ذكريات
كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة
أوراق توما توماس
( 20 )
محطات بهاء الدين نوري
يصعب على بهاء الدين نوري العمل بشكل جماعي، فهو ينطلق بأستمرار في كل خطواته من منطلق الانفراد بالعمل. وتجلى اسلوبه هذا في مقترحه الجديد بتأسيس وزرع محطات في الاراضي التركية لاستلام السلاح من سوريا في وقت لم تصل الينا اية تعليمات من قيادة الحزب الموجودة في سوريا حول امكانية من هذا القبيل. كما اننا لم نكن نملك شيئا من المال لاعالة رفاقنا في حالة بقائهم في تلك المحطات، ومع ذلك فقد قررنا احالة المقترح الى المكتب السياسي لابداء الرأي والمساعدة المالية.
عدت الى ناوزنك ، وغادر الرفيق ابو سرباز الى حلبجة لزيارة الرفاق هناك. وما هي الا ايام حتى وصلتني رسالة من بهاء يطلب فيها وعلى جناح السرعة ارسال الرفيق علي خليل ( ابو ماجد ) مع خمسة رفاق بدون سلاح، بعد تزويدهم بمبلغ من المال ، كي يتوجهوا الى الأراضي التركية لفتح محطة لاستلام السلاح. ولم نكن نعرف مكان المحطة ولا كيفية وصول السلاح ومتى سيصل. لم البي طلبه واخبرته بضرورة انتظار عودة الرفيق ابو سرباز لدراسة الموضوع. واخيرا قررنا فتح مقر في الاراضي الايرانية على الحدود التركية في منطقة (سيرو)، وشخصنا الرفيق شيخ سعيد البرزنجي مسؤولا عنه. وانتظر الرفاق طويلا دون ان يصل شيئ من السلاح الموعود ، فأضطررنا لسحبهم.
........
توترت العلاقة مع البعث اكثر من السابق واغلقت طريق الشعب. كما اعفي الوزيران واعضاء المجلسين التشريعي والتنفيذي والتحق قسم منهم بقواعدنا، وبقي قسم اخر في الداخل بعد ان تعهد بعدم مواصلة النشاط في الحزب الشيوعي والاحزاب الاخرى ، ما عدا النشاط في صفوف البعث.
وصل ابو حكمت الى ناوزنك اوائل ايار 1979، واصبح عددنا اربعة رفاق من اعضاء اللجنة المركزية عدا ابو ئاسوس. وبعد فترة قصيرة طلب بهاء السفر الى سوريا للالتقاء برفاق اللجنة المركزية الاخرين في محاولة للحصول على مبلغ من قيادة الحزب لدعم الرفاق في كردستان. الا انه ذهب ولم يرجع ، ولم يرسل شيئا ، وبقينا بنفس الاوضاع فترة اخرى لحين استلامنا مبلغا من قيادة الحزب كان قد ارسل مع زوجة جلال الطالباني.
لم يستوعب حلفاؤنا ( في كردستان ) سياسة حزبنا ، فمنهم من يقول بأن الحزب غير جاد بالكفاح المسلح رغم تواجد انصار الحزب في كردستان ، مستندين في ذلك الى ما صدر من تصريحات وبيانات تحبذ العودة الى التعاون مع البعث. ففي احد اللقاءات مع الاحزاب الكردية ( العراقية والايرانية ) المتواجدة في المنطقة، تحدث الشيخ عزالدين الحسيني (1) حول هذا الموضوع، فأكدت له بأن حزبنا جاد بسياسته الجديدة. لكن جلال الطالباني ذكر بأن الحزب قد اصدر بيانا بهذا المضمون في الخارج ( أي العودة الى التحالف الجبهوي مع البعث )، وكان يعني عدم جدية الحزب بأنتهاج اسلوب الكفاح المسلح . لم نتفق معه لاننا وببساطة لم نستلم مثل هذا البيان ، لكننا علمنا فيما بعد بأن الرفاق في الداخل كانوا قد اصدروا شيئا من هذا القبيل.
ادت تلك المواقف الى خلق بلبلة فكرية،. وتعمقت اكثر هذه البلبلة بسبب تأخر اصدار قرار حزبي بتبني الكفاح المسلح، ذلك القرار الذي اكد على " انهاء الحكم الدكتاتوري " وليس اسقاطه. اذ لم تقتنع اغلب القواعد الحزبية بما بررته قيادة الحزب من ان " انهاء الدكتاتورية " في الحقيقة هو تعبير عن الدعوة لاسقاط الحكم. وبقناعتي، اذا كان تبرير القيادة صحيحا ، فلماذا لم تتبنى اذن " اسقاط الدكتاتورية " بدلا عن الانهاء الذي يحتمل تفسيرات اخرى ويحمل بين طياته الكثير من الضبابية، وكان القرار قد اتخذ في اجتماع اللجنة المركزية تموز 1979 ، والذي لم نستطع ابو سرباز وانا من حضوره بسبب عدم تمكننا من السفر.
ومع ذلك فقد رفع الحزب شعار الكفاح المسلح ، وتم دعم الانصار ماديا ، ووصلت طلائع الملتحقين من الخارج في بداية عام 1980 الى بهدينان . وفي ربيع تلك السنة وصلت اولى وجبات السلاح. وكان من اوائل الملتحقين الرفيق محمد يوسف من بشدر ( توفي عام 1994 بعد استشهاد ابنه بفترة قصيرة ).
تأسيس القواعد في بهدينان
قاعدة بهدينان الاولى ـ قاعدة كَوستا
تطلب تطوير حركة الانصار تضحيات جسيمة من قبل اولئك الرفاق الذين وضعوا اللبنات الاولى لمقرات الانصار في بهدينان، والذين كانوا هم بأمس الحاجة لابسط مقومات المعيشة، ولم يثنهم البرد والمخاطر عن انجاز مهمتهم. كان أولئك الرفاق بمعاناتهم ، محصورين بين مطرقة سلطة البعث وسندان السلطات التركية دون ان يملكوا سلاحا يدافعون به عن أنفسهم .
بتاريخ 5 /10/ 1979، وصلت مجموعة من سبعة رفاق يقودهم الرفيق دنخا البازي (ابو باز) الى الشريط الحدودي مع تركيا في منطقة تسمى ( كلي كوماته ) (2)، حيث يقع مقر الفرع الاول للحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) الذي استضافهم. وقد ساعدهم الدكتور جرجيس حسن (3) مسؤول المقر. كان الرفاق السبعة قد قدموا من مناطق مختلفة من العراق ، الا ان جميعهم لم يكونوا من منطقة كردستان ولم يكونوا اكرادا.
الأنصار في الأيام الاولى
لم تملك المفرزة شيئا من السلاح سوى 3 قطع من رشاش برتا الايطالي لا تصلح الا لقتال الشوارع ، ولم يكن بحوزتهم اي مبلغ من المال .
باشر الرفاق فور وصولهم ببناء غرفة لهم ، اصبحت فيما بعد البناية الاولى في موقع انصار بهدينان، حيث بدأت بإستقبال الرفاق الوافدين ومنها كان يجري توزيعهم الى باقي المقرات.
وواجهنا من جديد مواقف بهاء وقراراته الارتجالية والفردية، حيث اصدر دون علمنا اوامره من سوريا للرفاق في كلي كوماته بالتحرك الى منطقة هيركي لفتح قاعدة لهم هناك، دون ان يعرف اين تقع هيركي، ودون مفاتحة حدك او الاتفاق معهم حول ذلك.
وبدلا من ان يناقش الرفيق ابو باز هذا القرار ويدققه من جميع جوانبه، وان يأخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة الرفاق ، شّكل مفرزة من 25 رفيقا وتحت قيادته مزودين برشاش برتا واحد لا غير وبمسدس ابو باز الشخصي ودون ان يملكوا اي مبلغ من المال او اي دليل للمنطقة. وتحركت المفرزة يوم 22 /11/ 1979 من كلي كوماته، ليصلوا بعد ثلاثة ايام الى المنطقة المعنية. الا ان مسؤولي حدك هناك لم يسمحوا لهم بالبقاء فيها او فتح مقر بحجة عدم حصولهم على تصريح من قيادة حدك للسماح لهم بفتح مقر في تلك المنطقة . وبدلا من العودة الى مقر كوماته، قرروا السير قدما نحو الشرق ... الى المجهول وبلا هدف محدد. وبعد مسيرة شاقة لعدة ايام في الاراضي التركية وصلوا الى منطقة (كوستا) قرب المثلث الحدودي العراقي الايراني التركي ، حيث يقع هناك مقر القيادة المؤقته التي ساعدتهم، كما أستفادوا من بعض الاكواخ المهجورة.
كان الخطر يهدد حياة الرفاق، فلا نقود لديهم لشراء الارزاق او الافرشة، إضافة الى ان احتمالات انقطاع الطرق واردة جدا بسبب موسم الشتاء.
ان التزام الرفيق ابو باز بتنفيذ قرار بهاء للتوجه الى هيركي يمكن تبريره، ولكن لا يمكن بأي حال من الاحوال تبريرالاستمرار بالسير شرقا بعد اعتراض حدك على البقاء في تلك المنطقة.
وفي النهاية، تمكن الرفاق من استدانة مبلغ من المال من احد اغوات المنطقة وتمكنوا من شراء الارزاق وبعض الافرشة لحين وصول النقود اليهم .
ففي شباط عام 1980 تمكنا من الاتصال مع مقر (كوستا)، حيث وصل مسؤولها الرفيق ابو باز الى (ناوزنك) وعرض وضع الرفاق هناك ومصاعبهم وحاجتهم الماسة للسلاح.
وقد اتخذ المكتب العسكري قرارا بدعم المقر ماديا وعسكريا، وتم تنسيب الرفيق مام خدر لقيادتها ويساعده الرفيق خضر حسين. وتم سحب الرفيق ابو باز لغرض اعادته الى بهدينان مع رفاق من ابناء المنطقة، وحددت علاقة مقر كوستا مع لجنة هندرين (4) مباشرة .
بعد وصول الرفيق عمر الشيخ (ابو فاروق ) تحسنت اوضاعنا المالية قليلا ، اذ جلب معه مبلغا جيدا فتمكنا حينها من شراء بعض قطع السلاح وباشرنا بدفع مخصصات شهرية للانصار.
تشكلت لجنة هندرين، كهيئة قيادية عليا، لقيادة عمل الانصار ومنظمات الحزب في كردستان بمعزل عن الانصار من الرفاق عمر الشيخ كسكرتير لها وعضوية الرفاق احمد باني خيلاني (ابو سرباز) ويوسف القس حنا (ابوحكمت) وتوما توماس (ابوجميل) مسؤولا للمكتب العسكري وسليمان شيخ محمد (ابوسيروان) ونسب الرفيق فاتح رسول (ابوئاسوس) مستشارا سياسيا للانصار وعضوا في المكتب العسكري .
وفي اوائل عام 1980 وصل الرفيق عبد الوهاب طاهر من الداخل ونسّب ايضا الى عضوية هندرين.
حينما وصل الرفيق ابو فاروق الى المنطقة، كانت فصائل الانصار قد تطورت وانتقلت الى ساحة العمل العسكري في اربيل والسليمانية، في وقت كان الرفيق عمر يتحفظ على اعلان الكفاح المسلح ويتجّنب رفع هذا الشعار في اعلامنا ويعمل على التعتيم على فعاليات انصارنا ويدعو الى عدم نشرها .
وحينما اعلنا عن عدة فعاليات عسكرية قام بها انصارنا في جوار قورنة وقزلر في صحيفة مردم لحزب تودة ايران، ابدى الرفيق اعتراضه، واعتبر ذلك خرقا وعملا ضد سياسة الحزب، لان شعارالكفاح المسلح لم يعلن بعد. واعترض الرفيق بشدة عندما اصدرنا جريدة (ريبازي بيشمركَة) (نهج الانصار)، وهي تحمل شعار الحزب على صدر صفحتها الاولى ، مبررا اعتراضه بكونها جريدة غير حزبية.
في تلك الفترة قررنا ارسال الرفاق الى بهدينان. وكنا بحاجة ماسّة لتزويدهم بالسلاح ، فطلبنا مساعدة (حدك) اثناء زيارة قمنا بها ( ابو حكمت وانا ) الى (راﮋان) عشية انعقاد مؤتمر حدك خريف 1979. و تحدثنا مع كاك مسعود البرزاني وبحضور سامي عبد الرحمن (5)، مقترحين اعارتنا (50) بندقية بشكل مؤقت على ان نعيدها لهم في بهدينان. فأشترطا علينا نقل مقرنا من منطقة تمركز جلال الطالباني الى منطقة تمركز (حدك). رفضنا ذلك الطلب، واوضحنا بأننا حينما قدمنا الى كردستان لم تكن لهم اية مقرات، وكان جلال الوحيد هنا وقد قدم لنا الكثير من المساعدات ، لكن هذا لا يعني اننا تابعون لاحد لكوننا قريبين من هذا المقر او ذاك.
وحينما طلب سامي عبد الرحمن وكحل وسط ابعاد مقرنا على الاقل، رفضنا لاننا لا نقبل التعامل بشروط، علما بأننا كنا قد ساعدنا (حدك) ب230 بندقية كلاشنكوف اخمص حديد مع مخازنها وعتادها ، على امل تسليمها لرفاقنا في سوران ، وما زالت بذمتهم حتى الان.
واخيرا اضطررنا الى ارسال رفاقنا الى بهدينان عبر الاراضي التركية دون ان نزودهم بأية قطعة سلاح.
(1) عزالدين الحسيني ، رجل دين ايراني من المعارضة كان مع اخوه ملا جلال يقودون مجموعة من المسلحين الاكراد الايرانيين في قرية شني العراقية الحدودية .
(2) كلي كوماتا ـ وادي يمر فيه نهر صغير يفصل العراق عن تركيا على مجرى الخابور وهي منطقة يحميها جبل عال ، اتخذها البيشمركة مقرا لهم .
(3) دكتور جرجيس حسن عضو ل.م ( م.س حاليا ) من سكنة قرية خنس الاثرية ( عين سفني ) انتقلت عائلته بسبب احداث كردستان الى عين سفني ، مزوري خريج الاتحاد السوفياتي دكتوراه في التاريخ الكردي .
(4) لجنة هندرين . هيئة قيادية حزبية عسكرية ، تشكلت من رفاق ل.م المتواجدين في كردستان ، استمرت في قيادة فصائل الانصار حتى استلام المهمة من قبل م . س اذ اقتصر عملها على التنظيم الحزبي داخل المدن الكرستانية .
(5) - تم حل القيادة المؤقتة بعد مؤتمر (حدك) ولم يفز احد من قيادتها في اللجنة المركزية الجديدة للحزب الديمقراطي الكردستاني ، فترك سامي عبد الرحمن المنطقة متوجها الى طهران في طريقه الى الخارج ، وتم توقيفه في طهران وبعد ان اطلق سراحه توجه الى سوريا وشكل حزبا جديدا من عناصر القيادة المؤقتة الذين لم ينظموا الى حدك تحت اسم (حزب الشعب الديمقراطي الكردستاني) ( حشدك ) ، وبقي في سوريا حيث لم يسمح له بالتواجد في بهدينان ، الا ان مفارزهم كانت تدخل سريا الى كردستان وكثيرا ما كانوا يلتجئون الى مقراتنا . وكثيرا ما كنا نحاول مع (حدك) لايجاد حل للمشكلة دون جدوى ، وكثيرا ما تعكر الجو بيننا وبين (حدك) بسبب ذلك وفي حالات كثيرة افلحنا في اخلاء سبيل العديد من بيش مركة (حشدك) عند اسرهم من قبل بيش مركة(حدك) .
في اواسط سنة 1982 قام (حشدك) مع قيادة قطر العراق بارسال قوة مشتركة تحت قيادة عبد الله صالح وكريم سنجاري عضوي المكتب السياسي ل (حشدك) في حملة غزو للمنطقة التي تحت قيادة (حدك) واحتلت القوة قرية سناط (على الحدود مع تركيا) وأقاموا الربايا على قمم الجبال المحيطة بها.
وقد اعتبر (حدك) ذلك ، خطرا على وجوده وطريقه من والى سوريا. وبحث تلك التطورات على لجنة الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود) في بهدينان. وكان رأي اللجنة هو تحاشي الصدام ، والطلب من الاخوة في (حشدك) الانسحاب مقابل موافقة رسمية من (حدك) بالسماح ل(حشدك) بالتواجد في كردستان، وكتبت اللجنة رسالة لهم بهذا المفهوم ، الا انها لم تلقي الاستجابة منهم. واخيرا ارسل (حدك) قوة كبيرة من البيش مركة الى سناط حيث تمكنت من ازاحتهم واعتقال مجموعة منهم فأنسحبوا ثانية بأتجاه سوريا. وكان من ضمن الاسرى عدد من منتسبي حزب البعث ـ قيادة قطر العراق ـ. كما وقع بالاسر بأيدي السلطات التركية مجموعة من المسلحين من منتسبي جماعة الاسلاميين بقيادة عريف سلو الذي قامت تلك السلطات بأعدامه.
يتبع¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة¤ الحلقة الرابعة
¤ الحلقة الثالثة
¤ الحلقة الثانية
¤ الحلقة الأولى
| أرشيف الذكريات |