ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

من الذاكــرة

أيام صعبـة بإتجـاه الوطـن
3

فائز الحيدر

كانت استراحتنا هذه المرة اطول من المعتاد استمرت عدة ساعات ، واصلنا بعدها السير بعد منتصف الليل ، نسيم الهواء البارد في أعالي الجبال يخفف من التعب والعرق بعض الشئ ، علينا المواصلة طيلة كل هذه الليلة حتى صباح يوم غد حيث استراحتنا ستكون كالعادة على أحدى القمم الجبلية , الصخور الصغيرة المتناثرة على الأرض تجعل من الصعب علينا السير بشكل اعتيادي تتخللها تعثر أرجلنا وسقوط بعضنا نتيجة لأجسامنا المتعبة وأرجلنا المتورمة ونحن نحسب الساعات لبزوغ الفجر .
الساعة تقارب السادسة صباحا" ، هذه هي نقط الأستراحة . بلغنا بالهدوء وعدم التدخين ، أخذنا راحتنا وتناولنا ما تبقى من الأكل وبعض النباتات والحشائش البرية ، علينا الأستعداد بعد ذلك لمواصلة الرحلة بأتجاه موقع الأنصار التالي الذي من المتوقع ان نصله مساء" كما يؤكده دليلنا . ساعات مرهقة من السير طيلة النهار وسط طبيعة شبه خضراء وشمس ساطعة . حتى وصلنا الى منطقة سناط التي تسمى بالسريانية ( أسنخ ) الرائعة في جمالها وبالسلاسل الجبلية المرتفعة التي تحيط بها أشجار الغابات المختلفة ولكن لا وجود للبشر فيها ، فقد هّجر النظام الفاشي اهلها في فترة السبعينات واعتبرها منطقة عمليات عسكرية . الوصول الى قرية سناط العراقية المهجرة يعتبر بحق مجازفة كبيرة بحد ذاته حيث الألغام والربايا العسكرية فوق القمم الجبلية المشرفة على الوادي الذي نسير فيه وقرب عين الماء المرصود من قبل الربيئة حيث عادة ما تقصف هذه العين عند مشاهدة اية حركة يرصدها الجنود . وسبق ان سمّمت عيون الماء في هذا الوادي من قبل السلطة وفي أماكن عديدة يتردد عليها الأنصار وعلينا الـتأكد من نظافة الماء قبل الشرب منه وللأنصار خبرة في ذلك .
بعد استراحة قصيرة انتشرت المفرزة بين الصخور والأشجار مع تنبيه مسؤول المفرزة بعدم التدخين وإشعال النار وعدم الحركة . احد الرفاق بادر الى التدخين مخالفا" التعليمات راميا" عقب سكارته على الأرض بدون أكتراث وبسبب عدم وجود الخبرة مما ادى الى أحتراق الأعشاب الجافة مسببا" دخانا" ممكن مشاهدته عن بعد معرضا" الجميع لمخاطر كبيرة ولكن سرعان ما تمت السيطرة عليها ، تركنا عين الماء مسرعين ونحن على يقين ان الربيئة قد رصدت حركتنا وشاهدت الدخان عن بعد . وبعد مرور حوالي عشرة دقائق بدأت قذائف المدفعية تسقط على المنطقة المحيطة بعين الماء ولا ندري فيما اذا كانت مفرزتنا هي المستهدفة بهذا الرمي من قبل الربيئة التي تراقب عين الماء بأستمرار أم لا ولكن الحـظ لعب دوره هذه المرة في نجاتنا من الموت المحتم ولخطأ يعتقد البعض من الأنصار أنه بسيط بسبب قلة التجربة والأستهانة بالتعليمات .
قبل غروب الشمس بقليل من يوم 18 / آب / 1983 وصلنا الى أول محطة أنصارية للحزب داخل الأراضي العراقية وهي ( محطة وادي كيشان ) القريبة من الحدود التركية.... ظهر الأنهاك والهزال على الجميع ، الأرجل متورمة ولا نعرف كيف حملتنا طيلة الأيام الماضية ، وجدنا صعوبة في خلع احذيتنا ، ظهرت على أقدام بعض الرفاق الجروح المتقيحة ، عشرات من رفاق المحطة المسلحين يرحبون بنا على سلامة الوصول ويوفرون لنا الماء البارد للشرب والساخن لأرجلنا المتورمة .
في ذلك الوادي وعلى القمم المحيطة به وعن بعد كنا نرى الربايا الحكومية ، وفي مدخله شاهدنا مناظرا" ملـئت قلوبنا حزنا وأسى ، بقايا حاجات العوائل التي تركت الوادي وهربت من الهجوم التركي في آيار 1983 الذي شمل تلك المنطقة بسبب الأتفاقية الأمنية بين تركيا والنظام السابق والتي تنص على دخول جيوش البلدين الى داخل كل بلد لمسافة اكثر من عشرة كيلومترات لمطاردة البيشمركة والأنصار في كلا البلدين ، شاهدنا ملابس الاطفال بألوانها الزاهية وفرش النوم البالية وكثير من الأفرشة الممزقة ، وحول منابع الماء الغزير تركت تلك العوائل المزارع البسيطة التي زرعتها للتزود بالخضراوات وللتغلب على حالة الحصار العسكري والأقتصادي المفروض على المنطقة من قبل الحكومتين العراقية والتركية . قضينا ساعات في تلك الخرائب لغرض ايجاد وسيلة للأستحمام بعد رحلتنا الطويلة ، لم يكن عدونا في وادي ( كيشان ) هو القوات العراقية أو التركية التي تقصف المقر بشكل متواصل فحسب بل البعوض والازعاج الذي يسببه وافضل طريقة للتغلب عليه هو بابقاء النار مشتعلة في روث الحيوانات وما ينبعث منه من دخان يحول دون اقتراب البعوض .
بعد أستراحة قصيرة تناولنا العشاء الآنصاري كالعادة وهو عبارة عن طماطم مقلية بالدهن مع رغيف خبز وقدح من الشاي وهذا افضل ما يقدم للأنصار في مثل هذه المواقع وبعد ذلك جاء من يحدثنا :
ـ رفاق عليكم ان تواصلوا مسيرتكم عند منتصف الليل ولا يمكنكم المبيت هذه الليلة هنا ، عليكم التهيأ للمواصلة بعد أخذ قسط من الراحة بأتجاه القاطع ، موقعنا خطر ولا يسع لرفاق آخرين .
ـ ولكن يا رفيق عليكم أن توفروا لنا أقدام جديدة بدل أقدامنا المتورمة ... أنظر الينا هل نستطيع السير ونحن على هذا الحال وهناك بعض الرفاق يحتاجون علاج لجروحهم المتقيحة .
كان المنظر مؤلم لمسؤول الموقع العسكري وهو ينظر الى تقيح بعض الجروح .....
ـ حسنا" رفاق لننتظر يوم آخر لتأخذوا قسطا" أكبر من الراحة فقد يتحسن وضعكم الصحي ، سأتصل لاسلكيا" بالقاطع لأبلغهم بالأمر وعدم تمكنكم من المواصلة لهذه الليلة .
تزودنا بالماء وبرغيفين من الخبز ووسط القصف المدفعي المتقطع ودوريات السمتيات العراقية والتركية على محيط الموقع واصلت مفرزتنا السير في الساعة الخامسة عصر اليوم التالي 19 / آب / 1983 مرورا" ببعض القرى المهجرة والبساتين المحروقة نتيجة قصف يوم امس ولا زالت النار مشتعلة في بعضها ، كان سيرنا أحيانا" يتم في بعض الشوارع الترابية التي فتحت لأغراض عسكرية وأحيانا" أخرى وبهدوء بين الربايا العسكرية التي تحكم السيطرة على الطرق الرئيسية وأحيانا" اخرى بين الأشجار على جانبي الطريق .
الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل ، علينا هذه الليلة ان نعبر الشارع العام المزفلت المحروس بشدة من قبل الربايا العسكرية ودوريات الجيش وهو آخر شارع نشاهده طيلة اربع سنوات لاحقة حيث تعتبر المنطقة ساحة عمليات عسكرية ، تعرضت المفرزة عدة مرات لأطلاق نار من قبل الربايا المتناثرة على جانبي الشارع العام المقرر عبوره الى الجهة الأخرى مما أدى الى تشتت المفرزة وأبتعاد النصير أبو مازن عن المفرزة لأكثر من نصف ساعة وسط الشجيرات العالية والأدغال بسبب الكثافة النارية التي وجهت صوبنا ولغاية ألتحاقه بنا ثانية . أنتظرنا طويلا" قبل ان يتم عبورنا بسلام الى الجهة الأخرى من الشارع بسرعة .
مرت عدة ساعات ووسط نباح الكلاب بعد منتصف الليل دخلنا احدى القرى القريبة التي لا أتذكر أسمها وقد خيم عليها السكون وكأنها مدينة اشباح سوى من الضوء المنبعث من الفوانيس عبر النوافذ الصغيرة لبيوت هذه القرية ومنها بعد ساعتين دخلنا ناحية صغيرة تدعى ناحية باطوفة ، حيث سبقنا في الوصول الى هذه القرية مفرزة من الأنصار يتجاوز عددهم العشرين نصيرا" كانوا في مهمة عسكرية في المنطقة ، بعد مشاورات مع ركائزنا في هذه الناحية تقرر قضاء الليل والمبيت في مسجدها الواقع في طرفها الغربي المحاذي للجبل وأتخذت كافة الأحتياطات اللازمة ووزعت الحراسات بين الرفاق ، كانت ليلتنا قلقة ونومنا متقطع رغم الأنهاك الذي اصابنا لسماعنا اخبار عن تواجد الجحوش(1) في القرى المجاورة للقرية ومن المتوقع مهاجمة الناحية في أية لحظة فيما لو وصلت لهم معلومات من عملائهم في الناحية بتواجد مفرزة من الأنصار فيها وعادة ما يهاجمون مواقع الأنصار فجرا" وقبل شروق الشمس .

غادرنا القرية فجر يوم 20 / آب / 1983 وتم انتشارنا على الجبال المحيطة بالناحية حتى شروق الشمس ، حيث جائت التعليمات لمواصلة السير بأتجاه مقر الفوج الثالث التابع لقاطع بهدنان ، بعد أن ودعنا الأنصار في المفرزة الأخرى لمواصلة عملياتهم العسكرية ، بعد ساعات طويلة من السير الشاق دخلنا احدى القرى الصغيرة ، أستقبلنا سكانها الفقراء وغالبيتهم من النساء والأطفال والشيوخ وهم يسألون ان كان معنا دكتور حيث تعود سكان القرى ان يكون هناك طبيب في مفارز الأنصار التي تدخل قراهم ، بادر احدهم بكلمة نعم لدينا طبيب وهو يؤشر بأتجاهي ، فوجئت بالأمر ، سبق لي ودخلت دورات طبية بسيطة في القامشلي وكلفت بحمل مجموعة من الأدوية المختلفة معي للطريق وأستعمالها عند الحاجة وفعلا" تم الأستفادة منها ، تجمع سكان القرية حولنا ، لحسن الحظ لم تكن طلباتهم صعبة ، قدمنا لهم ما يمكن تقديمه من أدوية وأرشادات حول كيفية استعمال حليب الأطفال وعلاج بعض الجروح ثم غادرنا القرية على عجل ، الوقت الأن ما قبل الظهر بقليل ونحن في أرض مكشوفة ، علينا هذه المرة عبور نهر الخابور سيرا" على الأقدام ، ، النهر سريع الجريان وعمق الماء يصل لحد الورك أحيانا" ، ارض النهر حصوية مغطاه بالأشنات والأعشاب النهرية ومن الصعب السير عليها ، يتحتم علينا هذه المرة خلع أحذيتنا ووضعها حول الرقبة وأبقاء الجواريب لتساعدنا على منع التزحلق على الحصى أثناء العبور ، ثبت حبل بين الطرفين وبدأنا بالعبور وكل واحد منا يمسك بالحبل و يتبع رفيقه ، لم تأخذ عملية العبور منا أكثر من نصف ساعة حتى اصبحنا في الطرف الأخر منه .
ساعات من السير السريع في منطقة ذات تلال متفاوتة في الأرتفاع وارض وعرة وصلنا الى مقر أنصار الفوج الثالث لقاطع بهدينان في ( وادي هصبة ) والمجاور لجبل متين الشاهق الأرتفاع بعد ظهر نفس اليوم ، الوادي طويل جدا" وسط جبلين شاهقين ، الأرض وعرة جدا" ويملئ مدخل الوادي ضخور كبيرة متساقطة من سفح الجبلين ، بيوت مهدمة متروكة ، طريق السير الوحيد هو ما تركته أقدام الأنصار والبغال على مدى سنوات طويلة في هذا الوادي ، ربية عسكرية على قمة جبل بعيد تسيطر على مدخل الوادي وترصد كل حركة فيه ، وصلنا مقر الفوج داخل الوادي بعد مسيرة تجاوزت الساعة من مدخله ولم يكن حاله أفضل من موقع كيشان ، فبعد دقائق من وصولنا أستقبلتنا المدفعية العراقية بقصف مدفعي مركز وبقذائف عيار 152 ملم اضافة الى صواريخ الكاتيوشا ، ويبدو ان الربيئة التي تسيطر على مدخل الوادي قد لاحظت حركة غير عادية بدخولنا الوادي وأعطت التوجيهات بالقصف ، أستمر القصف لأكثر من نصف ساعة وعلى فترات متقطعة ترحيبا" بوصولنا كما يبدو ، كانت القذائف تسقط على قمم الجبال المحيط بمقر الفوج وبعيدة عن مواقعنا دون ان تسبب اية اصابات أو أضرار حيث تعوّد انصار الفوج على ذلك ، ومن المضحك أن البيشمركة (2) في المنطقة والأنصار في مقر الفوج كانوا يستفزون الربيئة احيانا" بأيقاد نار كبيرة في وسط الوادي وامام الربيئة خاصة في عيد نوروز لمعرفة فيما اذا كان جنود الربيئة يراقبون الوادي عبر اجهزة الرصد ام لا ، أحيانا" يكون الرد فوري بالرمي العشوائي وأحيانا" يرسلون رسائل شفوية او مكتوبة عبر وسطاء من القرويين يفهم منها لا تستفزونا رجاء تحركوا على راحتكم ولكن اتركونا وشأننا فنحن متعبين ، كانت رسائلهم تدل على الخوف من أقتحام الأنصار لربيئتهم . ألتقينا هناك ببعض الرفاق الذين نعرفهم من قبل ومنهم الرفيق النصير ابو واثق حيث كان آخر لقاء لنا معه في مدينة القامشلي وقبل عدة أشهر . في اليوم التالي من وصولنا غادر بعض رفاق مفرزتنا مقر الفوج الثالث فجرا" وكانت محطتهم القادمة مقر قاطع بهدينان .
بعد عدة ايام من الأستراحة وصلت برقية الى مقر الفوج تطلب فيها ارسالنا للعمل في الأعلام في القاطع والنصيرة ام سوزان للطبابة حيث سبق ودخلت دورات طبية مكثفة في المستشفيات في سورية قبل توجهنا الى الوطن ، غادرت والنصيرة ام سوزان ونصيرين آخرين مقر الفوج بأتجاه مقر القاطع مرورا" ببعض القرى المهدمة في شريط برواري بالا ، بساتين الفاكهة احرقتها مدفعية وطائرات النظام الدكتاتوري ولا زالت النار تشتعل بها ، طائرات النظام السمتية تجوب المنطقة بين الحين والأخر ويتوجب علينا الأسراع في السير في طرق ملتوية وبين الأشجار المتباعدة والصخور الكبيرة لتجنب مهاجمتنا من قبل الطيران والربايا المنتشرة على طول الطريق المؤدي الى مقر القاطع . في وسط الطريق وقرب موقع الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكردستاني ( حدك ) قررنا الأستراحة لبضع الوقت ، أخذنا بعض الراحة وعملنا الشاي ونحن في منطقة آمنة نسبيا" ، غاب عنا الرفيق ( أبو... ر.. ) لفترة ومن ثم سمعنا أصوات تبادل اطلاقات نارية وصوت صياح وشتائم متبادلة لا نعرف مصدرها ، أصابنا القلق وأعتقدنا اننا وقعنا في كمين معاد لكن علمنا من النصير الأخر المرافق لنا بعد حين ان رفيقنا قد تناول مشروب محلي كان قد خبأه في مكان ما في الطريق وظهـرت عليه علامات السكر ودخـل منطقـة تفتيش تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني ( لحدك ) قريبة من مكان استراحتنا واشتبك معهم واعتقل من قبلهم وتم اطلاق سراحه بعد ان عرفوا هويته .

كندا / آذار / 2007

يتبع


1 ـ الجحوش ..... من كلمة جحش ، وباللغة الكوردية تكون ( جاش ) وهذا تعبير ساخر يحمل استهانة وعدم احترام الشعب الكوردي لابناء جلدتهم الذين يشكلون قوام وحدات المرتزقة التي يديرها التظام الديكتاتوري تحت اسم ( قوات الفرسان )
2 ـ بيشمرركه ..... كلمة كردية حرفيا" تعني " قدام الموت " ، أي الفدائي الذي يضع روحه على كفه ، ويقابلها في اللغة العربية كلمة " الأنصار" المعروفة ، والتي تستخدم كثيرا في ادبيات الحزب الشيوعي العراقي والقوى السياسية الديمقراطية ،
3 ـ الصور المرفقة هي صور حقيقية أخذت أثناء الرحلة نفسها ولنفس الأنصار في فترة الأستراحة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى
 

الأربعاء 21/3/ 2007

| أرشيف الذكريات  |