ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 4 )

ثورة 14 تموز والانتكاسة
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

خلال الايام الاولى من اعتقالي شاهدني بالصدفة عقيل، وهو زميلي في الصف الرابع العلمي، وجاء لمركز الشرطة ليرى والده، وهو معاون شرطة في المركز. شرحت له سبب اعتقالي ورأى اثار الضرب والكدمات وتعاطف معي. كان عقيل احد زملائي بالصف، وكان مفرط السمنة وكثيرا مايمزح معه زملاؤه مزحا ثقيلا لأثارته والسخرية منه ولم يكن قادرا على الرد من سخرياتهم او تجنبها، كان طيب القلب متسامحأ مع من يخطأ ويسخر منه، وكنت كثيرا ما أنتقد الاخرين على أسلوبهم الساخر منه واحيانا اضطر للرد عليهم بإسلوبهم الساخر، وفي احد الأيام تحدثت مع أستاذ العربي، رضا مرتضى، وشرحت له مايعانيه عقيل من معاملة كلها سخرية من زملائه ورجوته ان يتحدث بالصف عن ذلك علهم يغيرون أسلوب تعاملهم معه. وفعلا تحدث الاستاذ وانتقد اسلوب التعامل هذا وكثير من الزملاء تأثر واستجاب لحديث الاستاذ رضا مرتضى. مساء نفس اليوم زارني والد عقيل وطلب مني ان اوقع على طلبا لحاكم التحقيق كتبه باسمي للافراج عني بكفالة ووقعته. بعد يومين استدعيت للتحقيق من قبل مدير الشرطة وبحضور مفوض الامن لطيف، كان كل التحقيق يدور عن طبيعة علاقتي بعقيل ووالده. لم يقتنعوا ان عقيل كان مجرد زميل لي في الصف. ومن اسلوب طرح الاسئلة علي وما تتضمنه من معاني مبطنة ومباشرة احسست ان مديرية ألأمن تحيك امرا سيئا للإيقاع بوالد عقيل لموقفه النبيل إتجاهي. كان كل تفكير مفوض ألأمن لطيف هو كيفية ألإيقاع بوالد عقيل كي يثبت ذلك لمسؤوله ألإداري مدير شرطة كربلاء، فكانت كل ألأسئلة تدور عن علاقتي او علاقة والدي بمعاون الشرطة (والد عقيل)، وهل نتزاور وكلها اسئلة مكررة وبصيغ مختلفة، وكان جوابي واحد وثابت وهو الحقيقة، وهو ان عقيل زميلي لا أكثر وليس لوالده اية معرفة مع عائلتي، وان والد عقيل تصرف معي بنبل وشهامة إستجابة لرجاء ابنه لمساعدتي وقد رأى اثار التعذيب على وجهي، وان موقفه اتجاهي هو تعبير عن الأمتنان لي وتقديرا لزمالتنا، وهو موقف انساني نبيل. بعدها لم أرى عقيل ولا والده خلال وجودي ثلاثة اشهر في موقف شرطة كربلاء. عندما خرجت من السجن سألت زميلي صباح ناجي نامق عن عقيل وهو جار له فاخبرني ان والد عقيل بعد محاولته لمساعدتي نقل كعقوبة له الى مدينة اخرى!! ولم تسنح لي ألفرصة خلال تلك ألسنوات لتقديم شكري وأمتناني لعقيل ووالده على موقفهم النبيل والشجاع، فشكرا لعقيل ووالده على نبلهم وشهامتهم، واعتذاري لهم لما لاقوه من إساءة بسبب ذلك.

في مركز شرطة كربلاء توجد غرفتان متقابلتان، يفصل بينهما ممر عرضه اقل من 3م، والغرفتان متفاوتتان في ألمساحة. كنا ننقل من غرفة لأخرى، حسب رغبة مديرية ألأمن. اعتقل معنا شخص يدعى سعد ..... من أهالي كربلاء، بقضية تحرش أخلاقي. كان سعد يتفاخر أمامنا كونه حاول ألتحرش بمعلمات يسكن سوية في بيت مستأجر، لأنهن من مدن أخرى. ألمعلمات قدَمن شكوى للشرطة ضد سعد، فلم تفعل الشرطة شيئا، كونه من عائلة لها نفوذ وألمعلمات ذات توجه ديمقراطي وهو يدعي بتبنيه (الفكر العروبي ألأسلامي)! ولسوء حظ سعد، كان شقيق إحدى ألمعلمات ضابطا في وزارة ألدفاع. تمكن هذا ألضابط من إصدار أمرا بتوقيف سعد من ألحاكم ألعسكري ألعام (محمد صالح العبدي). لهذا لايمكن ألإفراج عنه إلا بأمر من ألحاكم ألعسكري، وهذا ماعجزت عنه عائلته. لكن ألعائلة وفرت له ظروفا مثالية في ألموقف. كان معظم ألليالي يشارك ألمفوض ألخفر في ألسهر وتناول ألخمر، ويعود للموقف في آخر ألليل، ويدعي بممارسته الجنس مع إحدى ألمومسات بالأشتراك مع المفوض ألخفر، حيث ألأخير يوفر له جو ماجن ليلي ! كان هذا ديدنه يوميا، ويحاول دائما إستفزازنا والتطاول على ألحزب، مستقويا بعلاقاته مع مسؤولي الشرطة. وهكذا كان تصرفه مع الموقوفين ألجنائيين، مما أغاض أحدهم (عبد الواحد) المتهم بقضية قتل والد زوجته، ولم يعد عبد ألواحد يطيق تصرفاته، وهو يرى مايجري ليلياً واهتمام مأموري الشرطة به، إضافة لتمادي سعد باستهتاره ألمستمر، بينما يجد علاقاتنا الرفاقية ذات الطابع الانساني وبساطة حياتنا وما نحمله من هموم شعبنا، واهتمامنا بالموقوفين وتنظيم حياتهم. فقرر عبد ألواحد، بعد أن إستسمحنا لإضطراره لذلك، بأنه سيؤدب سعد ومسؤولي الشرطة من مأمورين خفر!! ليلا وبعد عودة سعد من سهرته وكان مخموراً، هجم عليه عبد ألواحد بنعاله المرصوص بقطع حديدية (النعلجات) وأشبعه ضربا. كان سعد يصرخ ويطلب تدخل ألشرطة ويشتمنا، متهمنا بالتحريض. وكان الجواب الوحيد لصراخه واستغاثته ان يهوي نعال عبد الواحد بقوة على رأسه ووجهه ويشتمه ويطلب منه أن لايذكرنا بسوء لأننا نشرفه. لقد لاقى هجوم عبد الواحد على سعد ارتياحا من قبل الموقوفين الجنائيين، وكان البعض منهم تجمع امام باب الموقف ليحجز الرؤية اذا ماقدم حرس الموقف لمعرفة مايحدث والبعض الآخر كان يمزح بصوت عال كي يغطي على صراخ سعد ولا تسمع استغاثته. لما جاء ألحارس وإستدعى ألمفوض ألخفر، كان سعد منهارا ولايقوى على ألوقوف والدماء تسيل من رأسه. وتسائل ألمفوض عما يحدث، بادر عبد الواحد قائلا: سيدي يوميا يرجع وهو يشتمنا ويدعي أنه يشرب الخمر مع المفوض ألخفر ويمارس ألزنا بموافقة ومشاركة الخفر، وهذا حرام سيدي ولازم يتأدب وهو بذلك يسيء اليكم ويشوه سمعتكم وسمعة المركز!!. كان ألمفوض ألخفر مخمور، واحس بالأحراج وبالموقف الصعب الذي وضعه فيه سعد وحماقته، وحاول تهدأت الموقف واسكات عبد الواحد واخرجه لإسعافه، ومن ثم نقله للموقف ألمقابل. ومنذ ذلك أليوم لم يعد سعد يخرج للسهر ليلا، كما لم يجروء ألمفوض بمعاقبة عبد الواحد، خوفا من ألفضيحة.

في ايار من عام 1962 احلت الى المجلس العرفي الثاني برئاسة شمس الدين عبد الله. سُفرت الى موقف شرطة سراي بغداد، كان الموقف يتكون من ثلاثة غرف متساوية بالمساحة ومصفوفة في صف واحد. واحدة لذوي الجنايات العادية، والوسطى للقوميين والبعثيين والثالثة للديمقراطيين والشيوعيين والغرف مفتوحة الابواب وتطل على ساحة صغيرة لرياضة المشي. وجودي في الموقف بين السياسيين الديمقراطيين مع صغر سني جلب الانتباه واثار فضول البعض لمعرفة سبب اعتقالي. سألني احد الاكراد عن سبب اعتقالي فشرحت له حكاية البيان والعريضة وحملة التواقيع التي جمعتها من اجل المطالبه بالحل السلمي للمشكلة الكردية. كنت اتوقع انه سيثمن تضحيتي هذه من اجل القضية الكردية وفاجأني بغضبه واتهامي كوننا جبناء وتابعين لعبد الكريم قاسم، وتدخل بعض الزملاء ونهروه وابعدوه عني. كان موقف الحزب من القضية الكردية غير مقبول لامن السلطة ولا من الحركة القومية الكردية. فالاكراد توصلوا الى موقف نهائي وهو انه لايمكنهم تجنب ألاستفزازات الشوفينية في مناطقهم ولا الحصول على مطالبهم وحقوقهم رغم تواضعها إلا من خلال الثورة المسلحة. بينما يرى الحزب الشيوعي ان افضل طريق لوصول الاكراد لحقوقهم القومية يكون عن طريق النضال السلمي وتحشيد الرأي العام العراقي والعربي والعالمي لتبني هذه الحقوق العادلة، وان الحرب تضعف جمهورية تموز وتساعد قوى الردة في نجاح مؤامرتها لأسقاط جمهورية تموز والتراجع عن انجازاتها الوطنية.

بعد الظهر جاء والدي واخي همام لزيارتي وشجعاني لمواجهة ألمحكمة غداً. أخبرني والدي بانه تحدث مع الشيخ الجليل محمد رضا الشبيبي لكي يتوسط من خلال معارفه لدى شمس الدين عبد الله للافراج عني. لكن الشيخ كان متشائما وقال للوالد اذا ماتوسطت لأبنك فان شمس الدين عبد الله سيحكمه، ومع هذا سأحاول. صباح اليوم الثاني كنت امام المحكمة في معسكر الرشيد حيث مقر المجلس العرفي الثاني. كان هناك والدي واخي همام خارج المحكمة ولم يسمح لهما بحضور جلسة المحكمة!!.

استدعيت للمحكمة وكانت فارغة إلا من الحرس وهيئة المحكمة ويتوسطها شمس الدين عبد الله الذي عرف بمعاداته للقوى الديمقراطية واستهتاره بالقانون والعدالة وبأحكامه الجائرة على كل وطني شريف، واحسست بجو غير عادي يبعث على القلق وعدم الثقة بعدالة المحكمة. كان المجلس العرفي الثاني مسلطا كالسيف على رقاب القوى الوطنية الديمقراطية. واحكام الاعدام والمؤبد التى اصدرها المجلس العرفي برئاسة شمس الدين عبد الله اضعاف ما أصدرته محكمة الشعب بحق المتآمرين على جمهورية 14 تموز، وللأسف كان كل هذا يحصل بموافقة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم. دخلت القفص وبعد القسم سألني شمس الدين عبد الله عن اسمي ومهنتي وعمري واجبته أن عمري 17 سنه، التفت لكاتب المحكمه وقال له انه يكذب، سجل عمره 18 سنه. ماذكرته للمحكمة لم يكن كذباً، فانا من مواليد 24 نيسان 1945، تكذيبي بهذه الطريقة ترك لدي انطباع بأن رئيس المحكمة ينوي اصدار حكما بحقي، وهو دليل واضح بإستهتاره بالقانون، فوثائقي التي احملها وملفة التحقيق تؤكد حقيقة عمري. ثم سألني بوقاحة ماهي صلة القربى مع شيخ محمد رضا الشبيبي، اجبته انه جدي، ولم يسألني اكثر من هذا وطلب اخراجي للمداولة. من تصرف رئيس المحكمة ايقنت اني محكوم لامحالة، وأن حدس شيخ محمد رضا ألشبيبي كان في محله. سألني والدي عما جرى ولماذا بهذه السرعة، وقبل ان انبس ببنت شفه لاقص عليه ماجرى، استدعيت مرة ثانيه ليعلن شمس الدين حكمه بسجني لمدة ستة اشهر، أقضيها في سجن الكوت.



محمد الشبيبي الواقف ثاني واحد من اليمين مع طلبة اعدادية كربلاء في
سفرة طلابية الى الحبانية في 22/12/1961 اي قبل اعتقالي بشهرين
 

في اليوم الثاني سُفرْت الى سجن الكوت، يرافقني مجموعة من المحكومين السياسيين اتذكر منهم ألشهيد نصير النهر. استلمتنا ادارة السجن وسلمتنا الملابس السجنية، وكانت عبارة عن شبه بجامة من بنطلون وقمصلة من القماش السميك والخشن فاتحة اللون ومقلمة بلون بني فاتح، اما الفراش كان عبارة عن مخدة وبطانيات، واحدة منها تستعمل كغطاء والباقية كفراش!! وسلمنا ادارة السجن كل ملابسنا ولم يسمحوا لنا بإدخال قناني القلونية او الريحة والمعلبات التي كانت بحوزتنا كالجبن الكرافت وعلب سمك التونة وغيرها!. خصص لي مكانا في السجن القديم واستقبلني الشهيد محمد الخضري. بعد ان تعرف علي قال لي كان والدك زميلي في مؤتمر نقابة المعلمين والان انت زميلي في سجن الكوت وقدمني الى الزملاء قائلا كان ابوه زميلي في مؤتمر نقابة المعلمين وهو الان زميلي هنا انه اصغر سجين سياسي واصغر زميل كما ان عمه الشهيد حسين الشبيبي كان احد نزلاء هذا السجن وهو الان نزيل نفس السجن.

قبل ان يستقر المقام بي في السجن القديم وأثناء قيامي بجولة داخله للتعرف على قاعاته ومرافقه برفقة الشهيد محمد الخضري، جاءهم خبر بأن معارف لي يطلبونني لأكون زميلا لهم في المحجر، احد أقسام ألسجن. فانتقلت للمحجر وكان هناك مجموعة من النجفيين وعندما سمعوا باسم محمد علي الشبيبي موجود في السجن القديم اعتقدوا انه أخ الشهيد صارم (محمد علي) الذي كان زميلهم في السجون ايام العهد الملكي. لم اعرف إلا واحدا من هؤلاء النجفيين، وتفاجئوا بصغر سني. بعد ان تعارفنا عرفت منهم فقط ناجي ابو رقيبه وهو بدوره عرفني لانه كان يتردد على بيت جدي عندما كنت طفلا. في القاعة التي سكنتها كان معي اثنان من كبار المحامين الديمقراطيين, احدهم كاسب السعد اما الاخر للاسف نسيت اسمه. حكم المجلس العرفي الثاني على كاسب السعد (اخ المناضل الراحل غضبان السعد) ومجموعته عدة سنوات (اعتقد 10سنوات) لان هذه المجموعة (8 او 10 شخصيات عراقية) قدموا مذكرة للزعيم عبد الكريم قاسم تطالبه بالحل السلمي للقضية الكردية، ووزعت المجموعة على السجون. احد الايام سألني كاسب، وكان فراشي مجاور لفراشه، من اي مواليد انت فأجبته من مواليد 1945 فعلق ساخرا: في ذلك العام انهيت الحقوق!. ربما كان يريد ان يقول اي زمان هذا الذي يجمعني مع هذا الشاب المراهق وتدارك سخريته وحولها الى سخرية من شمس الدين واحكامه، فقال ان حارس القانون هو اول من ينتهكه كيف يسمح ضميره ان يصدر حكما عليك وانت لم تبلغ 18 عاما. قلت له ان المحكمة كانت شكلية ولم تستغرق بضعة دقائق حتى انه لم يمنحني فرصة الدفاع عن نفسي، ولم يسألني حتى عن صحة التهمة.

لم يكن المحجر كبيرا وكان يحتوي على أربع غرف صغيرة أكبرها غرفتنا، تحيط الغرف بساحة المحجر من جانبين اما الجانبيين الاخرين فيوجد الحمام والتواليت والمغاسل، تتوسط المحجر ساحة من الكونكريت لاتزيد مساحتها عن 100 م². الباب الرئيسية للمحجر تطل على الممر الذي يحيط بكل اقسام السجن ويفصل ادارة ألسجن عن الاقسام، ويستغل هذاالممر للزيارات الشهريه، حيث نخرج يوم الزيارة للممر لإستقبال زوارنا. يؤدي باب المحجر الى مدخل بطول 5م الى ساحة المحجر. في المدخل تنتصب ثلاثة إحبوب لماء الشرب. كما ان محجرنا ملاصق للسجن القديم وكان بالامكان التخاطب وتناقل الاخبار والرسائل من خلال الجدار الفاصل والذي لايزيد ارتفاعه عن 4م، وكانت المنظمة الحزبية تستفاد من ذلك للتنسيق وتبادل الأدبيات.

صيفا حيث اشعة الشمس الحارقة تغطي كل الساحة من الظهر وحتى الخامسة، فيصبح من الجنون البقاء في الساحة وقت الظهيره لمدة طويلة. بعد ان تغيب اشعة الشمس عن ساحة المحجر يقوم الخفراء من سجناء المحجر برش الساحة بالماء وتكرار ذلك عشرات المرات لتبريدها، والا لايمكننا النوم في الساحة ليلا لشدة سخونة الارض، لأنها من الكونكريت. بعد العشاء يهب الجميع في ممارسة رياضة ألمشي في الساحة التي لايتجاوز طولها عن 14م، لايمكن تأجيل رياضة المشي هذه لأن الكل يفرش فراشه في الساحة بعد ان نتناول عشاؤنا وتخف الحركة. ليلا تبدء جلسات السمر، كون الساحة صغيرة، تكون افرشتنا متراصفة ولا يفصل بينها الا بضعة سنتيمترات، والاحاديث يتشارك بها الكل تقريبا. ومن وقت لاخر نحي حفلات ليلية بمساهمة بعض من ذوي الاصوات الشجية.

في السجن لا يسمح لنا بادخال السكاكين وكنا نحور الملاعق ونحدها بالكونكريت ونستعملها كسكاكين. اما المعلبات من اجبان ولحوم وسمك والتي استلمتها الادارة منا تسلم لنا تدريجيا وبدون علبها المعدنية. اما القلونية كانت ممنوعة علينا منعا باتا، وكان البعض ينجح بتهريبها ايام الزيارات.

كنا نتوزع على مجاميع من 5 اشخاص لنكون سفرة (مجموعة لتناول وجبات ألطعام سوية) واحدة نلتقي فيها لتناول الوجبات الرئيسية، ولكل سفرة خفر بالتناوب مهمته تحضير السفرة وغسل أواني السفرة. احيانا السفرة الواحدة تقوم بنشاط اضافي لتحسين وجبتها من خلال اضافة الحامض والبهارات وحتى الثوم، ويقوم بذلك خفرها. وكان الغداء يتكون في كل الايام من المرق والرز او الخبز بدل الرز، ولم تكن كميته كافية وكذلك كانت نوعيته دون الوسط، بحيث اطلقنا على الخضار في المرق مصطلح اعماق، كونها قليلة وشحيحة وراكدة في اعماق ألسطل (إناء معدني سعة 50 لتر لنقل الماء).

اهتم احد الزملاء اسمه حمد من سكنة بغداد واعتقد من باب الشيخ بتدجين الحمام وكان يهتم باطعامها، وكنا نتمتع ونحن نتابع طيرانها ثم تعود الينا، ولكن كان عليه ان يطلقها صباحا عند قيام الادارة بحملة التفتيش، لانه غير مسموح بتربية الطيور وكانت هذه الطيور احدى وسائل تسليتنا.
لن يَحول السجن من مواصلة الشيوعيين نشاطاتهم وخاصة التثقيف الذلتي ، وهذه تقاليد سار عليها الشيوعيون بعد ان رسخها الشهيد الخالد فهد. فرغم شحة المصادر التثقيفية واعتمادنا على كراريس بخط اليد او على بيانات الحزب وصحافته، كانت حلقات التثقبف الذاتي والتنظيمي متواصلة. بعد وصول اي سجين ومعرفة الأسباب وراء سجنه وربما يوجد في داخل السجن من يزكيه، حينها تقرر المنظمة الحزبية طبيعة العلاقة به، وكان احد المسؤولين عن المحجر الشهيد محمد جميل الرحبي.

لم تدم اقامتي بالسجن طويلا، لأن محكوميتي كانت ستة اشهر وقد قضيت نصفها في التوقيف. وكما عرف عن الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم كان دائما يصدر مرسوما جمهوريا بالاعياد بالعفو عن السجناء او تخفيض محكومياتهم، وقد شملني هذا الاعفاء واطلق سراحي قبل اسبوع من انهاء فترة السجن المقررة. وهكذا اطلق سراحي في اواخر تموز، وكان اخي همام في زيارته الاخيرة لي ترك لي ملابس جديدة، لدى ادارة السجن، لأرتدائها بعد خروجي.

صباح اليوم الثاني سلمت ملابس السجن واستلمت ملابسي الجديدة والانيقة. توجهت من السجن مشيا قاصدا اصدقاء لأخي في الكوت وانا اتطلع في وجوه الناس وكأنني قادما من عالم اخر، كانت بي رغبة ان اصرخ باعلى صوتي لاخبر الجميع باني سجين سياسي خارج من السجن توا، واني صمدت امام تعذيب أمن كربلاء وحافضت على اسرار الحزب بالرغم من صغر سني وها انذا الان حرا واسير رافع الرأس وسأعود لنشاطي الحزبي وانا اكثر تصميما. توجهت الى بيت زميل اخي في كلية التربية دون صعوبة. تناولت غداء دسما لايقارن مع اعماق السجن، بعد ان تناولت الشاي اوصلني اهل البيت الى سيارات بغداد، وفي بغداد كان اخي همام بانتظاري، بعدها اخذنا تاكسي الى كربلاء حيث وصلنا للبيت بعد منتصف الليل.

كان الاهل بانتظارنا وفرحتهم كبيرة، بينما كانت الوالده قلقة رغم فرحتها بعودتي، حتى ان اخي انتبه وسألها عن مصدر قلقها، تبين انها كانت خائفه من ان الامن وضعوني في قوائمهم واني ساكون دائما مطارد. صَحَت هواجس الوالدة، فكلما حدث نشاط للحزب استدعيت واستجوبت. كان اخرها استدعائي واستجوابي من قبل أمن كربلاء: اين قضيت الليلة الماضية؟ وهل كنت من المساهمين في خط الشعارات ألحزب التي ملأت شوارع كربلاء؟ وعندما نفيت مشاركتي، قالوا سنُحظِر الدليل! جاؤوا بالدليل واعتقدت انه احد المساهمين بالخط، لكن فوجئت بان وضعوا الدليل على الطاولة وكان نعال اسفنج !!!! سألوني عن قياس قدمي ولم يصدقوا اجابتي وطلبوا مني انتعاله، لحسن الحظ كان قياسه كبيرا جدا، فاخلوا سبيلي.

بعد ان التقيت بالاصدقاء علمت ان طالب النداف ورفيقه واثناء قيامهم بخط الشعارات ليلا فوجئوا بأحد افراد الامن فهربا مسرعان وقد تخلى احدهم عن نعاله. ولم يتمكن شرطي الامن من الامساك به فعثر على النعال وجاء به لدائرة الامن كدليل جريمة و تفتق عقلهم بالتفتيش عن صاحب النعال. استدعوا كل من يشتبه به واعتقل كل من كان النعال على مقاس قدمه للتحقيق معه. هكذا اعتقلوا مجموعة من الشباب الشيوعيين واصدقائهم من ليس لهم علاقة بالتهمة ماعدا طالب النداف ورفيقه وقد نجحا في الهرب والاختفاء عن عيون الامن، وبقي ألنعال محجوزا في الامن.

بعد خروجي من السجن كان علي ان ابذل جهودي لتأدية امتحانات الرابع الاعدادي في الدور الثاني، لأن مشاركتي اثناء وجودي في موقف كربلاء كانت رمزية لتجنب فصلي من الثانوية أذا ماتجاوز غيابي اكثر من 60 يوم متواصلة، ومشاركتي تعني عدم جعل غيابي متواصلا 60 يوما اثناء الفصل الدراسي. وتمكنت بجهودي واصراري ان اثبت للآخرين ان نشاطي السياسي وما تعرضت له من سجن لن يؤثر على دراستي، وتمكنت من اجتياز جميع الامتحانات بنجاح وعبرت للصف الخامس العلمي لألتحق بزملائي.

 

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الثلاثاء 20/6/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة