ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

رحيل الأصدقاء .. إستذكار وأحتفاء بالصديقين علاء وزياد

قلوب من ذهب .. عراقيون حد النخاع

 

عامر حنا فتوحي

كنا لا نتجاوز أصابع اليد الواحدة الكاتب الكبير والفنان الفوتوغرافي اللامع علاء الدين محسن التميمي ، الفنان التشكيلي الرائع زياد مجيد حيدر ، المهندس النحات السماري بن مسلم (أعتقل عام 1979م بسبب إنتمائه للحزب الشيوعي وخرج بقرار عفو عام) وأنا ضيف غرفة التحقيقات الدائم الذي تنطبق عليه العبارة العراقية (يومية جاك الواوي وجاك الذيب) ، كانت علاقاتنا الأخوية من نوع خاص ، وذلك قبل أن أتعرف بالكاتب اللامع الدكتور صفاء صنكور والشاعر المخملي فاروق يوسف والفنان الكرافيكي الكبير برهان صالح كركوكلي (أعتقل في كركوك بتهمة الإنتماء للحزب الشيوعي وزج به في الأمن العامة حتى أصيب بمرض في القلب) وأخيراً النحات القدير محمد حسين عبد ألله .

كنا ، علاء المهوس بالماركسية وأنا المهوس بالمستحيل نقضي نهاراتنا في الجامعة أما أمسياتنا فكانت في حانة سرجون الملاصقة لشارع أبو نواس أو في غرفة علاء في الطابق العلوي من منزلهم المجاور لبيتنا في شارع هويدي / الكرادة الشرقية التي كانت تحتوي على مختبر للتصوير ومنضدة للكتابة ، كان علاء مولعاً بإختبارته في مجال الفوتوغراف وكتابة القصة ، فيما كنت أنا غارقاً في لجة التاريخ الرافدي وإستقراء تجارب التشكيليين الكبار ، وفي أحيان كثيرة كنا نقوم بسفرات إلى شمال العراق وجنوبه متزودين ببضعة دنانير وزجاجتي عرق ورغبة عارمة في إكتشاف المجهول . شجعني علاء على الكتابة في الصحف بعد أن عرفني على الكاتبين اليساريين جهاد زاير وسعيد القدسي ، مثلما نصحني عام 1976م إرجاء تقديم معرض شخصي على قاعة عرض جمعية الفنانين الناطقين بالسريانية لعدم نضج تجربتي الفنية وقتذاك ، وكان علاء دائماً نعم الأخ والصديق الحقيقي ، حتى سافر أواخر عام 1978م إلى القاهرة ثم إلى الرباط أثر توقعه حدوث تغييرات قادمة ستودي بالعراق إلى غياهب الظلام ، ومع أنني لم أوافقه أو أستجيب لإلحاحه بمغادرة العراق سوية ، إلا أنني ساعدته على الخروج من العراق ، بل كنت ووالده (رحمه ألله) العم محسن جودي آخر من صحبه إلى المطار .
غادر علاء لكن علاقتنا الأخوية بقيت قوية ومتينة فكنا نواصل نقاشاتنا الساخنة بواسطة البريد وفي أحيان نادرة عبر الهاتف ، تلك النقاشات الحارة التي تذكرني بنقاشات الأيام الخوالي في بغداد حيث كنا نبدأها في من مقهى البرلمان أو المقهى البرازيلية وأحياناً كنا نبدأ حواراتنا الساخنة في حانة ما أو قاعة عرض تشكيلي أو مسرح أو أمسية للفرقة السمفونية الوطنية ، ثم نواصلها ونحن سائرين على الأقدام حتى نصل بيت علاء القريب من شارع أبو قلام إذا ما سلكنا شارع السعدون أو بيتنا إذا ما سلكنا شارع أبو نواس ، وغالباً ما كنا نحتد ثم نتوقف عن الكلام حتى لو كنا في منتصف الطريق أي قرب ساحة الجندي المجهول العتيق (ساحة الفردوس فيما بعد) ، مع ذلك وبرغم توقفنا عن الكلام كنا نواصل سيرنا سوية صامتين حتى نصل بيت علاء أو بيتنا فيقول أحدنا للآخر (تصبح على خير) ، وفي اليوم الثاني كنت أقف بباب منزلهم أو أجده بباب منزلنا لنذهب سوية إلى الجامعة .. أنقطعت أخبار علاء عني أثر شفاءه من مرض خبيث ألم به ثم عدنا فتواصلنا لبعض الوقت ، وذلك بعد سفره وأبنه فارق وزوجته جيان للعمل في قطر التي لم تعجبه والتي شبهها بأناس صحراويين في علبة سردين مكيفة ، فعاد إلى المغرب لكي يتوفى فيها بصمت !!

عندما سمعت صدفة بخبر وفاة علاء بعد فترة طويلة من رحيله أتصلت بالأخت إنعام كجة جي في باريس فأكدت لي صحة ما سمعته ، أخرجت صورته التي كنت قد رسمتها له عام 1995م كمونتيف لقصة قصيرة نشرتها مجلة الشرق بعنوان (حقول العتمة) ورحت أتأمل فيها فلم أستطع أن أغالب نفسي وبكيت ، لم يكن بكاءً حاراً فقد تعودت منذ وفاة والدتي (رحمها ألله) كيف أسيطر على دموعي ، كانت بضعة قطرات لكنها كانت خلاصة روحي ، فقد كان علاء وبحق أخي الروحي وصديق لا يتكرر وثروة ثقافية عراقية سيعاد إكتشافها في قادم الأيام .

اليوم وفيما أنا أتنقل بين صفحات الإنترنيت ، إستوقفني خبر رحيل صديق عزيز آخر هو الفنان التشكيلي العراقي الكبير زياد مجيد حيدر ، (قلب كبير من ذهب وفنان عراقي من الطراز الأول) . لم تكن معرفتي بزياد في أكاديمية الفنون الجميلة إلا معرفة سطحية ، لكنها إزدادت متانة بحكم عمله كمصمم في دار الأزياء العراقية التي كانت تبعد شارعين عن منزلنا في الكرادة الشرقية ، وكنت قتذاك أشغل منصب رئيس قسم الفنون التشكيلية في مجلة فنون فيما كان تعييني المركزي كمهندس في دائرة الخطوط الجوية ، كنا غالباً ما نقضي نهاراتنا نحتسي البيرة (إبتكار عراقي أصيل) في حانة المرايا ونكمل عصراً في إتحاد الأدباء أو جمعية التشكيليين العراقيين . كان زياد يختلف عن بقية معارفي وقتذاك فقد ولد في عائلة كبيرة تتألف من أحد عشر أخ وأخت وكانت إحدى شقيقاته مهندسة زميلة لنا في الخطوط الجوية العراقية ، كنت أزوره أحياناً في بيته في الصليخ لا سيما بعد أن أشتريت سيارة متواضعة من نوع فيات 128 ، لكننا كنا نقضي الكثير من الوقت في النقاش وتحليل الأوضاع التي كان فيها زياد بحكم ثقافته الشيوعية أبعد نظراً مني وأوسع أفقاً في المجال السياسي .
وإن أنسى فلا أنسى مطلقاً مواقفه الأخوية الصادقة معي ، فعندما قررت أن أقيم معرضي الشخصي الأول عام 1981م ، وذلك في ذروة تصاعد حدة الحرب العراقية الإيرانية فكرت بالعرض في أحدى القاعات الفنية الرئيسة ، لكن زوار معرض الفنان العراقي الكبير محمد مهر الدين أصابني باليأس ، عندئذ قال لي زياد : لماذا لا تعرض في مكان يتوفر فيه جمهور دائم لا سيما وأن الصحف العراقية ستكتب بالحتم عن معرضك ، بخاصة وأن مجلة فنون هيّ التي ترعى المعرض ، فقمت بمفاتحة رئاسة الجامعة التكنولوجية التي أعطتني قاعة متحف الجامعة ، فكان معرضاً ناجحاً حافلاً بالزوار ، وكان زياد معي كل الوقت يد بيد وخطوة بخطوة ، دلني على أنسب الأماكن لإقتناء الإطارات ، قمنا بعد ذلك بتأطير اللوحات سوية ، نقلناها سوية ، وفي يوم الإفتتاح كان واقفاً في باب القاعة يستقبل الزائرين بإبتسامته العذبة وفي يده كتلوك المعرض ، ولم يكتف بذلك حيث كتب مقالاً نشر في مجلة فنون حمل طابع زياد الصريح وموقفه من الفن والعالم .
وفي يوم حصولي على جائزة النقاد في مهرجان الواسطي الرابع عام 1984م عن لوحة شرق التي تم نهبها من المتحف عام 2003م ، كان دخولي إلى قاعة المتحف الوطني للفن الحديث متأخراً ، فجاءني زياد وسلم عليّ وهو يقبلني ويهنئني ويقول : مبروك عامر حصلت اليوم على جائزة متميزة ، كان زياد هو الفنان الذي حصل على جائزة المعرض الثانية مع أنه كان يستحق دونما نقاش الجائزة الكبرى للمعرض .
وفي معرضي لعام 1985م المعنون (بيت الجنون) كان غياب زياد مراً ، فقد حكم عليه النظام البائد بالإعدام شنقاً حتى الموت (لتبوله على أحدى جداريات صدام المنتشرة في الساحات العامة) ، لكن عفواً عاماً مكنه من تنسم نسمات الحرية من جديد ، مع أن أيام التعذيب الطويلة قد ألحقت به أذاً جسدياً كبيراً ولاسيما في عموده الفقري مما حرمه من نعمة الحصول على طفل ، وفي ذات يوم بينما كنا جالسين في مرسمي ، كان زياد يقلب أحد الأعداد القديمة لمجلة فنون ، وإذ به يقول لي عامر أنت فعلاً مجنون . أستغربت وقلت له ماذا تقول ؟ ، أجابني كيف تكتب موضوعاً عني وأنت تعلم بأنه قد حكم عليّ بالإعدام ؟ قلت له وماذا في ذلك ؟ ، فقال : يا أخي بعض من يتسمون اليوم بالأصدقاء أمتنعوا حتى عن إلقاء التحية عليّ لمدة عام بعد خروجي من المعتقل !! . فأجبته بعبارة عراقية موجزة (كلمن وحليبه) .
وفي معرضي الشخصي الرابع في قاعة ثيرفانتس في عمان عام 1994م ، وقف معي زياد مرة أخرى ذات موقفه الأخوي معي في عام 1981م ، كان كالمكوك الذي لا يهدأ حيث فعل الكثير من أجل ضمان نجاح المعرض ، وكان نجاح معرضي كبيراً ، فأعتبره زياد بمثابة نجاح له ، بل أنني كنت أحسه أكثر فرحاً مني . شربنا كثيراً ليلة ذاك ، وفي اليوم الثاني جاء إلى بيتي في دوار الحاووز في اللويبدة حيث كان يسكن أول شارعنا (شارع عبد المحسن الكاظمي !) ، تغدينا سوية ثم قال لي : عامر أريد أن أرسم صوراً شخصية لأطفالك (كنت أعرف محبة زياد للأطفال) فقلت له حسناً ، فبدأ برسم صورة أبني سومر ثم إنليل وننار ثم صورة أبنتي أوروك وما أزال حتى اليوم أحتفظ بتلك الرسوم الرائعة التي تكشف عن أستاذية لا تخفى . في تلك الأيام كنا نقضي بعض المساءات في ستوديو زياد إذ لم يعد بيتي الصغير في اللويبدة بعد إستقدامي لعائلتي من بغداد يوفر لنا حرية الشرب المشفوع بالنقاشات الساخنة وبخاصة إذا ما كان برفقتنا الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي الذي طلب مني وقتذاك أن أرسم له مجموعة قصائد عن صديقة مغربية أسمها سلمى ولم أتمكن من تنفيذها بسبب سفري ، كما كان برفقتنا أيضاً الناقد كفاح الحبيب الذي لم يكن ليفوت تلك الجلسات ، وكذلك صديقنا الرسام محمد فرادي والصديق العزيز أمين الخميسي (أبو فادي) الذي كان قد خرج للتو من المعتقل بقرار عفو عام بعد سنوات من التعذيب بسبب إنتمائه للحزب الشيوعي .
وعندما حصلت على عقد للعمل في الولايات المتحدة ، كنت أعمل رئيساً للتصميم الفني في مؤسسة أفيوني الناشرة لمجلة النورس السياحية وكانت المجلة بحاجة ماسة إلى مصمم فنان قادر على أن يعوض تركي للمؤسسة ، فأبلغت رئيسها بأن زياد فنان كبير وبأنه أكثر دراية مني في مجال التصميم وأوسع خبرة ، والحقيقة كان وجود زياد في تلك المؤسسة التي أحبه جميع العاملين فيها مكسب للمؤسسة قبل أن يكون لزياد . كان زياد آخر الأصدقاء الذين بقوا معي يوم سفري من عمان ، بل أنه أصر على مرافقتي حتى المطار لمساعدتي ، وبعد أن قبل أطفالي أحتظنني بمحبة أخوية صادقة وأوصاني بنفسي وبالعائلة خيراً .
والحق لم تنقطع أخبار زياد عني إلا مؤخراً ، وذلك أثر تعرضه لنكسة شخصية وأفتراقه عن زوجته (تلك الإنسانة العراقية الرائعة الحنونة) وأنتقاله من عنوانه السابق . رحل زياد لكنني لن أنسى مطلقاً ، أنني كنت يوماً ما غريباً في عمان وصادف أحد الأيام مناسبة عيد ميلاد (أبني سومر وأبنتي أوروك) ، طرق زياد الباب علينا طرقات خاصة كان أطفالي يطربون ويرقصون لها ، ثم دخل حاملاً أربع وردات وأربع أصابع شيكولاته (نستله) وهو يقول بمرح (عيد ميلاد سعيد يا حبايبي يا أطفال العراق) .
لن أبكي زياد ، لن أبكي زياد ، بل سأكتب عنه وعن فنه الرائع ما حييت ، لن أرثي علاء أو أبكي زياد ، الحق أنني أحتفظ منذ سنوات بزجاجة عرق ، وأعتقد أنني اليوم سأشرب نخبكما أيها الصديقين الرائعين علاء الدين محسن وزياد مجيد حيدر .

لعلاء وزياد الرحمة وللعراق الذي نحمله (أينما شالتنا الدنيا أو حطت بنا) وشماً لا يمحى ورئة (لا نتنفس إلا بها) ، لن أقول وداعاً أيها الأصدقاء أو ألله يرحمك يالعراق ، بل أقول : كل عام وأنتم ملح العراق وزاده وزواده ، كل عام والعراق وأنتم في حدقات العيون .

الثلاثاء 21/2/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة