ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(15)


محمد علي الشبيبي

في سجن نقرة السلمان

بعد انقلاب شباط الدامي تشكلت خارج العراق وفي براغ وبمبادرة من الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية العراقية لجنة الدفاع عن الشعب العراقي، ففي اجتماع عقد في براغ القى الجواهيري الكبير قصيدته العصماء (أمين لاتغضب) جوابا على مقالة امين ألأعور في صحيفة النداء البيروتية ومطلعها:
                      أمين لاتغضب فيوم الطغام               آتٍ وانف شامت للرغام

كان للقصيدة وقعا قويا على المستمعين، وتناقلها المستمعون من الحاضرين بسرعة، حتى في داخل الوطن تناقلها الشعب لما فيها من اتهام وادانة ووصف لائق لعبد السلام عارف ، كونه رئيسا للجمهورية التي جاء بها انقلاب 8 شباط الدموي وفي ظل رئاسته انتهكت اعراض النساء واقترفت ابشع الجرائم بحق ابناء الشعب البررة. كان الاجتماع رائعا عبر فيه التجمع عن تضامنهم مع الشعب العراقي من خلال تبرع النساء بكل مايملكن من حلي وتبرع الطلبة (عرب واجانب) براتب شهر (1) لتمويل اللجنة. وقد تشكلت اللجنة في الايام الاولى من انقلاب 8 شباط الفاشي، حيث تم الاعلان عنها قي براغ وفي مؤتمر صحفي. واتخذت اللجنة من شقة ذنون ايوب مقرا لها. وتمكنت الجنة من جمع التبرعات لتغطية تكاليف نشاطاتها وتحركاتها على المجال العالمي. واصبح الراحل وشاعر العرب الاكبر محمد مهدي الجواهري رئيسا لها وضمت من بين اعضاؤها، الملحق الصحفي السابق في السفارة العراقية ذنون ايوب، والدكتور فيصل السامر، جلال الطالباني والفنان محمود صبري ونوري عبد الرزاق (رئيس اتحاد الطلاب العالمي) واخرون. وتحركت اللجنة على المستوى العالمي واصبح من اهم الشخصيات العالمية والتي تبنت الحملة الفيلسوف البريطاني برتراند رسل. ونشطت اللجنة في فضح اساليب النظام الفاشية في التعذيب والتصفيات الجسدية، وقدمت الدراسات والمعلومات عن احوال السجناء وظروف معيشتهم الصعبة في السجون العراقية، ووثقت الكثير من جرائم نظام العهدين البعثي والعارفي، ونشرت اسماء بقوائم الشهداء الذين قضوا في التعذيب البربري او الاعدامات، كما نشرت نصوص للمحاكم القرقوشية للمجالس العرفية بحق المناضلين الشرفاء من رجال ونساء وشيوخ واطفال. وقد لعبت منظمات الحزب الشيوعي والجمعيات الطلابية في الدول الاوربية دورا كبيرا في فضح جرائم النظام البعثي والعارفي بحق ابناء الشعب، واصبحت هذه المنظمات الحزبية والديمقراطية الوجه الاعلامي ألاخر والاقوى للجنة الدفاع عن الشعب العراقي وذلك من خلال نشاطاتها الطلابية في تلك الدول، وبحكم علاقات منظماتنا الطلابية الجيدة والواسعة مع مختلف التنظيمات الطلابية من مختلف انحاء العالم والمتواجدة على ساحة تلك البلدان. وكان تأثير هذه النشاطات واضحا خاصة بعد انقلاب عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني 1963، وسببت هذه النشاطات على المستوى العالمي احراجا لنظام الحكم العارفي. وامام هذه الضغوط تظاهرت حكومة عبد السلام عارف امام الرأي العام العالمي والعربي وكأنها قد تجاوبت مع الضغوط، من خلال ارسالها لجانا الى السجون العراقية، وبإشراف وزارة الداخلية لمساومة السجناء على كرامتهم وانسانيتهم مقابل الافراج عنهم. وقد وصلت اوائل عام 1965 لجنة وزارة الداخلية الى سجن نقرة السلمان برئاسة انور ثامر (اعتقد انه كان حينها مدير الأمن العام) لمساومة السجناء.

كان موقف منظمة الحزب في سجن نقرة السلمان واضحا وحاسما، وهو عدم ألتعاون مع لجنة وزارة الداخلية أوتسهيل مهمتها، وترك اللجنة بأن تقوم بإستدعاء من تريد من ألسجناء. أبلغَت منظمتنا ألحزبية عبر ممثلنا عباس بغدادي طيب الله ثراه إدارة السجن بعدم استعدادنا بالقيام بساعي البريد لمثل هذه ألمهمة، التي تنتقص من كرامتنا وانسانيتنا، كما استنكرت المنظمة مهمة اللجنة وقدمت لها مذكرة إحتجاج مطالبة بأطلاق سراحنا بدون شروط. عدم تعاون المنظمة مع ادارة السجن سبب صعوبة جدية لإدارة ألسجن واللجنة، فليس من السهل أن تقوم ألادارة بإستدعاء أي سجين، لأنها تجهل في اي قاعة يوجد هذا السجين، فتوزيع ألسجناء في القاعات كانت من مهمة اللجنة ألسجنية المسؤولة عن إدارة شؤننا، ويتم تسهيل مهمتها من خلال ألتنسيق مع ممثلي ألقاعات. كان من غير المعقول ان يدور الشرطي (السجان) على كل القاعات العشرة في السجن الجديد اضافة لقاعات السجن القديم للبحث عن ألاسماء التي يستدعونها، وهم لايعرفون في أية قاعة يوجد هذا السجين، وقد لايكون المستدعى متواجد في قاعته. بالرغم من الصعوبة المتوقعة قررت إدارة ألسجن ان تجرب حظها بإرسال أحد ألسجانين لإستدعاء بعض ألأسماء. دخل أحد ألحراس الى ساحة ألسجن الجديد، وهي اكبر من ساحة كرة القدم وتحيطها عشرة قاعات، يعيش في كل قاعة أكثر من 180 سجين، وبين كل قاعتين ساحة أكبر من ملعب كرة ألطائرة، ووقف وسط ألساحة ونادى ببعض ألأسماء، لم يستجب أحد إلا بعض السجناء القلة ممن نسقوا مع عوائلهم وكانوا ينتظرون وصول اللجنة من اجل التجاوب معها مقابل الافراج عنهم. حينها قرر ألوفد ألدخول الى السجن وتجربة حظه في ألحديث مباشرة مع ألسجناء.


مجموعة من سجناء نقرة السلمان يمزحون مع بعضهم عام 1965/1966

التقت اللجنة بالسجين كاظم أو هادي لاأتذكر اسمه بالضبط وهو شاب أخرس من مدينة ألكاظمية، محكوم بعشرة سنوات، سألوه عن مدة محكوميته وهل لديه رغبة بأن يغادر ألسجن، أشارَ لهم بتشوقه للحرية، عرضوا عليه ألإفراج عنه مقابل ألبراءة، وكونه اخرسا اشاروا بإبهامهم كمن يوقع. سخر منهم بطريقة غاضبة وهو يحرك بسخرية قبضة يده ويُعَفط لهم وتركهم ساخرا.

بعدها توجهوا الى تجمع أثار انتباههم، وربما اعتقدوا أن في مثل هذا التجمع قد يجدوا أكثر من سجين مستعد للبراءة من ألحزب. كان هذا التجمع حول لعبة النرد بين يحيى قاف وأبي نجلاء وصوت المشجعين والمتحديان يختلط في فضاء السجن ويصعب على المستمع عن بعد معرفة مايدور. توجه الوفد نحو هذا ألتجمع، وكان كل السجناء يعرفون بقدوم هذا ألوفد لكسر شوكة هؤلاء ألمناضلين، تفاجأ الوفد بالشيخين وربما كان ألوفد يعرف من هما. وجهوا حديثهم ليحيى قاف وكان يلعب النرد محاولين اغرائه بالحرية المشروطة والعودة ليكون بين احضان وحب عائلته وهو في سن بحاجة لرعايتهم، وسألوه عن اسمه ومحكوميته؟ فأجابهم بمقولته الشهيرة والمتحدية وبلهجته الموصلية: أنا يحيى قاف يقول الكلمة وما يخاف! عرضوا عليه حريته مقابل براءته من الحزب الشيوعي مادام غير ملتزما ولا منتميا. كرر مجددا مقولته بغضب وتحدي، ورفض عرضهم واستنكر قدومهم من بغداد الى سجن النقرة لمساومة السجناء واذلالهم، وأكد لهم ان صموده في السجن ورفضه البراءة خير من العيش خارج السجن بدون كرامة خاذلا رفاقه وشعبه! ولما حاولو الاشارة وتنبيهه الى انه قد يموت وهو في السجن بعيدا عن عائلته محذرينه من هذه النهاية! رد عليهم انه يعيش هنا مطمئنا مع زملائه في السجن وقد كلفوا احدهم ليرعاه ويهتم به وكأنه وسط عائلته، والجميع هنا يكن له الاحترام والحب، ولايريد ان يخسر هذا الحب والاحترام، وانه في السجن ينام مرتاح ومطمأن وبدون احلام مزعجة او مرعبة، وان عائلته بخير وان الخيرين والشرفاء من ابناء الشعب لم يتركوا عائلته بأي عوز، ولكن رئيسهم عبد ألسلام عارف الذي لاينام ليلا مرتاح ألضمير إلا في ظل حمايته المشددة من الحرس وان الاحلام المزعجة لاتجعله يغفو ويتمتع بنومه بسبب خوفه وقلقه على كرسي الرئاسة ، لذلك يعيش في قلق دائم وخوف مرعب ، وهو لايجرء على الخرج الى الشارع إلا بحراسة مشددة خوفا من شعبه وان حرسه الجمهوري لايفارقه، وهذا حال كل دكتاتور، بينما انا انام واتنقل مطمأنا بدون حراسة حتى لو افرج عني ولا أخاف احدا إلا الله سبحانه وتعالى لأني لم اسبب الأذى لأحد.

بعد هذه المحاولات الفاشلة عاد الوفد خائبا الى بغداد ، وهذا لايعني أنهم لم يحصلوا على بعض ألبراءات، أو أنهم لم يفلحوا في إستدعاء ألبعض، لا بل ان البعض (وهم قلة جدا) كان ينتظر وصول الوفد ليبادر في إعلان براءته. وهناك مجموعة ليست قليلة من السجناء زج بهم في السجن ولم تكن لهم ادنى علاقة بالحزب الشيوعي حتى لم تكن عندهم اهتمامات سياسية، والبعض كان غير قادر على تحمل السجن وما يترتب عليه من مصاعب له ولعائلته. وللأسف ولأسباب عديدة، كان بعض ألسجناء مستعد لتقديم البراءة مقابل ألأفراج عنه، ولكن وحسب ما أذكر لم يتجاوز عدد ألمتبرئين عن 40 سجيناً من مجموع مايزيد عن ألألفين سجين. لقد فشلت مهمة ألوفد وجوبهت برفض وصلابة ووحدة ألسجناء.
لم تلق خطة الحكم في الافراج عن السجناء مقابل البراءة قبولا من السجناء، ولم يطلق سراح الكثيرين بموجب هذه الخطة. وبقية سلطة عبد السلام عارف محرجة امام الرأي العام العالمي والعربي، خاصة بعد مهرجان الشباب العالمي الذي اقيم في الجزائر، حيث نشطت شبيبتنا بين الوفود العالمية لشرح معاناة شعبنا وفضح جرائم النظام العارفي بحق المناضلين. وكان للمعرض الفني الذي اقامه اتحاد الشباب الديمقراطي العراقي، احد انشط الوفود، وفيه مساهمة سجناء النقرة بانجازاتهم الفنية المتواضعة اضافة الى ندائهم الموجه الى وفود الشبيبة العالمية من سجنهم الصحراوي، كرسالة لشبيبة وشعوب العالم للوقوف الى جانب نضال شعبنا من اجل الحرية والسلام. كل هذه النشاطات مجتمعة اجبرت حكومة عارف ان تصدر قرارات بالافراج عن المحجوزين سياسيا. والمحجوزون سياسيا هم مجموعة من المواطنين احتجزوا في عهد الراحل عبد الكريم قاسم او في زمن البعث والحكم العارفي ولم توجه لهم اية تهمة، وكانت هذه ممارسات اجهزة الامن التسلطية ورثتها من العهد الملكي، وكان المحجوزون يبقون في المعتقل الى اجل غير مسمى خلافا للقانون. كما افرجت عن بعض السجناء ممن لم يتبق لأنهاء محكومياتهم إلا أيام.

في احد الايام الشتوية الباردة من عام 1965 انتشر خبر بين السجناء بوصول برقية بالافراج عن مجموعة من المحجوزين. وسادت الفرحة بين السجناء، وتبادل السجناء التهاني وعرفت معظم الاسماء المفرج عنها. بجهود وعمل زملاؤنا الجنود الأشاوس الذين كانوا في صنف الاتصالات (المخابرات)، وصل خبر ألإفراج الى السجناء وبالأسماء كاملة بسرعة وربما قبل ان يصل الى الأدارة ، فكان زملاؤنا يراقبون وينصتون على جميع المراسلات اللاسلكية التي تصل للإدارة عبر اجهزة الراديو البسيطة المتوفرة في السجن حيث يلتقطون موجة البث اللاسلكي ويطلعون على الرسائل الواردة للإدارة. وكان الحرس يراقبون السجناء والفرحة تعم السجن ويتبادلون التهاني وينشدون الاغاني بطريقة لم يسبق لهم مشاهدتها من قبل مما أثار استغرابهم وتساؤلهم عن اسباب هذا الفرح. لم يكن فرحنا بسبب الافراج فقط وانما كانت دوافعه معنوية لان صلابة موقفنا وعدم رضوخنا لسياسة الذل والاهانة قد انتصرت. وان نشاط لجنة الدفاع عن الشعب العراقي والحملة الموازية التي شنها الحزب والقوى الديمقراطية في معظم بلدان العالم الغربي قد اتت باُكلها، وها نحن نحصد نتائج تلك النشاطات الانسانية. عشنا اياما سعيدة كلها افراح وتبادل للتهاني، ولقاء الاصدقاء المفرج عنهم من مدننا لتكليفهم بإيصال الرسائل والوصايا الشفهية للاهل. قد تأخر تنفيذ ألقرار عدة أيام لعدم توفر وسائط ألنقل واحتفلنا بمغادرة رفاقنا وعودتهم لأحضان شعبهم وحزبهم.

خلال وجودي في النقرة والتي تجاوزت ألسنة، تمكنت والدتي وشقيقتي هناء مع والدة فيصل ألشامي من ألحصول على موافقة ألحاكم ألعسكري ألعام رشيد مصلح لزيارتنا، وذلك بمساعدة مدير تجنيد كربلاء (ابو مشرق). لم تكن إمكانية ألحصول على ألموافقة سهلة، خاصة لعائلة مثل عائلتي تفتقد رجل ألبيت الذي يكون بمقدوره التنقل بين بغداد وكربلاء ومراجعة الاجهزة الامنية للحصول على الكتب والموافقات الرسمية للزيارة. لم يبق حرا إلا أخي كفاح، وقد غادر ألى ألعربية ألسعودية للعمل بعد أن فصل من عمله في ألتدريس. وقد تمكن أخي همام بوساطة بعض ألمعارف وألرشاوي من الحصول له على جواز سفر وألغاء ألمنع، وقد كلف ذلك ألعائلة وهي تعاني من ندرة ألمورد ألمالي بسبب فصل ألوالد. فالأحوال ألإقتصادية ألسيئة ألتي تعاني منها ألعائلة أجبرت ألوالدة أن ترهن ماتبقى لديها من حُلي كي تتدبر سفر أخي كفاح للعمل كمدرس في ألسعودية.


في سجن نقرة السلمان كاتب السطور جالسا من اليسار وخلفه عبد الامير قنبر
وعلى يساره الفلاح مهدي (ابو أسلم) عام 1964 واعتذر لعدم تذكري لبقية الاسماء

كانت ألعوائل ألتي تتوجه لزيارة أبنائها ألسجناء في نقرة ألسلمان تتجمع في مدينة ألسماوة وتنطلق سيارتهم من ألسماوة بصحبة سيارة من شرطة ألبادية ألخبراء بالطريق ألصحراوي إلى سجن نقرة السلمان. أغلب ألأحيان يكون وصول ألعوائل قبل يوم في المساءً، ويُخَبَر ألسجين مساء ذلك أليوم بوصول عائلته. تقضي ألعائلة ليلتها في فندق قريب من ألسجن، ولا أعتقد إن حال ألفندق أفضل من حال ألسجن، لكن تشوق ألأهل لأبنائهم بعد هذا ألسفر ألمرهق وألذي استغرق أكثر من 10 ساعات مصحوبة بعواصف رملية جافة تتميز بها صحراء ألمنطقة، جعلهم لايفكرون إلا بصباح أليوم ألتالي ليلتقوا مع أحبتهم بعد فراق طويل. أما بالنسبة للسجين، وهذا ماحدث لي، يقضي ليلته ساهراً يتنقل من صديق لآخر، مرة ينفرد مع نفسه مستلقيا وهو يتخيل لقاءه بأهله محدقا بسماء الصحراء وصفائها متمنيا لو كان هذا ألأستلقاء على سطح داره بين شقيقاته ووالديه وهم يتسامرون ويمزحون، ومرة يترك العنان لرجليه آخذا ساحة ألسجن ذهابا وإيابا كأنه يتسابق مع ألزمن للقاء أهله. بعد ان يقضي ألسجين ليلة قلقة تختلط فيها ألكوابيس مع ألأحلام ألجميلة يستيقظ صباحا ويعد نفسه للقاء أحبائه بعد ان يحلق ذقنه ويرتدى أفضل ملابسه. كانت القاعدة الجارية في السجون ايام العهد الملكي والجمهوري الاول ان يمنح السجين ملابس خاصة بالسجناء ويمنع من ارتداء ملابسه الشخصية. وكانت هذه الملابس خشنة الملمس بيضاء تميل الى السمرة ومخططة بخطوط طولية بلون بني غامق او سوداء، وتكون من لباس طويل اشبه بالبنطلون وقميص اشبه بقميص البيجاما. وكان بعض السجناء يجرون بعض التعديلات في فصال وقياسات هذه الملابس لتكون اكثر اناقة. وفي سجن النقرة عندما استلم بعضنا هذه الملابس، قبل ان تصبح الدولة عاجزة عن توفيرها، كانا رفاقنا العاملين في ورشة الخياطة يقومون بإعادة خياطة هذه الملابس حسب الذوق لتبدو اكثر اناقة. لم تكن لدينا ملابس خاصة بالسجناء، لأن كثرة ألسجناء والذي تجاوز عددهم ألالاف، توزعوا في مختلف ألسجون ألعراقية، جعل الدولة تهمل مسألة الملابس لاحبا بالسجناء وإنما تلافيا لتكاليفها ونفس ألشئ كان في سجن الحلة وبقية السجون.

صباح أليوم ألثاني التقيت بوالدتي وشقيقتي هناء، كذلك ألتقى فيصل ألشامي بوالدته وخطيبته (شقيقتي هناء كانت مخطوبة لفيصل)، كما ان المربي الكبير يحيى قاف التقى بعائلته وابنته، اضافة الى عائلتين اُخرتين. لااريد ان اصف أللقاء، يكفيني ماأحسسته من ألم وانا ارى دموع والدتي وشقيقتي والعبرات تحول دون امكانية نطق الكلمات وايصال ألرسائل الشفوية وامسكت بي الوالدة تقبلني وتشمني وهي تبكي فرحا غير مصدقة لقائها بي بعد اشهر من الفرااق الأجباري. قصت علي اخبار البيت والوالد وسفر أخي كفاح وشكت من عجزها ألمالي لتحرير الذهب الذي رهنته من اجل سفر أخي كفاح، وقد يباع بسبب عجزها عن تسديد ثمنه للبنك. كانت هموم ألوالدة كثيرة ومسؤولياتها اكبر وعليها تدبير شؤون البيت بسبع بنات ورعاية سجينين، زوجها وإبنها ألاصغر وكل واحد منهما في سجن. كان لزاماً علي أن اشد من عزيمتها وألا اتذمر او ابدو ضعيفاً امامها. اتبعت اسلوب والدي، عندما يهوَن عن نفسه في ألشدائد، فيقول إني افكر بمصائب من هم أعظم مصيبة من مصيبتي، حينها تهون مصيبتي. حدثتها عن يحيى قاف وعن ألشهيد وعدالله ألنجار والشهيد صلاح ومحاولاته للهرب وفشلها واخرها محاولة هربه من ألنقرة رغم مرضه الكلوي ولكن محاولته هذه هي ألاخرى لم تنجح بسبب اشتداد آلام الكلى فعثروا على جثمانه الطاهر وسط الصحراء بعيدا عن الطريق قرب شجيرة التجأ اليها بعد ان اشتدت عليه آلام الكلى، ولولا الغربان التي كانت تحوم طائرة فوقها لما اكتشفوا وجود جثمانه. حديثي هذا جعلها تشكر الله سبحانه وتعالى ان تراني امامها. نقلت لي أخبار ألأصدقاء من كربلاء، وكيف أن احد سائقي سيارات الباصات ألصغيرة تبرع بنقلها وشقيقاتي لزيارة والدي في سجن ألحلة بسعر خاص مخفض كل شهر، فكان يحضر كلما حل موعد الزيارات للبيت لياخذ العائلة للزيارة ثم يعود بالعائلة بعد إنتهاء ألمواجهات، كان رجلا مثالا في الشهامة والطيبة.

احضر الزملاء الغداء وكان عبارة عن رز وقيمة، وبعد ان تذوقته الوالدة سألتني هل دائماً نحصل على نفس الكمية والنوعية. شرحت لها كيف ان حياتنا منظمة، واننا نقدم مساعدة مالية لمن قطعت عنهم مساعدات الأهل، وعن نشاطاتنا الرياضية والفنية واحتفالاتنا، والاصدقاء الجدد الذين تعرفت عليهم بعضهم اصدقاء طفولة لإخوتي كفاح وهمام وبعضهم زملاء دراسه او رفاق. مرّ الوقت سريعا وعدنا للسجن مودعين ألاهل ومحملين بما جلبوه لنا من ملابس ومواد غذائية.


(1) – محمد مهدي الجواهري، ذكرياتي / الجزء الثاني - حركة الدفاع عن الشعب العراقي -

يـتـبـع

 

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الخميس 17/8/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة