ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

ذكريات الزمن القاسي
( 10 )
 

محمد علي الشبيبي
Alshibiby45@hotmail.com

في سجن الحلة

بعد ان قضينا ليلة في مركز سراي بغداد نقلنا الى سجن الحلة مع مجموعة من مناضلي مدينة الديوانية اتذكر منهم المعلم الطيب مضر. كان سجن الحلة مقسم الى اقسام معزولة بعضها عن بعض ومتفاوته بالمساحة والتصميم. افضلها السجن الجديد، تتوسطه ساحة واسعة على شكل حرف يو (U) الانكليزي وذات ارضيه من الكونكريت، مع مجموعتين من المرافق الصحية موزعة على جانبين من السجن. وغرفه متفاوتة المساحة بحيث تتسع من 16 إلى 120 سجين (1)، وخصص للسجناء السياسيين. كما يوجد قسم المعمل الذي سبق وان تحدثت عنه. والسجن القديم ايضا تتوسطه ساحة كبيرة وفيه غرف مختلفة السعة واشهر قاعاته قاعة كنا نطلق عليها اسم الصين الشعبية لكبرها، فعدد ساكنيها نصف عدد نزلاء السجن القديم. وكان نزلاء الصين الشعبية يطالبون اثناء اجتماعات مسؤولي القاعات بعدم حساب صوتهم كصوت اي قاعة والتي لايتجاوز عدد نزلاء اكبرها عن100 سجين ونزلاء السجن القديم خليط من السياسيين والعاديين.

القسم الاخر يدعى المحجر، قسم صغير يتكون من 4 غرف بمساحة لاتزيد عن 14م² للغرفة ألواحدة، تتوسطه ساحة لا يزيد طولها عن 12م وعرضها عن 3م وفيها حنفية واحدة وتواليت واحد ولم اعد اتذكر ان كان هناك حمام ام لا وكيف كنا نستحم. كانت معظم مجاري السجن تمر عبر المحجر. كان السجين صفوك ذو الوجه الكاريكاتوري، بشاربه الطويل وفمه الذي فقد معظم اسنانه، زبونا دائما من بين السجناء العاديين مسؤولا عن صيانة المجاري وتنظيفها، وتتم هذه ألصيانة من المحجر مما يسبب ازعاجا بسبب الرائحة الكريهة التي تنتشر في المحجر عندما يحصل أي انسداد فيها وتفيض لتغطي ارضية المحجر. كان صفوك من المقيمين في السجن والاداره تدفع له اجرا بخسا لعمله، وهو لايصرف شيئا داخل ألسجن، لانه ماكل شارب ونائم مجانا كما يقول. عندما انهى محكوميته اخر مرة، عاد بسرعة بعقوبة لمدة سنة! لما سألناه عن سبب العقوبة قال انه سرق قوري مكسور البلبولة، وقال انه لم يسرق بهدف السرقة وانما كانت السرقة وسيلة شريفة ليعود للسجن ليمارس عمله في تنظيف المجاري، لأنه خارج السجن يعيش ايامه جائعا وبدون سكن ووحيدا بينما هنا في السجن يعيش في فندق خمس نجوم وبين السجناء!

قررت ادارة السجن تخصيص المحجر لنا مع مجموعة مدينة الديوانية الذين وصلوا معنا سوية من مركز السراي. فرشت فراشي الى جانب فراش والدي في احدى الغرف وسط المحجر وقد ضمت الغرفة كل من عباس الجصاص واخيه اسماعيل وحسين الموسوي ومحمود الصافي وفيصل الشامي واخرون لاتسعفني الذاكرة بتذكرهم. منذ وصولنا للمحجر اصبحت علاقتي بوالدي ليست كأب فقط وانما اصبح الزميل والصديق. كانت كلمة زميل هي الكلمة المعتادة التي يتخاطب بها السجناء. وكانت هذه الكلمه غريبة ومجهولة وغير مفهومة بالنسبة لبعض السجانه (شرطة السجن) مثل السجان ابو سبتي. ففي احد المرات تورط واستعملها أثناء التعداد مخاطبا السجناء: زملاء مسطر (كنا نسمي عملية التعداد مسطر)، ثم التفت الينا واعتذر لانه خاطبنا بزملاء، ولما استوضحناه لماذا هو يعتذر، فهمنا من اجابته انه أخطأ ولم يوفق في جمع كلمة زميل لأن كلمة زملاء تعني جمع لزمال!! وابو سبتي إنسان بسيط وطيب، وماحدث له عندما إنتقل لسكنه ألجديد يدل على بساطة هذا الإنسان. فعندما حصل على بيت في منطقة الاسكان، وهي منطقه من بيوت شعبية بناها ألزعيم الراحل عبد الكريم قاسم لتكون سكنا لذوي الدخل المحدود، وتتميز بتشابه بيوتها وطرقها كونها جديدة البناء، ولاتوجد اسماء لشوارعها. عاد ابو سبتي من نوبته في السجن الى داره ليلا ولم يهتدي للبيت حتى ارهقه التعب، فاضطر ان يطرق احد الابواب ويسأل اصحاب الدار عن بيت أبو سبتي ألسجان. بعد ان استمعت صاحبة البيت لاستفساره مندهشة، قالت له الستَ انت ابو سبتي، وتبحث عن بيتك؟!! فأجابها انه متعب ومصاب بصداع ولم يتمكن من الاهتداء للبيت! ساعدته واوصلته لبيته ولم يكن ألبيت بعيدا عن دارها إلا بضعة أمتار. ومنذ ذلك اليوم قرر ابوسبتي ان يرفع علما في باب بيته لكي يميزه عن بقية البيوت!!. ويحدثنا ابو سبتي كيف كانت العفاريت والجن تزوره في المنام عندما عمل سجانا في نقرة السلمان، وكانت احدى الجنيات تلح عليه ليطلق زوجته والزواج منها! وكاد يجن من زياراتهم وطلباتهم، لولا تعاطف مدير السجن معه وساعده على الانتقال الى سجن الحلة. وفي احد نشاطاتنا الثقافية داخل السجن، عرضنا مسرحية ديوجين وكان العرض ليلا وحضر العرض بعض حراس السجن ومن بينهم ابو سبتي، وكان العرض بعد يومين من زيارة العوائل الشهرية. وكان من ضمن الادوار دور فتاة، ومثل دور الفتاة احد الزملاء بعد ان تم مكياجه جيدا وارتدى ملابس نسائية الى درجة جعلت ابو سبتي يعتقد اننا اخفينا احدى النساء بعد الزيارة الشهرية لتقوم بهذا الدور! وبعد ان شاهد ابو سبتي العرض غضب لاننا اخطأنا بحق هذه الفتاة وحجزناها في السجن وحذرنا من ان يصل الخبر الى مدير السجن فيحاسبنا ونقع في مشكلة مع ألأدارة!.

لم تدم اقامتنا في المحجر طويلا، فبعد اقل من اسبوعين نقلنا الى السجن القديم. وكان السجن القديم مشترك بيننا وبين السجناء ذوي الجنح الجنائية. بعد ذلك قررت ادارة السجن عزل السجناء السياسيين عن العاديين، فخصص لنا السجن الجديد ونقل اليه جميع السجناء السياسيين. وفي السجن الجديد اقمنا انا ووالدي في قاعة رقم 2 وهي واحدة من ثلاثة قاعات كبيره في السجن الجديد.

بسبب شدة وشراسة الضربة التي وجهت للحزب، تأثرت معنويات وثقة الكثيرين وكان البعض يشكك أو يرفض أي عمل تنظيمي، حتى مايخص تنظيم وإدارة حياتنا اليومية، واخذ البعض يتمرد ويطرح شكوكه بشكل علني، وشمل التشكيك بطريقة اختيار ممثلين القاعات ومن ثم ممثل السجناء أمام ادارة السجن، ووصل الحد ان البعض راح يشكك ويتساءل عن أرباح المقهى التي نشرف على ادارتها وكان سعر كوب الشاي رمزي (3 او 5 فلس للكوب) ، وتخصص مردودات المبيعات البسيطة لمساعدة المحتاجين. وظهرت حالات تمرد وعدم تعاون بين بعض ممثلي القاعات مما سبب مشاكل ومتاعب في تنظيم شؤون السجناء، وتعددت مصادر ألأخبار والنشريات. وبعد اجتماعات ولقاءات جماعية ونقاشات بين السجناء بادرت اليها مجموعة من السجناء الواعين والحريصين الى قرار حازم وشجاع بإجراء انتخابات سرية لكل قاعة لتنتخب لجنة وممثل لأدارة شؤونها وان تكون مهمة هذه اللجان تنظيم وادارة حياتنا اليومية، وتوحيد كلمة السجناء امام الادارة، والعمل على بث الوعي السياسي وعدم الأستسلام للظروف الجائرة التي يعيشها شعبنا، والنهوض مجددا بقوة لمقارعة الدكتاتورية العارفية التي لبست لباس الدين والعروبة. وتم التثقيف بأهمية هذه الانتخابات الاضطرارية في كل القاعات، واعلن الكثير من الزملاء ترشيح انفسهم لهذه اللجان، وكانت ألمنافسة جدية بين المرشحين وبروح رفاقية، حتى في الغرف الصغيرة التي لايتجاوز عدد قاطنيها 20 فردا كان لها اكثر من مرشح. كان المعتاد في كل السجون وفي كل الظروف ان تشرف المنظمة الحزبية على تعين ممثلي القاعات وممثلنا امام ادارة السجن لنقل مطالب السجناء وتنظيم العلاقة بين الادارة والسجناء. لكن الظروف التي عاشها العراق وخاصة الحزب الشيوعي بسبب التصفيات الدموية لقياداته، وما أصاب تنظيماته من ضربة شرسة ادت الى تدمير وتفكك معظم تنظيمات الحزب، لذلك تعددت القنوات الحزبية وتقاطعت فيما بينها في احيانا كثيرة، مما ساعد على ان تسود حالات من اليأس والتشكيك بين الكثيرين في مصداقية هذه الأقنية. فكان القرار الذي اتخذه السجناء في سجن الحلة قرارا جريئا ومتقدما على الفكر السائد في تلك الحقبة التأريخية الصعبة، كما عزز الروح الديمقراطية والثقة والوحدة بين السجناء. وسنرى ردود فعل سلبية من بعض التنظيمات الحزبية المستقرة والفاعلة واخص هنا موقف التنظيم الحزبي في سجن نقرة السلمان، وهذا ما ساتطرق له في السطور القادمة. كانت نتائج الانتخابات ايجابية اكثر مما توقعنا حيث فازت العناصر التي مازالت ملتزمه بمباديء الحزب وذات معنويات عالية ومواقف صلبة وشجاعة.

انتخب لتمثيل السجناء الاستاذ حميد سعود طيب الله ثراه وهو مدرس من منطقة ديالى واعتقد من مدينة المقدادية. كان حميد سعود (ابو سلام) واضح في طروحاته ملتزم ويتصرف كشيوعي فكرا وعملا، وامتازت علاقاته الاجتماعية داخل السجن بالبساطة والشعبية ورغبته الجادة في التعاون مع الجميع لحل المشاكل التي تواجه السجناء. ورغم قصر فترة عمله، تمكن وبمساعدة زملائه في اللجنة من وضع حد للشكوك والاتهامات واللاأبالية التي سادت في السجن، وذلك من خلال التخطيط لعقد اجتماعات علنية للقاعات وتدارس مشاكل السجناء والاستماع الى ارائهم وانتقاداتهم ومناقشتها بجدية، واصبحنا اكبر قدرة على طرح مطالبنا للأدارة والعمل على ايجاد حلول افضل لمشاكلنا اليومية من خلال حوار ممثلنا ورفاقه مع الأدارة. ونتج عن هذه الانتخابات الديمقراطية منظمة موحدة وقوية قادرة على تنظيم حياة السجناء، كما تم الاقرار بضرورة الاستفادة من تعدد مصادر المعلومات لعدم وجود ركيزة واحدة في داخل السجن بسبب الاعتماد على المبادرات الفردية لبعض السجناء.

بعد اسابيع من تولي حميد سعود لمسؤوليته، قرأنا في ألصحف الرسمية براءة بأسم جندي أسمه حميد سعود، وكانت هذه الصحف تطالعنا يوميا بمثل هذه البراءات. وفي اجتماع عام للسجناء بادر حميد سعود لتوضيح هذا الالتباس وقرر ان ينشر توضيحا في نفس الصحيفة، ملخصه بان المدرس حميد سعود من مدينة ديالى والسجين حاليا في سجن الحلة ليس هو صاحب البراءة التي نشرت بأسم الجندي حميد سعود، لم يكن حميد مجبرا على نشر مثل هذا الإيضاح لأن البراءة منشورة بأسم جندي، ومع هذا كان قرار الراحل حميد سعود قرار فيه تحدي لسياسة الدولة التي مارست اسلوب الإسقاط السياسي من خلال نشر البراءات السيئة الصيت، وقد قوبل موقفه الشجاع هذا بإستحسان وتشجيع من قبل الجميع وترك اثره الأيجابي على معنويات الجميع للوقوف بشجاعة والصمود امام اغراءات الدولة للمتبرئين. لم نكن نتوقع ان ينشر ايضاحه، لان ألصحافة في ظل حكم عبد السلام عارف كانت تعبر وتطبل لسياسته ألمعادية لكل ماهو ديمقراطي وتقدمي بالرغم من رفعها شعارات اشتراكية، كما أن نشر ألإضاح يعتبر تحدي لسياسة السلطة التي كان يرأسها عبد السلام عارف وتتنافى مع نهجها في كسر معنويات السجناء وأذلالهم من خلال دفعهم على البراءة السيئة الصيت. نُشر ألايضاح بعد أيام واطلع جميع السجناء عليه وقرأ في القاعات. وكان الثمن الذي كلف حميد سعود لنشر ايضاحه هو إبعاده الى سجن نقرة السلمان، حيث وصل كتاب رسمي من وزارة الداخلية بعد ايام من نشر الايضاح لنقل حميد سعود الى سجن نقرة السلمان.

ودعنا رفيقنا حميد سعود اسفين لفراقه وابتعاده بعد ان ساهم بفعالية في تقوية وحدة السجناء، وتاسيس لجنة قوية وواعية سياسيا لأدارة شؤننا. وكانت من أهم نشاطات هذه اللجنة متابعة مشاكل السجناء وتقديم العون الاقتصادي للمحتاجين منهم. وواصل سجناء سجن الحلة ألتقاليد ألشيوعية في كتابة نشرة ألأخبار، لإطلاع ألسجناء على مايدور في ألعالم. لم تكتب نشرات على عدد ألقاعات بسبب كثرة ألقاعات وصغر بعضها، فكنا نكتب ثلاثة نسخ ويتم تداولها بين ألقاعات. عندما تصل نسخة ألأخبار ألى ألقاعة يخرج أحد نزلاء ألقاعة ألى خارجها لينادي بصوت عال: زملاء قاعة رقم (2 مثلا) حلويات، والكل يعرف أن ألمقصود بالحلويات يعني وصول نشرة الأخبار وسوف تقرأ. وكان ألسجانة يسمعون يوميا دعوة نزلاء القاعات للحلويات ويستغربون ويتسائلون عن سبب كثرة تناولنا للحلويات!.

بعد سفر حميد سعود مصطحبا معه عددين من الصحيفة الرسمية التي نشرت فيها البراءة و الأيضاح، معتقدا ان هذا الموقف الجريء والمتحدي منه سيعزز ثقة سجناء نقرة السلمان به. وقد تفاجأ رفيقنا بموقف المنظمة في نقرة السلمان، وشككوا بمصداقية ادعائه وما نشر في العددين واعتبروا ذلك عملية مرتبة ومفتعلة لكسب ثقتهم والاندساس! كما كانت لجنة التنظيم في نقرة السلمان متحفظة عل خطوة سجناء الحلة في اجراء ألأنتخابات لأختيار ممثلي القاعات ولجنة ادارة شؤونهم الحياتية، واعتبروا عملية اجراء الانتخابات يراد منها ابعاد جماهير الحزب في السجون عن الحزب وشق وحدة السجناء، واعتبروا هذا التصرف مخالف للتقاليد الشيوعية في السجون والتي اعتاد عليها السجناء منذ ايام مؤسس الحزب الخالد فهد. لذلك اتخذوا منه موقفا سلبيا ومشككا ولم يثقوا به مطلقا، وخصصوا له مكانا في قاعة رقم واحد وهي قاعة خصصت للعناصر الضعيفة والمترددة والمنهارة والتي تعاونت بلا حدود مع السلطات التحقيقية، وكان يطلق عليها بعض المتشددين من السجناء اسم المستنقع!! وتقبل الراحل هذا الموقف بصبر وسعة صدر وتفهم وسكن في القاعة رقم واحد دون ان تتأثر معنوياته او ان يتخذ موقفا سلبيا او معاديا من المنظمة. وكانت منظمة الحزب في نقرة السلمان من المنظمات الأكثر تنظيما لوجود رفاق قياديين فيها امثال الراحل عبد الوهاب طاهر والراحل سامي احمد والراحل عباس بغدادي وغيرهم الكثيرين من الذين نجوا من تحقيقات الحرس القومي واساليبه البربرية في التعذيب، اضافة الى عدد غير قليل من الكوادر الحزبية المجربة والمتحمسة لمعاودة نشاطها وعملها في صفوف الحزب. لم تكن منظمة النقرة قادرة على استيعاب وفهم دوافع قرار اجراء انتخابات في سجن الحلة، لذلك كان موقفهم سلبيا من العملية، وكان موقف منظمة سجن النقرة طبيعيا في تلك الفترة كونها منظمة قوية ويقف على رأسها رفاق مرشحين للجنة المركزية واعضاء منطقة ولم يتعرضوا للتحقيقات ولهم دورا مشهودا في اعادة تنظيم الحزب خارج السجن.

كانت سياسة السلطة ذات التوجهات العروبية برئاسة عبد السلام عارف، تعمل على كسر شوكة الشيوعيين من خلال نشر البرآءات ألسيئة الصيت في الصحف الرسمية وغير الرسمية، وكانت تطلب البرآءة من كل مواطن سبق وان اعتقل واطلق سراحه وبدء رحلة البحث عن عمل، لمساومته أما البرآءة او البطالة وتعريض عائلته الى ألجوع والفقر، أي كانت تساوم المناضلين بالبراءة مقابل عودتهم للعمل. حتى المجلس العرفي الاول والثاني، في كثير من جلساتهما كان رئيس المحكمة يساوم المتهمين من شيوعيين واصدقائهم على الافراج عنهم مقابل اعلانهم البراءة من الحزب الشيوعي العراقي. وللاسف ولاسباب كثيرة، منها شراسة الضربة التي وجهت للحزب الشيوعي والحقت اذا كبيرا في تنظيماته واستشهاد قادته في التصفيات البربرية، كل ذلك ادى الى الاحباط، والضعف والتردد وحتى التشكيك بالقيادات الجديدة، وفي احيان كثيرة أثرت بصورة سلبية الظروف المعاشية الصعبة التي يعاني منها صاحب البراءة وعائلته، لذلك كانت البراءات تطالعنا في الصحف يوميا حتى جاءت قصيدة الشاعر الرائع مظفر النواب (ألبراءة) وأنتشرت بين السجناء، فكانت العلاج لهذا ألاسلوب اللانساني والمسيء لكرامة الانسان العراقي وهو سلب رخيص لانسانية المواطن العراقي وحرمانه من حرية التفكير. كان تأثير قصيدة مظفر النواب على جميع السجناء تأثيرا سحريا، فرفعت من معنوياتهم وصمودهم، وكنا نتغنى بها ونتلوها في اجتماعاتنا الترفيهية. وقد تجاوز تأثير القصيدة حدود واسوار السجن وتناقلها ألأصدقاء خارج السجن، واصبحت هذه القصيدة شهادة ادانة قوية لنظام سياسي يريد ان يمسخ الشخصية العراقية من خلال اذلالها بإسم العروبة والدين. ورغم مافي القصيدة من معان ومفاهيم قاسية، كانت وليدة ظروف دموية وشاذة، ورد فعل على ممارسات مذلة ومهينة، سادت فيها مفاهيم الصمود والتحدي لأثبات الوجود والمواصلة، فقد تقبلها الجميع سجناءً واحراراً بما فيهم هؤلاء الذين اعلنوا براءتهم. كانت قصيدة مظفر بصورتين الاولى الام والثانية الاخت وأجد هنا ضرورة نشر القصيدة لأطلاع أجيالنا الشابة عليها:

ألام
يابني ضلعك من رجيته
لضلعي جبرته وبنيته
يبني طش العمه بعيني
واجيتك بعين الگلب (القلب) أدبي علَ الدرب المشيته
شيلة العلاگه يبني
أذكر جفوفك عليهن وبيك أناغي لكل فرح عرسي النسيته
يبني والليل اللي تنامه الناس فصلته سهر لخطوط حزبك
والحجي ألزين الحجته
يبني ابني الجلب يرضع من حليبي
ولاابن يشمرلي خبزه من البراءة
يبني ياكلني الجرب لحم وعظم
وتموت عيني ولاالدناءة
يبني لا تثلم شرفنا
يبني ياوليدي البراءة تظل مدى الايام عفنه
تدري ياابني بكل براءة
كل شهيد من الشعب
ينعاد دفنه
وخلي ايدك على شيبي
واحلف بطاهر حليبي
كطرة ...... كطرة
وبنظر عيني العميته
كلي ما أهدم حزب بيدي بنيته

ألاخت
خويه گابلت السجن حر وبرد
اتحملت لاجلك شتايم على عرضي واحرگت بالليل ناري
تالي تهتكني بخلك وصلة جريده
بهاي ياخويه جازيت أنتظاري
وبهاي ياخوية جزات الخير ودموعي ومراري
جنت ارضه تذبح بطني جنيني
ولابرآءة عار متبرگع تجيني وهاك اخذ عار الجريده
ولف ضميرك وعار أسمنه ياشعب هذا التشوفه موش ابنه

وبالمناسبة اتذكر مواقف شقيقات وزوجات وامهات لسجناء ومعتقلين كان لمواقفهن الشجاعة والمشجعة اثر كبير على صمود ازواجهن واشقاؤهن وابناؤهن. ومن هذه المواقف زوجة فلاح كان معتقلا معنا في كربلاء، فصنع قلادة من النمنم لزوجته وقدمها لها اثناء زيارتها له، فرفضت الزوجة استلامها معلقة: البس انت هذه القلادة! مشيرة لموقفه الضعيف في التحقيق! وكان هذا الموقف من الزوجة ايام الحرس القومي وقبل قصيدة مظفر النواب.

تولى مسؤولية تمثيل السجناء بعد ابو سلام المهندس شاطى عودة (ابو سمير) طيب الله ثراه، وكانت تربطنا به علاقة صداقة قبل ان نلتقي به في السجن، تميز ابو سمير بهدوءه، وحديثه ألدافئ مع ألاخرين، وأهتمامه بملاحظات ألسجناء، إضافة الى إلتزامه ألفكري. واصل شاطيء عودة السير على نفس النهج في ادارة شؤون السجناء وتعزيز وحدتهم وثقتهم بالقيادات التنظيمية. واستمرت لجنة شؤون السجناء المنتخبة بعقد لقاءات دورية واستثنائية كلما اقتضت الضرورة لمناقشة مشاكل السجناء والقاعات والمقترحات لتطوير وتحسين حياتنا وادارة اسلوب التعامل المجدي مع الأدارة.

وتمكنا من اقناع الادارة لبناء حممامات جديدة، وقد ساهم الزملاء المهندسون والفنيون في تصميم وبناء هذه الحمامات في السجن الجديد. وتم انجاز هذا المشروع واصبح بأمكان السجناء السياسيين والعاديين من الأستحمام بالماء الحار وكأننا في حمام السوق (الحمام العربي). ويسع هذا الحمام بحدود 8 اشخاص للوجبة الواحدة. ونظمنا ادارته والاشراف عليه من خلال خفارات شارك فيها حتى السجناء العاديون. استقرت الاوضاع في السجن واصبح دور التنظيم اقوى وتوحد السجناء حول تنظيمهم. وشجعت المنظمة النشاطات الثقافية الهادفة، وبادر الكثيرون لأقامة نشاطات ادبية وشعرية من خلال ندوات عامة او ندوات خاصة لبعض القاعات. كما كانت النشاطات الرياضية هي الاخرى احد جوانب حياتنا اليومية، فكانت هناك فرق لكرة الطائرة وكنا نتمتع بمشاهدة هذه السباقات عصرا، وحتى الملاكمة كنا نتمتع بمشاهدة منافساتها وكان فريق الملاكمة لايخلُ من ابطال عراقيين في الملاكمة مثل الملاكم سامي (لا أتذكر اسمه الكامل للأسف) واعتقد انه كان من ابطال فريق الجيش بالملاكمة.



كاتب المذكرات في وسط ساحة ألسجن ألجديد في الحلة يغسل ملابسه عام 1964
ومن ألخلف بعيدا يظهر جزء من القهوة الخاصة بتحضير ألشاي


تجاوزت علاقتي بوالدي علاقة الأب بإبنه، فكان لي ألأب والأخ والصديق. وكان يناديني بكلمة زميل مثلما كنت اناديه، وكثيرا ماكنا نتبادل المزاح والنكات بإحترام متبادل مما يثير دهشة بقية الزملاء، وكنا نمضي كثير من الوقت نتمشى في ساحة السجن وقد تشابكت ايدينا وهو يقص علي تجاربه الحياتية كأننا صديقين يحسدنا الكثيرون على هذه الصداقة. كنت اهتم به فأقوم بغسل ملابسه وترتيبها، وتحضير وجبة الطعام او تحسينها من خلال اضافة ماتوفر لنا من معلبات وغيرها من مواد غذائية. وكنا دائما نذهب للاستحمام سوية مع مجموعة من الاصدقاء من بينهم جواد الرفيعي، والشيخ الشهيد عبد الجبار الاعظمي طيب الله ثراه الذي قتل بعمل اجرامي من تدبير المخابرات العراقيه كان الهدف منه اغتيال القائد الكردي مصطفى البرزاني، وكان يمازحني ألوالد بقوله لي سوف تشتغل حمامجي. لكثرة ملازمتي للوالد واهتمامي به، وكان هذا الاهتمام متبادل، اصبحنا افضل زميلين حتى انه في احد نشاطات القاعة منحنا جائزة كافضل زميلين بالرغم من فارق السن كبير بيننا!! حيث ان عمر والدي 50 بينما انا 19، وهذا الاختلاف الكبير بالسن يتناقض مع الانسجام والاحترام الذي كان سائدا بيننا. وكان كثير من الزملاء الذين لم يسبق ان تعارفنا معهم معجبون بزمالتنا ويعتقدون انه لاتوجد اية رابطه بيننا سوى زمالة السجن.

كانت زيارات العوائل لمقابلتنا مرة واحدة في الشهر. وكنا نتهيأ لهذه الزيارات من الليل، وذلك بكوي ملابسنا من خلال ترتيبها ووضعها في طيات الفراش الذي ننام عليه! والكثير منا وخاصة الشباب تجده ممسكا بالمرآة ليحدد شاربه ولحيته استعدادا لمقابلة حبيبته او شقيقاته وامه وربما حتى اصدقائه. وفي صباح يوم الزيارة نستيقض مبكرين لنحلق لحانا ونغسل رؤوسنا ونتعطر ونلبس اجمل ملابسنا التي كويناها بثقل اجسامنا. كانت الزيارات تتم في الرواق العريض الذي يحيط بأقسام السجن، والرواق عرضه يزيد عن 3م وهو يفصل أقسام السجن عن مباني السجن الأدارية. يسمح للعوائل بالدخول الى الرواق بعد تفتيش افرادها وتفتيش حتى المواد الغذائية، واحيانا يتخابث بعض افراد الشرطة بفتح وتهشيم الكبة والكيك والدولمة بحجة البحث عن رسائل حزبية، وكثيرا مايكون التفتيش استفزازيا وخاصة مع النساء. وفي أيامنا هذه نسمع بالأدانات لمدعين عروبيين واسلامين في العراق وفي الدول العربية للممارسات الامريكية المهينة لأبناء شعبنا اثناء دخولهم البيوت، وهذه الممارسات كان العروبيون خلال سلطة انقلاب 8 شباط وبعدها في عهد عبد السلام عارف سباقون اليها وربما استفاد المحتل من خبرتهم في مجال انتهاك حقوق الانسان، وهذا لايعني ابدا انني مع هذه الممارسات المذلة والمهينة للمجتمع العراقي تحت اي ظرف كان ومن اية جهة كانت، ولكن اين كانوا العروبيون والاسلاميون عندما انتهكت كرامة الانسان العراقي وانتهكت نساء العراق في تلك الازمنة السوداء. بعد دخول العوائل تفتح ابواب الاقسام ونخرج لمقابلة عوائلنا ونحن نحمل معنا البطانيات لنستعملها كفراش للجلوس. فتكون اللقاءات حارة وقلبية، ترى الام والاخت والابنة فيها تحتضن الابن والزوج والاخ والاب، وكثير من الزوجات اعتقل ازواجهن يوم دخلته او زفافه فتجد الزوجة تجلس بالقرب من زوجها خجولة تشد من معنوياته وتعاهده على الوفاء. تجلس العوائل متقاربة وتتبادل الاحاديث والاخبار والنكات وتتعارف وتقيم صداقات جديدة فيما بينها. وخلال وجودنا في السجن ورغم الصعوبات الماليه التي تعاني منها العائلة بسبب فصل والدي وانحسار دخل العائلة الى اقل من النصف، كانت والدتي وشقيقاتي لايتخلفن عن اية زيارة لنا، واحيانا تزورنا عمتي فضيلة (ام فردوس) وخالتي أم عبودي طيب الله ثراهن. وفي كل زيارة كانت الوالدة تجلب لنا الطعام، والفاكهة وما نحتاجه من صابون وشامبو وملابس وغيرها من احتياجات.

كانت حياتنا في السجن حياة تضامنية بحيث يخرج للمواجهات حتى السجناء الذين لم تاتي عوائلهم لزيارتهم لظروف قاهرة وكانوا هؤلاء الزملاء يشاركون عوائلنا الجلسات والاحاديث. وبعد انتهاء الزيارات، نسلم الاطعمة التي وصلتنا للجنة القاعة والتي تقوم على توزيعه على سفرة جماعية لتناول وجبة الطعام بشراكة الجميع. واذكر في احدى الزيارات وصلنا من فاكهة المشمش كمية كبيرة جدا. ولما كان الجو حار ولانملك ثلاجات لحفظه وخوفا من تلفه، قرر المشرفون على المخازن الاستفادة من الناضج جدا منه وتحويله الى شربت. واكثر الزملاء من تناول هذا الشربت حتى اخذ مفعوله في الجو الحار، وتزاحم معظم السجناء للانتظار امام المرافق الصحية وهم يتندرون على بعضهم!


يـتـبـع

 


(1) – في الواقع ان غرف (ردهات، او القاووش، او القاعات) السجن لاتسع هذه الاعداد التي ذكرتها، وحتى لاتسع نصف الاعداد المذكورة، لكن الازدحام في السجن يضطرنا الى التراصف بحيث اصبحت في بعض الاوقات ان عرض المسافة المخصصة لكل سجين لاتتجاوز 40 سم وحتى اقل من ذلك!!

 

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الأثنين 17/7/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة