ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 32 )
علاقتنا مع الحزب العمال الكردستاني ـ تركيا ـ PKK
1. بداية تواجده في المنطقة وعلاقته مع حزبنا :
ينص النظام الداخلي لهذا الحزب على أنه يمثل شعب كردستان الكبرى بإعتبارها الوطن الذي جزأه الاستعمار. ويقود الحزب عبدالله اوجلان ويلقبه اتباعه بـ ( آبو ). وتنتشر تنظيمات هذا الحزب في اغلب اجزاء كردستان، وتدّعي قيادته الاسترشاد بالماركسية، وان من اهدافهم البعيدة توحيد كردستان في دولة مستقلة واحدة.
بدأت علاقاتنا مع هذا الحزب في عام 1981 حينما كانت مقرات انصارنا في كلي كوماته على الحدود العراقية – التركية ، حيث كانت تربطهم علاقات متيتة مع حدك، الذي كان يساعدهم في العبور الى سوريا ضمن مفارزه. وفتح مقر لقيادتهم المحلية بالقرب من مقرات حدك. ولوجودنا بالقرب من تلك المقرات تولدت مع الايام امكانية مناسبة لاقامة علاقة بيننا وبينهم.
ورغم ان PKK لم يكن حينذاك قد اعلن الكفاح المسلح، الا ان مقراته كانت تزداد لتشمل مناطق عديدة. ونشطت مفارزه بالتحرك نحو الاراضي التركية في مهمات غير عسكرية .
وفي احتفال اقامه حدك يوم 16 / 8 / 1984، اعلن ممثل PKK ان حزبهم قد تبنى اسلوب الكفاح المسلح. وفعلا كانت مفارزهم قد باشرت بالانطلاق من المنطقة بإتجاله الاراضي التركية وقامت بضرب مخافر الجندرمة ( قره قول ) لتعود ادراجها الى المقرات، مما حدا بالحكومة التركية الى تشديد الخناق على تحركات انصارنا على الحدود ، الامر الذي ادى الى الحد من نشاطات مفارزنا الخاصة بنقل الرفاق الجدد والسلاح داخل الاراضي التركية. وادى ذلك ايضا الى ملاحقة اصدقائنا من الاحزاب الكردية في تركيا وخاصة منتسبي ( كوكسي ).
2 . توتر العلاقة مع PKK
اثر خلافات داخلية في PKK، التجأ اثنان من كوادره الى رفاقنا في منطقة لولان ( سلمان مرشح القيادة وعثمان ). وتم ارسالهما الى قاطع بهدينان لتسفيرهما الى تركيا. وقد حافظنا عليهما وطلبنا منهما الالتزام بعدم التحرك في المنطقة المجاورة لمقراتنا. الا ان احدهما ( عثمان ) لم يلتزم بتوجيهاتنا، مما ادى الى تعرف عناصر PKK عليه في مقرنا.
قدمت قيادة PKK المحلية طلبا لقيادة الفرع الاول لحدك للضغط علينا لتسليمهما. وفعلا فاتحنا حدك بالموضوع الا اننا رفضنا بشكل قاطع واوضحنا لهم بأن العرف ، سياسيا كان ام عشائريا، يمنعنا من تسليمهما لاننا وبكل بساطة نعرف ما سيؤول مصيرهما مسبقا. كما اننا لسنا ملزمين امام PKK او امام اي حزب اخر، ولا يوجد بيننا وبينهم اي اتفاق. ورغم ان العلاقات بين قيادتهم وقيادة حزبنا اتسمت بكونها جيدة دائما، الا ان عناصرهم في بهدينان حاولوا استفزازنا. لكننا لم نعير لهم اي اهتمام ، لاننا لم نكن بحاجة لتعقيد الوضع اكثر مما هو معقد. ثم قررنا ارسالهما الى مقرنا في كيشان بهدف تسفيرهما الى تركيا. وفي كيشان حاولوا ايضا استفزاز انصارنا عدة مرات.
في تلك الفترة كانت سياسة PKK معادية لكل الاحزاب الكردية في تركيا، حيث باشروا بحملات اعتقال في منطقة شرناخ في تركيا ضد عناصر من كوكسيالذين يرتبطون بعلاقات متينة جدا مع حزبنا.
وفي ربيع 1985 وصل الى مقر انصارنا في كيشان 4 رفاق من كوكسي ( من قرية كوندك – شرناخ ) وطلبوا مساعدتهم في الوصول الى منطقة السندي لشراء بعض الاحتياجات. فارسل رفاقنا في كيشان الرفيق دلوفان وهو من ابناء المنطقة معهم كدليل.
3 . اغتيال الرفاق ادى الى إندلاع القتال بيننا
لاحظ مقاتلوا PKK وصول رفاق كوكسي الاربعة ، فقرروا اعتقالهم. وتمكنوا من ذلك بعد مغادرتهم مقرنا يرافقهم الرفيق دلوفان، حيث كان ينتظرهم كمين من عناصر PKK بقيادة المدعو خليل في قرية كيشان المهجرة. وحال اعتقالهم جردوا من السلاح وطرحوا ارضا وتم تقييدهم واخذوا الى احد الوديان العميقة شمال كيشان بعيدا عن الانظار ، وباشروا معهم التحقيق والتعذيب. كانت نية عناصر PKK واضحة منذ البداية وهي التخلص من الرفاق الخمسة خاصة بعد ممارسة التعذيب القاسي ضدهم. لذلك قرروا اعادة بعض عناصرهم ممن لا يثقون بهم بشكل كامل الى مقرهم وابقاء مجموعة مستعدة لحفظ السر مع المعتقلين لتنفيذ جريمة قتلهم واخفاء اثارهم.
وكان من ضمن من اعيدوا الى المقر احد مقاتليهم ويدعى ( كمال )، وقد التجأ الينا واخبرنا بالتفاصيل ... و يقول كمال في اعترافاته ما يلي:
- " رجعنا الى مقرنا .. وبعد وقت غير طويل وصل خليل وبقية المقاتلين .. وفي صباح اليوم التالي تركوا المقر ثانية وهم يحملون المعاول والمجارف وتوجهوا الى نفس المنطقة ، عندها تأكدت من انهم قتلوا الاسرى ، وسيقومون بدفنهم في الوادي ، فقررت حينها تسليم نفسي مع رفيقي اليكم ( كان معه شخص من اهالي سوريا ذكر انه كان مسؤولا عن منطقة الجزيرة ".
قام رفاقنا بإحضار الشخصين الى مقر الفوج الثالث بشكل سري للغاية، في وقت كانت عناصر PKK تبحث عنهما في كل المنطقة. بعد ذلك قامت عناصر PPk بمحاصرة مقرنا في كيشان ومنعوا رفاقنا من مغادرته، مما دفع رفاقنا الى التهيؤ والاستعداد لحالة الطوارئ للدفاع عن المقر .
اشعرنا قيادة الفرع الاول لحدك بكل حيثيات الموضوع وتطوراته. وتشكلت لجنة تحقيقية للاستماع الى اقوال الشخصين. وقد حضر جلسة التحقيق الرفيق سربست عضو اللجنة المركزية ل ( كوكسي ) .
مع الرفاق في قيادة " كوكسي"وعلى ضوء المعلومات التي وصلتنا بمحاصرة مقرنا في كيشان، والجريمة التي نفذها عناصر PKK قررنا ارسال سرية من الانصار بقيادة الرفيق خليل توما ( سليم ) الى كيشان لفك الحصاروسحب انصارنا من المنطقة تفاديا لاي اصطدام معهم. وتم وضع سرية اخرى في الانذار بقيادة الرفيق صباح ياقو ( ابو ليلى ) لتتحرك لنجدة الرفاق اذا تطلب الامر. توجهت سرية الرفيق سليم الى كيشان، وقبل وصولها علم الرفيق سليم من پيشمرگه حدك بأن رفاقنا في كيشان انسحبوا من المقر بأتجاه الجبل. وتأكدت المعلومات من ان مقاتلي PKK دخلوا مقرنا هناك وسلبوا ما كان متبقيا فيه بما في ذلك 4 بنادق ، وقد جرى كل ذلك بمرآى من پيشمرگه حدك دون ان يحركوا ساكنا.
مساءا دخلت سرية الرفيق سليم قرية ديرشك لقضاء تلك الليلة في جامع القرية. وفي الساعة الثانية عشر ليلا لاحظ الحرس شخصين مسلحين يقتربان من الجامع فطلب منهما التوقف والتعريف بأنفسهما ، فبادروا بأطلاق زخات كثيفة من الرصاص بإتجاه باب الجامع فأستشهد في الحال الرفيق علي باقر ابراهيم ( ابو اياد ) وجرح الرفيق محمد ابراهيم جاسم ( ابو اذار ) وتمكن الحرس من الرد عليهما وارداهما قتيلين ، وتبين انهما من عناصر PKK .
في صباح اليوم التالي ، وبعد دفن الشهيد ابو اياد توجهت المفرزة نحو منطقة برواري ومعها الرفيق الجريح ابو اذار. وعند اقتراب انصارنا من احد التلال المطلة على الطريق، امطرهم كمين لعناصر من PKK بوابل من الرصاص. ولم يتأخر رفاقنا بالرد ، وبحركة التفاف سريعة تمكنوا من تطويق عناصر PKK واسرهم جميعا حيث كانوا 9 أفراد.
اكدت توجيهاتنا حينذاك على اخذ الحيطة والحذر من عناصر PKK دون القيام بأي تصرف استفزازي تلافيا للاصطدام معهم. فنحن في كردستان تنتظرنا مهمات اخرى علينا عدم نسيانها والانجرار وراء الاقتتال الجانبي. وقد استمرت حالة العلاقة المتشنجة ولكن دون الصدام الساخن في نفس الوقت، دون ان يكون لمسلحي حدك اي دور سوى مساعدة ودعم مقاتلي PKK واصرارهم على ابقائهم في منطقة بهدينان.
4 . لقاء مع من التجأ الينا من اعضاء PKK
نظم لقاء خاص مع من إلتجأ الينا من عناصر PKK وهما كمال وسليمان. وحضر اللقاء د. جرجيس حسن عضو ل.م حدك - مسؤول الفرع الاول وعدد من الكوادر. و تم في اللقاء الاستماع الى وجهة نظر قيادة PKK وسياستهم تجاه الاحزاب الكردستانية.
تحدث اولا سليمان مرشح اللجنة المركزية عن الوضع الداخلي ل PKK وكيفية تنفيذ القرارات والاجراءات التي تتخذ ضد من يترك تنظيمهم، وعن سجونهم في لولان والتعذيب الذي يمارسونه ضد مخالفي سياسة حزبهم. ووجهت لهما قيادة الفرع الاول بعض الاسئلة فاجابا بالتالي :
س / ما هو رأيكم بالحزب الديمقراطي الكردستاني ( في العراق ) ؟
ج / " يعتبر حزبنا ان حدك حزب عشائري يخدم مصالح الاغوات وعميل للحكومة الايرانية ولا يعمل من اجل كردستان الكبرى ، بل تعمل قيادته من اجل مصالحها فقط. اننا نناضل من اجل كردستان موحدة ونبني تنظيماتنا على هذا الاساس ، لذا نقوم الان بتنظيم الفلاحين والجماهير في كردستان الجنوبية ، كما يوجد لنا تنظيمات جيدة في سوريا. ان نظرتنا للاحزاب العاملة في كردستان العراق ومنها الحزب الشيوعي العراقي ، تتلخص في انها ( الاحزاب ) ستترك كردستان حال رجوع قوات صدام حسين الى مواقعها العسكرية السابقة ، حيث سيتوجه حدك حينذاك الى ايران ، وسيلتحق اوك بالسلطة ، اما الحزب الشيوعي العراقي فإنه سينسحب الى سوريا ، وستبقى المنطقة بأكملها مفتوحة لنا".
س / هل كسبتم عناصر من پيشمرگه حدك لحزبكم وكم عددهم ؟
ج / " كنت اعمل في منطقة زاخو ، وتوجد عندي قائمة بأسماء المرشحين والاعضاء الذين تم كسبهم من حدك وعددهم 32 ، وفي مقدمتهم امر المفرزة صادق عمر السندي (1)".
س / ما هو رأيكم بقيادة حدك ؟
ج / " نعتبر ادريس عميلا امريكيا وله علاقات متينة مع ايران وهو لولب الحركة في الحزب ، اما مسعود فلا تأثير له ولا يستطيع تحريك ايا من اعضاء الحزب ... اما جرجيس حسن فهو عنصر سئ ومعادي لنا".
س / ما هي سياسة قيادتكم الداخلية ؟
ج /" انها قيادة ثورية لا تهادن الخونة والمتخاذلين ولن تسمح لمن في صفوف الحزب ترك العمل وخاصة القياديين منهم او من له مهمات خاصة ، اذ تتخذ بحقهم اقسى واشد العقوبات ... ان قرارات آبو تنفذ دون شرط وبدون نقاش ... واغلب القرارات الحساسة تبلغ للتنفيذ شفهيا وتبقى محصورة بحدود ضيقة جدا ".
لم تتأثر علاقات حزبنا مع PKK على مستوى القيادة بتلك الازمة التي خططت لها قيادتهم المحلية في المنطقة ، حيث جرت عدة لقاءات بين عزيز محمد وآبو واستمرت العلاقة طبيعية جدا.
وقد اخطأ PKK مرة اخرى ، بتصعيد خلافاته مع حدك مؤخرا حتى وصلت الى حد الاقتتال، في وقت كان يتمتع فيه بحرية تامة للعمل في كردستان العراق. اذ كان مفترضا به ان يشغل الساحة الكردستانية في تركيا ويلعب دورا مساعدا في تثبيت وتطوير التجربة الجديدة في كردستان العراق لتكون بالفعل ملاذا امنا لهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ صادق عمر السندي ، من عشيرة ( دركان عجم ) امر مفرزة ضمن القيادة المؤقتة .. كان مسؤولا عن اغتيال الرفيق ( فارتان شكري جبو ) ابوعامل ورفيقه فاضل من حسك ، سنة 1986 مقدما عربون لالتحاقه بالسلطة ، اسره اوك في معركة فوج سوتكي ولم يسلمه الى حدك ، لكنه قتل في زاخو .
يتبع¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |