ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.

يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة


أوراق توما توماس
( 2 )


ما بعد ثـــــورة 14 تــــــموز 1958
بادر الحزب ومنذ الساعات الاولى للثورة بتشكيل لجان الدفاع عن الجمهورية والمساهمة في المقاومة الشعبية ، وتوجه العمال لتشكيل نقاباتهم ومنهم عمال النفط ، حيث قدمنا طلبا لتأسيس نقابة النفط وكنت ضمن الهيئة المؤسسة ، وقد اجيزت النقابة واصبح الرفيق عبد الرحيم اسحق رئيسا واصبحت انا سكرتيرا للهيئة الادارية. وعند تنسيب عبد الرحيم اسحق كنائب رئيس نقابة النفط المركزية ، تولى رئاسة النقابة بدلا عنه ، توفيق احمد وهو عامل نفط سابق اعتقل لنشاطه الشيوعي حتى ثورة 14 تموز حيث اطلق سراحه وعاد الى عمله في الشركة .

تميز نضال عمال النفط ونقابتهم في العراق بالصلابة ضد تعسف شركات النفط وضد هضم حقوقهم ، وبنضالهم العنيد انتزعوا مكاسب عدة ، مما اثار نقمة شركات النفط ضدهم وبدأت تمارس شتى السبل لكسر وحدة العمال ومن هذه السبل كانت محاولات شراء الذمم ، وخاصة مع الذين كانوا بمواقع قيادية في النقابة .

ضمت شركة نفط العراق آنذاك ثلاثة اصناف من العمال والموظفين :ـ
1 ـ الدرحة الأولى first clas) ) وهم الموظفون المتعاقدون ، الذين يتعاقدون مع الشركة سنويا وبإمتيازات أسوة بالموظفين الانكليز: رواتب عالية ، سكن جيد . في حين لايجوز لهم الانتماء الى النقابة كونهم موظفين وليسوا عمالا .
2 ـ الدرجة الثانية (second class) وهم عمال برواتب شهرية ويشمل الكتبة والفنيين والملاحظين ..الخ .
3 ـ الدرجة الثالثة (weekly paid) عمال ذوي الاجور الاسبوعية ويشمل باقي العمال في الشركة .

كانت علاقة الهيئة الادارية لنقابة النفط مع الشركة من خلال مدير العلاقات الصناعية (مستر لانكَلي) وهو سياسي محنك ، مرن في تعامله مع الاخرين ، ورجل مخابرات مر في عدة دورات في معهد ( شملان ) في لبنان . في احدى المرات كنت والاخ عبد الرحيم اسحق في لقاء معه ، طرح علينا رغبة المدير العام للشركة بترفيعنا الى درجة الموظفين المتعاقدين ( Staff ) وبراتب لايقل عن (300 ) دينار شهريا ، وكان ذلك مبلغا كبيرا آنذاك ، الا اننا لم نبد الاستعداد او الموافقة على المقترح لعلمنا ان الغاية من هذا الترفيع ، هي محاولة سحبنا من نقابة النفط حيث انتخب احدنا رئيسا للنقابة والاخر سكرتيرا .

وبعد فترة وكنت خارج الهيئة الادارية للنقابة بعد فوز العمال الاحرار ، حررنا طلبا بأسم مجموعة من الفنيين في حقل الخزانات K1 الى المدير العام للشركة ، من اجل ترفيعنا الى موظف ( الدرجة الاولى ) لان العمل الذي نقوم به يستحق هذه الدرجة ولان رواتبنا تجاوزت الدرجة السادسة بعلاوتين ، ومع ذلك فقد رفض طلبنا.

لم تستطيع قيادة الحزب الاستفادة من النهوض والمد الثوري الذي حدث بعد ثورة 14 تموز ولم تستغل الامكانيات المتوفرة للحفاظ على الجمهورية وترسيخ توجهها الديمقراطي رغم توسع نشاط الحزب بين مختلف قطاعات الشعب وبين المنظمات الديمقراطية والجماهيرية والجيش . وكان للموقف المتردد والتراجع الذي اتخذته قيادة الحزب وانتقادها لنفسها دون حق ، قد فسح المجال امام قاسم وبضغط من القوى القومية والرجعية لتحجيم دور الحزب بإستغلال بعض اخطائنا اثناء مؤامرة الشواف في الموصل وحوادث كركوك في سنة 1959 .

تهيأت اغلب مدن العراق للاحتفال شعبيا بالذكرى السنوية الاولى لثورة 14 تموز وجرت الاحتفالات في كل مكان بأجواء من الحماس والفرح ، بأستثناء ما حدث في مدينة كركوك . ففي هذه المدينة - كما هو معروف - تنوع قومي واضح ، اذ يقطنها العرب والكرد والتركمان والكلدان والاشوريين والارمن ..الخ ، وهي تعج بالتناقضات والصراعات ، التي كان عملاء الانكليز يبدعون في تأجيجها ، خاصة وان المقر الرئيسي لشركات النفط في العراق ، كان فيها .

نظمت نقابة نفط كركوك المسيرة يوم 15/7/1959 لتطوف شوارع كركوك ، وتقدمت الهيئة الادارية لنقابة النفط الجموع في تلك المسيرة ، وبعد ان اجتازت مقهى احمد آغا ، ودخلت شارع اطلس متوجهة نحو مديرية شرطة اللواء ، وفي منتصف الشارع انهالت عليها الحجارة من المقهى ومن اسطح بعض البنايات ، مما ادى الى تفرق المسيرة دون ان يتمكن احد من السيطرة عليها، اذ هجم بعض المتظاهرين على المقهى وبدأوا بضرب من يشكّون بهم . وقد زاد الوضع سوءًا حينما استنفر الجنود من سرية الحراسة وهجموا على رواد المقهى وبدأوا يعتدون عليهم دون تمييز . وتطورت تلك الاحداث بشكل متسارع لتشمل النهب وفرهدة السوق والاعتداء على كل من هو تركماني ، ولم يعد بالامكان السيطرة على الوضع الا بتدخل الجيش . لكن الامر لم ينتهي عند هذا الحد ، بل تعداه، بعد ان قامت عناصر مشاغبة ومن جميع الاحزاب ، مستغلة الوضع غير الطبيعي، للانتقام من الاخوة التركمان حيث سقط العديد من الضحايا قتلى وجرحى نتيجة ذلك . ولايمكن ان نستثني بعض رفاقنا من الاشتراك بتلك الاحداث مع منتسبي الاحزاب الكردية وبأشراف قياديين من تلك الاحزاب في كركوك. ومنذ اللحظة الاولى وقفنا ضد تلك التجاوزات ، واذكر منها ، كنا في مقر النقابة عندما اتصل بنا السيد شامل اليعقوبي ( الشخصية التركمانية المعروفة في كركوك ) تلفونيا، من داره القريبة من النقابة، طالبا تدخلنا لفك الحصار الذي ضربته عناصر مسلحة حول داره في محاولة لاقتحامه، تساندهم سيارة مسلحة اخذت بقصف الدار فعلا. توجه الاخ عبد الرحيم اسحق رئيس نقابة النفط الى هناك ومنع الضابط من قصف الدار والانصراف والا فسيتحمل المسؤولية ، وتم طرد العناصر المسلحة من المنطقة .

وفي يوم الحادث ايضا ساعدنا السيد كامل علي التكريتي مسؤول العمال الاحرار، وهو تكريتي ومحسوب على التركمان ، في الوصول الى داره بسلام دون ان يصاب بأذى من قبل تلك الجماهير الهائجة التي كانت مستعدة للانتقام .
ان شهــــــــادة الزعيم محمود عبد الرزاق قائد الفرقة الثانية امام المحكمة الخاصة والذي قال فيها : ( لولا الشيوعيين لجرت مذابح في كركوك يذهب ضحيتها الاف من الفقراء ) . تؤكد بجلاء عدم مسؤولية الحزب الشيوعي .

نجحت المؤامرة التي حيكت ضد الحزب بدقة ، واستغلت لضـرب الشيوعيين واصدقائهم ومهدت الطريق لعبد الكريم قاسم لوضع حد للحزب والقيام بحملة اعتقالات وتمهيد السبيل للرجعية من الانتقام. وشنت حملة اغتيالات شملت كل التقدميين والديمقراطيين . اما في الموصل فقد اخذت الهجمة مديات أبعد وأوسع ، واضطرت الكثير من العوائل ، وخاصة من الاقليات القومية ، الى مغادرة المدينة أسوة بالشيوعيين واصدقائهم خوفا من الإنتقام.

والغريب ان ( اتحاد الشعب ) استحسنت ما جرى في كركوك حيث اعتبرته عقابا لعملاء شركة النفط ، ملصقة - دون ان تنتبه - التهمة بالحزب .
وتلى ذلك صدور تقرير اللجنة المركزية حيث كان واضحا فيه اسلوب جلد الذات ، ليعطي الذريعة لعملاء شركة النفط لالصاق مسؤولية تلك الاحداث بالحزب .
وبدلا من ان يتخذ قاسم اجراءات وقائية للحفاظ على الثورة، اخذ يتراجع امام القوى الرجعية من خلال تسليمها المواقع الحساسة في الجيش والدولة وابعاد الشيوعيين والعناصر الوطنية منها واحالة الضباط الوطنيين على التقاعد .

الهجمــــــة ـ اعتقالات للشيوعيين من عمال النفط
في سياق تراجع عبد الكريم قاسم امام القوى القومية والرجعية جرى انتزاع المنظمات الديمقراطية والمهنية والجماهيرية من الحزب الشيوعي وتسليم قيادتها لتلك القوى ، وإنبرت نقابة النفط ( وبتحريض من شركة النفط ، اذ رأت ان الوقت مناسب لذلك ) للايعاز لاجهزة الامن بالقيام بحملة اعتقالات ضد العمال الشيوعيين في تموز سنة 1961، حيث اعتقل جميع اعضاء لجنة العمال التي كنت اقودها، وقد استطعت الحصول على اجازة لمدة يومين من العمل وسافرت الى القوش للتأكد من موقف الامن مني.

عدت الى كركوك وذهبت صباحا لاستلام راتبي من المحاسبة، وكان دوامي ذلك اليوم في الساعة الواحدة بعد الظهر ، فانتبهت الى أن السيد قاسم ( الذي يعمل في دائرتنا ) قد ترك المحاسبة فورا ليستقل سيارته ودون ان يستلم راتبه، فتوقعت بأنه ذهب ليخبر الامن بوجودي ، فقررت العودة الى القوش وعدم الالتحاق بالعمل. واخبرت مدير دائرتنا طالبا اجازة لمدة اربعة ايام لاكمال معالجة ولدي ، فوافق السيد بهنام جورج عليها وعدت فورا الى الموصل، بعد ان اوصيت ابن اختي بمراقبة الوضع وان يأتي الى القوش لاخباري بأية تطورات . وفعلا كانت توقعاتي في محلها حيث وصل ابن اختي واخبرني ، بأن رجال الامن طوقوا محل عملي في الشركة ، في الساعة الواحدة بعد الظهر ، وداهموا بيت اختي القريب من محل عملي وفتشوه بحثا عني ، فقررت عدم الالتحاق بالشركة حيث قدمت استقالتي برقيا .

في القوش قررت القيام بعمل حر ، فأسست معملا للثلج وحقل دواجن في قرية شرفية ( تقع جنوب القوش بمسافة (5) كيلومترات ) بالاشتراك مع زوج اختي وصرفنا عليه كل مستحقاتنا لقاء خدمتنا في شركة النفط . بدأ المعمل بالانتاج صيف سنة 1962 وتطور مشروع الدجاج بشكل ملحوظ .

ثـــــورة 11 ايلـــــول 1961
قاد عبد الكريم قاسم ثورة 14 تموز بإتجاه معاكس لاهدافها حينما تراجع امام القوى القومية والرجعية ، وابعد المخلصين من ابناء الشعب عنه ، مما خلق جوا مساعدا ومشجعا لقوى الردة لضرب ثورة 14 تموز ،اضافة الى موقفه من حل المسألة الكردية وعدم مبادرته للحل السلمي بما يخدم مصلحة ثورة الشعب.

رفع حزبنا شعار ( السلم في كردستان ) لكنه لم يلق ترحيبا لا عند الملا مصطفى البارزاني ولا عند الزعيـــــم عبد الكريم ، بل قاد الى حملة اعتقالات جديدة للشيوعيين .
وعندما شن مسلحوا الاكراد هجماتهم الاولى ضد حكومة قاسم ، كان البارزاني حينها في بارزان ، واعتقد البعض بأن لاعلاقة له بما يجري ، في تلك الظروف وقف فرع حزبنا في كردستان ضد القتال.
وجاء رد حكومة قاسم عنيفا ، اذ شنت القوة الجوية غارة على برزان وانزلت خسائر فادحة بالسكان مما دفع حزبنا الى الاحتجاج على ذلك ، وعلى إثر تلك الغارة ، تحرك البارزاني الى بهدينان لكسب عشائرها الى جانب الثورة ، ووصل برواري بالا حيث تمت تصفية المنطقة من المعادين له ، والتحق به المزوريين من عائلة حجي ملو ، في حين وقف شيوخ بيرفكا (وهم مزوريين ايضا ) وبسبب خلافات سابقة بينهم وبين عائلة حجي ملو، ضد الثورة مما قاد ذلك الى تدمير قراهم وحرقها وتهجير اهاليها الى الموصل ، ليسجلوا في القوة العشائرية ضد الثورة .

وبعد الالتحاق بالثورة ، تصرف عبد الواحد حجي ملو واخيه غازي وجماعتهما ، تصرفا لاإنسانيا عندما سفكوا دماء 25 شخصا اثوريا من اهالي برواري بالا ، بحجة ان احدهم كان قد دل قوات الشرطة على مخبأ اخيهما عبد العزيز ، عندما كان هاربا وقد جرح نتيجة ذلك ، ولم تكن تلك الحجة لتبرر فعلتهم . وكان من بين الذيــن قتلوا احد رجال الدين ، وهو القس داود من اهالي قريــة كاني ماسي ، والد الرفيق توما القس داود .

حاول عبد الكريم قاسم اغتيال البارزاني عندما ارسل اليه العقيد حسن عبود مفاوضا ، وفي نفس الوقت هيأ للقيام بغارة جوية على محل الاجتماع منتقما منه ومضحيا بالعقيد حسن عبود واعضاء الوفد المفاوض ، لكن البارزاني كان اكثر دهاءًا منه ، اذ طلب تغيير مكان اللقاء في اللحظة الاخيرة.

كلف الحزب الرفيق حسن البرزنجي عضو فرع كردستان ، في صيف سنة 1962 وكان منسبا لمكتب محلية الموصل لاجراء لقاء مع البارزاني في مقر تواجده في باكرمان (عقرة) ، جاءني الرفيق يحمل رسالة من سكرتير محلية نينوى يطلب فيها ايصاله الى البارزاني فأخذته الى خيري بك سعيد بك في باغدرة الذي كلف اخيه فاروق مع مجموعة لترافقه .

كان لموقف حزبنا غير المؤيد للحركة الكردية المسلحة في بدايتها ، ووصفها بحركة رجعية تأثير على تنظيماتنا في كردستان حيث اتخذت بعض تنظيماتنا في العمادية ودهوك موقفا معارضا لذلك الموقف ، وترك عدد من اعضاء هذه التنظيمات صفوف الحزب والتحقوا بالحزب الديمقراطي الكردستاني وبالحركة المسلحة ، الا ان هذا الموقف لم يكن يعبر عن السياسة الحقيقية للحزب ، ازاء القضية الكردية ،اذ وقف الحزب وفي كل الظروف موقفا مؤيدا للحقوق القومية للاكراد ودعا في كل الاوقات الاحزاب الشيوعية في العالم لمساندة الشعب الكردي وتأييد قضيته العادلة والوقوف ضد الحرب الشوفينية التي كانت تشنها الانظمة المختلفة في العراق .

¤ الحلقة الأولى

الخميس 19/10/ 2006

| أرشيف الذكريات  |