ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


 

هاشم جلاب ... ذاكرة حية وتاريخ ناصع
خمس وستون عاما في سبيل الوطن الحر والشعب السعيد


نجم خطاوي

الحديث مع رفاق الحزب القدامى , له نكهة خاصة , مبعثها روح الحماسة والصدق الذي يجمل أحاديثهم الممزوجة بتفاصيل الأحداث وغناها , وبطراوة روح القص ودقته , رغم تباعد الزمن . هذه الفكرة راودتني وأنا في السيارة التي أقلتنا من مدينة الكوت , صوب مدينة الحي , ظهيرة الحادي عشر من حزيران , قاصدين زيارة الرفيق العزيز هاشم جلاب ( أبو نزار ) , أو ( هاشم الواسطي ) , كما كان يسميه الرفيقين فهد وزكي بسيم .

لم يكن هدف الزيارة الأساس , إجراء مقابلة , أو كتابة ريبورتاج صحفي , بل كانت ضمن مشروع بدأته منظمة الحزب في واسط , وبالتعاون مع بعض الرفاق , في سبيل توثيق تاريخ الحزب في محافظة واسط . وكان ما يبعث على السرور , الحماسة التي أبداها الرفيق فتاح طه دخيل ( أبو ثبات ) , سكرتير لجنة الحزب المحلية في واسط , في إنجاز هذه الزيارة , واللقاء بالرفيق ( أبو نزار ) , كما أن حضور الرفيق ( أبو فرات ) من منظمة الحي , وتذكره لبعض الأحداث والأشخاص , قد أضاف للزيارة بهجة وحرارة .

هاشم جلاب , الشيوعي المخضرم الذي لم تزل ذاكرته تحتفظ بكل تفاصيل وأحداث السنوات التي جاوزت الخمس والستين في مسيرة حياته الكفاحية . منتصف عام 1978 , كانت المرة الأخيرة التي رأيته فيها , في مقر محلية الحزب الشيوعي العراقي في مدينة الكوت , في منطقة الحاوي , وكان يومها يمثل الحزب في لجنة الجبهة , إضافة لمهماته الحزبية والسياسية الكثيرة .

طلعته البهية الريفية , وحديثه الشيق , وحماسه , تضيف لشخصيته خصالا جميلة , تؤطرها مزايا الثوري الذي حنكته الخبر والتجارب . يحادثك عن الفلسفة والاقتصاد وصراع الطبقات والأدب , بالطريقة الشعبية التي فهم بها هذه الكلمات يوما , في السجون , وفي الخلايا التي تنقل فيها .

فرح طفولي غمر وجهه وهو يستقبلنا في بيته وسط مدينة الحي , وهو بكل حيويته وحماسه , قاهرا منغصات المرض وتقادم السنوات .

- ( ولدت في مدينة الحي , وفيها نشأت ودرست . أردت أن أكمل المدرسة , لكن الظروف اضطرتني لتركها , بسبب وفاة والدي , ولم أتجاوز حينها العشرين من عمري . عشقت الرياضة منذ صغر سني , وكنت أمارسها في الشارع , وفي المدرسة , في مدينة الحي , ومن ثم في مدينة العمارة , التي انتقلت للسكن فيها . وربما يكون شغفي بالرياضة هو السبب الذي قادني صوب الشيوعية , والحزب الشيوعي العراقي .

في أوائل أربعينات القرن الماضي , في مدينة العمارة , وفي واحدة من مدارسها , تعرفت على المدرس الشيوعي ( موسى محمد نور ) , وكان يومها مدرسا لمادة الرياضة , وكنت محبا لها , وبسبب كرهي للإنكليز وحبي للرياضة , وثقت علاقتي مع أستاذي الشيوعي ( موسى محمد نور ) , الذي بدأ يزودني بالنشرات والجرائد الشيوعية. )

هاشم جلاب , ذاكرة حية نابضة لم يعطبها تقادم الزمن ولا ويلاته المتلاحقة . حبه والتصاقه بالأحداث التي عاشها , يجعله يسترسل فرحا في سردها , محاولا تجنب مشكلة ازدحامها في الذاكرة , التي لا ترحم في كل مرة . وحين تعود به الذاكرة لتلك الأيام التي جمعته بالرفيقين الخالدين يوسف سلمان ( فهد ) , وزكي محمد يسيم ( حازم ) , ترى البهجة تغمر قسمات وجهه الفلاحي الأسمر .

- ( تركت مدينة العمارة متوجها إلى بغداد , وفيها وبمساعدة الحزب عينت مفتشا في مصلحة نقل الركاب . وهناك التقيت الرفيق زكي محمد بسيم ( حازم ) , وتوطدت علاقتي الصداقية والتنظيمية به , وكلفت وقتها بمهمات حزبية عديدة . جنب الباب الخلفي لوزارة الدفاع العراقية , وفي غرفة صغيرة من غرف الدائرة الحكومية التي كان يعمل فيها الرفيق زكي بسيم موظفا , كنت أقابله ليعطيني النشرات والجرائد الحزبية , لكي أقوم بتوزيعها لاحقا على الرفاق . كنت مكلفا عن التنظيم في منطقة الكرادة الشرقية في بغداد , وكانت لنا خلايا شيوعية في ( اخيته , ألبو شجاع , أبو أقلام ,اليوسفانه , حسين المحمد , الزويه . )

تكاد الدموع تغمر عينيه وهو يستذكر الرفيق زكي بسيم , متحدثا عن طيبته , وبساطته , وحزمه , وقدراته التنظيمية . في منتصف الأربعينات شهدت بغداد إضرابا للعمال الجباة في سيارات مصلحة نقل الركاب في العاصمة , وكان هاشم جلاب ( أبو نزار ) يعمل يومها مفتشا في هذه الدائرة , وكان من المحركين والداعين لهذا الإضراب . ويبدو أن الحزب قد كلفه بكتابة وإعداد بيان تضامني مع المضربين , وكلفه بتوزيعه وسط المضربين , لكن ( أبو نزار ) لم يشأ أن يوزع البيان وسط المضربين . وكانت له حجته :

- ( في إحدى المرات التي جمعتني بالرفيق الخالد فهد سوية في سجن الكوت , قال لي مازحا :

- أتذكر يا واسطي يوم جبنت !

وقد صدمني حديثه , وكان يجلس جنبي الرفيق زكي بسيم , الذي يبدو قد تذكر سبب مزاح الرفيق فهد معي , وضحك , ومعه بقية الرفاق .

قلت لا تظن السوء بي يا رفيقي العزيز , لا أذكر أني قد جبنت يوما في حياتي .

وذكرني بقصة رفضي توزيع البيان وسط المضربين من جباة مصلحة نقل الركاب .

وحدثته عن السبب الذي دفعني لعدم توزيع البيان يومها , وهو خشيتي من أن توجه تهمة القيام بالإضراب للحزب الشيوعي العراقي , وكانت قضية تكتيكية , إذ قمنا بتوزيع البيان بعد أيام من قيام الإضراب , وكان بيانا تضامنيا مهيبا . أجاب الرفيق فهد مبتسما :

- لقد كنت على حق يا واسطي , الحزب يعرفك ويعرف مواقفك . )

في بغداد ساهم الرفيق هاشم في الإضرابات والمظاهرات العمالية والجماهيرية التي عمت العاصمة منتصف أربعينات القرن الماضي , وفي مجالات العمل الحزبي والنقابي . وفي عام 1947 كلفه الحزب بالذهاب إلى مدينته الحي لتكوين خلايا شيوعية فيها . في مدينة الحي مدينته , كان له شرف قيادة أول مظاهرة جماهيرية للتنديد بقرار تقسيم فلسطين 1948 , وكان معه رفاقه ( كاظم نصيف وجعفر ونجم محمد وعبد الرزاق جشعم ) . ومن ذكرياته , مشاركته في نشاطات منظمة عصبة مكافحة الصهيونية التي تأسست أواخر الأربعينات , وكان يحضر بعض اجتماعاتها في دار الصيدلي ( ناجي ) في منطقة الكرخ .

- ( في مدينة الحي بدأت بتشكيل أول خلية شيوعية وكانت تضم ( كاظم نصيف , عبد الرضا ملا هويش , نجم محمد , جعفر شكاك البطون , عبد الرزاق جمعة ) , كما انضم إلينا لاحقا بعض الطلبة الذين قدموا من مدينة الشطرة ( بيت الشعراف ) . كنا نقوم ببعض النشاطات الجماهيرية كالمظاهرات .

ومن أجل العيش أنشأت مقهى وسط المدينة , وكان المكان أشبه بالبيت الذي يجمع أهالي المدينة والقادمون من الريف , وصار بمثابة الملتقى للشيوعيين والوطنيين . كما قمت لاحقا بفتح مكتبة لبيع الكتب , وكان الناس يستعيرون ويقرؤون الكتب الماركسية والثورية بالمجان , أما الكتب الأخرى فيدفعون مقابل قراءتها مبالغ رمزية , وقد ساعدت هذه المكتبة على نشر الأفكار الثورية والتقدمية وسط شبيبة المدينة . )

لم يكن القيام بالنشاطات السياسية , وخصوصا الدعاية للشيوعية وللحزب الشيوعي العراقي بالأمر السهل والهين , خصوصا في المدن التي يتحكم فيها الإقطاعيون , وكان لهم كل الحل والربط هناك , وبدعم من سلطات النظام الملكي الذين يشكلون دعامته الرئيسية .

ولم يكن حال ( أ أبو نزار ) سهلا , وهو يدعو للشيوعية , والأرض للفلاح , والمساواة , وعلى مقربة بعض أمتار فقط من دار أحد اكبر الإقطاعيين في ريف الحي , الشيخ عبد الله الياسين .

- ( كانت علاقتي طيبة بجميع الناس , وكنت شابا قويا ورياضيا , ودار من حولي الكثير من الناس مؤيدين لأفكاري . ولم يرق لبعض الشيوخ والمتننفذين , مشاهدة وسماع من يدعو لتصفية تحكمهم وقهرهم للفلاحين والناس عموما , وبدءوا بمضايقتي وبأشكال مختلفة . في مرة حاولوا مهاجمتي , فخرجت لهم بالعصا الغليظة التي كنت املكها فهربوا . وبعد فشل كل محاولاتهم , أخذوني إلى دار الشيخ عبد الله الياسين , وكان من كبار الإقطاعيين , وله النفوذ والسلطة المطلقتين في المنطقة . أحضرني رجال الشيخ إلى المضيف . في واجهة المضيف , كان الشيخ يجلس ومعه أعوانه . دخلت بكل صومعتي , وبكل كبرياء الشيوعي , مستمدا القوة من الناس , وسلمت على الحضور , ولم أقبل يده , وقلت له مباشرة دون أن أعطيه فرصة الكلام :

أنا هاشم جلاب ... ما الذي تريدونه مني !!! هل فعلت ما يؤذي الناس والبلد ؟ لماذا تحاربوني في عيشي ؟

وكانوا يومها يريدون هدم الكوخ البسيط الذي بنيته في المدينة وكنت أتخذ منه سكنا . )

في هذه الفترة , كان أبو نزار يتردد على العاصمة بغداد , وكان في كل مرة يزور فيها العاصمة , يلتقي الرفيق زكي بسيم وبقية الرفاق , ليطلعهم على تفصيلات الأوضاع في منطقة الحي والكوت عموما , ويستلم التوجيهات والأدبيات من صحف وبيانات وغيرها . ولم تدم هذه الفترة طويلا بسبب المضايقات الكثيرة لرجالات شرطة وآمن النظام الملكي , الذين يعتقلون الرفيق هاشم , ويودعوه سجينا في سجن الكوت . وفي هذا السجن جمعته ذكريات جميلة ومؤثرة بالرفاق فهد وحازم وآبو العيس , وبقية الرفاق .

- ( كان عددنا كبيرا داخل السجن , وكنت مكلفا بمهمة المواجهات مع دائرة السجن . في داخل السجن , كانت تنظم لنا دورات في النظرية , والاقتصاد , وغيرها من المواد , دخلت في واحدة من هذه الدورات , وكانت حلقة لتدريس الاقتصاد السياسي . وأتذكر أن الرفيق فهد قد وجه مرة نقدا للرفيق محمد حسين أبو العيس , لعدم حضوره درسا كان المحاضر فيه الرفيق زكي بسيم , فما كان من الرفيق أبو العيس سوى الذهاب والمشاركة في ذلك الدرس . كانت شخصية الرفيق فهد قوية ومؤثرة وجذابة , وكان الجميع يحترموه ويهابوه , وحتى رجال الشرطة ودائرة السجن . مرة زارنا مدير السجون العام وكنا في حينها مضربين عن تناول الطعام , وطلب مواجهة الرفيق فهد ( هكذا كان اسمه في السجن ) , وبعد المقابلة حاول مدير السجون العام تهديد الرفيق فهد والسجناء قائلا :

- إنكم قد قدمتم العشرات من القتلى في شوارع بغداد , ويمكنكم تقديم مثلها هنا في سجن الكوت .

فما كان من الرفيق فهد سوى أن خاطبه :

- أن يذهب إلى حكومته ويقول لها بان إضرابنا عن الطعام سنكمله بإضرابنا عن شرب الماء إذا لم تنفذوا مطالبنا .

وبعد أيام من عودة مدير السجون إلى بغداد تقرر فك القيود من أقدام الرفيق فهد التي كان مكبلا بها , وتقرر الاعتراف بنا كسجناء سياسيين . في سجن الكوت كان معنا الشاعر زاهد محمد , وهو من أصدقائي الأعزاء وجمعتني وإياه ذكريات نضالية جميلة في مدينتنا الحي , كما كان معنا المحامي فوزي الأحمر . وكان أعوان النظام قد نقلوا مجموعة من السجناء من أهالي الحي والكوت إلى سجن الخيالة داخل المدينة , والذي لا يبعد كثيرا عن سجن الكوت , ومنهم , حميد أبو حسن , سيد عبد , عبد الله حاجي حسين , وغيرهم . )

في عام 1949 أعدمت سلطات العهد الملكي الرفاق فهد وزكي بسيم والشبيبي , وكان وقع هذا الخبر مؤثرا وحزينا في قلوب الناس والرفاق الذين عايشوهم , وبالخصوص رفيقنا هاشم جلاب الذي جمعته وإياهم ذكريات ومواقف كثيرة . كان أبو نزار وقتها سجينا في منفى بدرة , الذي ابعد إليه ومجموعة من السجناء , وفيه مكث قرابة العام . في منفى بدرة لعب أبو نزار دورا طيبا في إعادة اللحمة بين المبعدين بعد المناورات الخبيثة التي قامت بها الشرطة هناك لزرع الفتنة بينهم . ومن ذكرياته عن بدرة ومنفاها , تلك الساعات المصيرية يوم فاض نهرها ( الكلال ) وأغرق المدينة .

- ( كنا جميعا ( سجناء وأهالي ) نرقب مياه النهر المتدفقة حاول رجال الشرطة تعبير بنت وابن القائمقام الصغار إلى الجهة الثانية من النهر لإنقاذهم , وكان تدفق الماء قويا فأنقلب الحصان وكاد الأطفال أن يغرقوا في مياه ( الكلال ) فما كان مني وأنا السجين المبعد سوى أن أغوص في الماء وبملابسي وكافحت وقتا طويلا لإنقاذ الطفلين , حتى تمكنت من إنقاذهما . )

كان الوقت يمر سريعا دون أن نستشعره , والرفيقان فتاح طه ( أبو ثبات ) وأبو فرات , يحاولان بكل جهد , مساعدة العزيز أبو نزار في استذكار الكثير من المواقف التاريخية والأحداث التي لم تسعها ساعات زيارتنا القصيرة .

ومن الأحداث المصيرية في تاريخ الحزب , يتذكر أبو نزار جيدا , تلك الأيام التي مرت على الحزب بعد محاولة شقه في عام 1967 .

- ( طلبت من الرفيق المشرف القادم من بغداد أن أكون أول المتكلمين في الاجتماع الذي عقدته قيادة تنظيم الحزب في الكوت والذي عقد في بيت شعر في منطقة ثلث الجزرة في ريف الحي , وكان المنشقون قد حاولوا السيطرة على الكثير من الهيئات الحزبية . قلت يومها إن المرء لا يلدغ من جحر مرتين , وقد مرت على حزبنا وغيره من الأحزاب الشيوعية الكثير من التجارب التي علينا الاستفادة منها , ولا يجوز لنا شق الحزب , وعلينا التعبير والكفاح عن وجهات نظرنا داخل الحزب , وأحاديث كثيرة لا أذكرها . وبعد إتمام الاجتماع فشلت محاولات البعض في شق منظمة الكوت يومها . وعادت المنظمة موحدة . )

لم يكن حظنا مع الكهرباء سعيدا في تلك الزيارة , لكن الحر الشديد بردته عذوبة الذكريات , وطراوتها , وقيمتها التاريخية . كنت أتطلع للرفيق هاشم جلاب ( أبو نزار ) الذي اجلس جنبه وأحاوره , في نفس اللحظة التي أتتطلع فيها لملامح الرفيق فتاح طه ( أبو ثبات ) سكرتير محلية الحزب في محافظة واسط , الذي يجلس على الأريكة أمامي , مستذكر تلك الأيام التي جمعتهما سوية ليمثلا حزبنا الشيوعي العراقي في لجنة الجبهة الوطنية أيام السبعينات .

يقول ( أبو ثبات ) :

- لقد كانت أيام مرة وعصيبة , وكان البعث يحاول الخداع والمكر والتنصل عن تعهداته .

ومما يتذكره من تلك الأيام , حديث رفيقنا هاشم جلاب معهم في لجنة الجبهة الوطنية في مدينة الكوت , يوم بدءوا بالتضييق على حزبنا , ومحاولة كسب جميع الناس لحزب البعث المقبور , وبالقوة .

يقول ( أبو ثبات ) :

- (حدثهم رفيقنا هاشم جلاب مرة , عن قصة ذلك الفلاح الذي كلفه الرفاق بأن ينشط في قريته ويدعو للشيوعية وأن يقوم لاحقا بجرد نشاطه وعمله في رسالة يكتبها للتنظيم , وقد فعلها صاحبنا الفلاح , حين كتب للحزب , من انه قد كسب عائلته جميعا , وجيرانه , وأبناء محلته , والمنطقة , فما كان من الرفيق مسئوله , سوى أن عنفه , بما معناه , بأنك لم تبق سوى الحمير كجماهير للعمل وسطها .

وكان الرفيق أبو نزار يريد من حكايته هذه تذكير البعثيين , بان ما يقومون به من إجبار جميع الناس للانضمام لصفوف حزبهم , تكون نتيجته مأساوية . )

قبل أن ننهي الزيارة قلت لأبي نزار , لقد أتعبناك يا رفيق في هذه الظهيرة الحزيرانية الحارة , وكانت الابتسامة رده .

- ( أشعر في هذه اللحظات وكأني في الجنة ... لقد أدخلتم السعادة في قلبي .
أتمنى أن تزوروني كثيرا .... الحديث عن الحزب والذكريات يسعدني كثيرا ,
ومضى ينشد بفصاحة المثقف وبصوته النقي الواضح الذي لم تخدشه سنواته الثمانين ....

اذكرونا مثل ذكرانا لكم رب ذكرى قربت من بعدا
لا تقولوا صد عنا وجفا عندكم روحي وعندي بدنا 
) .

كانت لحظات صعبة أن نقول له وداعا راجعين إلى الكوت , وقبلناه جميعا وسط الدموع التي بدأت تنزل من عينيه , وكنت ألحظ الألم في تلك الساعات لعدم تمكنه من الوقوف لوداعنا بسبب فقدانه لقدمه اليمنى جراء المرض . وكان وكأنه يريد بحكمة القائد الشيوعي المخضرم أن يقول لنا وللأجيال التي تخوض النضال اليوم وسط صفوف حزب الشيوعيين العراقيين , حكمة ثورية , قبل أن نودعه فأنشدنا :

فلا تهن يا رفيقي
طريقنا أنت أدرى
شوك وصخر كثير
والموت عن جانبيه
لكننا سنسير .

الثلاثاء 17/7/ 2007

| أرشيف الذكريات  |