ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(22)


محمد علي الشبيبي

* - من خلال هذه الحلقة، أدعو المناضل كاظم فرهود (أبو قاعدة) لكتابة تجربته وعمل رفاقه في حفر نفق معتقل الفضيلية، كما أدعو جميع من أنضوى في صفوف الحزب الشيوعي وخاصة كوادره المتقدمة في كتابة تجاربهم ومسيرة حياتهم النضالية بموضوعية لأنها هي تأريخ نضال الحزب والشعب ضد عهود الأستبداد، وأن أجيالنا الشابة بحاجة الى معرفة تأريخ الحزب ونضالاته والأستفادة من تلك التجارب النضالية.

في معتقل ألفضيلية
كانت هذه المرة ألاولى ألتي اُعتقل فيها في معتقل الفضيلية، والفضيلية معتقل صغير، وغرفه ليست واسعة المساحة، لا أتذكر عدد غرفه ولكن بالتأكيد لاتقل عن ثمانية غرف متفاوتة ألمساحة، وتتوزع غرفه لمجموعتين، كل مجموعة من الغرف تحيط بساحة صغيرة ذات أرضية من الكونكريت، وتتصل الساحتان فيما بينهما بممر واسع نسبياُ تتوسطه الباب الرئيسي للمعتقل الذي يرتبط بالقسم الإداري. كان هذا المعتقل أيام العهد الملكي إصطبلا لخيول الوصي أو الملك كما سمعت، وقد تم تحويله في زمن حكم حزب البعث بعد إنقلاب 8 شباط الدموي إلى معتقل للمناضلين، وإستمر حكم العروبي والمتأسلم عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن عارف على ألإبقاء عليه كمعتقل للمواطن العراقي كدليل على أن السلطة مهتمة بالقيم العربية والإسلامية السمحاء جداً و بالإنسان العراقي ولذلك أبدعت تلك النظم العربية في توفير المعتقلات الأنسانية جداً (إصطبل الخيول) للوطنيين الشرفاء.

في الفضيلية وجدت مجموعة من زملائي القدامى من سجن نقرة السلمان، منهم غانم الخياط من المقدادية وكان زميلي في نفس القاووش (قاووش 3) ، كذلك فائز الزبيدي والذي بادر وسألني مالذي جاء بك ألآن بعد الإفراج عنك من السلمان، فقلت له مازحا (دودة). كما كان في الفضلية بعض الكادر الحزبي المتقدم ككاظم ألصفار وميخائيل حداد وسليم مرزة وأكرم حسين، والأخير اُعتقل بعد عودته من الخارج وهو كادر عمالي ترأس قائمة الحزب العمالية في أول إنتخابات لنقابات العمال في عهد البعث الثاني. أما ميخائيل حداد (أبو كفاح)، اُعتقل عندما كان مع صديق له بسيارة فولكس فاكن، وتمت مطاردتهما من قبل أجهزة الأمن ولم يفلحا بالإفلات من المطاردة وقبض عليهما.

حدثني مخائيل حداد، وهو موظف أو عامل بدائرة السكك الحديدية، كيف تمكن من الهرب من الموقف أيام حكم البعث بعد إنقلاب 8 شباط 1963. فبعد إعتقاله خلال الهجمة الشرسة على الحزب، تجنب مخائيل حداد الإحتكاك بزملائه المعتقلين وحاول إخفاء شخصيته وقدم نفسه لمن إعتقله بشخصية اخرى، ولكن أحد المعتقلين تعرف عليه وأنكر ميخائيل حداد معرفته لهذا المتطفل وأصر على إسمه المستعار. وقد فهم هذا غاية ميخائيل من تقمص شخصية اخرى وتركه وشأنه ولم يشي به. وفي أحد ألأيام تظاهر مخائيل بالمرض وتم إرساله إلى المستشفى بحراسة شرطي وهو يرتدي ملابس أنيقة، ولما دخل على الطبيب وفحصه مدعيا بآلام في معدته وصداع مستمر، سأله الطبيب عن عمله فقال له أنه مسؤول في مديرية السكك الحديدية، وأنه متألم حتى جاء بمرافقة أحد الحرس. بعد الفحوصات التي أجراها الطبيب كتب له العلاج، ورجى ميخائيل من الطبيب وهو يتظاهر بالتألم أن يعط الوصفة لحارسه لجلبها من المذخر، وفعل ذلك الطبيب بدون تردد ونفذ الشرطي البسيط طلب الطبيب، وهكذا أستغل ميخائيل غياب الشرطي وهرب وبقي يزاول نشاطه الحزبي لغاية إعتقاله في ربيع سنة 1967.

سبق وصولي ألى الفضيلية محاولة مجموعة من المعتلقلين بقيادة الكادر الفلاحي كاظم فرهود ( أبو قاعدة) في حفر نفق * للهرب. لم تكن أرضية ألمعتقل الخراسانية عائقا أمام إرادة الشيوعيين العراقيين الذين أبدعوا في حفر ألأنفاق داخل السجون للهرب منها لمواصلة النضال وسط أبناء شعبهم. بدء تنفيذ مشروع النفق، ولكن وجود ساقية ماء صغيرة موازية لسياج المعتقل من الجهة الخلفية والبعيدة عن الإدارة، وهي الجهة المفضلة والوحيدة لضمان الهروب، وخوفا من تسرب ماء الساقية إلى النفق إن مرَّّ تحتها خاصة أن النفق لم يكن عميقاً، قرروا أن تكون نهاية فتحة النفق بين الساقية وجدار المعتقل. اُنجز النفق وكانت ألخطة ن يتم الهروب ليلا للتستر في ظلام الليل، فهناك حارس خفر يسير ذهابا وإيابا بموازاة الجدار ، وأن ذهابه سيرا وئيدا يستغرق دقيقتين وإيابه دقيقتين، فيكون بوسع الهارب أن يبتعد خلال دقيقتين بعيدا عن فتحة النفق وسط الظلام. كان أول من تقرر هروبه كاظم فرهود ، إنطلق أبو قاعدة وأنتظر يراقب من فتحة النفق حركة الحارس وما أن مرّ الحارس من جانب الفتحة وأصبحت خلفه، أخرج أبو قاعدة رأسه مستعينا بيديه وبعد أن أصبح نصف جسمه فوق سطح الأرض، التفت الحارس لسوء الحظ إلى الخلف فوجد (جنياً) يخرج من الأرض فأطلق صفيره مرعوبا، ولم يجد أبو قاعدة خياراً غير العودة لقاعدته بعد أن تجمع ألحرس. وقد سمع المعتقلون أخبارا عن ذلك الحارس الذي شاهد أبا قاعدة يهم بالخروج من فتحة النفق بأنه تعرض لمس من الهلوسة والجنون، لأنه كان يعتقد أن جنياً أو عفريتاً خرج من باطن الأرض! وقال بعضهم أغمي عليه بمجرد مشاهدته خروج نصف جسم كاظم فرهود من الأرض!

اكتشفت أدارة المعتقل النفق وكانت بدايته من غرفة التخزين، تقصد المعتقلين المسؤولين عن إدارة شؤون المعتقل من تحويلها الى مخزن وغرفة للإجتماعات الحزبية والإدارية والتثقيفية. حفر النفق خلق متاعب لمدير المعتقل، وخضع للإستجواب من قبل وزارة الداخلية. مسؤولي وزارة الداخلية وكذلك المدير كانوا في حيرة، ولم يتمكنوا من الإجابة على أسئلة كثيرة من قبيل كيف وبأي أجهزة تم حفر ألخراسانة ولماذا لم تنتبه أو تسمع إدارة المعتقل لضجيج الحفر وأين تم رمي التراب!! برر المدير عدم سماعه الضجيج بسبب كثرة حفلات الطرب الليلية ألتي يقيمها المعتقلون وهي مصحوبة بضرب الطبلة، وكانت الكثرة من هذه الحفلات مقصودة من قبل المعتقلين للتغطية على عملية الحفر. تحمل أبو قاعدة مسؤولية حفر النفق، وعوقب على أثرها بنقله الى سجن نقرة السلمان.

أثناء وجودي في معتقل الفضيلية وفي أحد الأيام فتح الحرس باب المعتقل ودخلت مجموعة من المعتقلين، وكالعادة تجمعنا قرب الباب لمعرفة من هم القادمين الجدد. كان من بين المعتقلين (ح.ج) المسؤول الغير مباشر عن هيئتنا الحزبية، وكانت لي علاقة شخصية معه منذ كان معتقلا معي في المكتبة العامة أيام 8 شباط الدامي. ومن الطبيعي أن أستقبله بحفاوة بعد أن لاحظت أن يده اليمنى شبه مشلولة بسبب التعذيب وغير قادر على رفعها. وبعد التحية عليه والسؤال عن صحته مستغربا من إلقاء القبض عليه، لأنه دائما كان حاملا للسلاح ويقول إذا ماتعرضت للمطاردة سوف أقاوم وستكون آخر طلقة في رأسي!! وحاولت ملازمته لكن كاظم الصفار سحبني من يدي هامساً في أذني بغضب: أترك هذا الخائن! فاجئني كاظم الصفار بوصمه بالخائن، هذا الشيوعي والكادر الفلاحي الذي قرر العودة لصفوف الحزب بعد أن وجهت للحزب أشرس ضربة من قبل إنقلابي 8 شباط 1963 الفاشست، ونال موقفه هذا إعجابنا، فكيف أصبح الآن خائناً. تركت (ح.ج) معتذرا ووعدته بأني سأزوره بعد أن يستقر في إحدى الغرف. كان الفضول يدفعني لأعرف ماهي الأسباب التي دفعت كاظم الصفار في وصفه بالخائن، ومتى حدثت مثل هذه الخيانة، بالتأكيد أن كل ذلك حدث بعد أيام من إعتقالي. كان (ح.ج) مسؤولاً عن أحد الخطوط العسكرية والعمالية، والتي كان يشرف عليها أبو قاعدة قبل إعتقاله، رُحل الى تنظيمه (رفيق) يعمل في المخابرات العسكرية في كركوك، وكانت منظمة كركوك على علم بذلك معتقدة بأنه يعمل لصالح الحزب. كان هذا (الرفيق) مندس في تنظيمات الحزب من قبل المخابرات هناك، أو تم شراءه من قبل المخابرات بعد إنتمائه للحزب. لذلك قررت المخابرات نقله الى بغداد ليعيش في وحدات عسكرية تجهل كل شيء عنه وبذلك يصعب على الحزب إكتشاف إزدواجيته. في نفس الوقت طلب هو من منظمته الحزبية الترحيل الى بغداد، وهكذا تم ترحيله ليؤدي مهمته المخابراتية القذرة على أحسن وجه بين تنظيمات الحزب العسكرية في بغداد. حاول تنظيم (ح.ج) الأستفادة من إمكانيات هذا (الرفيق المندس) كونه يعمل في المخابرات العسكرية للحصول منه على معلومات حول بعض الجنود والوحدات وكل مايتعلق بالجيش، وخاصة عن الجنود المرشحين الجدد للحزب أو الأصدقاء المقربين للحزب داخل الجيش. وكان هذا المندس وبتنسيق مع المخابرات يوفر بعض المعلومات لغرض كسب المزيد من الثقة. حتى تمكن من اللقاء مع (ح.ج) وأصبحت علاقته مباشرة به، وكان يعتمد عليه كثيراً في توفير المعلومات عن الجنود ومدى قربهم وإبتعادهم في التعاطف مع الحزب، وذلك لغرض تزكيتهم في الترشيحات ونيل عضوية الحزب. وفي أحد أيام صيف 1967 كان (ح.ج) على موعد مع أحد الرفاق في أحد مقاهي بغداد وهو يحمل حقيبة صغيرة فيها بعض الأسلحة الخفيفة. وبعد دخوله للمقهى للقاء رفيقه، حُصرت المقهى من قبل أجهزة الأمن والقي القبض عليه وعلى رفيقه. وقد علمت حينها من كاظم الصفار ومن آخرين كانوا بصلة مباشرة وغير مباشرة بـ (ح.ج) أنه لم يصمد في التعذيب وأدت إعترافاته الى كشف العشرات من العسكريين والعاملين بالخط العسكري إمتدت لتشمل خلايا في معسكرات الرشيد، الوشاش، ألتاجي وأبي غريب وحتى في المحاويل. وكانت هذه خسارة كبيرة للحزب، وسمعت حينها أن الأعترافات والاعتقالات شملت 80 عسكرياً موزعين على المعسكرات. بعد أن سمعت هذه القصة من كاظم، وضَّحت له حقيقة علاقتي الشخصية والحزبية به، ولابد من مسايرته كي لايقحمني في إعترافاته، فهو يعرف بدقة علاقتي الحزبية وهو على علم بقرار الحزب بأرسال مرافقين معي للكلية.

بعد عدة أيام من وجودي في الفضيلية جاء والدي لزيارتي، ورغم تشوقي لوالدي وعائلتي لم أكن راغبا في أن يعاني متاعب إضافية بسببي وتكبده مشقات السفر متنقلا بين المعتقلات وشعرت بالذنب لعدم تمكني من تجنيب عائلتي تداعيات الإنتخابات. لقائي كان من وراء قضبان الباب وتجمع حولي كل من سليم مرزة وكاظم الصفار ومخائيل حداد ليسلموا على والدي كونه أخ الشهيد حسين الشبيبي إضافة لمعرفتهم العائلية لنا. أعطاني والدي مبلغ خمسة دنانير كمصرف وقد رفضت المبلغ لمعرفتي بحالنا المالية فوالدي مازال مفصولا من التعليم وهو غير قادر على ممارسة عمل حر ومريض وقد شارف على نهاية العقد السادس وأتعبته مشاكل الحياة، كما أني لا أدخن فلست بحاجة لمثل هذا المبلغ. لم يكن رفضي للمبلغ زعلا أو إحتجاجا، وإنما كما وضحت سابقا كنت أريد أن أتحمل عواقب نشاطي السياسي وأجنب عائلتي المتاعب إضافة إلى أنهم أحوج لهذا المبلغ، ففي ألمعتقل لست بحاجة لأي مصروف، لكن إحتجاج سليم مرزة بعد أن رأى توسل الوالد لأتقبل ألمبلغ أجبرني على تقبله متشكرا من والدي ألطيب ورجوته بعدم زيارتي مستقبلا لما تكلفه الزيارة من مصاريف هم أحوج لها، إضافة للمتاعب ألتي هم في غنى عنها.

لم يزرني زملائي السابقون من كلية الزراعة في الفضيلية، حتى زميلي محمد عبدان ألذي واظب على زيارتي في موقف أبي غريب لم يزرني، لجهلهم بمكان أعتقالي. لكن أحد الأيام تفاجأت بزيارة صديق عزيز وطيب من أصدقائي في كربلاء، وهو صادق الحلاق. لقد سبق وأن تحدثت عن صادق طيب الله ثراه، كان شاباً جريئا، ملتصقا بالحزب بالرغم من عدم إنتمائه، لايتهيب في الدفاع عن الحزب والشيوعيين، بالمقابل كان يذم علناً الأجهزة الأمنية والبعثيين وينعتهم بأقبح النعوت، وأثناء الهجمة الشرسة على الحزب في عام 1978/1979 أستمر صالونه ليستقبل الشيوعيين وأصدقائهم وأصبح الصالون منتدى للقاء الجميع بعد أن أصبح اللقاء في مقر الحزب مشبوب بالمخاطر. كان بعض زبائنه من شرطة الأمن، وعندما يدخل أحدهم لمحله للحلاقة كان يقول لهم باللهجة العراقية ساخرا وبنبرة لا تخلُ من الأحتقار أنا لا أقص شعر ....... ويقصد (المنحرفين جنسياً). وبسبب علاقاته هذه مع رفاق الحزب وجرأته وجعل صالونه الصغير تجمعا للشيوعيين وأصدقائهم، في المنطقة، وكثرة مايدور في صالونه من أخبار وإشاعات في أواخر السبعينات أيام ألبعث، اُعتقل صادق ولم يعد أحد يسمع بأخباره. وبعد عدة أشهر من إعتقاله علمنا أنه موجود في معتقل الفضيلية، المعتقل ألذي زارني فيه قبل عشرة سنوات تقريبا. كان سبب إعتقاله، كما رواه طيب الله ثراه، أن معاون شرطة متقاعد من سكنة كربلاء أسمه صاحب علوان ويكنى بأبي نجاة، كان جالساً في صالونه وأخبر الجالسين بأنه سيقدم طلبا للسيد (ألنائب)، كما كانوا يلقبون المجرم صدام حسين في تلك السنوات، لتمليكه بيت الإسكان ** الذي يسكنه كمستأجر، فرد عليه أحد الجالسين وهو فيصل الشامي بأن النائب الان راقد في المستشفى يعالج من إصابته بطلق ناري أثناء محاولة لأغتياله!. كانت مثل هذه الإشاعات عن صدام حسين يتداولها الناس من حين لاخر، وكانت مخططة ومبرمجه من قبل أجهزة صدام السرية التي أنشأها وأشرف عليها، وتنشر هذه ألإشعات بعد تهيئة الجو الصالح لترويجها ، كإنقطاعه عن الظهور على شاشة التلفزيون لفترة أيام وحتى تجنب إذاعة أي خبر عنه في ألإذاعة، مما يسهل سريان مثل هذه الإشاعات وتصديقها خاصة أن خلافاته مع أحمد حسن ألبكر بدأت تنتشر. نقل أبو نجاة ماسمعه عن صدام في صالون حلاقة صادق لعائلته، متأسفا على ما أصاب صدام لأنه، كما يعتقد، الوحيد بإمكانه مساعدته. كانت أبنته الصغيرة الطالبة في الإبتدائبة تستمع لرواية والدها، وهي بدورها نقلت الخبر لمعلمتها في المدرسة، وهذه المعلمة البعثية رفعت تقريرا للمنظمة الحزبية. على أثر التقرير اُعتقل ألثلاثة، فيصل وأبو نجاة وصادق، وبعد التحقيق والوساطات أفرج فقط عن فيصل وأبو نجاة بينما أبقوا على إحتجاز صادق، وتعرض لمختلف أنواع التعذيب لأسابيع حتى أنه فقد من وزنه أكثر من عشرين كيلو بسبب التعذيب الذي مورس معه. وواضح من ألإبقاء على صادق في الحجز، وهو الذي لم يشارك مطلقا في رواية فيصل كما أنه لم يسمع مادار من حديث بين أبي نجاة وفيصل، أن مخابرات النظام البعثي كانت تريد الإنتقام من صادق لمواقفه الشجاعة ولعلاقته بالشيوعيين.

نقل صادق ألى الفضيلية وزرته بصحبة الصديق صادق الشامي وقص علينا سبب إعتقاله ومعاناته وتعذيبه وهو الذي لم يسمع مطلقا ماقاله فيصل عن صدام!! وأطلق سراحه أوائل سنة 1978 بعد أن برأته ألمحكمه!!!. خرج صادق من المعتقل لكنه أشد صلابة ومازال على شجاعته وإصراره وعلاقاته بالشيوعيين وأصدقاؤهم وبقي صالونه مركزا للتجمع وتناقل ألأخبار في فترة أشتد فيها ألهجوم على الحزب الشيوعي وجماهيره. كان يحدثني ساخراً وهو يقارن بين نوعية التعذيب ألذي تعرض له والتعذيب ألذي تعرضت له في السنين الماضية، ويسألني هل جربت التعرض بالسياط المكهربة ويصف فضاعة تأثيرها والألم الذي يسببه كثرة ممارستها عليه. كان صالونه الوحيد من محلات المنطقة الذي يوجد فيه تلفون، وكثير من الأحيان يدخل أحد شرطة الأمن السري ويطلب منه أن يستعمل التلفون فيرد عليه صادق بدون تردد: هذا التلفون يستعمله الشرفاء فقط وليس .....!! وكنت احذره دائما عدم إستفزاز البعثيين أو شرطة الأمن السري لأنهم كلاب مطيعة لأسيادهم البعثيين ويمكنهم إيذائك بدون رادع أخلاقي.

بعد مغادرتي العراق في شباط 1979 بسنه سمعت بفقدان هذا الإنسان الشجاع بحادث سيارة، ويشك أن الحادث ربما كان مدبرا. هكذا فقدت واحداً من أعز وأصدق الأصدقاء ومازلت لليوم أذكره وأتذكر مواقفه النبيلة والشجاعة معي. فهو ألذي بذل كل جهده ليحصل لي على موافقة تجنيد كربلاء لدائرة الجوازات لغرض مغادرة الوطن بعد هجمة نظام البعث عام 1979 ، كنت حينها لا أجرأ للوصول ألى كربلاء، بسبب إعتقال (ص. ح.) الرفيق الذي كنت مرتبطا به فرديا أثناء خدمتي في الجيش، وكان هذا خلال عام 77/78 أي الفترة ألتي أعقبت تنفيذ حكم الإعدام بكوكبة من رفاق وأصدقاء الحزب (الشهيد سهيل الشرهان ورفاقه) بحجة إنتمائهم للحزب الشيوعي وهم في الخدمة العسكرية، لذلك تجنبت السفر الى كربلاء لعدم معرفتي حقيقة موقف (ص.ح) خاصة أن منظمة البعث كانت تنشر الإشاعات بعد إعتقال أي رفيق لتشويهه وإثارة الشكوك حوله، وهذا ماسبب إرباكا للحزب في تلك الفترة.

أوآخر عام 1967 اُطلق سراحي من معتقل الفضيلية، وتوجهت من الفضيلية الى فندق كوكب الفرح، حيث أعتدت ألإقامة فيه مع شقيقي همام كلما اضطررت للمبيت في بغداد. كنت أروم في إنجاز بعض المهام التي وجدتها ضرورية قبل السفر لعائلتي في كربلاء. كان الاتصال برفاقي ضروريا وخاصة بعد تداعيات موقف (ح.ج)، كما كان علي الذهاب للكلية لمراجعة القسم الدخلي لأستعادة ملابسي وكتبي التي بقيت في دولابي بعد إعتقالي، وعلي التفكير بطريقة للاتصال بالبيت الذي تركت فيه السلاح والأتصال بأبي ماجد وشكره لموقفه النبيل. بعد لقائي مع رفاقي علمت أن الرفيقين اللذين رافقاني نجيا مع سلاحهما بعد أن أختفيا لعدة ساعات في أحد بيوت القرية. كما كانوا على علم بموقف (ح.ج) وتمكنوا من تلافي تداعيات موقفه.

بعد يومين قررت الذهاب للكلية لمراجعة القسم الداخلي. بعد دخولي للكلية وتوجهي لأدارة القسم إستوقفني رئيس حراسها المدعو فهد بحجة أنني ممنوع من دخول الكلية وأصطحبني لعميد الكلية لشؤون الطلبة هاشم قدوري. وهاشم قدوري من البعثيين الموتورين وعرف بشراسته في التعامل مع الشيوعيين أيام إنقلاب شباط. وبعد أستفساره عن سبب حظوري وتوضيحي له الأسباب، إتصل بمركز شرطة أبي غريب، وأعتقلت مجدداً. ولما لم أكن قد إقترفت أي جرم يدعو لأعتقالي، تصرف مأمور المركز بخبث وأرسلني مخفوراً الى مديرية الأمن العامة. وفي المديرية بقيت ليومين دون إستجواب وبعد مطالبتي الملحة لهم لمقابلة مدير الأمن العام، أستدعيت لمقابلة أحد المدراء، لآ أتذكر أسمه ولكن شكله لايمكن أن أنساه، فقد كان قصير القامة سميناً وبرأس كبير وأصلع لافت للنظر، وبعد حوار وتحذير منه مؤكدا لي بحضر دخولي للكلية مطلقا، وبينت له بعدم علمي بمثل هذا القرار، افرج عني.

قررت السفر الى كربلاء للقاء ألأهل وأخذ قسطا من الأستراحة للتفكير بوضعي بهدوء، خاصة بعد ماسمعته من الأستاذ يونس الدوري أحد أساتذة كلية الزراعة وأصبح مدير تسجيل الجامعة، بعدم إمكانية قبولي بأي جامعة عراقية، إلا بإعادة النظر بالقرار من رئاسة الجامعة، وأحتمال التراجع عن القرار شبه مستحيل بسبب الوضع السياسي.

قررت أن أتقدم بطلب القبول في معهد إعداد المعلمين الموجود في الأعضمية في بغداد. لكن أحد شروط القبول أن لايكون الطالب مفصولا من الجامعة!. وكان هذا الشرط عائقا لقبولي كوني طالب مفصول. علمت أن رئيس لجنة القبول كان معتقلاً معي في المكتبة العامة والتي حولت الى مركز للتعذيب في كربلاء وهو أستاذ علم النفس. قابلت أستاذي، للأسف لاتسعفني ألذاكرة بإسمه، وشرحت له وضعي، وأوعدني بمساعدتي وقبولي وتجاهل قرار الفصل، لأنه لا أحد يعرف بالقرار. كان موقف هذا الاستاذ والزميل موقفا جريئاً ولم يبال لنتائج إكتشاف لجنة القبول لقرار فصلي، كل ماعليه أن يتظاهر بعدم معرفتي الشخصية. قدمت أوراقي للمعهد وأنا مطمأن من قبولي، وكنت أنتظر يوم المقابلة بفارغ ألصبر. لسوء الحظ تم فتح معهد مشابه في كربلاء ونقلت أضابارتي الى إدارة دار ألمعلمين ألإبتدائية في كربلاء، وكان مديرها الاستاذ موسى الكرباسي. كان الاستاذ موسى هو الآخر معتقلا معي في موقف كربلاء أيام شباط الأسود 1963 قررت مصارحته بوضعي، مثلما صارحت أستاذ علم النفس في بغداد، لأني لم أرغب أن يسمع ذلك من الآخرين ويتفاجأ ويحسبني خدعته، وكنت أعتقد أنه سيتفهم ظروفي ويساعدني. وللأسف لم يكن موسى شجاعا ورفض قبول طلبي وأعاد لي كل ملف التقديم!. ولو أخفيت قرار فصلي عنه لربما قبلت دون إشكال، لكن إحترامي وتقديري وثقتي بأستاذي وزميلي، وخوفي من إنكشاف وضعي في مدينة معروف فيها بصورة جيده، دفعني لمصارحته كي يتلافى أي إشكالية مستقبلا أذا ماكشف أحدهم تجاوز شرط الفصل، بحيث يمكنه ألإدعاء بعدم علمه بالقرار وأني أخفيت ذلك، وهذا ممكن الحدوث، لكنه أصرَ بكل أسف على إعادة طلبي، وحرمني من فرصة الدراسة.

بلغت من قبل الحزب أن أسلم وثيقة تخرجي من الثانوية للزميل حسن الشمري سكرتير الإتحاد، الذي أنتخب في المؤتمر الذي عقده الإتحاد لإعضائه بعد فوزهم بالإنتخابات الطلابية الأخيرة. وواضح أن الهدف من ذلك محاولة منحي زمالة دراسية في أحدى دول المعسكر الأشتراكي السابق. سافرت إلى بغداد ومعي الوثيقة وهي مترجمة ومصدقة من وزارة الخارجية، وأنا كلي ثقة بإمكانية حصولي على زمالة، فقد أضعت دراستي بسبب نشاطي الطلابي ولا يوجد أي أمل في أكمال دراستي في العراق بعد فصلي من الجامعة. التقيت بحسن في كلية التربية الرياضية وسلمته وثيقتي، بعد أن شرحت له معاناتي وقرار الجامعة بفصلي. كنت أتوقع أن أكون أول من يمنح زمالة ذلك العام ، كوني كنت الوحيد من الرفاق والزملاء الإتحاديين الذي فصل من الجامعة بسبب نشاطه الطلابي ذلك العام، وهذا ماكنت متأكداً منه بحكم علاقتي الحزبية والطلابية (ألأتحادية). للأسف خاب ضني وتأكد لي ماقاله لي أحد الأصدقاء بأن الزمالات في كثير من الأحيان لاتوزع بصورة عادلة ولا تمنح لمن يستحقها وأن العلاقات الشخصية تلعب دورا غير مبدأي في توزيعها. في تلك السنوات الدراسية 67/68 و 68/69 حصل الكثيرون من الرفاق والزملاء على زمالات دراسية للدول الأشتراكية من دون أن يعانوا مما كنت أعانيه. الجميع الذين قبلوا لم يكونوا مفصولين دراسيا بسبب نشاطهم الطلابي أو مطاردين أو أن هناك دعوى قضائية بإنتظارهم كما في حالتي، كان في مقدمة المقبولين سكرتير الإتحاد حسن الشمري واخرون لم تكن ظروفهم ومعاناتهم سيئة مطلقاً، ولاأريد أن أعدد المزيد من الأسماء التي حصلت على زمالة إتحادية أو حزبية في تلك السنوات وألتقيت ببعضهم في براغ وبولونية، وكنت أكثر إستحقاقا منهم. تأثر رفاقي وأوعدونني بانهم سيتابعون مشكلتي، كنت أعرف أن الوقت قد فات ولافائدة من الإعتراض وأن توزيع الزمالات كان محسوما.


**- بيوت الأسكان، بيوت شعبية بناها الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، لتكون سكنا لذوي الدخل المحدود وبأيجار شهري رمزي، وقد أنتشرت هذه البيوت في جميع المحافظات .
 

يـتـبـع


¤ الحلقة الواحدة والعشرون

¤ الحلقة العشرون

¤ الحلقة التاسعة عشر

¤ الحلقة الثامنة عشر

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الثلاثاء 17/10/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة