ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(5)

 

جليل حسون عاصي

الفصل الثاني


(1)
في بداية العطلة الصيفية للعام الدراسي 1957/1958 كنت في حينها قد تخرجت من دار المعلمين الابتدائية في بعقوبة وأنتظر تعييني بعد انتهاء العطلة الصيفية وإبتداء العام الدراسي الجديد عندها قرر أخي الكبير السفر إلى سوريا ومن هناك إلى موسكو بعد ان وعده الشهيد (عبد الرضا الحاج هويش ) على مساعدته بالحصول على زمالة دراسية وفعلا سافر إلى سوريا بعد ان باع بيت العائلة في الحي وامّنَ لنا موردا يكفي لأعالتنا لحين تعييني وبعد انبثاق ثورة 14 تموز 1958 حصل أتفاق بين جميع العراقيين الموجودين في سوريا وأغلبهم من اللاجئين السياسيين بالعودة إلى العراق لحاجة البلد إلى مثل هذه الطاقات ، ونظرا لرغبته في بناء مستقبله بعيدا عن العائلة أخذت اخوتي إلى الحي وسكنت هناك بعد صدور أمر تعييني معلما في احدى مدارس مركز مدينة الحي وبعد أستقراري في المدينة منحت شرف عضوية الحزب لان قيادة الحزب اصدرت قرارا في حينه بمنح المرشحين عضوية الحزب بمناسبة الثورة تثمينا لنشاطهم ،عملت في جميع الخطوط التنظيمية ، المعلمين ـ الطلبة ـ الفلاحين ، والحي كما هو معروف مدينة مناضلة لها دور مشرف ومشهود في العمل الوطني ، انخرط عدد كبير من ابنائها عربا واكرادا في النضال الوطني والطبقي ، وتركوا بصماتهم واضحة على غالبية الجماهير في الريف والمدينة ، بل امتد تأثيرها إلى ناحية قلعة سكر التابعة إداريا إلى الناصرية ويعود ذلك لسببين على ما اعتقد الاول سيطرة عائلة إقطاعية من اشرس العوائل في العراق متمثلة بعائلة آل ياسين تضم كل من الأخوين عبد الله الياسين وبلاسم الياسين وهما يتمتعان فضلا عن ملكيتهما الواسعة للأراضي الزراعية كونهم رؤساء قبيلة ( مياح) ومن النواب المزمنين في المجلس النيابي العراقي ، ولهم روابط متينة برجالات الدولة انذاك وهذا بالتاكيد يعطيهم قوة اضافية تشجعهم على ممارسة كل اساليب النهب والقهر والاستعباد ، فغالبا ما تكون حصة الفلاح خلال موسم زراعي كامل ربع إنتاجه الزراعي ، وان اراد الانتقال إلى محل عمل اخر ، فعليه ان يدفع ما بذمته من الديون ـ وهي باهظة لا يستطيع دفعها او جزء منها ، وان يكون رحيله بعد زراعة الارض وتهيئتها لحين جني الحاصل دون ان يحصل على حبة واحدة من الشعير والحنطة ، وان جازف احد في حياته وحياة عائلته وانتقل إلى مكان اخر طلبا للعمل ، فلا يجد من يسمح له بالعمل في ارضه خوفا من جبروتهم لذلك نجد الفلاحين مضطرين لقبول هذا الواقع ومتحملين كل اعمال السخرة والسجن والتعذيب والقتل ، وحتى الاعتداء على محرماتهم في حالات عديدة ، ولم تقتصر هيمنتهم على الريف فقط بل تعدته إلى المدينة ، فقد حالوا دون توسعها شبرا واحدا على حساب اراضيهم الزراعية مستغلين المانع الطبيعي من جهة الغرب ( نهر الغراف ) وحفروا ترعتين واحدة جنوب المدينة والاخرى شمالها اما من جهة الشرق فقد شيدوا سورا من الطين يرتبط بالترعتين من الشمال والجنوب ، وهكذا احاطوا المدينة كما يحيط السوار بالمعصم ، والويل كل الويل لمن تجاوز السور وسولت له نفسه اخذ حفنة واحدة من التراب ، ويروى الكثير من ابناء المدينة قصصا تفوق الخيال عن الاعتداءات التي تعرض لها العمال الذين يتسللون عبر السور لاخذ حاجتهم من التراب ، وغالبا ما يكون هؤلاء من اصحاب العربات التي تجرها الخيول ، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى عزل المدينة عن الريف ومنع الاختلاط والتعامل بين الطرفين في عمليات البيع والشراء خوفا من تسرب الافكار الثورية بين الفلاحين ، فقد عمدوا على فتح محلات في الريف يتبضع الفلاحون ما يحتاجونه منها وغالبا ما يدفعون ازلامهم لاهانة ابناء المدينة وفي احدى المرات اقتحموها واعتدوا على ابنائها وهم يزاولون اعمالهم الاعتيادية مما ادى إلى جرح عدد كبير منهم كانت حالة اربعة عشر منهم خطيرة نقلوا في حينها إلى مستشفى حماية الأطفال في مدينة الكوت ، اما السبب الثاني فيعود إلى وجود قيادة واعية مخلصة شجاعة، تمثلت بقيادة الرفيق الشهيد ( علي الشيخ حمود ) الذي لعب دورا رئيسيا في نشر الوعي السياسي من خلال احتكاكه المباشر مع الجماهير اينما وجدوا في العمل في المقهى في الدواوين المنتشرة في المدينة انذاك ، في حفلات السمر التي تقام في ليالي الصيف على ضفاف نهر الغراف والتي تصدح فيها الاصوات الريفية الجميلة ذات الطابع الحزين للتعبير عن الامهم ومعاناتهم على الطريقة المعروفة ( الطور الحياوي ) وهو من الاطوار الشائعة في الغناء الريفي، وكان يستمع خلال هذه اللقاءات إلى حاجة المدينة للخدمات الاجتماعية المحرومة منها ، فيناقشها معهم ويضع الخطط المناسبة للنضال من اجل تحقيقها ، ولم يتأخر لحظة واحدة عن مساعدة الآخرين وحل مشاكلهم ، فقد تمكن من أصلاح عشرات الشباب المتمردين وحولهم إلى مناضلين حقيقيين ضحوا براحتهم واموالهم وعوائلهم وحتى بأرواحهم من اجل قضية شعبهم ووطنهم ، وغرس فيهم قيم جديدة تتناقض مع السلوك الفوضوي الذي دابو عليه وكان يتعامل مع الآخرين ببساطه وتواضع وبأسلوب قريب إلى مداركهم وباللغة التي يفهمونها مستغلاً كل مناسبة دينييه او وطنيه او أمميه لتحريك الجماهير ووضعها في صميم الحدث يجيد النكتة السياسية ويستخدمها بشكل لبق للتقليل من هيبة الحكومة ورفع معنويات الجماهير . ويحرص على أستثمار كل فرصة من أجل تطير نفسه ورفاقه فقد روى البعض ممن كانوا معه في موقف الرستمية عندما كان معتقلا مع مجموعه من رفاقه من ابناء مدينة الحي على اثر انتفاضة تشرين عام 1952 قوله ( ان السجن هو محطة استراحة في طريق المناضل الثوري ، وعليكم ان تستغلوا هذه الفترة لتطوير انفسكم ثقافيا و فكريا لان الحياة السجنية تخلق القادة اذا ما استثمرت بالشكل الصحيح ) وكان يحظى بحب واحترام الجميع بمن فيهم أعدائه ، فذات مرة استدعاه الإقطاعي المعروف ( مهدي بلاسم الياسين ) الذي حل محل عمه وابيه وأخذ مكان الصدارة في العائلة عندما علم بوجوده في الريف القريب من مضيفه وجرى نقاش طويل بينهما أمام عشرات الفلاحين ، اعجب به وبشجاعته ولم يتخذ أي اجراء ضده رغم علمه انه موجود لتنفيذ مهمة حزبية ، وكبر في عين الجميع عندما رفض تناول طعام الغذاء الذي اعد على شرفه كونه من جهد الفلاحين وعرقهم ، كان متفائلا بالمستقبل حتى آخر لحظات حياته فقد اعتلى المشنقة رابط الجاش مبتسما مودعا اهله ورفاقه وابناء مدينته طالبا من زوجته تسمية الجنين الذي في بطنها ان كان ذكرا باسم (علي) مرددا ما قاله الرفيق فهد قائد الشيوعيين العراقييــن ( الشيوعية اقوى من الموت واعلى من اعواد المشانق ) وكان اخر ما نطق به وهو يلف الحبل حول رقبته صوتا مجلجلا هزّ المدينة من اقصاها إلى اقصاها الوداع .... الوداع يا أبناء الحي البواسل ) إلاّ إن الجو الإرهابي الذي تعرضت له المدينة بعد إجهاض الإنتفاضة أثّر على وضع المنظمة الحزبية كثيراً فقد تقلصت من الناحية العددية وانحسر نشاطها السياسي والجماهيري لاستشهاد سكرتيرها واحد ابرز قادتها، واعتقال وتشريد العشرات من اعضائها وكادرها ، فضلا عن تشديد المراقبة على المدينة من قبل الاجهزة القمعية بالتعاون مع الاقطاعيين واعوانهم الذين يتحينون الفرص للايقاع بها ، كل هذا جرى بالتنسيق مع الحكومة المركزية التي تكن العداء الشديد لها ويظهر - ذلك جليا من التصريح الذي ادلى به وزير الداخلية ( سعيد قزاز ) والذي اكد فيه على مسح قضاء الحي من خارطة العراق ، وغالبا ما يتندر أهالي المدينة على هذا التصريح بـ ( قزى حي مو لزوم ) لان الوزير كان من إخواننا الأكراد الاّ ان الذي جرى هو ان سعيد قزاز اعتقل وقدم إلى محكمة الشعب الذي حكمت عليه بالاعدام ونفذ الحكم به فعلا وبقيت مدينة الحي شامخة ، إلا أنها ظلت تئن من جراحاتها حتى ثورة 14/تموز/1958 لقد أستبشر أبناء مدينة الحي بالثورة وشاركوا بشكل فعال في تأييدها والوقوف الى جانبها والتطوع لحمايتها ، وأنطلقت الجماهير في مسيرات ومظاهرات جابت شوارعها وكان من المفروض أن تبادر المنظمة الحزبية لأستغلال الحرية النسبية التي تحققت بعد ثورة 14 تموز والاستفادة من الرفاق الذين اطلق سراحهم من سجن بعقوبة بعد الثورة ومن بينهم العديد من الكوادر الحزبية التي تمتلك خبرة تنظيمية جيدة وتاريخ نضالي رائع لمعالجة جراحاتها واحتواء الجماهير التي اندفعت لأول مرة للعمل السياسي إلا انها أنشغلت وللأسف في صراعات حادة تمحورت حول قضايا ذاتية صرفة ، مما مهد الطريق امام احد الكوادر الحزبية المدعو ( محسن الشيخ حمود ) الذي عاد من منفاه في سوريا مستغلا مكانته الاجتماعية ومكانة اخيه الشهيد ( علي الشيخ حمود ) يتشكيل تكتل معاد للحزب والمنظمة وعمل تحت عناوين مختلفة مرة تحت قيادة ( سليم جلبي ) احد قادة الحزب سابقا والذي عاد من سوريا ايضا واصدر عدة بيانات هاجم فيها الحزب وقيادة الرفيق الشهيد سكرتير الحزب ( حسين احمد الرضي ) "سلام عادل "واخرى تحت اسم حزب الجبهة الوطنية ، وثالثة مغازلة الحزب الوطني الديمقراطي وانضمام البعض منهم إلى صفوفه ، في حين فضل الباقون ترك العمل السياسي والانصراف إلى اعمالهم الخاصة ، ولكن بعد فوات الآوان حيث حصل هذا أبان الهجمة الشرسة التي تعرض لها الحزب على أثر خطاب قاسم في كنيسة ماري يوسف أواسط عام 1959 وهكذا انتهى هذا التكتل بعد ان اخذ مأخذه من المنظمة التي عانت من التصدع والانحسار ومع هذا حققت المنظمة انجازات كبيرة في توعية الجماهير ورصد التحركات المعادية للثورة وتنظيم الجماهير في منظمات نقابيه وديمقراطية وفي الجمعيات الفلاحية ،واهم من كل هذا الاسراع في ابرام العقود بين الفلاحين والأصلاح الزراعي على الاراضي التي تم الاستيلاء عليها والتي كانت بحوزة الاقطاعيين من آل ياسين وأضعاف نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي إلى ابعد الحدود . الا ان كل ما تحقق لا يتناسب مع تاريخ المدينة النضالي المشرف .

يتبع


¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 21/1/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة