزبية، اي مقر م.س و مقر معم ومقر تنظيم الداخل في قرية پشت آشان المهجورة. ووُزعت السرايا في اطرافها لحراسة المقر العام وحمايته. لكن من الناحية العملية لم يكن بمقدور تلك السرايا تقديم اي عون للمقر فيما لو قطع عنها الطريق بسبب بعدها عن المقر اساسا. ولا اعرف اي عقل عسكري قرر ان تكون هذه المنطقة مقرا عاما لقيادة الحزب ويكدس فيها كل الكادر العامل في التنظيم والاعلام والاذاعة ... الخ.
تقع قرية پشت آشان على السفح الجنوبي لجبل قنديل. ويجري فيها جدول صغير. وتحيط بها الجبال من ثلاث جهات بإستثناء جنوبها. وفي الشتاء تحول الثلوج من اجتياز تلك الجبال حيث تنقطع الطرق بينها وبين ايران او القرى العراقية الواقعة شمالها، بمعنى ان المنطقة تصبح معزولة ومحاصرة تماما وساقطة من الناحية العسكرية اذا تمت السيطرة على الواجهة الامامية. وهذا ما حدث بالضبط حينما احتلت قوات اوك قرية "اشقولكا"، فأمسى موقع پشت آشان موقعا عسكريا ساقطا.
ان حسن النية التي تعامل بها رفاقنا في قيادة الحزب تجاه اوك، وهو يتهيأ لتوجيه ضربته الخاطفة والغادرة لحزبنا، لا يمكن ان تبرر اطلاقا، خاصة بعد ان وقعت بأيدينا رسائل متبادلة بين قادتهم ( وسنأتي على ذكرها بالتفصيل لاحقا).
في 5 شباط 1983 عقد اجتماع مشترك بين حزبنا واوك وعلى اعلى مستوى حيث ترأس وفد اوك جلال الطالباني، وترأس وفد حزبنا الرفيق كريم احمد. ودرس الاجتماع العلاقة بين الحزبين وسبل تطويرها وصدر بلاغ عن ذلك الاجتماع والذي سمي ب " الاتفاق الاستراتيجي". وخرج رفاقنا ممتلئين بالتفاؤل بتحسن العلاقات مع اوك.
في يوم 11 شباط ، اي بعد ستة ايام فقط من " الاتفاق الاستراتيجي "، تعرضت مفرزة من رفاقنا تحمل البريد الحزبي الى المقر لاعتداء غير متوقع من قبل مجموعة مسلحة من اوك. وكانت حصيلتها استشهاد ثلاثة رفاق واسر اربعة اخرين. حصل ذلك دون اي سابق انذار وقبل ان ينشف حبر " الاتفاق الاستراتيجي ".
وبعد الحادثة ايضا لم ينتبه رفاقنا في قيادة الحزب السياسية والعسكرية. واعتبروا ان ما حصل كان مجرد حادث عفوي وغير مدبر. ولم تتخذ القيادة اية اجراءات للرد على اوك، او حتى اجراءات احترازية لتهيئة الرفاق ولو فكريا للاستعداد والحذر. بل جرى النقيض من ذلك. هيئ اوك المناخ الملائم داخل تنظيماته ومسلحيه لتنفيذ ما كان يخطط له. ففي رسالة لـ( نوشيروان) مرسلة الى سيد كريم مسؤول المركز الرابع ومؤرخة في 13 / آذار / 1983، عثر عليها رفاقنا من قاطع اربيل عند سيطرتهم على مقر المركز الرابع، يقول فيها " انت تعرف كم احب هؤلاء !! ( ويقصد الشيوعيين وانصار جود ) انت تعرف رأيي ، انا لست من مؤيدي المعارك المحدودة طويلة الامد دون برنامج لتصفية مباغتة وانهاء المعارك في وقت قصير. لقد تكلمت بواسطة اللاسلكي مع علي وبقية الاخوان وسألتهم هل بأمكاننا تصفيتهم مثل الجيش الاسلامي الكردي خلال بضعة ايام وبعدد من المعارك ؟".
بهذه الذهنية كان قادة اوك يتعاونون مع الاحزاب الاخرى وخاصة حزبنا. أما نحن فكنا في غفلة من امرهم، ونستبعد قيامهم بأي عمل غادر. من هنا لا يمكنني الاقتناع بأن حادثة 11 شباط كانت مجرد امر عفوي وغير مدبر. ولم يتوقف اوك عن ممارساته للغدر برفاقنا، واستمرت محاولاته لافتعال اية مسببات للقيام بهجومه الغادر لتصفية الحزب بأكمله.
وعند الرجوع قليلاً الى الوراء وتتبع تسلسل الاحداث، وبالضبط الى حيث كان رفاقنا الانصار في قاطع اربيل ( وكان مقرهم في وادي باليسان )، فقد كانت سرايا ومفارز القاطع تتجول بحريتها وبسهولة فائقة في سهل اربيل وتدخل المدن وتضرب مواقع المرتزقة ورجال المخابرات والقوى الامنية ، ولم تفلح السلطة في ابعادهم عن المنطقة رغم كل اجراءاتها العسكرية.
وفي منطقة باليسان ، حدث نقاش حاد بين انصارنا وبين بعض منتسبي اوك ، وتطور بشكل حاد الى نزاع مسلح قتل فيه اثنان من كوادر اوك، فكانت الحادثة افضل ذريعة إستغلها اوك لتنفيذ مخططه، وكمهمة تتوجب القيام بها وهو في طريقه الى خيمة السلطة.
لقد حصلت حوادث اكبر واخطر من تلك الحادثة وتم حل الخلافات حينها بطرق هادئة. الا ان اوك كان ينوي هذه المرة تصفية الحزب فعلا، والا فأن اي رد فعل على الحادثة كان مفترضا ان يكون في منطقة اربيل بالذات. لكن تصفية الحزب تتطلب من اوك شن هجوم كاسح على مقرات قيادة الحزب.
ودون ان ينتبه مكتبنا العسكري، حشد اوك مسلحيه بأتجاه پشت آشان تحت قيادة نوشيروان. وبطبيعة الحال لم تُتخذ اية اجراءات لدرء المخاطر وتقليل الخسائر ومن خلال تخفيف المقرات ووضع خطة طوارئ مناسبة للدفاع والانسحاب في حالة الاضطرار.
تم اختيار صبيحة الاول من ايار ليكون موعدا للهجوم الشامل والمباغت الذي دشن في منطقة اشقولكا حيث يستقر انصارنا وانصار الحزب الاشتراكي الكردستاني ويتهيئون للاحتفال بعيد العمال العالمي.
كان القتل ، والقتل فقط هو هدف المهاجمين. فقد استشهد العديد من رفاقنا قبل ان يشهروا اسلحتهم بوجه المهاجمين. واستمر الهجوم على بشت آشان حيث فوجئت المواقع في (ايني) و(اندژه) و (پولي) وغيرها، وسقط المزيد من الشهداء واغلبهم من الكوادر غير المسلحة والعوائل وعدد كبير من رموز العلم والمعرفة ومن حاملي القلم. ولم ينجو من تلك المجزرة سوى الذين توجهوا الى جبل قنديل المغطى بالثلوج. وكان اغلب الشهداء من الرفاق العرب القادمين من محافظات الوسط والجنوب ليساهموا مع رفاقهم الاكراد في النضال ضد الدكتاتورية ومن اجل الديمقراطية للعراق والحقوق القومية العادلة للشعب الكردي. لقد سقطت الرفيقة عميدة عذيبي ( احلام) اول شهيدة على ايدي من يدعون انهم سيحررون كردستان !!!
وفي مثل هذا الوضع الحرج والخطر جدا، قرر الرفيقان واحمد بانيخيلاني ترك موقع بشت آشان قبل دخول مسلحي نوشيروان اليها، يرافقهما في الانسحاب عدد كبير من الكوادر الحزبية بإتجاه منطقة روست. الا ان مسلحي اوك استمروا في ملاحقتهم ونصبت امامهم العديد من الكمائن ، ليصطدموا بأحد الكمائن. وبقرار من الرفيقين كريم وبانيخيلاني سلموا انفسهم كأسرى جميعا تلافيا للاصطدام المسلح ، وتفاديا لوقوع المزيد من الخسائر.
ولكن هدف الهجوم كما كان واضحا لم يكن الا من اجل التصفية الجسدية. لذلك بدأ مسلحو اوك بإطلاق النار على الرفاق الاسرى، فسقط في الحال 25 شهيدا. واقتيد الاخرين كأسرى حرب ومن بينهم الرفاق كريم وبانيخيلاني وقادر رشيد، حيث سيقوا الى المقر العام لاوك في ژه لي ليودعوا السجن هناك.
لقد تجاوز عدد شهدائنا في پشت آشان 65 رفيقا. وقام رفاقنا مضطرين بتدمير الاذاعة والاسلحة الثقيلة ، اضافة الى انقطاع الجميع عن الصلة مع المركز. الا ان الاخبار كانت تصلنا عن طريق حدك وعبر اذاعة اوك، ومنها جاءنا نبأ الاتفاق الذي وقعه جلال الطالباني مع كريم احمد بإيقاف القتال ليزيد من المأساة. فقد كان الرفاق في وضع نفسي صعب للغاية بسبب الخسائر الجسيمة التي مني بها الحزب. فما زالت جثث شهدائنا متناثرة هنا وهناك دون ان يتمكن احد من دفنها. ان التبريرات التي قدمها الرفيق كريم احمد لا يمكن ان تقنع اجدا، فقد وقع الاتفاق لدرء مخاطر الهجوم على قاطع اربيل حسب تصريحاته، متناسيا بأن عدد الانصار في هذا القاطع قد تجاوز الـ 700 نصير وهم من اشجع المقاتلين ولديهم قيادات ميدانية متمرسة. ولو كان بأمكان اوك كسب المعركة لما تردد في شن الهجوم على رفاقنا .
لقد تم التوقيع ، عندما كان الرفيق كريم في الاسر وهو بهذه الحالة يفتقر لاية معلومات عن وضع الحزب ووضع قاطع اربيل ايضا، اضافة للضغط النفسي والمعنوي ونتيجة ما لمسه من مظاهر الغدر والانتقام. وربما جاء ذلك لرغبة صادقة بإنقاذ ما تبقى من قوى لدى الحزب.
اما موقف بهاء الدين نوري فلا يمكن تبريره اطلاقا. فقد كان عضوا في اللجنة المركزية ومسؤولا عسكريا وحزبيا في قاطع السليمانية، وبعيدا عن الاحداث من الناحية الميدانية، ومع ذلك اقدم على توقيع معاهدة "عدم الاعتداء والتعاون" بين القاطع واوك في قرية (ديوانه). وسميت بأتفاقية ديوانه ونصت على التعاون بين الطرفين وعدم الاعتداء، وكأن الرفيق مستقل بذاته. ان القيام بمثل هذا العمل وعن وعي وادراك يعتبر خرقا للمبادئ، وكانت احد اسباب طرده من الحزب، حيث لم يحض موقفه ذاك بأي تأييد، لا من قاعدة الحزب ولا من قيادته.
في مثل هذه الظروف المعقدة والمتشابكة والانكسار العسكري الخطير، انسحبت قيادة الحزب مع الكوادر وعدد من الانصار الى منطقة لولان عبر الاراضي الايرانية. وكان قاطع اربيل قد انسحب قبلها الى روست وليلكان. ونتيجة لذلك مرت تنظيمات الحزب وانصاره وكوادره بوضع فكري سئ للغاية. ونشط الذين كانوا ضد اسلوب الكفاح المسلح اساسا لتعميق المأساة والتأثير على الانصار لترك ساحة النضال في كردستان.
تحت ضغط تلك الاحداث وبتحريض وتشجيع من بعض الرفاق في قيادة الحزب، تشكلت هيئة لدراسة طلبات الرحيل الى الخارج. وكان اغلب اعضاء هذه الهيئة من مؤيدي ومشجعي الذهاب الى سوريا ، دون ان تبذل اية جهود تذكر لاقناع الرفاق بالعدول عن موقفهم. وبدأت قوافل المتوجهين الى سوريا عبر بهدينان ، لتعكس حالة انهيار كامل، لدرجة ان فلاحي المنطقة تناقلوا اخبارا تشير الى ان الحزب الشيوعي قد قرر ترك كردستان.
ولم تستمع الهيئة المكلفة بتسفير الرفاق الى ندائنا بالتأني قليلا لنتمكن من استيعاب الاعداد الكبيرة وتنظيم تسفيرها. واخيرا تمكنا من تسفير 309 رفيقا ورفيقة عبر بهدينان. ولا يشمل هذا العدد الرفاق الذين توجهوا الى الخارج عبر ايران، او الذين تركوا ساحة النضال ورجعوا الى قراهم في كردستان. وقد وصل العدد الاجمالي الى قرابة 500 نصير .
يتبع¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |