ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

أسرار عن نفق سجن الحلة والكفاح المسلح في الأهوار

الجزء الأول

 

متابعة : المهندس علي الكناني

( نص الرسالة التي ارسلها الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش في 25\ 3 \1968 )
في الليل المحاصر الرتيب ياما حكيت لك ... وياما فهمت حزنك كما فهمت صمتي وقد كان يستنزف عرقك العمل المرهق الدؤوب حملت لك الماء بأخوة عميقة ومنذ الأيام الأولى اكتشفت فيك روح العمل واحببتها وفي السر صنتك في قلبي بين الناس وفرحت دائما وسأظل افرح انك صديقي .
هل اوقظ فيك كل ذلك الذي يشكل جزءا غاليا من حياتي وحياة القضية التي تضيء جوانب عيوني في اشد ساعات الليل ؟! الساعات التي عشناها تعيش عالمها الصرف وتتصرف بي احيانا ...ولعلك تذكر اقصى امنياتي كانت اكثر الأهوار وحشية وبعدا عن المدينة الملوثة وها انت هناك احسدك لأنك هناك في العالم الذي بلل لساني بالأغاني الأذاء . . . عند الناس الذين تتقطر الأحزان في قلوبهم كل ليلة . . . وتولد الثورة في الظلمات التي تخبئهم منذ آلاف السنين . . . انت في النقطة التي يصح ان تسمى البدء . . . جاء في العهد القديم (( في البدء كانت الكلمة وكان وجه الله يرف على الغمر )) . انت هناك ياصديقي . . .وانا يطفح في دمي حنين كآلاف النباتات السائبة على وجه الهور . يا انت في مياه الميعاد . . . الموت في مياه الميعاد . . . هو بدء الخليقة . . . كان ( ) الأنسان بين الناس الذين يحبهم وفي الأرض التي يحبها ويعتقد انها هي ( المكان ) مسألة لا يمكن تسميتها الموت بأي حال .
اخي ....صديقي
مازال صدى الكلمة المحفورة على الخشب الضائع . . . يثير دثـارا في صدري . ومحبة . . تتأجج في اشواق اتمنى ان تراها . . . وكتبت لك اكثر من رسالة . . وجاء منك اكثر من صمت . . . ومللت الصمت . . . انني اتعلم الآن السير في الأرض الصعبة وفي اشد الظلمات . . . وبالضوء الخبيء في القلب فقط . . . وهناك في الأرض التي تغيب فيها الشمس في سنابل الحنطة . . . وتظل مشرقة طوال الليل في عيون اطفال الفلاحين . . هنا قالوا مر سجين في هذا المكان وكان متعبا ويهاجم اليمين بلهجة حارة واضحة . . . ويتحدث بسرعة . . . ويفرح حين يكتشف ان البيت الذي يبيت فيه مع الحزب . . . وضد دجل المحرفين . . . فيدخن علبتين من السكائر . . . وقالوا :وله شارب خفيف اصهب . . وعينان شديدتا الذكاء . . . هتفت في صدري !! انه انت . . انت ذلك الذي عبر الجزيرة . . . وقلت لهم : اعرفك . . وكتمت اسمك مع الأسماء التي في السر . . . هنا التقيت بك عبر الناس . . . سمعت صوتك في احاديثهم وهنا . . في هذه الأرض التي تجمع الأحبة . . التقيت برجل آ خر يحبه قلبي منذ زمن بعيد . . . وخططنا وحلمنا . . .وسمعت صوت الرصاص رغم الصمت الذي يفوح في الليل . . وقلنا نفاجئك. . . وكان شيئا ( هناك ) لم يفهم بعد ولااتوقع _ كالعادة _ ان تفهم الأشياء الحقيقية بسهولة وبدون الم . والححت ان اكون معكم . انتم رجال البداية . . ان البدء يقرر ارتباط الرجل الحقيقي ويجعلك تمتلك لحظة التأريخ . . التأريخ الصامت العظيم . .
في ( الرزمة ) ابتدأنا سوية . . منذ لحظتها الأولى . . منذ خطوطها الشفوية الأولى . . ان ذلك جعلنا نمتلك العملية . . . ونطوعها كلما التوت . . لأننا نملك بدايتها الواقعية . . نملك تأريخها . . . انها ملكنا نحن الذين كنا نعيشها لحظة لحظة . . اكثر مما هي ملك أي انسان آخر . . لقد كانت

القيادة واقعية جدا حينما كتبت في نشرياتها ان رجالا مناضلين صنعوا ذلك وانها ساهمت بــ (( اننا مع كل عمل ثوري )) والآن كل الذي صنعناه وعلى بساطته ملك للشعب . . . شعبنا العظيم . . اقول لك مازلت الح ان نبدء سوية ايضا . . وليس غريبا ان نلتقي نحن الأربعة . اللذين اخلصنا لتلك العملية . . ليس هذا غريبا مطلقا . . ابدا . . ذلك لأنه هناك شيء يريد أن يبدأ بشكل حقيقي . . والشيء الحقيقي يختار الناس الحقيقين . . . مادام هذا الحقيقي يريد أن يبدأ . . . فسنلتقي حتما . . ولكن علينا ان ندخل في التأريخ ونعجل في لقاءنا . . . ولكن ( القرامطة ) . ياصديقي يريدون لي أن اكون في محل آخر . . . سألتزم بعمق وبوعي وسألح بكل الوسائل النظيفة أن أكون معكم . . . أن خمسة اشخاص بأمكانهم ان يوقظوا الشرارة الأولى على ان يكونو هم تلك الشرارة. . . التي ستضيع بعد ذلك في اللهب العظيم الذي تكرس نفسها لأيقـاظـه . . . تلك النــواة هـي الـواجـب الأول باعتـقـادي . . الواجب الأساسي وكل ما عدا ذلك ليس الا مسألة ثــانــويـة في الظرف الراهن وليس هناك نضال غير مهم في عملية الثورة . ولكن بدون ادراك لأهميته والبدء بــه . تخبو كل الجوانب الأخرى . . بدون اللهب الأساسي الأول سوف لا ترى النضالات الأخرى طريقها بشكل صحيح في هذا الليل المظلم . . . المسألة الآن هي زخــة الرصاص الأولى . . . الأنتصار الأول سأعمل جهدي أن التـحق في أ رض الميعاد . . .
أخي الحبيب في الليلة الأخيرة وقبل ان نخرج من الأرض . .حكيت لك تجربة . . تجارب . . . حكايات... لعلك لاتزال تتذكرها . . . بل لعل التجربة اكدتها لك . . او الغتها . . في الحالين يهمني ان اطلب اليك ان لا تنساها . . وفي تلك الأيام الأول التي التقينا فيها قبل اكثر من سنة . . . ساورة قلبي اغنية ( حسن الشموس )

لون توگف دول يسحگها شعب الهور چي ضيمه چبير وگلبه شايل سل
اطرن هورها وكلساع اگول تثور . . . .
اگولن مايصح گبرك ولا حطو عليه ناطور
اگولن عله ساعة ويلهج الشاجور . . .

واليوم في قلبي اغاني اكثر هديرا . . ولكن لا اعرف أن أغنيها . . لقوة ذلك الدوي اللاهب فيها . . انها تكاد ان تتفجر وانت تدري ان الانفجار أحد ارفع اشكال الغناء . . ان قلبي يتفجر بالأغاني هذه اليالي . حيث تقترب لحظة الأنفجار الأولى . . حينما سيبدأ ذلك الأنفجار سيرى الثوريون الحقيقيون وجوههم الصارمة والأنسانية قي مرايا ذلك اللهب . . وستأحذ الأحلام طريقها في المادة . .
الساعة تقارب الواحدة بعد منتصف الليل وابو خليل يـدور في الأزار الأحمر الذي امامه ولعله يحس في قلبه رفيف علم الثورة ووجوه الفلاحين وكما وجه القصب ووجه جيفارا وهو يمد نهرأ ببلادي

سيحكي انني لابد ان اجيء
اقبلك اخي صديقي . . والى اللقاء
أخوك دائما
25\3
انتهت الرسالة
ملئني بالقلق هذا الرجل الهادئ المسكون بالـثورة منـذ شـبابه حتـى الـلحـظة , لا يساورك الشك عنـد لقـاءه إن إوار الثـورة باق في كينونته , منًًحني هدوءا وسكينة , تـنساب افكاره حـال ان تسأله حتى يسـيح كـقطعة زبــد على صفيح ساخن في كل الإتجاهات يسحب منك موضوعك وأسئلتك ليأخذ هـو المبادرة والسيادة في الموضوع لتبقى مسحورا برحـلة غريــبة حـتى تفيق على نفـسك لأن الـزمن الـذي حـددتـه قـليل جـدا لتعود إلى أسئلتك الـتي دونتها خـوف أن يـسرح بـك هذا الساحر الثائر .
حياته مشاريع دراما لا يمكن أن يملها قلم مبدع واحد فيضيع في هذا الغنى في الموضوع والأحداث فتشعر بضعف قلمك أمام هذا الـرجل الـثورة , نـبراته الهادئة واثـقة لا يساورك الشك في صـدقها كيفما تـريـد .
التقيته وقد ولدت رسائله فـي الـف سـؤال , بـدأت أجـزء الأشـياء لأتمكن مـن تـغطيـتها واستيعابها . الثـورة حـاضـرة ولـكن حمـيمـية العـلاقـة تـنـثر عـبقا رائعا في كل مفاصله , طلـبت منـه الإجـابـة . . . أجابني . ! كطفل مطيع . . , طلبت منه التفسير . . . فسر ! . يا لهذا الثائر المطيع كم هو مغر ان تتكلم معه الف عام وقـد غـادرك الملل عنـد لـقائه ! , لي ما اردت , افترش رسائل الشاعر مظفر النواب لـه , لأعيش في سجن الحلة بين سطورها في فـترة ولادتـها في ذلك الزمن الذي تلـى الهروب من سجن الحلة في عملية حفر النفق الدرامية والفنطازية ايضا وعملية ادارة السجن التي رسمت لي جمهورية السجن وديمقراطية السجناء في افكارهم الحلم عندما التقى سجناء الرأي , ينهضون صباحا في مدرسة تعد الأبطال ,تكشف المعادن الثمينة في نفوس الرجال , حتى دراما الهروب مـن النـفق ومـا تلاه مـن عبـور المسافات بـين الحـلة والـديوانية والناصـرية والإلتـحاق بخـلايا الكـفاح المسلح فـي هـور الناصرية الممتد بين الناصرية والعمارة والبصرة . . . اصرار على الثورة , ايمان وتحد , كلها راسخة في نفوس آثـرت أن ( الرجال الحقيقيون تختارهم المهام الحقيقية ) منشغلا ( ابو فلاح ) عـقيل حبش فـي خـلية الهـور عندمـا وصلـت رسالـة مظـفر النواب الى عقيل بيد الرفيق فاضل عباس في زيارة مخصوصة الى عقيل , هذه هي الرسالة الثانية ,الأولى بيد الرفيق حسين ياسين . تتكلم سطورها عن شيء مشترك بـين الأثنين ولأنهما اصبـحا مـلكا مشاعا مـوروثا فلا بـد من استقصاء كل حروف الرسالة ومعانيها في لقائي بعقيل حبش الذي فتح لي ابوابه المفتوحة لمن يطلب الإستيضاح حتى احسست انه اعلن نفسه مُلكا عاما للجميع حق فيه .احسست بالخزي ان هذا الوطن لا يـذكر ابطالـه الذين تـجردوا عن مـاديتهم وذاتيتهم .ارتبط موضوع وذكر ومتابعة عقيل حبش بذاكرتي الصبية منذ الكفاح المسلح وأنا لم أزل صبيا في الحادي عشرة . . . قصصهم تقرع مسامعي في حكايـات الـرجال والنساء فـي الدواية الغافية على ضفاف الهور والتي تصـبح بعـض الأحيـان جزءا منه نـائية بـعيدة عـن المــدن يـتجول فـيها الصـيادون والفلاحون المسحوقون والـثوار المـتخفون بمـظاهر شـتى , حـتى ضـجت مـدينة الـدواية بالشرطة والعسكر والمسؤولين حدث ذلك بدايات عام 1968 , الأخبار ترن في مسامعي أن الثورة تـحرق مياه الهور , عملية الكفـاح المسلح التي تترافق بإعتقال المعلم علي حنظل والمعلم كامل عبد شيال الشيوعيان المعروفان في الدواية , يعتقلان مع أي عملية في الهور . تخيلت أن الثورة ممتدة حتى هذه المدينة الهادئة . غير أن عقيل قلب الثورة و ( نواتها ) كما وصفه الشاعر مظفر في رسالته جزءا من الخلية التي تتعشعش بالهور فعالة بكل أفرادها الإثـنى عشر , يتقاسمون العمل كنمل دون توقف , ( جبار ) خالد احمد زكي . . . جيفارا الثورة المقدام مشحونا بالإرادة كألف رجل يقود فيلقا من الرجال , الذي ماتت عواطفهم وارتباطهم بالحياة . قرأت الـرسالة مـمعنا فيها وقـد أثارت عندي الـف قـصة في كل جمـلة من جمـلها . كانت ذاكـرة عقيل الحاضرة دون اسـتفزاز تـنساب الأحداث منها كـخيوط عسل حـقيقية رقيقة واضحة متواصلة طعمها عسل .
( سلمت الرسالة الى والدتي في زيارتها لي في الشطرة وقلت لها : احتفظي بها ) اخبرني عقيل , حريصا على التأريخ وعلى الإخوة , يمنح الحياة ما عنده ويحرص على مفردات المجد والتضحية . كان لأمه الخيط الرفيع الذي يوصله بالعواطف الإنسانية وقصة حب بعيدة يتشبث بها فـي ذاكــرته السجينه التي تنازعها أدبـيات الثورة و صراعات الحزب مع نفسه وإرادة التغيير التي يُروج لها عقيل بعنف ثوري . في السجن انـتقد الحزب , يريد الثورة من أوسع أبوابها إعصارا مدويا كأغاني مظفر اللاهبات تجتاحه ( سجين يهاجم اليمين ) كما يصفه مظفر النواب , يشير الشاعر مظفر إلى الأربعة وهم ( عقيل حبش و مظفر النواب و فاضل عباس و حسين ياسين ) أولئك قادة ومنفذي حفر نفق سجن الحلة الذي اختاروا له يوم 14 تموز 1967 يوم البدء بعد محاولات وخطط كثيرة . أربعة يتعدى العمل قيمتهم العددية تعبيرا عن إرادة مصممة , تصميم يشهد عليه أيام الحفر وكتابة الأخبار والأدبيات الحزبية وعقد الندوات وحملات التنظيف , كلها نشاطات يومية في جمهورية السجن . إرادة فوق التصور وطموح جامح وثورة لا تأتها الخيبة أو الوهن , ترافق قدوم أم عقيل لزيارة ولدها بعد طول غياب بلقائها ( جبار ) , جاءت مع حسين ياسين و( جبار ) من بغداد أخبرت ولدها إنها التقت احد رفاقه في السجن لم تعرف اسمه ولم يعرفه عقيل من الوصف . . . اخبر حسين عقيلا انه ( جبار ) ! ! ! ؟
كانت الرسالة حميمية المعاني تشير إلى عمق العلاقة بين مظقر وعقيل , في السجن التقيا ,يضع مظفر صورة عقيل في طرف عيونه دون أن يحس بمن يقيد حريته , كلاهما تعرف على الآخر قبل اللقاء . . . أشعار مظفر ومواقفه تصل قلوب الشباب لتترسب أحجارا في حدود الممنوع المحفوظ في الذاكرة العطشى للحرية لتبوح بكل ما فيها من هذا الغارق بجماليته وعمق مراميه وسمو موضوعه . نقل مظفر القضية إلى أغنية وقصيدة يحفظها الأطفال قبل الكبار , يرددها الشباب أفكارا مسموعة .
سمع مظفر عن بطل شاب جابت اخباره شوارع الناصرية بعد سقوط عبد الكريم قاسم وسجون الكويت والمحمرة والأحواز وعبادان وطهران وسجن الرمادي والعمارة , دوت مواقفه الصلبه في غرف التعذيب والتحقيق والإستجواب والمحاكم , علا صوته في السجون وجدران المعتقلات ثوريا ينشد اناشيد الحزب لاتهن الثورة على لسانه كما في قلبه .اخترق جدران الصمت بصخبه وجاب اسمه كل خلايا الثوار , حاز على اعجاب الثوار . حِس مظفر العالي حيث نقاط الضوء التي تأتي من اماكن مختلفة فـي اصـقاع الـوطن الـنازف مـن صـراعـات الـدم والأفـكار الساخنه يتابع نقطة ضوء اصبحت شمسا لا يمكن ان لا تأخذ الأهتمـام . كـبر عـقيل حبش حـتى اصـبح اسـمه اكبر مـن عمره مرات , انتمى الى الإسطورة والخيال وقصص الجدات في ذاكرتي الصبية كما في متابعة مظفر الذي كان معجبا بإقدام هذا الشاب الذي اسبغ ثورته بالأقتحام والقرار الواحد . . . اقتحم كل الإرادات التي تعارضه بإرادة مفطورة على الثورة , كل العمليات التي قادها عقيل سليمة لم يضع الخوف امامه , يبحث عن الموت فتوهب له الحياة , الحياة التي يصرفها في خدمة القضية وهو جزء منها . . . كما اعضاء الجسد النابض بالحيوية .
التقى الأثنان في جمهورية سجن الحلة مطلع عام 1967 كل يتقدمه ( صيته ) الذي يلمع حول اسمه , التقيا توأمان في الروح والثورة .
(( في الليل المحاصر الرتيب ياما حكيت لك . . . وياما فهمت حزنك كما فهمت صمتي , وقد كان يستنزف عرقك المرهق العمل الدؤوب حملت لك الماء بإخوة عميقة ومنذ الأيام الأولى اكتشفت فيك روح العمل واحببتها وفي السر صنتك في قلبي بين الناس وفرحت دائما وسأظل أفرح انك صديقي )) من رسالة الشاعر مظفر النواب الى عقيل حبش .
يبرز في مقدمة هذه الرسالة مدى العلاقة بينهما وكيف أن مظفر و عقيل قد شاركا في عملية حفر النفق الذي كان عقيل الآلة الفاعلة في الموقع ورئيس فريق العمل . يقدم مظفرعونا ساندا في تنفيذ المشروع ترافقه عواطف الأخوة والإنتماء الذاتي اذ يقدم المشورة والماء لذلك الداخل في النفق الأفعى تحت الأرض يفوح رطوبة ونتانة وقلقا , يترافق مظفر مع العمل لحظة بلحظة وكان عقيل بهذه الثورة مؤمنا بالطاعة لأوامر مظفر الصديق والحزب . يكرر مظفر اعجابه باقدام عقيل الذي لم يعتذر ولم يعجز عن اطاعه ايه مهمه… حتى اعاد الحياة الى ورشه السجن المتروكة , فاصبح حداد السجن ثم نجارها .يؤكد مظفر ذكريات السجن . الغريب ان فترة لقاء مظفر بعقيل قصيره جدا قياسا باحداثها العظام من التخطيط للهروب الى نشاطات جمهوريه السجن الى تنفيذ المشروع… لقاء بنته الحميميه لا يتجاوز العام… كان مشروع النفق … رائدا في اخلاقيات العمل الثوري في التحدي والاقدام… مشروع الهروب … لاكمال رساله الثوره … لتشكيل حركه الكفاح المسلح التي تعجب مظفر الذي الح اكثر من مره ان يكون فردا فيها, غير ان ظروفا حالت دون ذلك سنذكرها في مجال اخر… يرى مظفر في عقيل صورة الثوري الذي في داخله, الدينمو المحرك لكل فعل على الارض لا يقدم اغراضه الذاتيه او رغباته … مملوك للجماعه مشاع بارادة المعرفه ورغم البعد الزمني لتك الاحداث ولقائي لعقيل حبش في 9/7/2006 وجدت عقيل هو عقيل المشاع البعيد عن الذاتيه …طلبت منه مخطوط كتابه ( الطريق الى الحريه ) فانصاع باراداته الفطريه متجها نحو درج مكتبته , يتناوله فيمنحني اياه دون شروط او تردد اوخوف! اه لهذا المتماسك السلس الرخو ... حتى امتدت يده الى الصور القديمه يناولني اربعه منها , يتلذذ بالاشاره الى صور حبه الاول : اه يا عقيل هل عندك متسع في قلب يحب بعد ان سكنته الثوره والاقدام ... ام هي اغفائه سجين في عمق ذاكرته البعيده ... كم قضيت في الحياه بعيدا عن السجون حتى تعرف الحب ؟!. اما زال الحب ملاذا في الذات المتعبه بتراكماتها لذاكرة تبحث في خباياها عن اوهام او قصص بعيده غير انه عاش الحب بعيدا رغم انه عامل قوي في تعزيز اقدامه وامداد اوار الثوره بالطاقه والاقتحام
( هل اوقض فيك كل ذلك الذي يشكل جزءا غاليا في حياتي وحياة القضيه التي تضيء جوانب عيوني في اشد ساعات الليل ... الساعات التي عشناها تعيش عالمها الصرف وتتصرف بي احيانا ... ولعلك تذكر اقصى امنياتي كانت اكثر الاهوار وحشيته وبعدا عن المدينه الملوثه وها انت هناك احسدك لانك هنا في العالم الذي بلل لساني بغنائي (الاذاء) ... عند الناس الذين تتقطر الاحزان في قلوبهم كل ليلة... وتولد الثورة في الضلمات التي تخبئهم منذ الاف السنين... انت في نقطة البدء
تسمى البدء جاء في العهد القديم (( في البدء كانت الكلمه وجه الله يرف على الغمر))
من رساله الشاعرمظفر النواب لعقيل حبش .
كلمات مشتركه المشاعر بين مظفر وعقيل خصوصيتهم هموم الاخرين والقضيه والفلاحين , خصوصيتهم عموم الناس. لم يخفي مظفر افتتانه بالجنوب ... شعره... ابوذيته... ناسه ... هوره الذي كم حلم ان يكون عشا لولادة الثوره ... يكرر ان الثوره لابد ان تقوم... ان تبدا برشقه رصاص لتكسر حاجز الصمت والخوف يتبعها انتصارا يمنح النفوس اراده واقدام , لتملك الثوره تاريخ في الانتصارات كما لديها بالمطاردات والتحديات والذكريات والتعذيب والمعانات . مظفر مؤمن بان للثوره مشاعر كثيره ... كلها تحتاج الى تفعيل لتصبح كاملة الجوانب مكتملة الخلفيه كان الاثنان مؤمنان ان الثوره ثورة مظلومين وجياع مكبوتين ... فلاحين ... وعمال ... فيبارك التحاق عقيل بحركه الكفاح المسلح الذي يعشقه فيؤكد ان البدء كان فكرة كلمه تجتمع عليها كل الافكار ليستشهد بالرؤى اللاهوتيه بعد الفكره التي تتحول الى مشروع حتى يدرك عقيل ان الثوره وفكرة الكفاح المسلح التي تاسست في زنزانات سجن الحله وبعد مساجلات واماني وخيالات ستصبح يقينا كما العابرون الغابات والمستنقعات كالارض كالكون الكلمه التي اختارها مظفر ورغم هدوءه تمنح الثورة ثـقة واصرارا قال لي عقيل : ان خلية الكفاح المسلح النواة كانت اثنا عشر مناضلا ورغم كل الذي حدث فهم رجال البداية ، التي اعادت الثقة الى الكثيرين بدأت اعدهم لمعرفتي ببعضهم استحث عقيلا كي يكمل العد معي اصر على احترام حق الثوار التأريخي ان تبقى اسمائهم مسطورة في كتب المجد بأي صوره فالتأريخ الذي صنعوه بجهد استثنائي قلما يجرء احد للقيام به . ان تكتب اسماؤهم بحروف خالدت بدء : خالد احمد زكي ( جبار ) وعقيل حبش ( ابو فلاح ) حسين ياسين ( ابو علي) وكاظم منعثر ( سوادي ) ومحسن حواس (شلش ) عبد الجبار علي جبر ( هادي ) وعبد الامير عبد الواحد يونس الركابي ( لفته ) عبد الله شهواز زنكه ومحمد حسين الساعدي وحمود ( صالح ) وعبود خلاطي ( ) وعلي ابوجي اثنا عشر بطلا اختلف دورهم البطولي وتباينت مطاولتهم وقوة صمود نفوسهم امام شراسة التعذيب
في فترة البدء وعلى اعتاب الهور كان عقيل حاصل على عضوية الحزب عنصرا ملتزما صريحا مواجها مؤمنا ان اختياره صحيح , لم يناقش نفسه بما اختاره حتى اسأله بعد تلك الاعوام الطويله ليؤكد لي ايمانه بالثوره وان الذى فعله صحيح لايجانب الصواب هذا الرجل مؤمن صلد لم يتسرب الشك اليه ولم تهن قواه وايمانه راسخ مستتب السيطره دون منازع
((انت هناك ياصديقي وانا يطفح في دمي حنين كآلاف النباتات السائبه على وجه الهور ياانت في مياه الميعاد الموت في مياه الميعاد هو بدء الخليقه كان ( ) الانسان بين الناس الذين يحبهم وفي الارض التي يحبها ويعتقد انها هي ( المكان ) مسأله لايمكن تسميتها الموت بأي حال ))
من رسائل الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش

قال لي عقيل ان مظفر يستخدم معه اخي وصديقي اكثر من رفيقي وكأنه تجاوز مرحلة الرفقه الى الاخوه في الذات والصداقه في الكينونه ولكن كانا يستخدمان ( رفيقي ) في الاجتماعات الحزبيه هذا اولا وثانيا لأبعاد الشك عن الرسائل هو نوع من التمويه الذى يستخدمه مظفر في معظم رسائله كما انه يستعير كلمات او جمل يعرف معناها ليسترشد بالمعادل الموضوعي الذي تولد في ذاكرته صورة كاملة غير منقوصة ,على العموم رسائل مظفر اكبر من سطورها . . . كلماتها تساوي رمزا لحدث مشترك قد تصل اليه بسهولة او يختفي بين السطور والجمل , ولكنها غنية بالموضوعات والصورة و التعبئة . ترافقها نكهه اخوية حقيقية تطل بضلالها على الكلمات والجمل المناسبة دون تصنع في حروفها الرشيقة والدقيقة التي استخدم فيها الورق اقصى استخدام وكأن حسه بالحرمان من تلك الأمتيازات اخفى عليه عادة لا تتغير بالكتابة في تلك المساحات الضيقة وبهذا الأزدحام في الكلمات والمعاني كانت الرسالة ترتبط بسرعة بما في عقيل حبش , تزداد رغبته في فك الغازها اللطيفة رغم انها تمر على القارئ فيألفها رغم انه لا يعرف مقاصدها . فيؤكد مظفر على المكان الذي يقصد فيه الهور , يحترمه ويكرره رغم تنقله مضطرا بين المنافي والسجون والبيوت القلقة فتجده حريصا على مكان الثورة وقبلها حريصا على استثمار الزمن الذي هو فيه ليشحن الموجودين ويعبئهم رافعا اصبعه باتجاه الجنوب . . . نحو الهور حيث الثورة . لماذا الهور ؟ عوامل الهور مشجعة لقيادة حركة الكفاح المسلح . . . قال عقيل :فيه تمويل الغذاء بما فيه من سمك وجذور بردي ( عكيد ) طيبة والتي قال عنها عقيل هي حليب وخبز في نفس الوقت . . . غزل وتشبيب حتى بمكونات الهور المتوحش كما اسماه مظفر يالهذا العشق الصادق ! . . .ارتباط بالمكان من اجل استمرار الثوره في ذلك المكان النائي المترامي الأطراف والذي يساعد على الأختفاء , تأتلف مع الأشياء التي حولك بردي وقصب وسمك ومشاحيف وقياده تبحث عن بارقة انتصار قادمه من اقاصي اوربا ( بريطانيا ) وقضية وثوار مازال طعم انتصار سجن الحلة يرن في آذانهم فيتكرر صدى اغاني الثورة . . . ان تجربة الكفاح المسلح ليست المحك الأول للثورة في نفس عقيل حبش فهو في سجن الكويت لم يهتز ايمانه وفي سجون ايران والرمادي والعمارة والحلة تلك الدراما ومطاردات الناصرية لتنتهي حيث النضال ابتدء في الهور وضروفه القاسية جدا وهذا ( العقيل ) الذي يقتحم الهور دون ان يجيد العوم ( السباحة ) أي اقتحام !!. . . مؤمن لايلين امام اكثر من تحد وهذا المعجب الذي يصبح صديقا واخا يؤكد ان الثورة هناك تبدء حيث الهور المتوحش بتباعد نهاياته وعمقه الموحش الا من اصوات غريبة يجيد عقيل استخدامها في شفرته التي يستخدمها مع رفاقه عندما يبتعد عنهم , صوت طير غريب او حشرات او ضربة على الماء كما تفعل الأسماك الكبيرة. . . يالحس هذا الثائر الذي يوظف كل الظواهر من اجل نجاح الثورة !. . . يدرك دون شك ان ارض الهور كما وصفها مظفر هي ارض الميعاد التي حلما بها معا وكان غاية نفق سجن الحلة ان يصلا الى تلك الأرض ليبدء الفعل الحقيقي . . . ارض الميعاد التي تعددت صورها في ذاكرته المزدحمة بالخيالات والأمنيات المؤقته حتى انه يبعد معنى الموت عن تلك الأرض .
(( مازال صدىا لكلمة الحفور على الخشب الضائع . . . يثير دثارا في صدري . ومحبة تتأرجح في اشواقا اتمنى ان تراها . . . وكتبت لك اكثر من رسالة وجاء منك اكثر من صمت . . . ومللة الصمت . . . ))
من رسائل الشاعر مظفر النواب الى عقيل حبش
يفك عقيل الرموز عندما اسئله حتى يتذكر ((الخشب الضائع )) و بتوجيه من الرفيق حافظ رسن مساعد مسؤول العملية الذي طلب من عقيل حبش ان يقطع غرفة المطبخ بجدار من الخشب لا يوجد ثقب يمكن للفضوليين النضر من خلاله, كان لحافظ رسن دورا رئسيا في مشروع النفق وله دورا رئسيا في سيناريو العمل حيث انه في ختام العمل وفي لحظة الصفر يقف حافظ رسن في بوابة النفق يوزع الهويات ومبلغ بسيط من المال غير ان الأمر ارتبك بتدافع السجناء ودخول شخص معروف الى غرفة النفق وحدثت مشكلة كادت ان تودي بذلك العمل الثوري وتمنعه من التنفيذ . كانت الهويات معده بصور الهاربين حسب اعمالهم فكانت هوية مظفر مدرسا وفاضل عباس مدرسا اما عقيل ولأنه فقير يعطه البعض سكائر وشاي مجانا ولباسه البسيط فرض ان يكتب في هويته عامل . . . اتم عقيل جدار الخشب التي طلبه حافظ رسن وكانت بعض القصاصات تبقى ليأخذها فاضل عباس . . . يصقل جوانبها بالحجارة لتبدو صقيلة الملمس ناعمة الزوايا ليكتب عليها من شعر مظفر بخط جميل او يخط عليه شعار الحزب او غيرها . . . كان عقيل يأخذ تلك القطع الخشبية ليكتب عليها بالمسمار الساخن اجمل اشعار الثورة كأنه يظهر خطا غائرا في ذاكرته وكيانه . كتب الرفاق في سجن الحلة على تلك القطع الخشبية الناعمة اوسمة يقدمونها لبعضهم اذ كان مظفر صاحب الأكثرية حتى باتت تأخذ من مشاعره جزءا كبيرا فتعطيه قوة ودفئا لينتقل من ذلك الدفئ والأشواق فيعاتب عقيل على ذلك الصمت الذي قابل به رسائله العديدة . كانت لهفة مظفر واضحة والفراغ الذي يعاني منها بفقد عقيل بعد الهروب من السجن وسألت عقيل عن اسباب عدم الرد , اجاب دون تردد : ان ضروف القاعدة في الهور لم تسمح له بالكتابه اولا وثانيا كيف له بأرسال رساله وهو في عمق الهورالوحشي النائي عن كل اتصال ممكن , اردف عقيل ولكني ارسلت له رساله وانا في السجن بعد عملية الهور . . قلت نعم وهو ارسل ايضا وهي تحت يدي تفوح هدوءا واشواق وقد قاطعني عقيل ان مظفربعث برسالة شفوية مع هذه الرسالة بيد فاضل عباس استلمتها منه بعد ان قال لي ان قاعدتنا تملك امكانات اكبر وان مظفر قلق عليك ويريدك ان تبتعد فقد تجلت له امور كثيرة في القيادة , كلا القيادتين القيادة المركزية واللجنة المركزية . توسل فاضل بعقيل واراد منه الابتعاد عن هذا المكان , غير ان عقيل طلب مهلة للأجابة ليفكر ابتعادا من الحرج المباشر في الجواب , وكان الجواب بعد لا تفكير ان البقاء في القاعدة هو القرار الوحيد , ترافق الشروع في مشروع النفق مع بدء انشقاق الحزب وبدأ سجن الحلة يتشرذم رغم حكمة بعض الكادر الحزبي في السجن بأحتواء الأمر . كان الأنتهاء السريع من انجاز النفق نصرا لقاعدة القيادة المركزية التي تريد قيادة الكفاح المسلح والتي خطط لها ان تكون نواتها في الهور رغم معارضة اللجنة المركزية وخصوصا الموجودة في سجن الحلة والتي حاولة اجهاض ذلك العمل بواسطة احد القياديين المعروفين والذي ساذكره في بحث اخر مرفوقا بالوثائق والشهادات والتحليلات والمقالات التي اشبعت الموضوع بحثا . . . الكل له مبرراته ومدى اطلاعه على امكانات الحزب والأفراد .
احس عقيل بأن الوهن اصاب القيادة , تارة انهم لم يقدموا الدعم المادي البسيط لعملية نفق سجن الحلة رغم وعودهم بتوفيرسيارة ومساعدات , لم يوفوا بالتزامهم وقد تدخلوا اكثر من مرة في ايقاف العمل في تنفيذ النفق غير ان مظفر يذكر في رسالته في مجال آخر ( ان القيادة اكثر واقعية
عندما قالت : نحن مع كل عمل ثوري ) مشيرا للقيادة المركزية التي دعمت مشروعية مشروع النفق الذي رفع من معنويات القائمين والذين غرقوا بالحلم الجميل على ان الثورة واقفة على الطرف الآخر من النفق الذي لا يتجاوز طوله اكثر من 14 متر تحت عمق لايتجاوز المترين في اقصى عمق له وقد غلفه عقيل و فاضل عباس بالبطانيات التي ثبتاها بمسامير ( سجنية الصنع ) وقد مدوا سلك كهرباء لتنوير هذه المسافة الطويلة والمظلمة خصوصا ان الهروب سيكون في المساء .تولدت ثورة عقيل المعلنة على وهن اليمين وعدم التعجيل في عمل الكفاح المسلح , فقد يكون اندفاع وايمان عقيل وتعجله بالرد عاملا مهما يقابله في الجانب الاخر قيادة بحاجة الى ان تلم جوانبها بعد الانتكاسات التي مرت بها بعد سقوط عبد الكريم قاسم ومواجهة البعثيين الذي خلق الكثير من المتاعب لهم . ان الهروب من السجن عمل فردي ولكن يصب في مشروع وطني لتحدي السلطة وكسر شوكتها وبناء قاعدة جماهيرية جديدة تعيد ثقتها بالقيادة الشيوعية وتتلافى الأخطاء السابقة . آمن مظفر بكل الإمكانات لأنه يريد ان يقدم شيئا من هذه الفورة والتي تعصف في كيانه المكتض بالأفكار والأماني .
(( انني اتعلم الآن السير في الأرض الصعبة وفي اشد الظلمات . . . وبالضوء الخبيء في القلب فقط . . . وهناك في الأرض التي تغيب فيها الشمس في سنابل الحنطة وتظل مشرقة طوال الليل في عيون اطفال الفلاحين . . . هنا قالوا مر سجين في هذا المكان وكان متعبا ويهاجم اليمين بلهجة حارة واضحة . . . ويتحدث بسرعة . . . و يفرح حين يكتشف ان البيت الذي يبيت فيه مع الحزب وضد دجل المحرفين . . . فيدخن علبتين من السكائر وقالوا : وله شارب خفيف اصهب وعينان شديدتا الذكاء ))
من رسالة الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش
يأس وامل في عبارة واحدة , فبين يأس مظفر من المساعدة او تلقي العون من الحزب وامله بأعتماده على قدراته الذاتية بعد أن تحمل الحزب الكثير من الأحباطات والمصاعب حتى انه يزف لعقيل قدرته على السيرفي الأرض الصعبة وفي اشد الظلمات فلا خيار امام طريق الثورة سوى التوكل والعمل الفردي الذي تصب نتائجه في تجميع الجهود عندما يعلن الحزب (( انه مع كل عمل ثوري )) دون التأكيد على المركزية او الاسناد المادي .
كان حس عقيل كما حس مظفر , ان الثورة تنبع من داخلهم فلا مبرر للسكوت او الانتظار والزمن الراكض امامهم والذي يسرق منهم فرص انجاز وتحقيق اهداف مهمة . ذكر مظفر تلميحا ماحدث لعقيل في رحلة الهروب من النفق كأنه يريد اخباره انني معك في كل خطوة وقد كنت حريصا على اخبارك جزء بجزء ... رحلة مكتظة بالأحداث ودراما الحقيقة التي تقارب الخيال . من كل الأحداث التي ترى عقيل بطلا فيها تلحظ انه صديق الصدفة يسوقه قدره , مؤمنا بأن ينال ماله , فيخرج من مطب مهلك دون عناء برباطة جأش وثقة غير مصطنعة , اجتاز حدود مدينة الحلة بقصته المعروفة , اخذته البساتين الى حدود ( الكفل ) مبتعدا عن مسرح الحدث ليتهاوى في احد البيوت التي اطعمته واعتنت به . . .يتابع مظفر الذي حدث عن بعد في رسالته تلك بعيونه التي تراقب عقيل كعين ام حنون , عقيل كان في بيت الحزب كما اشار مظفر في رسالته بعد ان قدموا العناية والطعام والعون , قدموا المشورة لذلك الشيوعي الهارب , وصفوا له طريق السلامه للوصول الى فردوسه , فسار على هدي الخطوط العريضة وايمان راسخ بالتحدي من اجل قضية عبر المسافة بين الحلة والديوانية الى الناصرية في رحلة سحرية لايجانبها الخيال مهما كنت واقعي الوصف . نخرج من دراما لتبدء اخرى . مكتظ هذا العقيل بالأحداث الواقعية تسقط على راسه كشهب سريعة , يقابلها بفطرة مجردة نقية جدا . ازداد التصاقا به لأنه الثورة التي لا تخبو واخفى اسمه كما الأسماء التي اغرق خبايا ذاكرته بها سرا من اسرار الحزب والكفاح .
اغرق مظفر بالوصف الذي ينم عن اعجاب وايمان بأن صاحب القضية ثابت فلا مجال لتغيير الرأي في اولئك الحقيقيون . يؤيد عقيلا في مهاجمته اليمين المنحرف الذين نعتهم عقيل على انهم الكادر الخامل في الحزب الصامت المبتعد عن مناطق الخطر والمواجهه . ادرك مظفر ان المعني هو عقيل بالمتابعة والحس المرهف , يقول عقيل في تفسير (( التقيت برجل آخر يحبه قلبي منذ زمن بعيد )لا أعرف بالضبط ولكن قد تكون الأشارة الى فاضل عباس .
التقى اصرار الاثنين اكثر من مرة في وحدة اختيارهم ووحدة رؤويتهم , شاعر ثوري وبطل اقتحامي , الهدف والوسيلة واحدة ,يؤكد مظفر كثيرا ويرقص للبداية . . ؟. . البدء . . . الرشقة الأولى . . . الإنتصار الأول ( حبشية ) الرشقة لتحقيق نبوأت مظفر. قال لي عقيل : كنت لا اجيد استخدام السلاح حتى ذلك اليوم الذي علمنا احد افراد الخلية في الناصرية عندما كنا طلابا , سلاح ابيه الحارس الليلي . قدم للهور لا يعرف السلاح سوى المسدس بدء بمعرفة تفكيك البندقية بعد ان تابع احد الفلاحين في قاعدة الهور يفتح بندقيته , اتقنها حتى بات معلما معروفا بتصليح البندقية السودة لرفيقهم من سكان الهور (( السيد جاسم السيد نعمة )) ابو فايق كانت انكليزية الصنع وبندقية محيسن ال نايف والتى تسمى السودة . . . . اضاف عقيل الى صنائعه السبعة صنعة جديدة فهو حداد و نجار و كاتب وخباز وحَفار وقيادي وسجين ومعارض الى مصلح اسلحة .
قدم عقيل الى القاعدة ليلتقي برفاقه , التقى جبار تذكر امه عندما اشارت الى انها التقت بزميله في السجن فذكرحسين ياسين بأن اسمه (جبار ) , تذكر الآن عقيل ان جبار هذا لم يلتقه قبل الآن , ان جبار هو خالد احمد زكي القادم توا من رحلة بعيدة ليقود القاعدة في الهور . كان شرف الرشقة الأولى ( حبشي ) الضغطة على زناد بنادق الثورة . . . . هز صمت المخذولين , قال عقيل : ان الرشقة الأولى تعني الإستعداد للشهادة من اجل الحزب .
اعلنت الرشقة الأولى رسميا ان الثورة ابتدءت وصورة مظفر في مخيلة عقيل وعيونه بين الرفاق الأحد عشر وخالد احمد زكي بنظارته العريضة الأنيقة يمنح الرضا والثقة من عيونه خلف الزجاج الشفاف الى كل وجوه المقاتلين الثوار .
رؤية مظفر واضحة ان البدء هو اهم حلقة في مشاريع العمل الثوري فكم عمل ثوري بقي مخطط او حلم عندما غاب فعل التنفيذ . وفي لحظة التنفيذ يمتلك الثوار زمن الثورة وتأريخ بدءها , فيكتبوا التأريخ حيث يريدون بارادة دون ان تكون الامور واقعا مفروضا .
(( هتفت في صدري !! انه انت . . . انت ذلك الذي عبر الجزيرة وقلت لهم : اعرفك . . وكتمت اسمك التي في السر . . هنا التقيت بك عبر الناس . . . سمعت صوتك في احاديثهم وهنا . . في هذه الأرض التي تجمع الأحبة . . التقيت برجل آخر يحبه قلبي من زمن بعيد وخططنا وحلمنا . . . سمعت صوت الرصاص رغم الصمت الذي يفوح في الليل . . وقلنا نفاجئك . . وكان شيئا ( هناك ) لم يفهم بعد ولا اتوقع _كالعادة _ ان تفهم الأشياء الحقيقية بسهولة وبدون الم , الححت ان اكون معكم انتم رجال البداية . . ان البدء يقرر ارتباط الرجل الحقيقي ويجعلك تمتلك لحظة التأريخ . . . التأريخ الصامت العظيم ))
من رسالة الشاعر مظفر النواب الى عقيل حبش
(( في ( الرزمة ) ابتدأنا سوية. . منذ لحظتها الأولى . . منذ خطوطها الشفوية الأولى . . . ان ذلك جعلنا نملك العملية . . ونطوعهاكلما التوت لأننا نملك بدايتها الواقعية . . نملك تأريخها . . انها ملكنا نحن الذين كنا نعيشها لحظة لحظة . . اكثر مما هي ملك أي انسان آخر . . لقد كانت القيادة واقعية جدا حينما كتبت في نشرياتها ان لارجالا مناضلين صنعوا ذلك وانها ساهمت بــــــــ (( اننا مع كل عمل ثوري )) والان كل الذي صنعناه وعلى بساطته ملك للشعب . . . شعبنا العظيم . . اقول لك مازلت الح ان نبدا سوية ايضا وليس غريبا مطلقا ان نلتقي نحن الأربعة , اللذين اخلصنا لنلك العملية . . . ليس هذا غريبا ابدا . . ذلك لأنه هناك شيء يريد ان يبدء بشكل حقيقي . . . والشيء الحقيقي يختار الناس الحقيقين ما دام هذا الحقيقي يريد ان يبدأ . . . فسنلتقي حتما . . ولكن علينا ان ندخل في التأريخ ونعجل في لقاءنا ))
من رسالة الشاعر مظفر النواب الى عقيل حبش
قلت لعقيل ان رموزا في هذه الرسالة فهل انتم متفقون عليها . . . استطرد ان (( الرزمة )) اشارة الى النفق وهي رمز لم اسمعه من مظفر من قبل فعرفت اشارته ان هذه (( الرزمة )) النفق هو ملكنا . . . نحن الأربعة ( مظفر و عقيل وحسين ياسين وفاضل عباس ) نحن اصحاب التخطيط والتنفيذ ورغم عدم تلقينا أي اسناد من الحزب , الا ان الحزب اثنى بواقعية على تلك الأعمال (( اننا مع كل عمل ثوري )) . العمل الذي امتلكه الأربعة تحت السيطرة والمسؤولية كذلك هم الذين يقومونه وهم الذين يطوعونه حال ان يتغير مساره او يتعرض للكثير من الأخفاقات, واقعيين يمتلكون الحقيقة وبعد ان تمت العملية بنجاح يبدو ان مظفر يقدم لمرحلة جديدة اذ ما ان تنتهي المهمة بنجاح حتى تولد ثقة بالقدرة على تنفيذ مهمة اكثر تحد وخطورة , قال لي عقيل في معرض تقديمه للكلام عن النفق : ان هذا المشروع تعرض للكثير من المشاكل كان اخطرها ذلك اليوم الذي اكتشف حسين ياسين ان في القاعة التي يبدء منها النفق قطة ونسمة هواء تاتي عبره . كان الشك قد هز الجميع غير ان الصاعقة اخذت عقيلا دون ارادة نحو القاعة , قلقا وخائفا على الحلم الذي كم قدم جهده كي ينجزه حتى تاتي تلك المشكلة التي تؤدي الى احباط يلحقه احباط . . . تقدم نحو القاعة المغلقة بأحكام كل المسافات التي فيها , تسلل الى النفق حتى النهاية اذ وجد ان النفق مفتوح على الفضاء , كان الفضاء الشارع الفاصل بين سياجي السجن . . . كان الأمر قاسيا على عقيل رغم انه لم يشك بأحد , تجاوز المشكلة , وضع حجرا عليه اتربة قديمة . . بدء يغير اتجاه النفق ابتعادا عن تلك النقطة بعد ان فسر ان ارتفاع مستوى الحفر كان هو اساس المشكلة . استدرك عقيل ان مظفر اسره سرا عمره اربعون عاما في زيارته الى دمشق نهايات عام 2002 قال : ان حسين ياسين هو الذي فتح النفق من جهته الثانية حيث اراد الهروب لوحده بعد ان كانت له مشكلة مع احد حراس السجن كان هذا الفعل امرا قاسيا رغم ان الجميع لم يدرك ذلك ... ومن المعلوم ان حسين ياسين هو عضو منظمه السجن وهو المسؤول عن تنفيذ ذلك العمل قد تبدو تلك البدايات هي ظواهر تؤدي الى النتائج التي تشير اليها الحوادث التي حصلت في الهور في عمليه الكفاح المسلح ... كان لمظفر راي في حسين ياسين ومن البدايه وسنذكره في الرساله التي بعث بها مظفر الى عقيل في السجن وما تلى ذلك من احداث على الواقع تكشف الحقائق كما هي دون مجامله , والاحباط الاخر هو اليوم الذي تقرر ان يكون ساعه صفر الهروب اذ كان قرارا متراخيا حتى ان عقيل كان نائما بعد ان خرج الجميع وكانوا قد فقدوا السيطره وغرقوا في انانيتهم عندما نسي حافظ رسن ان واجبه هو تسليم هويات الهاربين فتصرف كفرد عادي بعدما كان له دور في عمليه تجاوز الرفاق تلك المشكله وبسرعه بعث مظفر يطلب عقيلا كي يلتحق بالهاربين . كان عقيل حتى تلك اللحظه مؤمنا بقيادته الميدانيه غير ان تلك القياده انسلخت من حسها الجماعي ليظهر الانا واضحا دون قصد او اراده , غريزه يحتمها ضعف الايمان الذي تكشفه تلك الحوادث , في كل هذا الحديث كنت استدرج عقيلا للحديث فلم يكن يوما من ايامه طعانا او لعانا للحزب او للرفاق على اختلاف مواقفهم غير انه قنع بالمبدء التاريخي الذي يسجله في هذه الايام امانة للحق البطولي وحريه الرد فالذي حدث اصبح ملكا عموميا لا يمكن ان تدخل فيه العواطف او اخلاقيات العيب فالتاريخ يحترم الاحداث والابطال ولا يسمح للضعفاء ان يكونوا ابطالا او لا ينسى الذين قدموا رفاقهم على طبق الضعف او طمعا بمقابل رخيص .. التاريخ هو الحكم في ذلك وما من احد يرفض ذلك المبدء .
الجميع يدرك ان الزمن مهم فالظروف في حالة تؤهلها على الثورة, من الممكن ان يستثمرها الغير فيسرقون زمن الثورة ويستفيدون من تلك العوامل ويطوعوها لصالحهم . . . الكل في عجلة الزمن يبرر خوفه وهو عامل مهم . عوامل جعلتهم يسرعون في تشكيل قاعدة الكفاح المسلح و الاسراع في تنفيذ العملية الأولى بعد شهور قليلة من هروبهم . . . كانت مخاوفهم موضوعية عندما بادرت ثورة 17 تموز باستثمار الفرصة و الثورة تعد نفسها للكفاح المسلح واللجنة المركزية تبحث عن استراحة اعادة التنظيم الذي طال وقته .
تعرض الحزب لأجهاض في قياداته المتقدمة واختراقه بعناصر غير واضحة المقاصد , حتى عملية النفق تعرضت لأجهاض في بدايتها يشك عقيل انها بفعل فاعل وقد مد اصبع الى حافظ رسن في سجن الحلة الذي كان قريب من احداث النفق بعيدا عن العملية كلها رغم دوره في الختام الذي لم ينجزه والذي اربك العملية وكاد ان يودي بها قال عقيل : ان حافظ رسن كان عميل للمخابرات الالمانية وقد استدعى الى شمال العراق وصفي هناك دون ذكر تفاصيل اخرى  معانات الأفراد ضغط على الحزب ان يبارك ( كل عمل ثوري ) ويـوهن مركزية الحزب ويبعدها عن التأثير ،سمح للافراد أن يختاروا الطريقة التي يرون فيها مصلحة الحزب تلك الحال اوقعت الحزب في اخطاء الاخرين ولكن كان لابد للحزب بعد ان عانى من القيود ان يحرك الفعل الثوري الفردي والمجموعات الصغيره   عقيل نواة التنفيذ اما مظفر ففي النقطة الأمنية والرغبة والحلم والتوجيه  ولو ان عقيل كان مستعدا ان يواجة نفسه بالحقيقة مثلما واجه مظفر ان الطريق الذي اختاره الآن فقد قوته ولا بد ان ينسحب  كانت نصيحة متأخره ولا يمكن لعقيل ان يسمح لنفسه بتفكيك الخلية التي هو عنصر فاعل فيها بعد ان اشرف على تنفيذ العمل الاول  الذي ينهي كل تلك المقدمات  السجون والهروب والمقاومه ثم تشكيل قاعدة الكفاح المسلح  بدءت الثورة  دون ان يعطي أي اهتمام لكل تلك الشكوك والنصائح المخلصة  استمر  في خياره دون وهن او لحظة تراجع عانى عقيل مثلما عانى مظفر حتى بات يشير الى ان كادر الحزب الحالي (في ذلك الوقت ) هم قرامطة دخلاء على الحزب ليس لهم جذور ولا خوف على الحزب فاستباحوا امكاناته من اجل طمئنيه
(( ولكن (القرامطه) يا صديقي يريدون لي ان اكون في محل أخر سألتزم بعمق وبوعي وسألح بكل الوسائل النظيفة أن اكون معكم أن خمسة اشخاص بامكانهم أن بوقظوا الشرارة الاولى على ان يكونو هم الشرارة...التي ستضيع بعد ذلك في اللهب العظيم الذي تكرس نفسها لايقاضه. . . تلك النواة هو الواجب الاول بأعتقادي الواجب الاساسي وكل ماعدا ذلك ليس الا مسأله في الظرف الراهن وليس هناك نضال غير مهم في عملية اـلثوره ولـكن بـدون ادراك لأهـمية الـبدء بـه0تخـبو كل الجوانب الاخرى بدون اللـهب الاساسي الاول سوف لا ترى الـنضالات الاخـرى بشـكل صـحيح فـي هـذا الـليل المظلم  المـسأله الان هـي زخـة الـرصاص الاولـى  الانـتصار الاول , سأعـمل جـهدي ان التحق في أرض االميعاد ))
من رسالةالشاعر مظفر النواب لعقيل حبش
يؤكد عقيل حبش ان مظـفر الـنواب كـان جـادا فـي رغـبته بـالعمل مـع الجـماعة التي تلتقي في طموحاتها مع تطلعاتة اذ انـه اضاف للاربعة السابقين وهم (( عقيل حبش ومظفر النواب وحسين ياسين و فاضل عباس وخالد احمد زكي )) كـما حـلل عقيل الاشارة الى ((الخمسة )) في رسالة مظفر ومن المعرف ان مظفر اولا لم يتم له التعارف او اللقاء بخالد احمد زكي وثانيا ان رفاق عملية النفق وهم الاساسيون (عقيل ومظفر وفاضل وحسين ) لم يجتمعوا في قاعدة الهور ولم يتم الاتـفاق بينهم لاخـتلاف طــروحاتهم ففاضل عباس اختار العمل مع ابن خيون ,حسين ياسين لمظفر موقف معه تبلور في رأي عام كانت الحوادث شاهدة عليه 000وبذلك لا ارى ان (الخمسة ) التي اشار لهم مظفر هم تلك الاسماء بل قد يكون قد توهم بالعدد الذي كان اربعة فاشار له بخمسة او هناك تفسر اخر قد تكشفة الايام القادمة .
غير ان خلاصة القول ان نجاح المشروع الاول بذلك النموذج من العلاقة يكون علامة على امكان نجاح المشاريع القادمة رغم ان مظفر لم ياخذ العوامل الاخرى في الحسبان كان عمل النفق عملا ثــوريا غير عادي و اما الهروب فكان بداية التحدي الذي اقلق السلطة الحاكمة و اعاد الامل للحزب الذي يعاني من مراجعة الاحداث وسرعتها ارى ان هناك حسا خفيا وقلقا ظاهر للسرعة في انجاز المهام قدم عقيل الى سجن الحلة في بـدابـات عام1967 بداء التخطيط للنفق قبل 14/7/1967 في وقت قصير بداء بالعمل يوم 14 /7 /1967 انتهى العمل في الشهر العاشر في الذكرى السنوية لثورة اكتـو بر ما يقارب الثلاث اشهر هرب السجناء باتجاهات مختلفة ثم جمعهم الهور في بدايات عام 1968 لتكون العملية الاولى في شهر ما يس او حزيران  مجموعة تجمعت من اصقاع مختلفة . . . خالد احمد زكي من بغداد و عقيل حبش من الناصرية وحسين ياسين من الناصرية \الفهود جمعهم ايمان واحد أن الثورة ستبدء من هنا من اهوار الجنوب غير ان العملية الأولى كانت سريعة دون تخطيط او حسابات بسيطه وهي العملية التي يعول عليها الجميع والتي اشار لها مظفر في كلامه عن الرشقة الأولى . . . الأنتصار الأول . . .
الانتصار الأول هو الشرارة الأولى التي يليها الدوي اللاهب الذي تكسر فيه تلك العملية حاجز الخوف او الجرءة . . . او الصمت . . . كان عقيل واعيا للأمر والآخرين مؤمنين ايضا , لذلك استجابوا بأندفاع دون نقاش .وهم الخارجون من انتصار مدو اول . ان الخوف من الوقت اوقع الجميع في ذلك المطب الذي خسر فيه الحزب والحركة بدايته التي كان يبني عليه كل ستراتيجيته المقبلة .غير ان مبررا منطقا يسوقنا الى انهم ورغم عجلتهم كانوا على حق , فالقاعدة التي تتكون من اثنى عشر شخصا لاتمـلك السلاح الكـافي ومـصدر التـمويل مـحدود , اذن لابـد من عملية توفر السلاح الذي من واجب الحزب توفيره لإتمام نجاح التجربة ,وقعت القاعدة في اول تجربة واصاب الحزب احباط لم ينهض منه بسهولة . ارى من خلال استقراء الأحداث ان قلق الأربعة كان متصاعدا حتى بات توترا , فبين قيادة لاتعطي الزمن اهمية قصوى و بين حساسية القاعدة المـفرطة بـالزمن تولد ارتباك وتسرع اجهض الـثورة المسلحة بعدما خرجت من انتصار ( النفق ) المدوي . . . نعم من حقهم استثمار ذلك الإنتصار ولكن ابتعاد القيادة عن العمل كان اهم اسباب احباطات قاعدة الهور . . . فمشروع النفق كان متكاملا من حيث التخطيط والإدارة والتنفيذ وكان من المفترض ان تسري اخلاقياته على عمل قـاعدة الهـور الـتي استعجلت واتـخذت قراراتها المرتـجلة مندفـعة تـحت تـأثير الأنتصار الأول و ثانيا ابتعادها عن العين الحيادية والهادئـة التي تـقيم العمــل بحـيادية وجـــدية . اعترض عقيل من خلال حديثه معي في قاعدة الهور اكثر من مرة حتى اصبح عنصرا مثـيرا للكثير من المتاعب لخالد احمد زكي الذي يؤمن بمركزية القيادة ولكن قيادته كانت فردية فلا مرجعية ولا مناقشة حتى جاء يوم من الأيام حسين ياسين يقترح على عقيل بالذهاب الى أي مكان من اجل ان يرتاح وخيره بين ثلاث اماكن كانت السماوة احدها , غير ان عقيل رفض متشبثا بالعمل في الهور وفي قاعدة الكفاح المسلح , كان ذلك حلمه وليس من الممكن ان يغادر عقيل حلمه , زهو انتصار النفق جعله يستشرف لذة جديدة هي انتصارات حركة الكفاح المسلح في هذه الحادثة ارى ان القيادة لــم تغادرها صـفة التصفـيات وتـقريب العنـاصر المتزلفة , تـضحي بالأقتحاميين وتـقرب الـمتزلفين والحوادث التي ترافق مع عمل القاعده حتى نهايتها كانت شاهدا على تلك الرؤية و يبدو ان مظفر قد قراها بنفس الطريقه فحسين ياسين يحمل ( الانـا ) كبيره منذ تجارب السجن واندفاع المجموعه بما فيهم خـالد احمد زكي و اطـاعة عـقيل وحـبه للـحزب قـد يـوقـع عـقيل فـي عمـليات خطره وغير محسوبه حتى كـان يـقول له مـظفر انـك ستـموت بـهذا الانـدفاع الـغير مـحسوب . ومـاذا يفعل وهو المهوس بالحزب منذ ان بـدء معه . حسهم الصـادق جـدا بـل هي علامه صحيه على حسهم الثوري تجاه الزمن القادم وتعجلهم بالرشقة الاولى والانتصار الاول والايمان ان التنفيذ الان... فيذكرني عقيل بمظفر عندما اتى ذلك اليوم في سـجن الـحله ونحن بانتظار ان يـأذن الـحزب بالـبدء بتـنفيذ (النفق) جاء ... مظفر...وهو يترنم باغنيته الاثيره ...( سيف فليقرع ... الان ... الان وليس غدا ) فرحت ... واحسست ان امرا ثوريا مهما قد حدث كانت اغنيته اشاره تعبويه ان العمل الذي يدعوا له هو واجب حزبي وعمل وطني يبتعد عن ذاتيه الافراد نحو الهروب الى بيوتهم وعوائلهم او كسر قيود السجن لنسيم الحريه الصافي ... لم يكن احساس من هذا النوع يمتلك عقيل او مظفر على اقل حال رغم ان الجميع التحق طائعا فيما بعد الى القاعده .تسوقهم رغبه في مواصله العمل الثوري... وفي محك مع القدر والموت هذه المره ... كـان مـظفر يحب اغنيه فــيروز تلك ... فقدمـها... قبل الخبر الهام الـذي اسر بـه...عقيلا ... ان اشـارة الـبدء قـد جـاءت ...كـان حسـهم الـثوري فـطرة واختياراتهم فطرة نقية بريـئة ،غير ان وصف كادر الحزب بالقرامطة كان قاسيا وهم في ظرف اشد من السجن, كانوا مندفعين  بغضب ونـزق  نحو الثورة . عقيل يلعن اليمين ومظفر يصفهم بالقرامطة مظفر يؤيد احقية عقيل في اختيار هذا الطريق الصعب الخطر وهو يؤكد ان النضال هو النضال ( ليس هناك نضال غير مهم في عملية الثورة ) ولكن ضالة مظفر هي البدء , يريد التنفيذ وقد كان عنصرا فعالا في بدء عملية النفق وفي انشاء قاعدة الأهوار رغم ابتعاده عنها كان عنصرا فاعلا في تأسيس شرعيتها , كل ذلك يبدء عنده بزخة رصاص . لكلمات مظفر بعد في النظر والثقة ان الثورة تسير في الطريق الصحيح وان ايمان عقيل لم يهن يوما,مستمدا قوته من ثـقة لا متناهية في قوة ذات وضـعت نـصب اعينها هـدفا اسمى وهو مـازال فـي نـشوة الإنـتصار والتحدي القادم من انجاز نفق سجن الحلة المعجزة , والهروب واختيار الهور وتشكيل قاعدة الكفاح المسلح .
الهدف الاول عملية عسكرية ناجحة هي الحلقة المـهمه فـي انتصار المبدأ يحرك كل الاضواء والانتباهات نحو الثوار لتولد قواعد اخرى في اصقاع الهور او اماكن اخرى يعيد الحزب ثـقتة بـنفسه ويدرك ان الـقاعدة تعمل قبل القيادة كانت تلك الغاية مهمة وحكيمة جدا ولا تخلو من الجرءة, رغم ان حـساب الخسارة والاحـباط قد ابتعدت او لم تكن موجودة هذا الامر محسوب على قاعدة الهور كان مظفر يشير في رسالته الى ذلك بقوة وايمان (ان خمسة اشخاص بأمكانهم ان يوقظوا الشرارة الاولى التي ستضيع بعد ذلك في اللهب العظيم الذي تكرس نفسها لايقاظة) كــان الجـميع واثـقين ان المسار صـحيح ولكن لابـد مـن عـمل اول يـربك الحكومة المستسلمة في اغفاءتها التي استثمرها البعثيون بسرعة رغم قلق الشيوعيون الثوار من ذلك .
(( أخي الحبيب في الليلة الاخيرة و قبل ان نخرج من الارض حكيت لك تجربة تجارب ...حكايات ... لعلك لا تزال تتذكرها بل لعل التجربة اكدتها لك او الغتها في الحالين يهمني ان اطلب اليك ان لاتـنساها وفي تلك الايام الاول التي التقينا فيها قبل سنة  ساورت قلبي اغنية (حسن الشموس) ))
من رسالة الشاعر مظفر النواب لعقيل حبش
يقترب مظفر من مشاعر عقيل الذي يرسم له وهم حب بعيد يلتصق بـه لحظات الابتـعاد عن الحياة  قد يكون تمثال وهم او حقيقة بعيدة ،عقيل المندفع نحو الثـأر بقلب عاشق قصائد حبه بطولات وتحديات فكل يستخدم ادواتــه فـي التعـبير عـن ذاتـه ،لتـراه الحبيبة وتـعرف الـحب الـذي يـسكنة  كانت القيود اوسمه والتـحديات عــلامـات العاشق الولــهان  يستعرض كل امكاناته امام الحبيبه البعيدة  كـانت رغبة الموت تـتملـكة... ليكون بـطلا تذوب حبيبته .. بتلك البطولة لينتشي بجسده المزروع بالرصاص ورائحة الدم تلك هي ادوات الثائرالبطل في ساحة المعركة يذكرني ذلك الاحساس باحساس عنتر بن شداد  حتى تيقنت ان مشاعرالأبطال واحدة
ولقد ذكـرتك و الرماح نـواهـل
منـي وبـيض الـهند تقطر مـن دم
فـوددت تـقبيل السـيوف لانـها
لـمعت كـبارق ثـــغرك المتبسم
يرى عقيل ان حتى التعبير عن الحب بادوات الثورة المميتة غير ان المحبين لايموتون لا يتجرء الموت على القساة قلوبهم وكأنه يرهب المواجهه . ادركت بكل ثقة ان عقيل حبش قدري لايخاف المواجهه . ليس منهجا عقليا بل فطرة لاوعي كما هي , فتجده فـي كــل العمـليات يعتمـد على عوامل اللحظة . عندما خرج من النفق دون تخطيط وعندما ساقته قدما واحساسيه نحو الاتجاه المطلوب وعند مواجهته المطبات التي تعترضه قال:مرة عندما خرجت من الجـــهه الثـــانيه لــلنفق في(الكراج)المجاور للسجن تفاجئت بحارس (الكراج )الا اني بادرته ."ما شفت حسين السايق " كان سؤالا مرتجلا بحـس ميداني ، ليسـبغ عـلى الامــر طبيعة تــحول الشــكوك الـى المقابل, وكثيرا من المطبات كان منها وجوده في عـربة قـطار الحمل بعد طول عنــاء ومشاكل حـتى طــلب الطعام من النسوة الجالسات في العربة الاخرى ، فاجأه ضوء الكاشف اليدوي لعمال القطار يرافقهم شرطي قالوا (انت هنا ؟!)كان هادئا لم يجب ولم يرتبك حتى يعلم ان المقصود هو ان العربة قد انفصلت عن القاطرة لتعود مرة اخرى المقصورة الى العربة , حس ميداني سليم يرافقة حــس قدري فطري او ان احساس الخوف والقلق مفقود لدى هذا الرجل وعند قراءتك لتجربته البسيطة سترى هذه القدرية التي ترافقة فهو لا يقلق على الغد وهو ابن الساعة التي يعطيها ما عنده الانانيه ضعيفة او معدومة . ان اشاراتي هذه فهي رؤيتي الشخصية التي ترتبط بعوامل واقعية على الارض كما اقرءها انا كل تلك المطبات ترافقها سلامة رغم معانات الاصرار والم المواجهة بالعيون وبالجسد وباللسان المتطاول ان لا براءة من الثورة والحزب قال عقيل :ان مظفر حكى لي الكثير وحكيت له الكثير كان مفعما بالتجربة والوعي المسبق لها حتى اصبحت تلك الحكايات مشاريع ومفاهيم يؤكد مظفر على عقيل ان لا ينساها في كلا الحالتين ان كانت التجربة اتفقت معها او الغتها فهي خطوط عريض للعمل الحزبي لا يمكن نسيانها او العبور عليها يندلق مظفر في رسالته كجرة واسعة الفوهة مرة واحدة حتى انه يرى في تلك الايام التي التقى فيها عقيل ان احساسا صادقا ان يلتقي الابطال احس مظفر اكثر من مرة ان هذا الشاب سبقه الى ما كان يحلم... ليكون بطل الهور . . . بطل القصائد الثورية , لتصرخ الأغنية في رأس مظفر المسكون بضجيج اغاني الثوار الساخنة . خلف عيونه تتراقص ذوائب البردي الرقيقه وصوت الطيور تصمت كل الا صوات الضاجة في فضاء الهور يصغي الجميع لرشقه عقيل بأن الثورة الآن ابتداءت لتبدء سمفونتية نشيد الثورة يهز داخله وصوت مضفر الغارق في تهدجه الصادق
لون توكف دول يسحكة شعب الهور
جي ضــيمه جــبير وكلبه شايل سل
يورد القصيد معادلا موضوعيا يشحن الثورة في عقيل فهو الآن في قلب النشيد يستمد قوة الى قوة ايمانه واصراره الفطري "لون توكف دول يسحكها شعب الهور جي ضيمة جبير وكلبة شايل سل اطرن هورها وكلساع اكول ا اتثور اكولن ما يصح كبرك ولا حطو علية ناطور اكولن علة ساعة ويلهج الشاجور واليوم في قلبي اغاني اكثر هديرا ولكن لا اعرف ان اغنيها لقوة ذلك الدوي اللاهب فيها انها تكاد ان تتفجر وانت تدري ان الانفجار احد ارفع اشكال الغناء ان قلبي ينفجر بالاغاني هذة الليله حيث تقترب لحظة الانفجار الاول حينما يبدأ ذلك الانفجار سيرى الثوريون الحقيقيون وجوههم الصارمه والانسانيه في مرايا ذلك اللهب وستأخذ الاحلام طريقها في الماده الساعه تقارب الواحده بعد منتصف الليل وابو خليل يدور في الازرار الاحمر الذي امامه ولعله يحس في قلبه رفيف علم الثوره ووجوه الفلاحين وكماوجه القصب ووجه جيفارا يمدنهراببلادي سيحكي اني لابد ان اجي اقبلك اخي صديقي والى اللقاء اخوك دائما 25/3 من رسالة مظفر النواب لعقيل
كانت القصيده تمتلك صوت مظفر المملوء بالحرقه واللهب حتى انه تصور ان الثوار كالتنين عندما ينشدون اغاني الثوره ينفثون نارا ولهبا وحريقا بصدق الكلمه بلهبها سخونه حتى الاحمرار او الذوبان او التبخر يلهب الاهه والحرقه لأتـمام التجربة الثانيه
كان بانتظار تلك الشرارة التي يعول عليه ليليها ذلك اللهب الحارق اي امل في اولئك الشباب حتى الاغاني لهيب وانفجار يتلهف جميع الثوار في الانتظار المرتقب في تلك العباره كان مظفر يختم رسالته ويغرق عقيل الثائر بالثقه التي تستمد مشروعيتها ومطاولتها من صديق صدوق ومضح ختم رسالته في 25 /3/1968 وهي الفتره التي التحق فيها خالد احمد زكي وبدأت فيها العمليه الاولى التى ترافقت مع دراما الهور التي سنذكرها في الجزء القادم من رسالة لمظفر ان هذه الدراسه التحليليه لهذه الرساله وبعد استقصاء المعلوات من عقيل حبش شخصيا بالاستعانه بادبيات زودني بها او وثائق بنسخ اصليه هي مساعده في ادراك الحقيقه كامله ولو من جانب واحد وهو وجانب عقيل حبش وسعي ان الم بكل الجوانب الاخرى والتي وضعتها ضمن برنامج دقيق للالتقاء بكل ذوى الشأن ، ورغم كل الذى كان فلا اخفي دورى في المشاركه في ذلك التحليل وبأستقلاليه لاتخلو من التحيز والاعجاب بالابطال ايا كان انتمائهم ، اولئك الذين يؤمنون بعقيدتهم العادله والانسانيه اشكر البطل عقيل حبش على تلك الفرصه الغاليه التي فيها اطلع على حقائق كنت في لهفه ان اعرفها بعدما ورثتها عن صباي البعيد في مدينة الدوايه لالتقي بالجواب هنا في مدينة الناصريه التي يحبها عقيل وانا قد لاتكون الصوره مكتمله في هذه الرساله ولكني ارى ان اكتمال الصوره في الاطلاع على الرسائل الثلاثه الموجوده لدينا وابعاد كل منها لتأخذ الصوره مداها الاوسع لتكشف امرا مهما في حركة الثوره ولتلافي الاخطاء او الهفوات في تجارب المستقبل .

20 تموز 2006

الأحد 20/8/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة