ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(20)


محمد علي الشبيبي

في أبي غريب
بعد إعادتي لمركز شرطة أبي غريب تم حجزي في قاعة صغيرة كان فيها مجموعة من الموقوفين بتهم القتل والسرقات والشجار وجميعهم من الفلاحين والناس البسطاء الطيبين فوفروا لي فراشا ومكانا بينهم. زارني في نفس اليوم ليلا الرجل ألأنيق الذي دافع عني أثناء إعتقالي وقال للشرطة إني أمانه بيدهم، فأحضر لي فراشا وبجامة وسلمني مبلغ دينارين وطلب مني أن أتصل به إذا إحتجت لشئ ما، شكرته ووعدته بأني سأرد جميله عندما تسنح لي الفرصة. بعد أن ذهب سألت الموقوفين عنه فقالوا إنه مدير البريد في أبي غريب ويدعى أبا ماجد، وأنه دائما يزور الموقوفين ويحاول مساعدتهم. كان أبو ماجد إنسانا طيبا يحترمه جميع الموقوفون ويتوددون إليه، فمساعداته كانت تشمل الجميع دون إستثناء. الموقوفون يكلفوه بالإتصال بذويهم وجلب طلباتهم وحتى أنه يتدخل لعرض المرضى منهم على الطبيب، وأخبرني بعضهم بأن أهالي أبا غريب جميعهم يحترموه ويعزوه لشهامته ومواقفه النبيلة. وبعد إطلاق سراحي خططت لزيارته مستغلا ذهابي للكلية لأتشكر منه لموقفه الشهم ومساعدته لي ورد دينه، لكن أعتقالي مجددا في الكلية حال دون ذلك، فالى هذا الأنسان الطيب اقدم أعتذاري وشكري الجزيل لموقفه النبيل.

كانت قاعة الموقف لاتتجاوز 50 مترا مربعا وتخلو من أي شباك ماعدا بابها المطلة على باحة المركز، وفي الجانب الأيسر كانت هناك غرفة صغيرة عبارة عن مشجب للسلاح ومخزن يستفاد منها الحرس وبجانبها كان هناك قاعة اخرى لأحتجاز الموقوفين، أما مقابل قاعتنا وعبر باحة المعتقل كانت المرافق الصحية. لاحظت أن العلاقات السائدة داخل الموقف غير منظمة وتسودها الفوضى ومنطق القوة والأستهتار، وكانت القاذورات متجمعة في أحد زوايا القاعة والتي يسودها الهرج والمرج وكانت رائحة القاذورات تزكم الأنوف حتى يكاد المرء أن يتقيأ مجرد أن يأخذ نفسا عند الأقتراب من تلك الزاوية. ولاحظت كيف سادت الفوضى بين المعتقلين حين أحضر العشاء، حتى أن بعضهم لم يحصل على حصته وأكتفى ببقايا (الفضلات) الصمون والمرق الزائد من الاخرين. وكان بعض الموقوفين يستغلون زملائهم الأضعف منهم بطريقة آمرة ومذلة.

في المساء وبعد أن عدت من التحقيق تجمع حولي بعضهم بدافع الفضول يريد أن يعرف أسباب أعتقالي. كان لابد أن يحس هؤلاء البسطاء التي دفعت بهم الظروف الأجتماعية والسياسية للوصول لهذا المكان، بأهمية العمل السياسي الواعي والحريص في تغيير أوضاعهم. قررت أن أستغل تجمعهم حولي ورغبتهم في ألأستماع لي في مناقشتهم حول أوضاعهم المعيشية وكيفية تنظيم حياتهم اليومية. ووجدت فيهم رغبة شديدة في تقبل ملاحظاتي واقتراحاتي، خاصة عندما طلبت من أحدهم أن يساعدني في تنظيف تلك الزاوية القذرة. وكنت أنوي من مبادرتي هذه في إعطائهم مثلا جيدا في نكران الذات في العمل وعدم الإستنكاف من أي عمل. وقد نهض جميعهم معي يتسابقون من أجل تنظيف المنطقة حتى أصبحت كثرتهم عائقا، فطلبت من بعضهم تركنا وأن عملا آخر ينتظرهم للقيام به إن كانوا راغبين، لكن معظمهم بقي قريبا منا حتى أن بعضهم وجهوا لوما لأنفسهم لأهمالهم نظافة المنطقة.

قبل إنتهائنا من عملية التنظيف طلب الشيخ سعد من أحدهم أن يحضر الشاي للجميع. وما أن إنتهينا من التنظيف حتى كان الشاي حاضرا وتحلق الجميع وحتى (المنبوذون) منهم وتمتع الكل بشرب الشاي. حدثتهم كيف سجنت لأسباب سياسية، وكيف كنا ننظم حياتنا اليومية في السجون ونقدم المساعدة المالية لمن يحتاج، ونقوم بمختلف النشاطات الثقافية والترفيهية وبذلك نستفاد من وجودنا في السجن ولا نضيع من عمرنا سنوات السجن، وأوعدتهم بتعليم ألأميين منهم القراءة والكتابة إذا ماطال بقائي بينهم، وقلت لهم مازحا أرجو أن لاتدعو لي بالبقاء الطويل بينكم. ولتلطيف الجو أكثر حكيت لهم نكتة كنا نمارسها فيما بيننا في السجن، فعند أستلام أي واحد منا الملابس الخاصة بالسجن ويلبسها كنا نبارك له بقولنا له: تقطع (تتلف أو تمزق) ألف منها! الجميع أرتاح لحديثي، وإتفقنا على تنظيم خفارات يومية دون إستثناء لتنظيف مكان عيشنا، إضافة لخفر يومي لأستلام الطعام وتوزيعه وعمل الشاي، ووافق الجميع على ذلك وتطوعت لأكون أول خفر ليوم غد. وحدثني ناهي، وهو قروي متهم بقتل زوجته وشقيقتها، كيف أن مدير المركز لايقابلهم إلا حفاة ولا يخلُ إستدعائهم من الإهانة والشتائم.

مساءً بعد العاشرة ليلا إستدعاني المدير، وعندما فتح لي الحارس الباب همس بإذني أن أذهب له حافيا كي لا أغضبه، فقلت له بصوت عال ليسمعه الموقوفون إني مدعو لمقابلة المدير وليس لمقابلة ربي في الجامع، فرد الحارس بحرص وبلهجته الشعبية: والله ياعمي أنا خايف عليك. قلت للحارس: إذا كان المدير طلب منك أن أتحفى فقل له إني أرفض مقابلته حافيا أما إذا لم يقل شيء، وأنت تنصحني معتمدا على العادة الجارية فإني سأتحمل المسؤولية. فما كان من الحارس إلا أن وافق أن أقابله منتعلا وعلى مضض خائفا من غضب المدير. كان المدير معي مهذبا مع عتاب على كل الطلبة لأنهم لم يقدروا ويستفيدوا من قرار السلطة بإجراء ألإنتخابات. قلت له نعم للأسف أن بعض ألعناصر المفلسة وليست لها شعبية بين الطلبة تريد أن تربح الإنتخابات بإستعمالها العنف لأرهاب الطلبة ومع هذا فشلت. وأخذ ينصحني بالإبتعاد عن السياسة وقدم لي كتابا قائلا أنه أفضل كتاب قرأه وأقترح عليّ مطالعته، وكما أذكر كان الكتاب لمؤلف أمريكي وبعنوان (دع عنك القلق وإبدأ ألحياة). قلت له: عنوان ألكتاب يحفزني لقراءته وأنه لحسن حظي ألتقي وبدون مبالغة ومجاملة مع مدير شرطة مطالع ويهتم بتطوير ثقافته وهذا يسعدني، لكن ماسمعته من ألموقوفين وحتى من ألشرطي ألحارس أثار قلقي. سألني وما ألذي سمعته؟ قلت له هل فعلا تطلب مقابلة ألموقوفين و هم حفاة؟؟. إبتسم قائلا: هؤلاء لايستحقون الإحترام، معظمهم من ألسراق والقتلة وجرائمهم مخلة بالشرف. قلت له: بإمكان هؤلاء أن يكونوا أسوياء وصالحين في المجتمع، ولكن الظروف، من أمية وفقر وجهل وإضطهاد هي ألتي أوصلتهم ألى هنا. وأعتقد بإمكانك كسب ودهم والتأثير عليهم من خلال علاقة إنسانية وتحويلهم إلى ناس صالحين، وأن المعاملة الإنسانية معهم سترفع من ِشأنك عندهم، وبعد خروجهم سيتحدثون عن إنسانيتك أمام مجتمعهم. أوعدني خيرا وسألني إن كنت بحاجة للإتصال تلفونيا بعائلتي أو أي شيء فانه مستعد لتسهيله لي. كان هذا ألمدير أنسانا طيبا ويمكن ألتفاهم معه ولم أحس في حديثي معه بأية نوايا سيئة أو حقودة بل وجدت فيه رغبة للتفاهم وحب الفضول. بعد هذا الحديث القصير، ربما كان الهدف منه التعرف عليَ ومعرفة ماجرى في الكلية وصحة ما إدعاه الطلبة البعثيون، حيث أعدت عليه ماثبته في إفادتي، وقبل أن ينتهي لقائي معه شرحت له ظروف المعتقل وتكدس الأوساخ في داخله وهذا مايعرض الموقوفين وحتى الحرس للمرض، وطلبت منه أن يوافق على أن نقوم داخل القاعة بحملة تنظيف وأن يسمح لنا بنشر أفرشتنا وأغطيتنا في باحة السجن لتعريضها للهواء الطلق وأشعة الشمس لتنظيفها من الحشرات والديدان التي وجدت فيها مكانا مناسبا للتكاثر. فأبتسم معلقا: أرأيت ماهو الفرق بينك وبينهم، فهم مقتنعون بحياتهم مهما كانت قذرة بينما أنت لم تتحملها ليلة واحدة. ووافق أن نقوم بعملية التنظيف هذه غدا قبل نهاية الدوام بساعة مستغلين ساعة خروجنا للباحة لقضاء حاجتنا، كما أوعدني بتوفير مواد مطهرة.

عدت الى الموقف وكان الموقوفون ينتظرون عودتي بفارغ الصبر لمعرفة ماجرى لي مع مدير المركز بعد أن تحديته وقررت مقابلته منتعلا خلافاً للعادة التي فرضها على الموقوفين. تجمع حولي بعضهم يريد أن يعرف ماذا دار بيني وبين المدير من حديث وماهي ردة فعله عندما دخلت عليه. كان ناهي أكثر الكل إهتماما بمعرفة تفاصيل اللقاء وكان متعطشا ومتعجلاً لمعرفة ماأقصه. أعتقل ناهي بعد أن قتل زوجته وشقيقتها غسلا للعار وسلم نفسه للمركز. كان يعتقد أن الكل بما فيهم مدير المركز سيحترمه كونه قتل غسلا للعار، لكنه تفاجأ عندما اُستدعي أكثر من مرة لمقابلة المدير حافياً، ولم يكتف المدير باهانته في غرفته وإنما كان يهينه أمام بقية الموقوفين، ومنعه من الخروج الى التواليت مع بقية الموقوفين. بعد أن قصصت عليهم مادار بيني وبين المدير، وكنت أعرف مايفكرون به، قلت لهم أن من يحترم نفسه ويعتقد أنه رجلا عليه أن يرفض مقابلة المدير حافيا، ومن حقكم دائما المطالبة بتحسين ظروف معيشتكم ومعاملتكم وإذا إقتضت الضرورة بإمكان تقديم الشكوى للجهات العليا ومن حقكم ممارسة الأضراب لتحقيق مطالبكم، لكني وجدت المدير إنسانا مهذبا ويمكن التفاهم معه وحل مشاكلكم بدون التصادم معه، وتحدثت معه وأوعدني أنه سيغير معاملته لكم. وأخبرتهم بموافقة المدير على مقترحي للقيام بحملة تنظيف واسعة ونشر أفرشتنا في باحة المركز لتعريضها لأشعة الشمس والهواء الطلق، ووزعنا مهمات العمل ليوم غد فيما بيننا، وقد لاحظت تحمسا وأنسجاما بين الجميع. وقد أبدى بعضهم رغبة في الوقوف بوجه التصرفات المذلة لهم، بينما وجد بعضهم ذلك تحدي للحكومة وبعضهم أظهر تشككه بالوعد الذي أبداه المدير أو لم يصدق ما أخبرتهم به.

في اليوم الثاني وقبل إنتهاء الدوام أوفى المدير بوعده وأستلمنا المواد المطهرة وهذا أكد مصداقية المدير وعزز ثقة الموقوفين بي. جمعنا أفرشتنا، وقمنا بحملة تنظيف داخل القاعة، وجاء المدير لقاعتنا ووجد الجميع يعمل ومنشغل في عملية التنظيف، وأمر حارس الموقف أن يفتح لنا الباب لنشر أفرشتنا وأغطيتنا وتجميع ورمي الأوساخ التي تم جمعها. وبينما كنا منهمكين في عملية التنظيف أخبرني أحد الحرس بإعتقال زميلين لي من الكلية، وعند إحضارهما للقاعة الثانية عرفت أن أحدهما كان قصي وهو طالب في الأول ومن مرشحي ألإخوان المسلمين وأحد مشجعي الأعتداءات عليّ، أما الثاني لا أذكر إسمه، وكان من عصابة البعثي حسن التكريتي ومن الصف الاول أيضا. وأعتقلا بسبب تشاجرهما باستعمال السكاكين، وحجزا سوية في الغرفة الثانية من الموقف.

مساء العاشرة من ذلك اليوم جاء مأمور المركز الحقود والذي حقق معي في الموقف وناداني وطلب من الحارس إخراجي. دخل الى غرفة المشجب وهي مجاورة لموقفنا وطلب مني الدخول وأغلق الغرفة. أستغربت من تصرفه هذا ولماذا يدخلني غرفة المشجب ويغلق الباب. أستغرابي زال بعد ثواني حيث إنهال عليَ بالضرب والصفعات على وجهي بطريقة مفاجئة وهيستيرية لم أتوقعها، ورافق ضرباته بشتائم بذيئة عليّ وعلى الحزب الشيوعي وبدون أي مقدمات. عرفت من تصرفه هذا أنه يريد فقط إستعراض عضلاته وقوته كونه مفوض شرطة يمكنه أن يعتدي على المعتقلين من دون أي رادع، كما أنه يريد أن يفرغ حقده الدفين على الحزب وعليَ. وما كان مني إلا أن اُحاول أن أصد ضرباته بيدي، ولا أدري كيف حدث ذلك وبدون أن أفكر تحولت محاولاتي لصد ضرباته الى شبه ضربات متبادلة متظاهرا بصد ضرباته وأدعوه للكف عن إسلوبه هذا. صرخ فجأة متألما، لأن أحدى يديَ صدت ضربة قوية فجاءت كل القوة على أصابع يده فصرخ متألما ومتوعدا. سخرت منه وسألته كيف تحمّل أن يُسحل مايقارب ألعشرون كيلومترا وبقي حياً؟! والان تبادر وتعتدي علي بالضرب مستغلا موقعك وأراك تتوجع!!. خرج متوعدا وسلمني للحارس لإعادتي وهو يمسك بإصابع يده متألما، حتى أن الحارس أنتبه له وسأله ماذا جرى ليدك ياسيدي، ولم يجب وذهب غاضبا ومتوعدا. عندما دخلت للموقف أحاط بي بعضهم وسألني ماذا جرى لي في غرفة الحرس أو المشجب، وأخبروني أنهم سمعوا صياحنا ولكنهم لم يميزوا الكلام. من الطبيعي أن يسمعوا أصواتنا لأن غرفة المشجب ملاصقة لموقفنا وبابها مجاور لباب الموقف. فاخبرتهم بما جرى وكيف بادلته الضرب دفاعا عن نفسي وأن يده أصابتها ضربة مني لذلك صرخ متألما. كان الموقوفون متعاطفين معي رغم أن وجودي بينهم لايتعدى اليومين وهذا ماشجعني بأن أكون أمامهم قويا متماسكا لأكسب ثقتهم. كانت بعض ضرباته قد تركت أثرها على وجهي، حتى أن أبا ماجد عندما زارني في اليوم التالي سألني ماهذه الآثار على وجهي وبادره أحد الموقوفين وأخبره بما جرى بالأمس، وأوعدني أنه سيتحدث مع المدير حول تصرف مامور المركز.

أما بالنسبة لقصي وزميله ورغم قصر فترة وجودهم بين المعتقلين فقد لاحظت تذمر المعتقلين من سلوكهم. في البدايةً كسبوا إحترام الموقوفين كونهم مؤمنون ويؤدون الصلاة، فهم أكثر ايمانا من الموقوف الاول وهوأنا الذي لايصلي، ولكن رأي المعتقلين تغير بهم بعد ساعات من معاشرتهم. فبعد خروجنا عصرا لقضاء حاجتنا والتمشي في الساحة إقترب مني أحدهم من الموقف في القسم الثاني، وكان رجلا كبيرا ويناديه الكل بالحجي وهو ليس حاجا كما سمعت، وأعتذر الحجي مني لأنه لم يرد السلام عليّ عندما قابلته أثناء خروجنا صباحاً قبل بدء الدوام، وكنت أحسب أنه لم يسمعني. قال لي: كنت غاضبا منك لأني عرفت أنك لاتصلي وزاد غضبي عليك عندما وجدت زملائك (قصي وزميله) يصلون، ولكن الآن تغير رأي بك، فقصي وزميله ما أن ينتهوا من الصلاة حتى يبدؤوا مزاحهم، برمي المخاديد والأحذية على بعضهم إضافة للشتائم والكلمات والحركات البذيئة المتبادلة بينهما والمخجلة دون إحترام للآخرين. وسألني لماذا لا أنتقل إليهم وأنه مستعد لتعليمي الصلاة خاصة أن بعض أصدقائه من القسم الثاني أمتدحوني، كوني مهذبا معهم وإجتماعيا وأني بادرت في تنظيف الموقف وتقسيم الطعام ورتبت خفارات للتنظيف وإستلام الطعام وتوزيعه، وقد زاد من كيله للمديح لي حتى أنه شكرني كوني قد حدثت المدير بضرورة إحترام الموقوفين في مقابلتهم له وعدم إجبارهم على التحفي. قلت له: ماقلته للمدير كان بالإمكان ألقيام به بأنفسكم، فهي قضيتكم ويجب أن لآتنتظروا أن يدافع أحدا عنكم، خاصة يوجد بينكم من تجرأ وقتل زوجته أو أخته، أوسرق جاره، كل واحد منكم يتفاخر بما قام به، فلماذا تخافون المدير. لقد وجدت المدير إنسانا طيبا ويمكن التفاهم معه ولو فعلتم هذا منذ زمن لتجاوب معكم وتجنبتم الإهانات. أما بالنسبة للصلاة فهذه هداية من الله سبحانه وتعالى، وأنا أعمل جهدي من أجل الخير وعدم الإساءة للآخرين والدفاع عن الفقراء، وحسب قناعتي فإن الله يفضل فاعل الخير الذي لايصلي على المصلي المنافق والذي يقوم بكل الشرور متسترا بصلاته ويسئ بذلك لدينه ويخدع ربه. أقتنع الحجي أو ربما لم يجد قدرة على إقناعي كما أني لم أكن راغبا في الإستمرار بهذا الحوار في هذا الجو الفلاحي وسط ناس بسطاء لايعرفون ماهي حقوقهم وكل مايحصل لهم من تخلف و ظلم يعتبرونه من مشيئة الله، هكذا علمهم شيوخهم في الجوامع.

في اليوم الثالث كرر مأمور المركز زيارته لغرفتنا، ووجدني جالسا وقد تجمع حولي بعض المعتقلين وهم يتحدثون عن المشاكل التي كانت سببا في وجودهم في المعتقل. وما أن رأه بعضهم حتى أنفض من حولي وآخرون توجهوا للباب لأداء التحية عليه وقد أثارت فضولهم يده وهي مربوطة بلفاف طبي، وسأله بعضهم بشماتة: خير سيدي مابها يدك؟ ولم يعر إهتماما للإجابة على أسئلتهم، وطلب منهم أن يبتعدوا عن الباب ليراني، والتفت اليَ وقال متسائلا: هل كنت تنظمهم؟ جئت لأتمم حديث الأمس معك ألآن!. وطلب من الحارس تهيئة عصا وإخراجي وإدخالي لغرفة المشجب. كان الحارس في ذلك المساء ألحاج والي وقد قص عليه الموقوفون ماجرى لي بالأمس. عندما فتح الحاج والي الباب وأخرجني همس بأذني قائلا لاتسكت إذا ضربك وأصرخ بأعلى صوتك متألما، كان طلب الحاج والي صعبا بالنسبة لي، كيف لي أن أدعي الرجولة والشجاعة أمام هؤلاء المعتقلين بينما أنا أصرخ متألما. رفضت طلب الحاج والي وقلت له لا ياحاج الرجل لايصرخ من ضربات المأمور وعلي أن أدافع عن نفسي مثلما فعلت بالأمس وأنت رأيته الآن وقد جاء ويده مربوطة بلفاف طبي، وترجاني الحاج لأنه يريد مصلحتي، فوعدته بأني سأقرر في حينها. دخل عليَ ألمأمور كالأسد وتناول العصا (من الخيزران) التي كانت مركونة في أحد الزوايا، ورفعها وضربني بقوة وهو يشتم ويهددني بأنه سيعيدني لنقرة السلمان. مرت بضعة دقائق اُصبت بعدت ضربات وأنا أصرخ بوجهه بأن يكف عن ضربي، ولم تنفع محاولاتي في دفع أو صد عصاه التي كانت تهوى على جسدي بحقد ودون تمييز وكأنني أمام ثور هائج. حينها فتح ألحاج والي ألباب وأبلغ ألمأمور بأن ألمدير يطلبه. طلب ألمأمور من الحاج حراستي ألى أن يعود وذهب للمدير. أخبرني ألحاج والي أنه ذهب للمدير وقال له: سيدي الفرخ (ألشاب) سيموت من الكتل (ألضرب) ونبتلي بِه!!! لذلك إستدعى المدير المأمور. عاد المأمور حانقا وطلب من الحاج والي إعادتي للموقف، وهكذا ساعدني هذا الأنسان الطيب مرة ثانية.

يـتـبـع


¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 1/10/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة