ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 24 )
الحرب العراقية ـ الايرانية ، تأثيرها على وضع الانصار
بعد انهيار الحركة الكردية المسلحة ، احتل الجيش كل المدن والمواقع الحيوية في كردستان التي سلمت من التدمير والواقعة على الطرق الرئيسية ولم تترك السلطة قمة جبل او تل دون ان تستغلها كربيئة او نقطة مراقبة ضد تسلل البيش مركة ، مما اضطرهم ذلك الى التحرك ليلا .
كانت الربايا بالمرصاد للبيشمركَة، حيث تقوم بإطلاق النار بأتجاه اية حركة مهما كانت بسيطة (وفق قرار السلطة بقتل كل حي يشاهد في المنطقة فورا) .
في 22/9/1980 اعلن العراق حربه على ايران. وتمكن الجيش العراقي من إجتياح الأراضي الأيرانية، وفي خضم المعارك كان لابد من تعزيز الجيش بوحدات جديدة. لذا بدأت العديد من الوحدات العسكرية المستقرة في كردستان بالتوجه الى جبهات الحرب تاركة فراغا ملحوظاً. وأصبحت المسافات بين الربايا والمعسكرات في كردستان تتباعد تدريجياً، الامر الذي وفر للپيشمرگة إمكانية الحركة بشكل أفضل من السابق. وأصبح بإمكانهم الوصول الى المناطق الآهلة بالسكان وإقامة الصلات مع الجماهير والحصول على الأرزاق وجذب المزيد من الشباب من رافضي الحرب . وقد إستفادت الأحزاب القومية الكردية من الحرب العراقية – الايرانية، ماديا ومعنويا. ووقف بعضها الى جانب الجيش الايراني وساعدته في بعض الاحيان للتوغل في العمق العراقي. وقد دفع هذا الموقف الخاطئ الى المزيد من التعويل على الحرب، الى درجة اعتبار انتصار الحركة الكردية مرتبط بحسم الحرب لصالح ايران !!!!.توفرت لنا فرصة ملائمة ان نفكر بإرسال مفارزنا الى العمق واستغلال الوضع الجديد الناشيء. ولذا تم الاتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني على ارسال قوة مشتركة تحت قيادة سيد صالح (1) من ( حدك ) وابو باز من قوتنا، واتفق الطرفان على القيام بعملية عسكرية لضرب فوج قرية (بلمباز) (2).
¤ فوج قرية بلمباز :
كان الفوج يعسكر في منطقة جنوب قرية بلمباز، يحده شمالا الجبل وجنوبا نهر شكفتي وتحميه ثلاث ربايا :
1. ربيئة في القمة المطلة من جهة شمال شرق الفوج .
2. ربيئة على تل يشرف على المعسكر مباشرة من الشمال .
3. ربيئة على تل شمال غرب المعسكر لحمايته من الجهة الغربية .
ونصت الخطة بالسيطرة على الربايا الثلاث. ويتم ذلك عبر قصف مقر الفوج بمدفع 81 ملم. وتم توزيع المهمات، حيث كلفت مجموعة مشتركة بالسيطرة على الربيئة شمال شرق الفوج. كما كلف رفاقنا بمهمة السيطرة على الربيئة الوسطى. اما الربيئة الغربية فقد انيطت مهمة السيطرة عليها الى ( خالد باني )(3) من حدك .
باشرت المدفعية بقصف مقر الفوج بشكل مركز، واصابت اهدافها بدقة، مما اربك قيادة الفوج وشلت الحركة تماما. واكتفى الضباط والجنود بالاختباء في خنادقهم ، في ذات الوقت تمكن رفاقنا من السيطرة على الربيئة الوسطى. وكذلك نجحت المجموعة المشتركة من ازاحة الجنود من الربيئة الشرقية دون التمكن من السيطرة عليها. اما الربيئة الغربية فقد تخلفت مجموعة خالد باني عن التقدم بإتجاهها، مما اثر ذلك بدوره على وضع رفاقنا في الربيئة الوسطى وأدى الى فشل الخطة بمجرد تعرض اماكن تمركز الپيشمرگة للقصف المدفعي المقابل .
¤ قصف لواء بيكوفا :
تم الاتفاق على القيام بقصف لواء بيكوفا وفوج (جقلا) والربايا المحيطة بهما والسيطرة على ربيئة (سري حمي) المشرفة على شارع بيكوفا - كاني ماصي .
وتشكلت قوة مشتركة من أنصارنا و پيشمرگة حدك لتنفيذ الخطة. واشتركنا ( د. جرجيس مسؤول الفرع الاول ، وانا ) في العملية وقد انيطت مهمة قيادتها للرفيق (ابوباز ) و( سيد صالح) من حدك .
ورافقت قوتنا مجموعة من النصيرات الشيوعيات، حيث ساهمت الرفيقة (دروك) ضمن طاقم مدفع هاون 82 ملم .
توجهت القوة الى (گلي قرية هرور) الواقعة خلف الجبل المطل على بيكوفا. وباشر الرفاق المكلفين بقيادة العملية بالاستطلاع ، ووضع الخطة وتوزيع القوة المشتركة على المواقع المقرر ضربها وهي :
1. قصف لواء بيكوفا ومقره بالمدفعية من عيار 81 ملم و82 ملم .
2. قصف فوج جقلا بنفس الوقت بالمدفعية .
3. السيطرة على الربيئة الساندة لمعسكر بيكوفا .
4. السيطرة على ربيئة سري حمي .
تم تحديد ساعة البدء بالرابعة عصرا ، فأنطلقت اول قذيفة هاون لتصيب هدفها في مقر اللواء. وفي نفس الوقت تم قصف مقر فوج جقلا وبشكل مكثف، مما ادى الى شل الحركة فيهما.
تمكن پيشمرگة حدك من تدمير الربيئة المساندة لتصبح خالية بعد ان تركها الجنود، ولكن الپيشمرگة لم يدخلوها بسبب قربها من المعسكر.
اما قوتنا المكلفة بالسيطرة على ربيئة سري حمي ، وكانت بقيادة محمود الثعلبي – ابو هدى، فقد تكونت من 15 نصيرا مسلحين ببنادق كلاشنكوف وبرشاش عفاروف وقاذفة RBG 7. وبمجرد ان بدأ الهجوم بأتجاه الربيئة، فقد تركها الجنود هاربين نحو مقر السرية القريب منها .
ولم يستطع آمر المجموعة من اتخاذ القرار الحاسم، اي القيام بهجوم للسيطرة على الربيئة، انما طرح الموضوع للمناقشة بين المهاجمين الذين قرروا بالاكثرية الانسحاب. وهكذا حسم الموقف لصالح الجنود الذين سرعان ما عادوا الى ربيئتهم ..
ان عدم مبادرة قائد المجموعة بالهجوم، لم يكن بسبب التردد من منطلق الخوف، وانما كان بسبب قلة التجربة والخبرة العسكرية.
وعلى الرغم من ان العملية لم تكن حاسمة، الا انها تركت صدى كبيرا لدى الجماهير بسبب تمكن الپيشمرگة من دكّ مواقع السلطة مرة ثانية ومن جديد منذ انهيار الحركة المسلحة عام 1975.¤ السيطرة على ربايا فوج باكرمان :
في تموز عام 1981 تشكلت قوة كبيرة من مختلف سرايانا، اضافة لفصيل من الرفيقات ليتجاوز العدد الكلي للقوة 80 نصيراً ونصيرة وبمرافقة عدد من الكوادر العسكرية والحزبية، للقيام بجولة واسعة شملت مناطق وقرى عديدة. وتم اتخاذ قرار بعملية عسكرية هدفها فوج وربايا باكرمان، وكانت اول عملية واسعة لانصارنا وبمفردهم وتشمل عدة مواقع عسكرية .
كانت الربايا الغربية منعزلة بسبب مرور نهر الخازر بينها وبين مقر الفوج. وانتشرت جنوب الفوج كابينات عمال ومهندسي مشروع سد الخازر ( حيث تقوم احدى الشركات بفحص التربة هناك )، وشملت الخطة :
1 ـ قصف مقر فوج باكرمان بمدفع هاون 82 ملم ورشاش دوشكة من نقطة تقع شمال قرية بلمند لاسناد هجوم الرفاق على الربايا. ونسب الرفيق احمد بيرموسي مسؤولا عن مجموعة القصف والاسناد .
2 ـ الهجوم على الربيئة الواقعة جنوب شرق الفوج وكلف الرفيق علي خليل ( ابو ماجد ) بمسؤوليتها يساعده الرفيق صباح كنجي (4). كان من المستحيل الوصول الى الربيئة لوقوعها على سفح الجبل المقابل، اذ يتطلب ذلك قطع مسافة في منطقة مكشوفة تماما ( دشت). فتوجهت المجموعة الى مكان مناسب قرب الربيئة واختفت هناك حتى موعد الهجوم .
3 ـ الهجوم على الربيئة الغربية وتقع في الجانب الاخر من نهر الخازر، وانيطت مسؤولية مجموعة الهجوم بالرفيق ابو سربست ( صبحي خضر ).
4 ـ اشرف مكتب القاطع على العملية واتخذ له موقعا في الجبهة الشمالية المقابلة للفوج.
5 ـ حددت ساعة الصفر في الساعة الخامسة مساءًا، وكانت اشارة البدء اطلاقات كلاشنكوف متواصلة ( صلية) من مكتب القاطع.
وفي الوقت المحدد، انطلقت قذائف مدفع 82 ملم وطلقات الدوشكا نحو اهدافها لتصيبها بشكل دقيق محدثة ارتباكاً كبيراً داخل الفوج مما فسح المجال للمهاجمين بالإقتراب من الاهداف المحددة.
تحركت مجموعة الرفيق ابو ماجد نحو الربيئة واقتربت منها على مسافة 150 مترا. واطلقت باتجاه الربيئة 3 صواريخ RBG7 لتصيبها بدقة. ولم يبادر الرفيق مسؤول المجموعة إلى اصدار أمر بالتحرك السريع للسيطرة على الربيئة رغم وجود بعض الانصار على بعد خطوات منها. واضطر الانصار الى الانسحاب بمجرد بدء الربايا الاخرى بقصف الربيئة واطرافها.
اما مجموعة الرفيق ابوسربست فقد تقدمت نحو الربيئة حتى وصلت الى الساتر الحجري المطل عليها. وتمت مفاجأتها بصواريخ RBG7، فأضطر من تمترس فيها الى الانسحاب منها واصبحت خالية تماما. وهنا ايضا لم يتحرك الانصار للسيطرة عليها.
درس مكتب القاطع نتائج هذه العملية وتوصل الى الاستنتاجات :ـ
1 ـ ان تلكؤ الانصار وتأخرهم في السيطرة على الربايا ناتج من عدم ممارستهم عملية اقتحام حقيقية للربايا ، إذ تعتبر عملية الاقتحام مهارة تكتسب من خلال التجارب .
2 ـ إن انتظار الاوامر من المسؤول اضاع الفرص على المهاجمين، ووفر الفرصة للجنود ان يأخذوا المبادرة بأيديهم والقيام بهجوم معاكس.
3 ـ ورغم عدم تحقيق النتائج المرجوة من تلك العملية، الا انها إعتبرت بمثابة دورة تدريبية على ارض الواقع لتعلم اصول قيادة المفارز القتالية واقتحام المواقع .
1ـ سيد صالح . من اهالي قرية جم سيدا منطقة برواري بالا ، التحق بالحركة الكردية منذ الستينات مدفعي جيد ، تقدم في حزبه واصبح مرشحا للجنة المركزية ، وعضوا في قيادة الفرع الاول لفترة طويلة ، كانت علاقته معنا متينة وايجابية على الدوام .
2 ـ قرية بلمباز : تقع وراء جبل خير على طريق برواري ـ نهلة ، لم يتم تهجيرها مع عدد من قرى برواري ژيري .
3 ـ خالد باني ، آمر مفرزة ( حدك ) من اهالي قرية بانيا ( مزوري ).
4 - صباح ( ب . جمعة كنجي ) من اهالي بحزاني . من عائلة شيوعية معروفة ، والده كان عضو مكتب محلية نينوى في فترة الستينات ، التحق بالانصار1979 ، وعمل في العمق . اصبح سكرتيرا للمحلية (نينوى) بعد فصلها عن دهوك ، اختفت اثار عائلته المكونة من 14 فردا اثناء حملة الانفال .يتبع
¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |