ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

سيرة ذاتية

(9)

 

جليل حسون عاصي

الفصل الثاني
(5)

بعد أستقراري بمدينة الجبايش بفترة قصيرة أستدعيت إلى البصرة بعد وصول ترحيلي الحزبي عن طريق احد الرفاق لان مدينة الجبايش رغم انها تابعة اداريا إلى الناصرية الا انها مرتبطة حزبيا بمنظمة البصرة بسبب القرب لا اكثر. التقيت هناك بعد ان سافرت سرا بالرفيق الاســتاذ ( عبد الحسين شهباز ) الذي كان في حينها عضوا في لجنة محلية البصرة .
اخبرني بأن المنظمة منقطعة منذ فترة والمطلوب اعادة بنائها وربطها بالحزب بعد أن زودني بمعلومات تساعدني للاتصال بهم وبناء المنظمة من خلالهم رفض رفاقي المعلمون المشاركة في العمل الحزبي لان الوضع غير مناسب وحاولوا اقناعي باتخاذ نفس الموقف ، الا انهم وقفوا إلى جانبي بعد ان لاحظوا إصراري على العمل وقدموا لي كل انواع المساعدة والدعم .
جابهتني في البداية صعوبات كثيرة لأني مراقب من جهة ولكون التنظيم محصور في التجمعات السكانية داخل الاهوار والوصول إلى هناك يتطلب المرور عبر شارع الكورنيش لانه المنفذ الوحيد من المدينة إلى الهور وهذا الشارع مراقب لذلك كنت مضطرا لاتباع اساليب عديدة لتغطية تحركاتي ، وسلوك طرق عبر الهور تستغرق وقتاً طويل نسبياً في حين يمكن الوصول إلى نفس المكان المطلوب بالطريق الاعتيادي بوقت قصير جدا ، وأخيراً توصلت إلى إيصال البريد الحزبي إلى المنطقة بطريقة طريفة نوعما فقد كان لاحد الرفاق اثنان من الاولاد تلاميذ في المدرسة احدهم في الصف السادس والاخر في الصف الاول يتميز الاخير كونه اصغر اقرانه في الصف ، و بنظافته ، ولباقته ، وطبيعة حركاته ، ولغته المحببة للاخرين ، التي تعطيها اللكنة الخاصة في لسانه رونقا خاصا ، بدأت بالتقرب اليه عن طريق مداعبته وتقديم بعض الهدايا اليه من قبيل قلم، مقطة ، ممحاة ، قطعة من الحلوى ، وتطورت العلاقة ووصلت للحد الذي لا يغادر الطفل المدرسة دون ان اقضي معه فترة قصيرة الاحظ خلالها كتبه ودفاتره وواجباته وتعديل ملابسه وبعد ان اطمئن لي كليا قمت بوضع ما عندي من رسائل في جيبه او حقيبته حسب حجم الرزمة دون ان يعرف التلميذ شيئا عنها ويكون اخوه الاكبر رقيبا" عليه من باب الاحتياط وفي البيت ياخذ والده الرزمة دون ان يشعره بالأمر وهكذا سارت الامور فتره من الزمن.
سافرت إلى البصرة ثلاث مرات دون ان يعرف احد بذلك والفضل يعود إلى زملائي المعلمين في البيت وفي المرة الرابعة وجدت الشرطة بانتظاري في محطة الماطورات اصطحبوني معهم إلى مركز الشرطة وهناك جرى تفتيشي بشكل دقيق لم يعثروا على شيء باستثناء ثلاثة اعداد من جريدة الإنسانية صادروها مني رغم انها تصدر بشكل رسمي على اعتبار ان رئيس تحريرها الاستاذ الفاضل ( كاظم السماوي ) شيوعي وان قائد الفرقة الاولى ( السيد حميد سيد حسين ) اصدرا أمرا بمنع الصحافة الشيوعية من التداول في المناطق التي تخضع لأمرة فرقته الا أنهم اضطروا إلى اخلاء سبيلي لعجزهم عن ايجاد أي دليل ضدي وبسبب الضجة والضغط التي مارسها رفاقي المعلمون وخاصة الاستاذ ( اسود) الذي هز مركز الشرطة بصوته المجلجل مطالبا باخلاء سبيلي ، تدارسنا الحالة فيما بيننا وقدرنا احتمال اجراء التحري على البيت وهذا يتطلب ابعاد كل شيء من المكان بسرعة وخاصة مجموعة الكتب الماركسية الموجوده لدينا والتي جلبناها معنا من بغداد والمحفوظة بمكان امين معزول تقريبا عن البيت .توجهنا الثلاثه نحو المكان الا اننا لم نجد أي اثر للكتب وبقينا في حيره من أمرنا وبدأنا نقلب الامور فيما بيننا ولم نصل إلى نتيجة واخيرا توقفنا عند الام ربما يقوم البعض بزيارتها اثناء غيابنا عن البيت وتجرأ على أخذ الكتب دون علم الأم، وانتهينا بتقدير مفاده ان لا خطورة علينا لان من اخذ الكتب لا يستطيع ان يثبت عائديتها لنا لعدم وجود ما يشير إلى ذلك ، وفي اليوم الثاني وبعد عودتي من المدرسة استفسرت من الام من خلال حديث بيني وبينها ان كان احد يزورها في البيت او يدخل دون علمها اجابت الام بالنفي فاصبت بخيبة امل من جوابها لأني فقدت الخيط الاخير الذي يوصلني إلى الحقيقة ، شعرت الام بحيرتي وحراجة موقفي والغرض من السؤال عندها اجابت متلعثمة لا تخف ان حاجتك محفوظة عندي ولا يعرف احد مكانها الجديد الا الله وحتى ولدي الذي اعطيته واحدا منها ليقرأه لا يعرف هو الاخر مكانها وعند الاستفسار منها عن كيفية التعرف على مكانها وسبب نقلها ؟ قالت عثرت عليها بالصدفة عندما كنت انظف البيت ، وبعد ان سمعت الحوار الذي دار في بيت معاون الشرطة حول القبض عليك عند عودتك من البصرة لان احد الأشخاص اخبرهم عن سفرك جئت مسرعة إلى هنا واخذت الكتب من باب الاحتياط ، ترك موقفها اثرا كبيرا في نفسي وتجسدت امامي كل سجايا الكادحين والمضطهدين والمحرومين وتضامنهم الكفاحي وازداد ايماني وقناعتي بالانتصار الحتمي للقضية التي يشاركني الملايين العمل من اجل تحقيقها وبصورة لا ارادية احتضنتها وقبلتها من رأسها عشرات القبل وانا اردد مع نفسي ( فعلا انك الام التي كتب عنها مكسيم غوركي) حفزني موقفها وشجعني على مفاتحتها بالقيام بمهمة المراسلة ، بيني وبين المنظمة اعلنت استعدادها للقيام بهذه المهمة بل واكثر من هذا ارتبط ابنها بالحزب وكان لهذا الموقف الذي قامت به ( الام ) اثره البالغ على رفاقي المعلمين في البيت انعكس في معاملتهم اللاحقة لها ،والأهم من كل هذا فقد حفزّهم موقفها على الإتصال بالجماهير وتوعيتها وإيصال بيانات الحزب وجريدته اليها وساهم هذا التحرك في كسر عامل الخوف الذي تعيشه المدينة واصبح الحديث والجلوس معنا حالة اعتيادية بل واكثر من هذا بدأ البعض من الأهالي يتعاطفون معنا وصادف أن تزامن هذا التحرك مع النشاط بين المعلمين لكسبهم إلى جانب (القائمة المهنية ) والتصويت لها في الانتخابات التي حدد موعدها في شباط 1961 بعد ألانتهاء من امتحانات نصف السنة .
اعد جدول امتحان نصف السنة وساعدنا مدير المدرسة مشكورا على تقديم المواد التي بعهدتنا في الايام الاولى ، الأمر الذي ادى إلى تفريغنا قبل ثلاثة ايام من المدة المحددة للامتحان ، لاكمال معاملة صرف اجور السفر من بغداد إلى الجبايش لان النقل كان بناء" على مقتضيات المصلحة العامة وليس بناء على طلبنا وفعلا انجزنا الامتحان وسافرنا إلى الناصرية بواسطة الماطور هذه المرة نزلنا في احد فنادقها وبعد اخذ قسطاً من الراحة تجولنا في المدينة عندها اعترض طريقنا احد رجال الامن واقتادنا إلى مديرية امن الناصرية طلبوا منا في المديرية مغادرة الناصرية فورا وفي حالة عدم التزامنا سيودعوننا في التوقيف لغاية الانتهاء من التصويت في الانتخابات لانهم لا يسمحون لنا في كل الحالات من ممارسة حقنا بالتصويت في الآنتخابات باعتبارنا من انصـار ( القائمة المهنية ) تعذرنا بأننا مضطرين للبقاء في المدينة لاكمال معاملة صرف اجور السفر لحاجتنا الماسة إلى المال كما أن يوم الانتخابات يعتبر دوام رسمي وعدم مشاركتنا في التصويت سيعرضنا إلى عقوبة انضباطية تعهدت دائرة الأمن بالإيعاز لانجاز المعاملة واعفائنا من العقوبة، واعطونا مجال للبقاء في المدينة لغاية انتهاء الدوام الرسمي لليوم التالي. استغلينا وقت الفراغ بعد انجاز معاملتنا التي تمت بأسرع وقت وذهبنا إلى مقر القائمة المهنية لاخبارهم بالموضوع ومن ثم مقابلة القاضي المكلف بالإشراف على الانتخابات الذي تعهد بالسماح لنا بالتصويت برقيا للخروج من المأزق. وقبل انتهاء الدوام الرسمي ذهبنا إلى مديرية الامن .وهناك طرحنا عليهم اخر ما عندنا للتشبث بالبقاء وهو كوننا محجوزين في الناصرية بقرار من الحاكم العسكري العام وبعلم امن الناصرية وان مغادرتنا المدينة ربما سيعرضنا إلى تبعات قانونية . جاء الرد ان الدائرة هي التي تقرر وهي اعرف بمتطلبات المصلحة العامة!! بعدها أخذا كل من (اسود عباس و عبد الأمير محمد ) وسفروهما عن طريق السيارات المتجهة إلى الكوت على امل الوصول إلى اقرب منطقة لمدينة الحي والتسلل ليلا إلى عوائلهما لان قرار الإبعاد عن المدينة لازال ساري المفعول في حين بقيت أنا بعهدة الامن لحين تسفيري إلى بغداد عن طريق القطار لان عائلتي تسكن فيها وعند حلول المساء تحركت برفقة احد عناصر الامن المدعو(محسن) - وهو عريف من اهالي الناصرية - إلى محطة القطار في الناصرية. ركبنا القطار الذي ينطلق من الناصرية إلى محطة قطار اور لان القطار يتوقف في هذه المحطة ويبقى الركاب في الانتظار لحين وصول القطار الصاعد من البصرة إلى بغداد تجولنا خلال فترة الانتظار في المحطة نتبادل الأحاديث فيما بيننا .
عبر شرطي الأمن (محسن) خلالها عن مشاعر الحب والاحترام وطلب مني ان اسامحه على الكلمات التي بدرت منه امام الضابط لانه مضطر عليها او هكذا هي التوجيهات واعلن عن اسفه للطريقة التي تم التعامل بها معنا و حرماننا من المشاركة في الانتخابات .
استغربت من كلامه واعتبرته اسلوب امني لاستدراجي إلى الحديث الا انني تأكدت لاحقا من صدق مشاعره و سوف اتطرق إلى ذلك في الصفحات القادمة .
ركبنا القطار الصاعد إلى بغداد وعند وصوله محطة السماوة - وهذه المحطة تعتبر منتصف الطريق بين بغداد والبصرة يلتقي فيها القطاران الصاعد والنازل ويستغرق الوقوف فيها فترة ليست قصيرة - نزل شرطي الامن من القطار الصاعد وركب في القطار النازل إلى البصرة على اعتبار ان مهمته قد انتهت لان القرار يقضي بابعادي خارج حدود الناصرية وبعد ان ودعني نصحني بعدم الرجوع إلى الناصرية وتعريض نفسي للخطر . اتجهت فور وصولي بغداد إلى دائرة البريد في منطقة السنك وطيرت ثلاث برقيات باسمي وباسم زملائي حسب الاتفاق الذي تم بيننا بألتصويت( للقائمة المهنية ) الا ان القاضي لم يبر بوعده فقد رفضت الاصوات الثلاثة ورفض زملائي تسليمي اجور البرقية تضامنا" مع القاضي !!.

يتبع


¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأحد 18/2/ 2007

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة