ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(1)

 

جليل حسون عاصي

-1-
يقال أني ولدت عام 1939 ، من غير معرفة اليوم والشهر ولهذا أصبح تاريخ ولادتي أوتوماتيكياً يوم 1/7 كما هي حال ولادات الملايين من العراقيين ، فقد جرت العادة في حينها ان تؤرخ الولادات بأحداث هامة يمر بها البلد او المنطقة المعنية كالحروب او الكوارث الطبيعية او تفشي وباء معين وليس بالأيام والأشهر ، فقد كان يقال ان فلان ولد ( سنة المصران ) او ( سنة ابو زوعة ) او ( الحرب العالمية ) او ( ثورة رشيد عالي ) وهكذا . أما سيئ الحظ الذي لم تكن ولادته اثناء هذه الأحداث او قريباً من حدوثها فلا يستطيع تحديد عمره وبالتالي يلجأ للتخمين .وكان تسلسلي السابع بين أخوتي وأخواتي ، فرحت العائلة كثيراً بالمولود الجديد , لسببين أولهما كوني ذكرا وهذا بحد ذاته له طعم خاص ، وميزة كبيرة في مجتمعنا .لأني سأحمل إسمها في المستقبل واساعدها بالعمل واقف إلى جانبها عند الشدائد ، وثانيهما لان العائلة فقدت اثنين من أبنائها قبل ولادتي ,لذلك لقيت رعاية خاصة خوفاً من اللحاق بأخوتي وكان محل ولادتي في منطقه ريفيه تسمى (ام الشعير) تابعة إداريا الى ناحية الموفقية ـ قضاء الحي ، تقع على الضفة اليمنى من نهر الغراف . عانى والدي من اليتم قبل ان يكمل السادسة من عمره بعد ان قتلت الجندرمة التركية والده ، الذي كان في حينها واحدا من ابرز قطاع الطرق بالمنطقة, في وقت كان فيه هذا العمل الاجرامي وغير المشرف يعتبر ضربا من الشجاعة والبطولة ، وكثيرا ما يتفاخر به اقاربه وابناء عمومته وحتى زوجته ، والشخص الوحيد الذي يعتم على الموضوع ولا يسمح بالحديث عنه هو والدي لأنه يعدها نقيصة موجهة له وإساءة إلى والده وفتحاً لجروحه التي اندملت , لذلك أبتعد عن هذا الطريق وأتجه اتجاهاً دينياً صرفاً منذ صغره ووقف بوجه الذين يتفاخرون بالأعمال اللصوصية ومارس ضغوطا كبيرة بما فيها استعمال القوة على أخيه الأصغر بعد ان لمس , رغبته في مجاراة الآخرين ومنعه من السير في هذا الطريق .
عمل والدي بالزراعة منذ نعومة أظفاره لانه أصبح رغماً عنه المعيل الوحيد لأمه وأخوته ومما ساعده على ذلك وفرة الأراضي الزراعية وسيادة العلاقات الابويه بين شيوخ العشائر وأبناء عشائرهم (الفلاحين) لأنهم لم يتحولوا بعد إلى أقطاعيين فقد كانت حياتهم لاتختلف كثيراً عن الأخرين فهم يعيشون في الخيام ويلبسون نفس الملابس ويتنقلون من مكان ألي أخر على ظهور الخيل ينحصر تفكيرهم بحدود الديرة التي يعيشون فيها ، والتعايش مع جيرانهم من العشائر الأخرى ،لذلك يحرصون كثيراً على لحمة أبناء العشيرة وتسليحهم ، والتعرف على ما يدور من تحركات وأخبار بالمنطقة والمناطق الاخرى أثناء تواجدهم بالمضائف التي يقضون أكثر أوقاتهم فيها ، حيث يتبادلون الاحاديث والقصص والأشعار والهوسات والأمثال خلال أرتشاف فناجين القهوة لا يعنيهم شيء مما يجري في العالم من تطورات وأكتشافات وأختراعات ، ولم يشغلوا أنفسهم بها ، بل الأكثر من هذا انهم لم يصدقوا ما يقال ويشاع عما يجري في العالم فعلى سبيل المثال قيل أن أحد أخوة شيخ عشائر المنتفك في ألمنطقة المدعو حمد الفهد وصل للديرة عائداً من أستنبول التي عاش فيها فتره من الزمن وتحدث في المضيف عن مشاهداته هناك ومما قاله أنه راى العجائب في تركيا ، فقد شاهد حديد يغني وحديد يمشي وحديد يطير . أبتسم الشيخ الجليل لعدم قناعته بما تحدث به أخوه, وحاول أن يخفي أبتسامته ، الا ان محدثه انتبه إلى ذلك وعرف ما يدور في رأس الشيخ فأصطحبه إلى بغداد واشار إلى الجهاز الذي تنطلق منه الأغاني في أحدى مقاهي علاوي الحلة قائلا له هذا الحديد اليغني ! وبعهدها أشار إلى القاطرة التي كانت تسير على السكة الحديدية وقال له هذا الحديد اليمشي! ويقال انه بقي ينتظر عدة أيام لحين وصول طائرة إلى بغداد قائلا له وهذا الحديد اليطير!. بعدها حدثه قائلا - أعتقدْ الآن يا أخي انك لاحظت بأم عينك صحة المعلومات التي تطرقت لها في المضيف وأنا أعذرك على ذلك ، ولابد أن تعرف ان الحياة تغيرت كثيرا ، وهذا يتطلب منا ان نغيرمن حياتنا وطريقة تفكيرنا .( والملاحظ من خلال الحوار الذي دار بين الأخوين اللذين عاشا في بيئتين مختلفتين كيف كانت نظرة الناس في بلادنا بشكل عام والشيوخ بشكل خاص الذين لم تفسدهم بعد القوى الاستعمارية).
كانت الأراضي التي يرويها نهر الغراف تقتصر الزراعة فيها على المحاصيل الشتوية ، أما المحاصيل الصيفية وزراعة الخضر فهي نادرة جداً لجفاف نهر الغراف في فصل الصيف قبل تشييد سدة الكوت التي نظمت توزيع المياه بين نهر الغراف ونهر الدجيله والأراضي الواقعة بين الكوت والعمارة ، لدرجة أن الفلاحين يعتمدون في الحصول على مياه الشرب وسقي الحيوانات على ( البراريد ) مفردها (براده) وهي تحفر في قاع النهر لقرب الماء من سطح الأرض .
اهتمت ألعائلة كما هو حال العوائل الأخرى جميعاً. بتربية الحيوانات كالغنم والماعز وكم من مره سمعنا أحاديثا تدور بين أفراد ألعائلة عن أيام زمان التي يذكرون فيها أنهم ذبحوا خروفا عندما زارهم فلان، وأخر عندما تزوج علاّن وثالث بمناسبة عيد الأضحى ورابع لايفاء نذر لأحد الأولياء الصالحين، لدرجه كان لعابنا يسيل ونحن نتصور هذا الكم من الخراف التي تذبح لاسيما واننا لم نذق طعم اللحم إلا في بعض المناسبات. وعندما بلغ والدي مبلغ الرجال تزوج من والدتي على الطريقة المتعارف عليها في الريف ( زواج الكَصة بالكَصة ) ، وهي إنسانة ريفية بسيطة شاركته في تحمل أعباء الحياة كالعمل وتربية الأطفال ، وعلمتها بيئتها الريفية البساطة والهدوء والتضحية ونكران الذات وحب الآخرين، وشملت جميع أبنائها وبناتها البالغ عددهم (8) أفراد بعطفها وحنانها وسهرت الليالي من اجل راحتهم والعناية بهم، ورغم طيبتها وهدوئها الا انها سرعان ما تتحول إلى لبوة هائجة عندما تشم رائحة الخطر يتهددهم، ولا تتوانى عن القيام بأي جهد من اجل درء الخطر عنهم.

-2-
في منتصف عام 1941 حيث كان عمري بحدود السنتين نزحت العائلة من الريف وسكنت مدينة الحي ، بعد ان باعت كل ما لديها من غنم وماعز وخيل وسلاح رغم أن والدي كان من المقربين للشيخ ( حمد الفهد ) احد رؤساء البيكات من أل سعدون ومن المتحدثين الرئيسيين في مضيفه ، لما يمتلكه من معلومات عن انساب العرب وأشعارهم وهوساتهم وقصصهم ، والقيم التي يتعاملون بها والطرق التي يمارسها رؤساؤهم ، في حل المشاكل التي تواجههم ، اضافه إلى امتلاكه لمعلومات دينيه عن أصول وفروع الدين ، وحفظه لبـــعض الآيات القرآنية والأحاديث النبويه والتي يستند عليها دائما في حديثه ، رغم كونه فلاح أمي عاش في بيئة ريفيه متخلفة من مواليد أواخر القرن التاسع عشر ، ويعزى سبب انتقاله للمدينة إلى التغير الذي حصل في الريف العراقي بعد اصدار قوانين التسوية وتمليك الأرض إلى شيوخ العشائر فقد اصبح همهم الاول الحصول على اكبر كمية من الانتاج على حساب الفلاحين وممارستهم مختلف اساليب الاستغلال والاضطهاد وتحولوا فعلاً من متبوعين الى مسيطرين . وطرحوا أنفسهم كأسياد أقطاعيين وليس شيوخ عشائر. فمصالحهم لم تبق مرتبطة بالعشيرة لكي يهتموا بها .
فالأرض صارت تحت ملكيتهم الخاصة بقوة القانون ، والحكومة هي التي تحميهم وتساعدهم. لذلك أطمأنوا على مصالحهم وأعتمدوا على مجموعة من المقربين اليهم يُدعوّن بـ ( الوكلاء او السراكيل ) للمتابعة والإشراف على أراضيهم المزروعة . وأنصرفوا هم لقضاء أكثر أيام السنة للعيش في العاصمة حيث سكنوا القصور الباذخة الفخمة وركبوا السيارات الفارهة وأعتادوا قضاء الليالي الحمراء فيها والتحلق حول موائد القمار في الفنادق الراقية ومغازلة الغانيات في الملاهي.
وتحولت المضائف إلى اماكن تطبخ فيها المؤامرات وتتردد فيها كلمات الحقد والضغينة تحيط بهم ثلة من الرجال المسلحين لحمايتهم ،يسخرونّهم لبث الرعب والخوف في قلوب الفلاحين ووصل لحد ضربهم بالرصاص والتعاون مع الشرطة للقضاء عليهم كما حصل لفلاحي ( آل عايد)(1) ، عندما انتفضوا عام 1941 بوجه الاستغلال والاضطهاد وأعمال السخرة التي مورست ضدهم من قبل الملاكين والتي ادت إلى ذبح العشرات منهم لدرجة ان اغلب بيوتهم خلت من الرجال لذلك وقف شاعرهم يترنم بالهوسه المعروفة ، (تحصد جاسر جاث ايية ) للتخفيف عن الآم الأرامل واليتامى وزرع الثقة في نفوس من بقي منهم على قيد الحياة ، ولبث الذعر والرعب في نفوس الإقطاعيين الذين اخذتهم نشوة الانتصار والمهوال هنا يعترف بان الإقطاعيين ومن يقف ورائهم انتصروا بالمعركة وتمكنوا من قتل الرجال ورملوا النساء ولكنه من جانب اخر يحذرهم من الايام القادمة وكأن لسان حاله يقول لهم مهلا ايها السادة لا تفرحوا بأنتصاركم انه مؤقت ، لان ارحام الأرامل حبلى بالاجنه التي لابد ان تظهر إلى النور ويقوى عودها وتعركها الحياة ، عندها ستثأر للدماء التي سالت والحقوق التي اغتصبت وتنتصر عليكم وتبين لاحقا من خلال ما عرضه احد الرفاق الفلاحين المدعو ( سيد شنان ) ان الرفيق فهد كان يترنم بهذه الهوسة باستمرار عندما كان نزيلا في سجن الكوت. ويروي والدي الذي كان شاهد عيان كيف هزته هذه المجزره هزا عنيفا وجعلته يخشى ان يتعرض هو وابناؤه وعائلته للمصير نفسه في المستقبل لذلك قرر الهجرة من الريف إلى مدينة الحي ، ومما شجعه ايضا للاقدام على هذه الخطوه ، النصائح المتواصلة التي كان يسديها له ابن عمته ( يونس علي المذخور) الطالب في كلية الحقوق آنذاك بترك الريف والسكن في مدينة (الحي)، لكي يأخذ الأولاد طريقهم إلى المدرسة لا الفلاحة لان الطريق المضمون هو طريق العلم ، وبادر فعلاَ إلى سحب اخي الكبير (رسول) قبل انتقال عائلتنا إلى المدينة ، واسكنه في بيته وادخله المدرسة . في الصف الثاني الابتدائي مباشرة لانه تعلم قراءة القرآن الكريم لدى الكتاتيب المنتشرة في الريف آنذاك والتي هي البديل عن المدرسة .

-3-
استقرت العائلة في ألمدينة بعد أن أستأجرت داراً في أطرافها وهي لا تختلف كثيراً عن بيوت الفلاحين ، وتفتقر الى أبسط الخدمات وميزتها الوحيده أن بدل أيجارها رخيصاً. وأشتغل والدي في بيع وشراء المنتجات الفلاحيّة (الصوف والدهن والغنم والماعز) كونها الأقرب الى مهنة الفلاحة. إلا انه لايمتلك الخبرة في العمل التجاري ويجهل الأساليب الملتوية التي يمارسها التجار. لذلك اتفق مع احد التجار المعروفين بالمدينة وهو سيد من آل بيت الرسول ، لقناعته التامة بأن مثل هذا الشخص لايرقى اليه الشك وأن حقه مصان وفي يد أمينة. كان الاتفاق يقضي بأن يقوم والدي بشراء البضاعة من الفلاحين وايداعها الى التاجر لبيعها على ان يكون الربح والخسارة مناصفة.
شمر والدي عن ساعده وظل يتجول في الارياف ويتواجد في الاماكن المخصصة للبيع والشراء في المدينة لشراء أكبر قدر ممكن من البضائع. وعند تصفية الحساب بعد مرور سنة تقريباً ظهر ان لديهم خسارة كبيرة. وبهذا فقد أغلب رأسماله، وعندما نصحهُ البعض أن يطالب التاجر بمراجعة الحساب واللجوء الى تجار الصنف ، رفض ذلك بشدة معللاً ذلك بأنه رجل فقير وغريب وغير معروف بالسوق ، فمن يصدق أنه على حق وان السيد التاجر صاحب المركز الاجتماعي المرموق على باطل. وظل يقول لمن يعترض على تصرفه لقد خسرت نقودي وحافظت على سمعتي ، وان تصرفت خلاف ذلك لخسرت الاثنين معاً.
لقد تركت هذه الخسارة تأثيرها السلبي عليه وأصبح في وضع حرج جداً فلا يستطيع العودة الى الريف بعد ان ترك أرضه وباع ما لديه من وسائل تساعده على العيش هناك .وأدخل أبنائه الى المدارس ، اضافة الى الجانب النفسي فلا يريد ان يظهر بمظهر الرجل الفاشل الذي هرب من اول عقبة واجهته في حيات بالمدينة. وبسبب الإحباط الذي لحقه من عمله التجاري وخوفه من الاجهاز على ما تبقى من رأسماله ، ولكون العائلة تتنقل من بيت للايجار الى آخر وهذا غير مقبول اجتماعياً في نظر عائلة عاشت جل حياتها في ريف متخلف، استغل مبادرة بلدية الحي في توزيع الاراضي على الذين لايملكون دار للسكن لقاء بدل مثل رمزي . وفعلاً حصل على قطعة أرض شيد عليها بيتاً بسيطاً . كانت واجهته مبنية بالطابوق حسب مواصفات البلدية أما الداخل فكان من (اللبن) وسقفه من الخشب والحصران ، وطليت جدرانه بالطين الممزوج بالتبن .
أنتقلت العائلة للبيت الجديد رغم نواقصه الكثيرة. فقد استعيض عن الأبواب بأكياس الجنفاص ، ولم يدخله الماء الصالح للشرب ولا الكهرباء طيلة اقامة العائلة فيه . ومع هذا عمت العائلة الفرحة وهلل وبارك الأقارب والأصدقاء. وكانت فرحة الوالد أكثرهم جميعاً لأنه وفر للعائلة ستراً (كما يقول دائماً) رغم انها عاشت منذ ذلك الحين في فقر مدقع وصل لحد أنها لاتستطيع توفير لقمة الخبز للأفواه الجائعة لم تستسلم العائلة ولم تفرط بكرامتها وتستجدي من الآخرين مهما كانت درجة العلاقة معهم . وانما انخرط الجميع بالعمل فقد اعتادت الوالدة الذهاب الى أقاربها في الريف بموسم الحصاد من كل سنة والعمل في حصاد الحنطة والشعير - لأن الآلة لم تدخل بعد ـ بل لم تكن معروفة أصلاً – مقابل حزمة من السنابل تعطى لها في نهاية كل يوم عمل . وتقوم ايضا بجمع السنابل التي تتهشم وتسقط على الأرض بفعل هبوب الريح وتجمع هذا إضافة الى ما تقدمه الحبايب لها وتعود محملة بعدد من اكياس الشعير والحنطة ، وهي كل غذاء العائلة لمدة حول كامل، وعند نفاذها يقتصر غذاء العائلة على التمر فقط ، وبمعدل وجبتين في اليوم ، اما وجبة الفطور فهي غير معروفه لدى العائلة أصلا طيلة ايام السنة ، ولم يتوقف عملها عند هذا الحد وانما كانت تُشغل اوقات فراغها في غزل الصوف مقابل مبلغ (150) فلساً عن كل كغم من الغزل تشاركها بناتها في هذا العمل إضافة الى حياكة السجاد ، وتمكنت من جمع مبلغ اشترت به بقرة لتطعم ابنائها من حليبها ولبنها ، وترسل ما توفره من نقود الى ولدها الكبير (رسول) الطالب في كلية الملك فيصل ببغداد(2) . وشاركت الجدة بغزل الصوف لتدبير احتياجاتها من الملابس والسكائر . لقد عمدت العائلة رغم الظروف القاسية التي تعاني منها الظهور بالمظهر اللائق أمام الناس وبذلت كل ما تستطيع من اجل التعتيم والتكتم للتغطية على حالتها الاقتصادية وعدم اطلاع الاخرين بما فيهم المقربين منها الا ان احدى الجارات وهي والدة المناضل الشيوعي المعروف (هاشم جلاب)(3) .
شعرت ان تنورنا لا يشتعل ، وهذا يشير إلى نفاذ ما لدينا من الطحين . حملت هذه الجاره طبقا من الطحين وتوجهت به صوب العائلة. رفضت الوالدة استلامه ، مؤكدة لها بإصرار بأن الطحين متوفر الا ان التنور بحاجة إلى ترميم ومن أجل أن تُقنع الجارة وغيرها بصحة إدعائها قررت الذهاب يوميا إلى المزارع القريبة من المدينة واقتطاف نبات طبيعي يعرف ( الخباز ) وطبخه على التنور .وبعد ان عجز والدي عن إيجاد عمل مجزي لإعالة عائلته اضطر للموافقة على العمل مع صهره (دويح حسن الحاج بدر) بعد ان عرض عليه فكرة تأجير البستان العائدة له بضمان سنوي يدفع أثناء جني الحاصل أولا بأول .و بما ان المسالة لا تكلفه اكثر من جهده العضلي و جهد عائلته ، فلماذا لا يجرب حظه في هذا الميدان .خاصة وانه ترك العمل في بيع و شراء الأغنام و تسويقها إلى بغداد ، لان رأس المال لم يكن له ، وبالتالي فان حصته في أكثر الأحيان اقل من حصة الراعي الذي يرافقه ، وربحه الوحيد و الثابت في كل سفرة زيارة ضريح الإمام موسى الكاظم (ع).
انتقلت العائلة من بيتها في المدينة و سكنت في كوخ اعدّ من أغصان الأشجار قرب البستان في منطقة الكرادة الواقعة في الجهة الثانية من نهر الغراف (4) . بدأنا العمل بكل همة و نشاط ,فقد احتضن والدي مِسحاته مجددا وقام بزراعة الارض الخالية من الاشجار بمحصول الرقي و البطيخ . في حين انحصرت مهمة العائلة في جمع الحاصل على ان اقوم بنقله إلى السوق و بيعه في علوة المخضرات . و في احدى المرات نقلت عدة اكياس من التفاح و عرضتها في السوق ، لم يتقدم احد على شرائها . فما العمل ؟ !!
لا بد من طريقة لتصريفها لأنها معرضة للتلف . طلبت من نسيبي ان يقدر ثمنها لأنني قررت شراءها و بيعها لحسابي الخاص ، بعد ان عرفت ان سوق التفاح رائج في مدينة الكوت . و بعد تقديره لثمنها توجهت إلى الكوت و عرضت اكياسي في سوق الجملة واحدا إلى جانب الآخر في مدخل علوة المخضرات . كان الوقت مساء" ، جلست بين الاكياس محتضنا" اياها بذراعي، ونمت نوما عميقا . و في فجر اليوم الثاني ، ايقظني من النوم رجل طويل القامة ، ضخم الجسم ، يرفع كرشه الكبير بحزام عريض، يضع على رأسه ما يعرف ب (الجراوية)، يرتدي دشداشة أزرارها مفتوحة تكشف عن صدر عريض كث الشعر ، لكنته غير عربية ، يحمل بيده قلما و دفتر وصولات يعرف هذا الرجل بالدلال . و على ما يبدو ان صغر سني و وضعي البائس اثر في الدلال مما جعله يتعاطف معي كثيرا" لذلك ابتدأ أولا ببيع أكياسي بعد ان فتحها و نظر إلى الحاصل الذي فيها . عندها سجلها على احد البقالين رغم تردده في شرائها . استلمت المبلغ مباشرة" و كدت ان اطير من الفرح بعد ان وجدت ربحي الصافي بلغ (750) فلسا". اتجهت رأسا" إلى محطة السيارات و من هناك إلى اهلي.

يتبع


(1) آل عايد/ أحدى العشائر العربية المعروفة تقع منطقة سكناها غرب مدينة الحي على الضفة اليمنى من نهر الغراف ، دخل وجوه العشيرة في صراع مع الملاكين من آل سعدون تطور إلى معركة مسلحة بين الطرفين، تدخلت الشرطة المحلية في الكوت إلى جانب الملاكين،ألآ أن الفلاحين تمكنوا من السيطرة على الموقف وقتلوا عدد مم أفراد الشرطة ، حينها (هوس مهوالهم ) قائلاً (أبشر يالواوي الشرطة أسمان ) .بعدها قدمت قوات كبيرة من بغداد بطشت بالفلاحين وقتلت العشرات منهم .

(2) كلية الملك فيصل/ وهي ثانوية خاصة أوصى بتأسيسها المستشارون البريطانيون في وزارة المعارف ،مكرسة لتعليم الطلبة المتفوقين في عموم البلاد بعد عام 1941 ،وكان يجري التعليم فيها باللغة الانكليزية وتديرها أدارة بريطانية وفق برامج خاصة هي أرفع من برامج الثانويات العامة الاخرى ،وقد أختير لها في البداية قصر (عبد الهادي الجلبي ) بجوار مدينة الحرية في الكاظمية ،ثم نقلت من بعد إلى الاعظمية وكانت الخطة أن يبعث خريجوها إلى أنكلترا لمواصلة تعليمهم .

ملاحظة/ المصدر عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ج1 ص 363 .

(3) هاشم جلاب / موظف من أبناء مدينة الحي الباسلة أنتسب للحزب منذ بداية الاربعينيات وألتقى بالرفيق الشهيد (زكي بسيم) في بغداد ،عمل في التنظيم الفلاحي وأصبح واحداً من الكوادرالفلاحية المعروفة ساهم في تطبيق قانون الأصلاح الزراعي وتوزيع الاراضي على الفلاحين بعد ثورة14_تموز 1958 وأصبح ممثلاً للحزب في لجنة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في محافظة واسط عام 1973أعتقل وأبعد وشرد خلال نأريخه النضالي الطويل ، يعيش الأن مقعد في بيته يحدث الرفاق الذين يزورونه بين فترة وأخرى عن المسيرة الشاقة والبطولية للحزب الشيوعي العراقي.

(4) يمتد شريط طويل من البساتين العامرة في الجانب الغربي لنهر الغراف ورغم أنها غرست من قبل الفلاحين ،وهم الدين يقومون برعايتها ألا أن عائلة آل ياسين الاقطاعية فرضت ضريبة مقدارها 20% من قيمة الحاصلات تستوفيها من اصحاب البساتين .

 

الأربعاء 20/12/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة