ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(21)

 

جليل حسون عاصي

(الفصل الرابع)
(3)

أصدرت حكومة عبد السلام محمد عارف قراراً بتأميم أكثر من 30 شركه ومؤسسه للتماثل مع الجمةورية العربية المتحدة التي قطعت شوطاً بعيدا في هذا المضمار ولم يكن الدافع الحقيقي لهذه القرارات أجراء تحولات اقتصاديه وإجتماعيةفي البلاد بقدر ما لها من دوافع سياسيه. إلا أن المركز الحزبي الذي تشكل في بغداد والذي قاد الحزب خلال تلك الفترة أصدر بياناً عرف تأريخياً بأسم بيان تموز 1964، ثمن فيه هذه القرارات وأعتبرها خطوه في طريق التطور اللارأسمالي وأنها جاءت نتيجة للتأثير الذي تركته الجمةورية العربية المتحدة التي سارت في هذا الطريق وبالتالي ستترك تأثيرها الإيجابي على التطور اللاحق للأوضاع في العراق.
لقد سادت في تلك الفترة طروحات روج لها بعض المفكرين السوفيت أمثال ( بونا ماريوف) وغيره مفادها، أن العشرات من الدول التي تحررت حديثاً من الهيمنة الاستعمارية وأقامت حكوماتها الوطنية في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أمثال جمهورية غانا وغينيا ومالي والجمهورية العربية المتحدة سارت في طريق التطور اللارأسمالي في بناء اقتصادها مستفيدة من الدعم الذي تقدمه الدول الاشتراكية والاتحاد السوفيتي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية وبما أن شعوبها عانت الكثير من التخلف بسبب إرتباطها بالاقتصاد الرأسمالي وستكون بالتالي احتياطي للاشتراكية في ظل توازن القوى على النطاق العالمي ورجحان كفة الاشتراكية التي هي سمة العصر.
من هذا المنطلق الفكري صدر بيان تموز 1964، والذي استقبلته المنظمات الحزبية والجماهير الملتفة حولها بعدم الارتياح ثم أخذ يتصاعد شيئاً فشيئاً حتى وصل لحد الاستياء والتطاول على سياسة الحزب . فقد تباينت ردود الفعل بين هذه المنظمة أو تلك وهذا الرفيق أو ذاك، وكان الاستياء أعم وأشمل بين السجناء والمعتقلين السياسيين وفي التنظيمات الطلابية والشبابية في الخارج والتي عكستها البيانات التي صدرت والندوات إلي عقدت وقيل في وقتها أن وراءها أحد أعضاء قيادة الحزب المتواجد في الخارج، شجع هذا الجو على بروز كتله من خارج الحزب عرفت بأسم (الكتلة الثورية ) ضمت عناصر سبق وأن عملت في الحزب غالبيتهم من العسكريين الذي أطلق سراحهم، وبدلا من معالجة الموقف والتراجع عن هذا البيان ومنطلقاته الفكرية والسياسية أعتمد نهجاً كاملا ً للحزب بعد الاجتماع الموسع الكامل الذي عقدته اللجنة المركزية في الخارج والذي تمخض عن إصدار وثيقة عرفت تاريخيا ب(خط آب )1964.والذي أدين لاحقاً ووصف بأبشع النعوت من قبيل خط يميني، تحريفي ذيلي ….الخ.
أن صدور وثيقة خط آب أثار حفيظة المنظمات الحزبية وضاعف من البلبلة الفكرية بين صفوفها ومما عمق ذلك أكثر فأكثر الانقسام الذي تعرضت له الحركة الشيوعية العالمية ، خاصة وان موقفنا لم يكن واضحاً في بداية الصراع . ففي الوقت الذي نشرت فيه جريدتنا ( اتحاد الشعب ) سلسلة من المقالات تحت عنوان ( لتحيا اللينينية ) وهذه المقالات منسجمة مع الخط الصيني . وأن تثقيفنا الذاتي والجماعي كان في أغلب الاحيان يجري بالكراريس الصينية التي أعدها كل من ماوتسي تونغ وشوان لاي وليو شاو تشي لأنها كتبت باسلوب يسهل استيعابه من قبل رفاقنا اكثر بكثير من المؤلفات اللينينية . من هذا فأن خطاب ممثل حزبنا في المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي الشهيد سلام عادل الذي أدان فيه النهج الصيني شكّل مفاجئة لكل المندوبين لانهم يعتقدون اننا مع الخط الصيني. ان وجود نهجين مختلفين للحركة الشيوعية ، النهج السوفيتي الذي يمثل وجهة نظر الحركة الشيوعية والنهج الصيني – الألباني الذي تتعاطف معه بعض الأحزاب الشيوعية خاصة في شرق آسيا ، والذي وصل لحد المهاترات الاعلاميه فقد اتهمت القيادة السوفيتية بالتحريفيه في حين أتهمت الاخرى بالجمود العقائدي والانعزاليه والاصابه بمرض الطفولة اليساري ، ادى الى تقبل الافكار اليسارية المتطرفه التي روج لها الخط الصيني الألباني من قبل قطاعات واسعة من الشباب والطلاب لأنها تتناغم مع عواطفهم وتطلعاتهم وهم يتابعون انتصارات الثوره الكوبيه وصمودها بوجه الامبرياليه الأمريكيه التي لا تبعد عن حدودها بأكثر من 90 كم ، وعن أنتقال الثائر الكوبي (تشي جيفارا) إلى أحراش بوليفيا في أمريكا اللاتينية وقيادته حرب الانصار هناك والترويج للبؤر الثورية التي تحدث عنها الشاب الفرنسي (دوبريه) وغيره .. وعن صمود الشعب الفيتنامي ومقاومته البطولية للإمبريالية الأمريكية كأعتى قوه غاشمة في العالم .وعن مسيرة (ما وتسي تونك ) الكبرى أبان الثورة الصينيه وتضحيات الشعب الكوري .أضافه إلى التغطية الاعلاميه الواسعه التي زخرت بها العديد من الكراريس والنشريات . أن هذا وغيره لاقى صدى واسعاً لدى الجماهير القريبة من الحزب والقاعدة الحزبية التي تتكون غالبيتها من الطلبة والمعلمين والفلاحين والكسبه والحرفيين الذين لم ينصهروا بعد مما جعلهم عرضه للتأثر بهذه التيارات الفكرية .
ساد التنظيم في تلك الفتره حاله من الركود والسلبية والبلبلة الفكرية ولم يقتصر هذا الأمر على منظمه دون أخرى ،وانما شمل كافة المنظمات بدون استثناء وارتفعت الاصوات من دخل وخارج الحزب خاصة الرفاق الذين اعتقلوا بعد انقلاب شباط واطلق سراحهم تندد بالخط السياسي للحزب، وبدأ الطرح داخل الاجتماعات الحزبية وخارجها عن الاخطاء التي رافقت سياسة الحزب منذ ثورة 14 تموز 1958 ونعتها بالسياسة اليمينية الذيلية مستندين في ذلك على الشعارات التي رفعت في تلك الفترة . ولم تقتصر هذه الطروحات على القاعدة الحزبية وانما تعدته الى كوادر الحزب وبعض اعضاء القيادة والغريب في الامر ان من كان متهماً بميوله اليمينية من بين اعضاء اللجنة المركزية ممن بقوا على قيد الحياة . تحول بقدرة قادر بالميل نحو اليسار وادان بكل ما لديه من قوة منطلقات الحزب اليمينية ، الامر الذي أضطر اللجان الحزبية المسؤولة في المدن والارياف ان تبذل اقصى الجهود من اجل اقناع المنظمات الحزبية والجماهير الملتفة حولها بصحة سياسة الحزب ومنطلقاته الفكرية التي جاءت بها وثيقة آب ، من أجل الحفاظ على وحدة الحزب وتوطيدها وأيقاف حالة التسرب ولكسر حالة الجمود التي سادت المنظمات والتي من مظاهرةا ندرة الانتساب للحزب وجزر في ماليته وضعف العمل الجماهيري والنشاط السياسي ومن مفارقات تلك الأيام الصعبة والقاسية أننا جابهنا حالات فريده من نوعها فما أن نستبشر بإقناع منظمه حزبيه أو خليه أو رفيق بسياسة الحزب بعد جهود مضنيه تطلع علينا إذاعة صوت الشعب العراقي بخبر عن أعدام أحد الرفاق أو صدور حكم بحق أخرين أو اعتقال مجموعه أو تناول سيرة رفيق أستشهد تحت التعذيب حتى تذهب كل جهودنا سدى ونعيد الكره مرةً أخرى .
كان لابد من نشر الوعي السياسي وتنشيط العمل الجماهيري المطلبي بأعتباره أحد العوامل التي تساعد في أشغال الرفاق وبالتالي التخفيف من البلبله الفكريه وهو الطريق الوحيد والكفيل بكسر الجمود الذي تعاني منه ألمنظمه ، لذلك توجهنا إلى الرفاق الذين أطلق سراحهم وأغلبيتهم من العناصر الواعية والمثقفه في الناصريه الا انهم بعيدين عن التنظيم لاعتبارات خاصه ، طالبين منهم مساعدتنا لان الحزب بحاجه ماسه إلى خدماتهم ،أستجاب الجميع تقريبا لهذا الطلب بعد استلام رسائلنا وشكلوا تنظيما ديمقراطيا ً تحت أسم ((الشبيبة الديمقراطية )) قدموا من خلاله خدمات كبيرة ساهمت في كسر السلبيه وخلقت مناخاً سياسياً جيدً في المدن مستغلين خبرتهم وتواجدهم في الاماكن العامه كالمقاهي والمدارس والمضايف وكانت منظمة الشطرة رائده في هذا المجال ، وحضيت المبادره بتثمين قيادة الحزب .
تعالت الصيحات ضد خط آب من داخل وخارج الحزب وعلى مختلف المستويات ،وبعد صراعات ونقاشات حاده أصدر الحزب بيان في نيسان 1965 رفع فيه شعار أسقاط السلطة ولم يحدد فيه آلية ألإسقاط .أعقبه اجتماع موسع في تشرين الاول 1965 حضره 25 كادرا حزبيا متقدماً ومن بينهم أعضاء في اللجنه المركزيه والمكتب السياسي تمخض عن تبني تكتيك الانقلاب العسكري على أعتبار أن قوى عديدة استخدمت الجيش كأداة للتغير فلماذا لا نجرب حظنا في هذا المضمار.
خاصة وأن الماركسيه لا تحرم ذلك على ألطبقه العاملة وحزبها الشيوعي .
فاولاً لابد من الاشارة الى مدى شرعية هذا الاجتماع في ظل غياب اغلب اعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي . وتحت اي ضابط جرى انتخاب عدد من الحاضرين لعضوية اللجنة المركزية . في حين ان انتخاب اللجنة المركزية من صلاحية المؤتمر الوطني فقط كما مثبت بالنظام الداخلي للحزب ، علماً ان البعض منهم غير مؤهلين لأحتلال هذا الموقع ، وفعلاً تهاوى هذا البعض بعد الاجتماع الموسع بفترة قصيرة جداً . وثانياً فيما يتعلق بتبني الاجتماع الموسع لتكتيك الانقلاب العسكري .
فحسب علمي وكما قيل في حينه ان رفيقين من قيادة الحزب من بين الذين حضروا الاجتماع ، كان لهم الدور الاساسي في اقناع الحاضرين بهذا التكتيك وظلوا متمسكين به حتى بعد ان تبين خواء هذا التكتيك وعدم جدواه والسؤال المطروح لماذا أجهض هذان الرفيقان محاولة الحزب لاستخدام الجيش للاستيلاء على السلطة في حزيران 1959 عندما تشاور سكرتير الحزب الشهيد سلام عادل مع الشهيد جمال الحيدري والراحل صالح مهدي دكله وعطشان الازيرجاوي . لأخذ زمام المبادرة من القوى القومية والرجعية التي كانت تخطط لمحاولة انقلابية تستهدف قاسم والحزب لشيوعي في وقت كانت الامكانيات متوفرة لنجاح هذا التحرك . ولسنا هنا بصدد الدفاع عن المحاولة ، لأني على قناعة تامة بأن الحزب حتى لو أقدم على هذه المحاولة ونجح فيها لم يكن مصيرها افضل من مصير انقلاب (تراقي) في افغانستان ، وسياد بري في الصومال ، ومانغستو ميريام في اثيوبيا وسلسلة الانقلابات في اليمن الديموقاطية ، وربما سيكون مصيرها اسوأ من هذه البلدان ، لأن العراق يختلف عنها كلياً فوضعه الداخلي وتناسب القوى فيه يختلف عن البلدان المذكورة ، ولاننسى كونه دولة نفطية وإن منابع النفط المهمة تقع على مقربة من حدوده ، ويحتل موقع ستراتيجي في المنطقة ، ومحاط بدول مرتبطة بحلف السنتو والناتو ، وان اغلب الدول العربية تحكمها انظمة رجعية معادية للشيوعية وحتى الجمهورية العربية المتحدة التي تدعي انها تمثل حركة التحرر العربي ، شرعت بالتآمر عليه منذ الايام الاولى للثورة . ناهيك عن الوضع الاقليمي والدولي الذي كان يعيش اجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي . وعلى نفس السياق كان المفروض ان لانسمح باستمرار رفع شعار ( عاش الزعيمي عبد الكريمي ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي ) الى نهاية المسيرة . وان الرأي القائل 0 ان انزال الشعار ووزارة الدفاع – حيث يقف قاسم – قريبة يعطي انطباع سيء للجماهير وللحكومة بعد ان قطعت المسيرة شارع الرشيد كله ) .
ان هذا مجرد تبرير لا اكثر ، فقد كان سكرتير الحزب عندما سمع بالشعار جالساً في احدى البالكونات القريبة من رأس القرية في شارع الرشيد وهي بعيدة عن وزارة الدفاع هذا اولاً وثانياً. يمكن انزال الشعار ومعالجة الموقف في عدد اليوم الثاني لجريدة اتحاد الشعب . وتحميل القوى المعادية للحزب مسؤولية دس هذا الشعار ، واغلب الظن ان قيادة الحزب تأثرت بالجو العام للمسيرة حيث رددت حوالي مليون حنجرة هذا الشعار ، وبحماس منقطع النظير وسمحت بمواصلة رفع الشعار على امل ان يتحقق تمثيل الحزب بالوزارة من خلال الضغط الجماهيري لكونه الوحيد من بين احزاب الجبهة الوطنية الذي لم يمثل بالوزارة . وهنا تكمن حقيقة الاخطاء الناتجة عن وجود صراع داخل قيادة الحزب وصل لحد ظهور تكتل يميني معارض ساهم في تأرجح سياسة الحزب وعرقلة تنفيذها .
لقد اصبحت المهمة الاساسية امام المنظمات الحزبية بناء تنظيمات بالقوات المسلحة على ان تجري لها متابعة في كل اجتماع والتأكيد على الاتصال بالعسكريين الذين يصلون إلى ذويهم في الاجازات واعتبار ذلك واجب حزبي على كل رفيق وأجراء جرودات في كل مدينة وقرية عن أبنائها العاملين في الجيش وأرسالها إلى الحزب لقد بذلت جهود كبيرة ومتواصلة في هذا الاتجاه لحد أن بعض قادة الحزب دخلوا اكثر من مره معسكرات الجيش وتجولوا فيها . وأستورد الحزب بعض قطع الغيار التي تستخدم في أجهزة الإرسال . الا أن كل هذه الجهود ذهبت سدى لاننا نعتمد بالأساس على بضعة ضباط صغار وعلى الجنود والمراتب اولا ولان أعتقال رفيق ما في الجيش أو نقل أخر في تنظيم هاشم يؤخر العمل فتره ليست بالقصيره وهكذا عالجنا الخطأ بالخطأ ،لان خط آب اليميني وبيان نيسان والعمل الحاسم المتياسر أنطلقا من عقليه واحده ومن منبع واحد .

يتبع


¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر

¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

االأحد 20/5/ 2007

| أرشيف الذكريات  |