ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

معركه للشيوعيين في لينافا


نوري صبر
nory-70@hotmail.com

لينافا قريه تابعه الى محافظة دهوك يفصلها مع دهوك جبل وممرات متصله بالبلده عبر قرية كرمافه ذات النبع الكبريتي ، كنا في مسيرة حياة شاقه نحنُ الأنصار فخلال العشرة اعوام التي قضيناها معاً في كردستان العراق كانت دليل لحب الشيوعيين للديمقراطيه والسلام في وطننا وأذا اردنا السلام يجب ان نناضل من اجله وهكذا كان الموقف؟ كان عدونا الدكتاتور عدو جبار ويتفوق علينا بالعدة والعدد ، ونحن نتفوق عليه بالعزيمة وعدالة قضيتنا. قضية الشعب. وفي هذه الظروف استطعنا ان نتغلب على الكثير من الصعوبات المحيطه بنا. والمواقف التي بدت لنا بلا مخرج تقريباً. حتى بدأت لكل واحد منا روايه خاصه به ، وكان في عام 1984 بدايه صعبه من خلال المعارك المفروضه من النظام الدكتاتوري في بغداد على القرى المحيطه بمدن كردستان الجميله وفي منطقة الدوسكي وبرواري باله والسندي والكلي كانت لها الحصه من مغامرات فاشيه اغلبها فاشله . ومن خلال هذه المعارك جمعنا الخبره والحصيله من هذه الجولات .لنحتفظ بها قصص للأجيال القادمه، وكان للسريه الثالثه نشاط في هذه المعارك المسلحه والراقيه في النضال وقضيت فيها ست سنوات متواصله بالتجوال ست سنوات لانملك فيها شيئ سوى البندقيه وعدالة القضيه. وفي ذات يوم من عام 1986 -1987 كان الطقس معتدل والسماء يشتد ازرقاقها .وأجواء الفرح على وجوه الشيوعيين وهم في جوله مشتركه مع رفاقهم في السريه السابعه القادمه من مناطق زاخو ، كانت لقاءات احبه لم نرى بعضنا سنوات بحكم الظروف ، احاديث جميله ، امنيات وتصورات ، نكات ، اغاني وتعلمنا الصبر من صبرنا ، اتجهنا جميعا ًالى القرى المحيطه بجبل دهوك في منطقة الدوسكي وحددنا الوجهه الى قرية لينافه وباخرنيف بقيادة ملازم سردار ابو ميسون ، تتميز لينافه بموقعها الجميل وهي على شكل حوض تحيط بها مرتفعات صخريه انه جبل يحتضن حبيبته لينافه ويحيط بها نهر موسمي ويبلغ عدد بيوت القريه 40 بيت تقريباً اغلبهم يقتربون من اليسار ولنا كمفرزه علاقات طيبه مع سكان القريه .وفي لينافا عندما يحل الظلام تجد نفسك وكأنك اتصلت مع السماء عبر النجوم المتلألئة تتهيئ للأقلاع بصحنك الطائر والمسافه التي تفصلنا عن مركز مدينه دهوك لايتجاوز الكيلو متر وهو الجبل، وهناك مدخل قرية كرمافه ، سلكنا الطريق من قرية صندور الأثريه الجميله طريق مكتظ بأشجار البلوط واللوز والعرموط البري وكنا نمزح مع ضيوفنا في السريه السابعه لنقضي معهم ليله حاميه حتى وصلنا الى لينافا الحب لقضاء ليلتنا فيها كنت مطمئنا ًلهذه القريه طول الوقت لكن في هذه الليله لم اكن مرتاح البال بعد ان سمعت خبر تمركز لقوات عسكريه وجحوش في ممر كرمافه ،كانت لي علاقه طيبه مع ملازم سردار وكنا نصغي لبعضنا دخلنا معاً الى بعض البيوت للتأكد من صحة المعلومات . تبين لنا حقيقة الخبر. توزعنا على البيوت لتناول وجبة العشاء وقضينا مساء جميل مع العوائل رغم القلق المرسوم على وجوه البعض . حان وقت النوم ،اصطحب كل واحد منا فراشه ليتجه الى مكان خلوده الجزئي. كانت ليله يشوبها الحذر ورغم كل هذا كنا نمزح ونضحك ونتحدث معاً ونسأل بعضنا البعض عن كيف كان الأستقبال وما هي وجبة الطعام وهل يوجد تلفزيون في البيت وما موقفهم من البيشمركه أسئلة تتكرر في كل القرى تقريباً، كانت ثلاث مواقع للنوم ليتوزع عليها الشيوعيين ومن حسن الصدف كان مكاني في غرفه واسعه تطل على النهر الموسمي والذي كان خالياً من الماء كنا في هذه الغرفه ثلاثة عشر نصيراً حسب ما اظن وما بقى من الذاكره ، ومنهم كان ابو عوف وجميل توما توماس وملازم رياض..والشهيد امين باروشكي..القيت نفسي على الفراش بكامل قيافتي ووضعت حذائي تحت الوساده كي لايحدث سوء او يتبدل الحذاء لأنها كانت اغلبها من نوع واحد وهي السمسون مصنوع من اللاستيك التركي .حاولت النوم وبالأكراه في ذلك اليوم رغم التعب بعد مسيره متعبه ،لابأس اغمضت العيون ، بعد صراع وأنا على يقين ان المعركه ستقع على الأقل في الخامسه صباحاً والمعركه ليست عرساً لنرقص فيه ، انها حرب ضروس في اي لحظه تودع فيها اخر شريط للذكريات ومن تحب ؟ تحدثت للرفاق بحكم معرفتي لظروف الحرب وتجربتي الخاصه في المنطقه قلت رفاق اليوم الأهتمام بأحذيتكم ، ضعوها تحت الرؤوس والتأكد من الحراسات وأستخدام الناظور ليقرب لنا المسافه في الرؤيه وعسى ان لايصيبنا المكروه، وعند ظهور خيوط الفجر وهي تشق طريقها الى صباحات لينافا وفي تمام الخامسه والنصف صباحاً اطل علينا رجل من شباك قاعة النوم ليقول لنا انهضوا ان القريه مطوقه من الجيش والجحوش. وفي هذه اللحظه شعرت ان اذني وقعت في فم الرجل المنادي ونهضت مسرعاً وأنا في كامل قيافتي العسكريه همست بهدوء انهضوا رفاق ان القريه مطوقه نهض الجميع .. كان موقع النوم لا يبعد اكثر من ثلاثين مترأ عن النهر الموسمي الذي تسلل من خلاله العدو والمعركه لاتخدم من هذا الموقع قذيفه اربي جي واحده في باب القاعه يمكن ان تقضي علينا جميعاً حاولنا ان نتسلل واحداً تلو الأخر على مرأى انضار العدو بصفتنا مواطنين عادين من القريه ولسنا ثوار شيوعيين خرج من المكان اغلب الرفاق وبقينا اربعه انا وجميل توما توماس وهو دكتور السريه انذاك وامين باروشكي ورفيق اخر كان يحمل بي كي سي لا اتذكر اسمه ، قذفت الحقيبه (العليجه) من الشباك بأتجاه القريه وخرجت بعد ان اسدلت البندقيه على يميني ويدي على الزناد اتجهت لليمين صاح بي احد الضباط يا اخ وكأني لم اسمعه وفي لحظه اختفيت خلف الموقع لألتقط حقيبتي ووجهت الرفاق ان يسلكو نفس الطريق دون ان يتجهوا الى اي مكان اخر ، مع الأسف الشديد استغفل الرفيق وظن انه سيخرج من القريه وركض بسرعه هو والرفيق امين الذي كان سلاحه تكتريوف ليتخذا موقعاً مناسباً لخوض المعركه من جهة اليسار بأتجاه المقبره وعندها ناداه العدو توقفوا وفي اللحظه انطلقت اول قذيفه اربي جي في المعركه من العدو لتصيب جميل توما توماس في ذراعه وفخذه ونتيجة اصطدامها بالصخور تشظت لتخترق احشاء الرفيق امين باروشكي وتلقيه مغمياً على الأرض في احدى السواقي القريبه من مقبرة القريه وهنا بدأت المعركه ليشتد الصراع قتالاً ونحن لم نحصل بعد على موقع مناسب للقتال ، وهل الجيش طوق القريه بالكامل ؟ ام هناك منافذ للخروج وفي اللحظه بدأت القريه تتعرض للقصف المدفعي المكثف كان علينا ان نخرج من القريه البقاء فيها يعني مزيداً من الخسائر في صفوف المواطنين والبيش مه ركه ، فلابد من الخروج انسحبت اول قوه بأتجاه المقبره لتغطي وحدثت مقابله شرسه كلفتنا سبعة جرحى اطلقنا النار من القريه بأتجاء النهر لغرض تغطيه خروجنا من القريه للمرتفعات المحيطه كان دخان قذائف المدفعيه كثيفاً والبارود يملأ الأنوف حدثت اصابات هنا وهناك بين المواطنين والمعركة تشتد شراستها بين الشيوعيين والعدو الحاقد وبعد اطلاعنا على معظم المناطق المحيطه بالقريه قررنا الأنسحاب من اتجاه القريه المجاوره با خرنيف لنلتقي برفاقنا في الأتجاه الثاني من المعركه وتركزت المعركه اخيراً في المقبره كان الجيش يريد التقدم اكثر ليطوق القريه بكاملها والسيطره عليها ؟ ونحن كان لنا جريح نحاول منع وصول الجيش لهذا الموقع كي لايعثروا عليه عند الساقيه ، تسللنا اليه لسحبه فوراً وتمت العمليه بسلام رغم اشتداد القتال في المنطقه المحصوره من المقبره ،وما ان توقف القصف المدفعي اشتركت الطائرات الهليكوبتر في المعركه وهي تحلق في سماء القريه لتصب حممها على الأبرياء وفي تمام السابعه مساءً انتهت المعركه وهدأ ازيز الرصاص وبدأ الجيش يسحب جرحاه وقتلاه من ارض المعركه ولينسحب متبعثراً خائباً بعد ان تركوا دماراً في القريه في بيوتها وحرقت قسماً منها ،ولم تقع اصابات خطيره عند المواطنين وهذا ما أفرحنا اما رفاقنا فكانت اصابة الرفيق امين بليغه ونقلناه بالسرعه في تراكتور من قرية دركلي الشيخ الى مقر الفوج الثالث في كلي هصبه اي (وادي الخيول) وسمعنا مع الأسف الشديد بأستشهاد الرفيق امين هكذا كانت الحياة انها شاقه ومتعبه ،ونضال من وزن ثقيل لايمكن لكل مرء ان يتحمله ،الف تحيه لرفاقي اسماً اسماً وتحية حداد لكل شهدائنا والورد على القبور ، انها دروس في وطنية الشيوعيين وتواضعهم النبيل  .

الخميس 20/4/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة