ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 7 )
محاولات لانهاء نفوذ انصارنا بين الجماهير في منطقة بهدنان - 1وجدت قوتنا الانصارية الوليدة امامها اطرافا عديدة تناصبها العداء، وتحاول وضع العراقيل امام تطورها وإتساع نفوذها وجماهيريتها كحركة مسلحة للحزب الشيوعي العراقي. واستخدمت اشرس واخبث الوسائل ضد الشيوعيين وعوائلهم . ولم تتوقف يوما تلك المحاولات ولم تقتصر على فترات القتال بيننا وبين السلطة ، بل تواصلت حتى في اوقات الهدنة وتوقف القتال والمفاوضات .
فالى جانب الملاحقة عسكريا ، دأبت سلطة البعث ، عبر اساليب متنوعة، بالضغط على الانصار وعلى عوائلهم لابعادنا عن خيارنا بمقاومة السلطة ، مستخدمة في ذلك أيضا اساليب الاغراء بالاموال او بالوظائف .
ولم يقتصر الامرعلى السلطة وقواتها ومرتزقتها ، بل ناصبنا العداء اناس من الطرف الاخر؛ أي الطرف المحسوب على الثورة المسلحة. وكان في مقدمة هؤلاء بعض الاشخاص في القوش ، ممن كانوا يرتبطون بالحزب الديمقراطي الكردستاني الى جانب ارتباطهم بشكل من الاشكال بالاجهزة الامنية والمخابرات العراقية وبدفع وتشجيع من بعض رجال الكنيسة .
كانت البداية على يد احد معتمدي قصر امير الأيزيدية وعضو محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني المدعو صالح نرمو. وكان حسو ميرخان قد نسب صالح نرمو مسؤولا اقتصاديا في الدشت، حيث يقوم بجمع الواردات للثورة على مرأى ومسمع من السلطة العراقية دون ان يعترضه احد. وقد توفرت لديه امكانيات مالية ضخمة بسبب مركزه هذا، إضافة الى نفوذه السياسي لكونه عضو محلية الحزب. كما كسب نفوذاً اجتماعياً لكونه معتمد القصر الاميري .استطاع هذا الشخص أن يستميل عدداً من الرفاق والاصدقاء الانصار ، مستغلا حالة الفقر لسد احتياجات عوائلهم . كما إستغل البعض من ذوي الانفس الضعيفة، حيث تمكن من كسبهم الى جانبه ، وفي مقدمتهم حسن عقراوي الذي كان قد جلب عائلته واسكنها في المنطقة وباشرت بأستلام ارزاقها من صالح نرمو. واستطاع حسن بدوره كسب عدد من الرفاق الايزيديين والاكراد مثل شيخ آزدين ونافخوش وكَندل علي .. وأخرين .
خطط صالح نرمو وحسن عقراوي لاحداث انشقاق في قاعدتنا العسكرية. واستطاع هؤلاء فعلا من اقناع مجموعة مكونة من 15 نصيرا، حيث قاموا ليلا بكسر باب المشجب والاستيلاء على اربع بنادق انكليزية بمساعدة الحارس توران عبد الحكيم، وهربوا الى مقر حسو ميرخان. لم اكن في تلك الليلة موجودا في المقر. وعند عودتي صباحا الى ديرالربان هرمز علمت بالحادث، فقررت فورا توقيف الحارس .توجهت مع مفرزة، قوامها 25 نصيرا، واخذت معي الرفيقين ابو نصير وابو جاسم ( محمد سواري ) الى قرية نصيرية حيث يتواجد صالح نرمو، فلم نعثر عليه. ثم واصلنا مسيرتنا الى مقر حسو ميرخان في قرية شكفتي منطقة برواري ريري. وعند وصولنا المقر علمنا بوجود المجموعة الهاربة هناك. تركنا المفرزة خارج المقر وذهبت برفقة ابو نصير و ابوجاسم الى حسو ميرخان لمعرفة سبب لجوء هؤلاء اليه، وضرورة اعادة الاسلحة المسروقة من المشجب. اخذ حسو موضوع السرقة بجدية واهتمام وباشر التحقيق معهم واستطاع اكتشاف جريمتهم تلك واعاد لنا البنادق المسروقة. اما اسلحتهم ، فقد رفض اعادتها بحجة ان المسألة تحتاج الى موافقة من البارزاني مباشرة ، حيث اعتبروهم ملتحقين جدد بالثورة مع اسلحتهم ، مؤكدا بذلك علاقته بمخطط انشقاق هذه المجموعة وتشجيعه لها. ولربما كان المسؤول الاعلى من حسو على علم بالمخطط الذي يهدف الى تحجيم قوتنا الانصارية او كما يقال ، قص اجنحتها .
الواقفون من اليسار الملازم اول يوسف بطرس البازي ، توما توماس ، سعيد هاشم ، الجالسون من اليسار صبحي اسماعيل ، جلال البدري - جبل جيا بانك 1967
قررت اعادة المفرزة الى المقر، على ان اغادر نحو مقر الملا مصطفى البارزاني لغرض الحصول على موافقته بإعادة جميع الاسلحة التي كانت بحوزة الهاربين .
في گلاله التقيت البارزاني، وتحدثت معه بخصوص الموضوع. فقرر تزويدنا مباشرة بخمسة عشر ( 15 ) بندقية انكليزية ، وطلب من حسو برسالة خاصة اعادة بندقية كلاشنكوف كانت مع الهاربين، لانه لم يكن بحوزته هذا السلاح ليعوضنا به .
وفي طريق العودة طالبت حسو بأرجاع البندقية حسب توصية البارزاني ، فأعتذر عن سحبها من حسن عقراوي ، وسلمنا مبلغ 300 دينار لشراء بندقية كلاشنكوف بدلا عنها .
*****
كانت تربطنا علاقات جيدة بغازي حجي ملو ، ومع المزوريين بشكل عام بحكم الجيرة والنضال المشترك لسنوات عديدة. وبعد التحاق اخيه عبد الواحد بالسلطة، تم نقل غازي مع من تبقى من جماعته الى سوران وحل محله هاشم ميروزي (1).
كان مقرنا يقع في دير الربان هرمز عندما فاجأنا هاشم مع قوة كبيرة من اتباعه وهي تحيط بمقرنا. طلب منا ترك المقر والمنطقة، وقد اثار استغرابي لانه يعتبرها منطقته في الوقت الذي ولدت انا فيها وجاء هو من الحدود التركية. كان موجوداً في غرقتي حينما ابلغني بقراره. فأحتدم النقاش وإحتد بيننا وكاد ان يؤدي الى صدام مباشر بيني وبينه. فأحتكمت الى العقل بعد ان تبين لي ان فخا قد نصب لنا. ولتفادي الانجرار لقتال لن يؤدي الا الى إلحاق خسارة كبيرة بالطرفين ، قررنا مغادرة المقر والتوجه فورا الى مقرآمر الهيز حسو ميرخان . وللمرة الثانية شجعني حسو بمراجعة البارزاني مباشرة. وعلمت بأنه كان يُسعى بهذه المؤامرة الى تحقيق هدف آخر وهو نقله من المنطقة واحلال هاشم وغازي حجي ملو محله، بإعتبار أنهما مزوريين. و قد ذكر بأنه لا يتمتع بأية صلاحيات لمواجهة هاشم او اتخاذ اي اجراء بحقه .
سافرت الى بالك ومن هناك الى گلالة ، والتقيت البارزاني وشرحت له ملابسات المشكلة. تفهم البارزاني الموضوع ووعدني خيرا وتسلمت منه رسالة موجهة الى حسو .
حينما عدت الى المنطقة كانت المشكلة قد انتهت ، اذ كان الجيش قد تقدم واحتل اتروش. وافرغت المنطقة من الپيش مرﮔة. وكان هاشم ميروزى قد قتل في ربيئته في جبل اتروش، ولكن أشيع ان مقتله كان على يد ابن اخته.
وللمرة الثانية أصبحت منطقة المزوري خالية من الپيش مرﮔة وقراها مهجورة. درسنا، حسو وانا، الوضع الجديد وقررنا عودة الپيش مرگة وفتح المقرات لمساعدة الاهالي في العودة الى قراهم . تحركنا سويــة الى المنطقة ووصلنا قرية خوركي المهجورة ، وابقينا فيها مجموعة مسلحة من المزوريين كمقر للپيش مرﮔه. اما قوتنا فقد قامت بأستطلاع قمة جبل الدير واستقرت هناك، واعطينا اشارة بأيقاد النار، كنا قد اتفقنا عليها مع حسو، كي نبلغه بأن الطريق سالكة ويمكنه التوجه الى مقره .
واصلنا تقدمنا نحو جبل القوش، ولاحظنا وجود ربيئتين فوق القمة. اقتربنا اكثر في استطلاعنا، اذ كنا بحاجة لمعرفة كل المستجدات التي حدثت خلال فترة ابتعادنا عن منطقتنا. وجلب انتباهنا شخصان يتقدمان بأتجاهنا. كانا اثنان من الجحوش المتمركزين في الربيئتين الجديدتين. رحبا بنا واخبرانا بانهما من جماعة عبد الله الشرفاني، وان افراد الربيئتين ، حسب توصية الاغا الشرفاني ، على استعداد تام لتقديم كل المساعدات لنا شريطة تركهم بسلام وعدم التحرش بهم . كنا فعلا في وضع نحتاج فيه للمساعدات، خاصة وان منطقتنا اصبحت خالية من الاهالي، فوعدناهم خيراً .
عدنا الى جبل الدير حيث اقمنا مقراً وراء الجبل وعند صهاريج الماء . وبما ان كل القرى المجاورة كانت مهجورة، فلم يتمكن الانصار من الحصول على اي شئ من الارزاق خلال تجولهم في المنطقة لمدة ثلاثة ايام متواصلة. ووفقاً لاتفاقنا مع جماعة الشرفاني، بدأت ارزاقنا اليومية تصل الينا، الى ان باشر اهالي المنطقة بالعودة الى قراهم تدريجيا. ولم تقتصر خدمات جماعة الشرفاني على توفير الارزاق لنا فحسب، بل قدموا لنا يد المساعدة ايضا بغالبية ما كنا نطلبه منهم. وبدورنا ساعدناهم بعدم التحرش بهم .
*****
كانت هذه المحاولة، وهي واحدة من محاولات إنهاء نفوذ الشيوعيين، محكمة اكثر من غيرها. ودبرت مباشرة بعد تعيين مردان حسن زكر (2) مديراً لناحية القوش. وبحكم علاقة مردان بالحزب الديمقراطي الكردستاني فقد جرى التنسيق بينه وبين صالح نرمو لحياكة المؤامرات ضدنا .
في تموز عام 1966 وكنا في مقرنا في بيرموس، وصلتني رسالة من حسو ميرخان ، يطلب فيها إرسال 15 نصيرا للبقاء معه لحين عودة حرسه الخاص من الاجازة . وكأي طلب مشروع من مسؤول المنطقة، هيئنا العدد المطلوب من رفاق جيدين ومسلحين بأفضل الاسلحة وبأمرة صباح ( ابو ليلى ). ولم يؤثر هذا العدد على قوتنا الانصارية بسبب توقف العمليات العسكرية اثر الهدنة التي أعلنت بين الحركة الكردية المسلحة وبين حكومة عبد الرحمن البزاز منذ بيان 29 / حزيران .
بعد فترة ، استلمت رسالة اخرى من حسو يطلـب فيها حضوري بشكل عاجل ولامر هام .وصلت مقره في قرية شكفتي ومعي الرفيقين أبو نصير ومحمد سواري. رحب بنا حسو كثيرا وبشكل غيراعتيادي ، وبعد الغداء انفردنا لوحدنا ، فبادر الى تكرار شكره على تلبيتنا لطلبه بسرعة إرسال ال 15 رفيق ، واوضح ان مهمتهم قد انتهت ويمكنهم العودة الى مقرنا. ثم اردف قائلا : " لقد اقتنعت الان بعدم صحة الاخبارية الواردة ضدكم في حينها، لانكم لبيتم طلبي ذاك ، وكان في مقدمة الانصار المرسلين الينا ابن اخيك صباح " .
استغربت من حديثه وطلبت منه توضيح الامر، وقلت له: " انني في حينها لم اقم الا بالواجب تجاهكم ، وعن اية اخبارية تتحدث ؟ "
اجاب حسو : " لقد وصلتنا رسالة مستعجلة يُطلب فيها اعتقالك ومن معك من الانصار الشيوعيين لانكم قد اتفقتم مع السلطة للأستسلام جميعا، وان سيارات عسكرية ستقوم بنقلكم من دير السيدة الى الموصل بعد ان تقوموا بأعتقال المعارضين لكم ".
وتبين ان الرسالة مرسلة من مردان حسن زكر مديرناحية القوش، واكد فيها وبحكم مركزه الاداري ، انه مسؤول عن تنفيذ هذه العملية السرية وهي تحت اشرافه المباشر!!
وذكر حسو : " لقد فكرت جيدا وبحكم معرفتي بإخلاصكم ، وقعت في حيرة من امري ، فقررت ان لا استعجل بإتخاذ اية اجراءات، وعليه فقد اردت إمتحانكم حينما طلبت منكم ارسال 15 نصيرا مسلحا. وقد فوجئت بسرعة وصولهم فأقتنعت ان تلك الرسالة لم تكن الا بداية لخيط من خيوط مؤامرة حاكها صالح نرمو وبالاتفاق مع مروان حسن زكر."
ذ ّكرت حسو برسالة وصلته مرة من علي جوقي عضو محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكردستاني، وكنا حينها، حسو وانا، على رأس قوة مشتركة فوق جبل ( جيا بانك ) المشرف على قرية مريبا، من أجل احكام السيطرة عليها ولفرض حصار على عبد الله آغا الشرفاني . طلب علي جوقي في رسالته تلك من حسو ميرخان توجيه قوة من الپيش مرﮔة وبشكل عاجل الى مقرالانصار الشيوعيين لاعتقالي ، بزعم أنني سألتحق بالسلطة. حينها ضحك حسو كثيرا وكال الشتائم وسلمني الرسالة كي اطلع عليها !!!.
قلت له : " تصور لو ان الرسالة الأخيرة كانت قد وصلت الى شخص اخر غيرك ، الى عيسى سوار مثلا ، فما الذي كان يمكن ان يحدث ؟!!.يتبع
(1) من قرية ميروز ، عشيرة مزوري بالا ( العليا ) وهي احدى عشائر المنضوية تحت حماية بارزان ، تقع شمال شرق روبارشين على الحدود التركية تجاور منطقة الريكانيين ، كان عمه مصطفى ميروزي رئيس جاش ومناوئا للبارزاني .
(2) مردان حسن زكر، من اكراد سنجار ، يدّعي بأنه عضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني ، شخصية انتهازية ، عين مديرا لناحية القوش .
¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |