ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

( 3 )


محمد علي الشبيبي

Alshibiby45@hotmail.com

      
ثورة 14 تموز والانتكاسة
 

 

         الوالد علي الشبيبي في غرفته بالفندق اثناء ابعاده لقضاء الخالص        على اليمين والدي علي الشبيبي وبجانبه عبد
                                                                                              الرزاق محي الدين الوزيرالأسبق سنة 1930
 

تغيرت الأوضاع في العراق بعد ثورة تموز كثيرا ، فالنشاطات الجماهيريه اليومية كانت تبهرني اضافة للجو العائلي الواضح والمتحمس للثورة وانجازاتها، واثار فيّ ذلك الفضول والرغبة الممزوجة بالتعاطف مع أفراح عائلتي لاستيعاب التطورات الجديدة، وكان اخي همام هو معلمي فيشرح لي بعض المفاهيم والمصطلحات التي كانت غير مفهومة بالنسبة لي واحيانا اسمع بها لاول مرة ويحدثني عن اهمية العمل والنشاط في المجال السياسي والاجتماعي واهمية المنظمات المهنية.

بدأتُ العهد الجمهوري وانا في الصف الاول المتوسط في ثانوية كربلاء للبنين. وكان اول نشاط لي ان رشحت مع صاحب ذياب البارودي في الانتخابات الطلابيه عن الصفوف الاولى في ثانوية كربلاء للبنين ، ممثلين للقوى الديمقراطية، وقد فزنا بأكثرية الاصوات حيث نجح اتحاد الطلبه العام بأكثرية المقاعد الطلابيه وعقد مؤتمره الطلابي الثاني في بغداد، بحضور وفود عالمية وعربية وفي مقدمتها وفد اتحاد الطلاب العالمي.

لصغر سني كانت نشاطاتي محدوده، لاتتعدى المساهمة في تقديم الخدمات في الاحتفالات الجماهيرية. مازلت اتذكر زيارة شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم الى كربلاء بدعوة مشتركه من الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي، حيث اقيم الاحتفال في ساحة مدرسة الحسين الابتدائية، وكانت مهمتي توزيع البارد على الحاضرين، كانت كلمات المديح والشكر لي من قبل بعض الوجوه الاجتماعية لمدينة كربلاء هي غاية السعادة بالنسبة لي. كنت احضر معظم النشاطات الطلابية التي يقيمها اتحادنا الطلابي في النادي.
افراح انتصارات ثورة تموز سرعان ما تكدرت بسبب المؤامرات وتردد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم في التصدي لهذه المؤامرات واعتماده سياسة عفا الله عما سلف. ونشطت الاجهزة الرجعية التي ورثها الحكم الجمهوري من النظام الملكي البائد، وعادت وبتشجيع ورضا الزعيم عبد الكريم قاسم الى محاربة القوى الديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي. وكنت نشطا في نقل وتوزيع صحيفة الحزب إتحاد الشعب حيث منعت من التوزيع العلني في كربلاء وفي المحافضات الاخرى، وكان الحزب يجلبها من بغداد ويتم توزيعها بالاعتماد على رفاقه. وكنت انا اكلف احيانا بجلبها من بيت الشهيد كاظم الرماحي (1)، حيث يقوم الشهيد كاظم بتوزيعها على مجموعات، وكنت اذهب لبيته واجلب حصة الطلبة ونقوم بتوزيعها خفية على المشتركين. اضافة الى اني كنت اُكلف من أخي المرحوم همام بإيصال الصحيفة لرفاقه وأصدقائه، وكنت اخفي الصحيفة تحت ملابسي، وكنت فخورا بهذا النشاط والتمرين لي.

كان والدي احد ضحايا حملات الاضطهاد، فأعتقل مع اعضاء الهيئة الادارية السابقة لنقابة المعلمين في كربلاء في 15 حزيران 1961، حيث ترأس والدي فرع النقابة. لم نعرف سببا للاعتقال سوى انه قرارصادر من الحاكم العسكري العام ، أحمد صالح العبدي، اقتضته المصلحة الوطنية !!!! بعد يوم من الاعتقال تم ابعاد اعضاء الهيئة الادارية السابقة وهم، والدي علي الشبيبي، موسى الكرباسي، علي عجام وجليل السهروردي، الى لواء (محافظة) بعقوبة، ووزعوا على الخالص، المقدادية، مندلي وبعقوبة. علق والدي على القرار بأنه تنفيذ ثوري لمقترح قدمه لمؤتمر نقابة المعلمين الاخير، يدعو فيه السلطة والجهات الرسميه بعدم اصدار اوامر بنقل اعضاء الهيئات الاداريه او مرشحي النقابة لأسباب إدارية أوسياسية، لأن ذلك يسبب ارباكا لعملية التدريس ولعمل الهيئة الادارية، كيف والحال بقرار سياسي، ليس فيه اي مبرر غير تصعيد الحملة الرجعية ضد القوى الوطنية والديمقراطية، والتي انجر اليها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم.

رافقتُ والدي خلال عطلة صيف 1961 وعشت معه في احد فنادق مدينه الخالص، مستأجرا احدى غرفه وكنت اقوم بغسل ملابسه وطبخ وجبات الطعام في نفس الغرفة وكنت اقوم بالتسوق. وبسبب عدم توفر الخبره والتجربه في شؤون الطبخ والاداره المنزلية، كانت تتكسر احيانا بعض الصحون والكؤوس أثناء الغسيل، مما أثار غضب والدي، فقال: كفى اهمال لقد هجمت بيتي! ضحكت كثيرا، فتساءل مستغربا لماذا الضحك، فقلت له ساخرا: عن اي بيت تتحدث، كلها غرفة بالفندق وقدر واربع صحون وكأسان. ضحك من تعليقي وطلب الانتباه اكثر.

وفي احدى المرات تركت قدر الرز على نار هادئه كعادتي ونزلت للمقهى لأشاهد التلفزيون، ولما عدت شاهدت الدخان يتصاعد من شباك الغرفه، ولحسن حظنا وحظ صاحب الفندق لم تكن النار قوية اوعالية، ولو كانت عالية لألتهمت بناء الفندق بسرعة، لأن السقف كان من الخشب والبردي. اسرع لمساعدتي صاحب محل لصناعة الاحذية كان يراقب الدخان من محله واخمدنا النار من دون ان تسبب اضرارا مادية.

كان الإبعاد يتطلب من الوالد يحضر يوميا مرتيين الى مركز شرطة الخالص ليثبت حضوره وكنت ارافقه يوميا للمركز. في احدى المرات بعث ببرقية لاخي همام هذا نصها (اجلب معك ترانسستورك وترمسك) والعادة كانت تكتب البرقية بإختصار وهذا متعارف عليه، ولكن الرقيب العسكري ومرؤوسيه في الامن احتاروا في فهم البرقيه واعتقدوا انها شفرة حزبية، وتأخرت البرقية يومان وهم يحاولون فك لغزها. اخيرا قرروا دعوة الوالد للتحقيق معه واخذ اعترافاته بما يخص هذه الشفرة. شرح لهم الوالد بما يعني بترانسستورك وهي اختصار لراديوك الترانسستور اما المقصود من ترمسك هو الترمس لحفظ حرارة الماء. لم يقتنعوا بتوضيحات الوالد فأستعانوا بالحاج بريد (للاسف لا أتذكر اسمه)، وهو مدير بريد الخالص وكان انسانا مثقفا ومهذبا ومحبا للنكته فحسم الموضوع لصالح والدي. كانت معاناة الوالد في الخالص اثناء الابعاد كبيرة، فقد ترك عائلة كبيرة معظم افرادها طلبة في المتوسطة والابتدائية ودون المدرسة، وبحاجة لأب يرعاها ويهتم بشؤونها. وقد اثارت هذه المعاناة في نفسه الشجون فكتب قصيدته (حنين) يبثنا فيها شجونه وحنينه، كما انها تعكس مدى ايمانه بمبادئه التي كان متمسكا بها رغم ما تعرض له من فصل واعتقال وتعذيب وسجن وكان مؤمنا بحتمية الانتصار وإصراره في السير في طريق النضال بالرغم من كل ماعاناه من مشاق في طريق النضال الوطني الوعر والطويل.

حَــنـيـن
14/8/1961
   

مـتى اعـود الـيكـم         احباب قلبي وروحي
مـتى تراكـم عـيوني         وتستقر جروحي

احـباب قـلبي عـادت         عوائد مشجياتُ
هاجت بصدري وثارت         من النوى عاصفات

اتـذكـرون عـلـيّـاّ         ذاك الصبور المعّنـى
باهـلـه وبــنـيـه         وشعـبـه يتغنـى

عَـدت عليه الـعوادي         وابعدته صروفُ
وصـيـرته غـريـبا         كما تشاء ظروفُ

قست عـلى كل حــر         لم يعرف الذل يوما
مـاحاد عن درب حـق         مادسّ في الشهد سما

مـاباع من اجل نـفـع         ضميره او تراخى
عـن واجـب وكـفاح         فلينصبوها فخاخا

وليشعـلوهـا ضرامـا         وليزرعوها جماجم
ولـيجعـلوها جحـيما         فاننا سنقاوم

ونـدحر الـبغي دحرا         يزري بما ذاق هتلر
مـن انـدحار شـنيع         ومن مصير مقـدّر

فـليس اصـلـب مـنا         عند الصدام واجسرا
انـّا لــيوث نضـال         والليث في الروع يظرا

فـجـر اللـيل طـالا         متى تطل عليّــا
مـتى ارى مـنك نـو         رَ الحياة يبدو بهيـا

يافـجر انـا سـئمـنا         هذا الظلام الرهيب
يافـجر فابـزغ عـلينا         انا نراك قريبا

الـم يـقف كـل شعب         على الثعالب ثائر
لـم يخشى من هادرات         وقاذفات قنابر

وفـي الطـليعة شـعب         لينين شاد كيانه
اعـطى الشعوب دروسا         بما اعتلى من مكانه

ركـب الشـعوب حثيثا         الى الحياة يسير
حـداتـه كـل نـدب         لايلتقيه عزورُ

اولـى الحـياة اختبارا         وذاق منها الامرّا
مـن اجـل عيش كريم         للناس في الارض طرّا

احـباب قـلبي هـذي         عواطفي وشجوني
وهبـتـكم كـل حـبي         فما اشدّ حنيني

انـي احـن الــيكـم         حنين طير سجيني
ضـمآن يـطلب مـاءً         واين ماءُ العيون

حـتى مَ احـباب قلبي         اظل عنكم بعيـدا
حـتى مَ اشـقى ويبقى         اخو النفاق سعيدا

احـباب قـلبي صـبرا         سنلتقي ذات يومِ
فـجـر السـلام قريب         فاستقبلوه بعزم
 

وبالمناسبة لابد ان اتحدث ببضعة سطور عن الوالد. ولد الوالد عام 1910 عاش بداية طفولته في سوق الشيوخ وانتقل الى النجف ليكمل فيها الابتدائية وبقية حياته حتى اواخر عقده الرابع. وانجذب الى مجالس النجف الادبية وكان يتردد عليها، وكانت تلك المجالس ندوات ثقافية ومعرفة، وأنبه والده بسبب ولعه بحضور هذه المجالس وعدم ملازمتة لخدمة ضيوفه وهذا التأنيب دفعه فكتب عفو خاطر وهو في سن لا يتجاوز الخامسة عشر وفيها تمرد على رغبة والده في ملازمة البيت وولع في ارتياد المجالس وجاء فيها:
أن المجالس درس         اولا فتفسير درس
اولا فاطلاق نفس         كانت بضيق وحبس

وسار والدي على خطى والده وانخرط في سلك الروحانيين ولبس العمامة ودرس النحو والمنطق والمعاني والبيان والفقه والاصول على جماعة من اهل العلم، وانتسب الى جمعية الرابطة العلمية الادبية النجفية وكان من نشطائها وانتخب مديرا لها. وفي عام 1935 عين معلما ونزع العمامة (2). وانخرط بالعمل السياسي مع بدايات الحرب العالمية الثانية، وانتمى للحزب الشيوعي العراقي عام 1941 واصبح مسؤولا عن محلية النجف وحضر الكونفرس الحزبي الاول كما حضر المؤتمر الاول للحزب بقيادة الخالد فهد واصبح مرشحا في اللجنة المركزية للحزب (3) قبل ان يترك العمل التنظيمي عام 1949 وكان دائما يكرر ان من لا يستطيع حمل وصيانة أمانة الحزب، عليه ان ينسحب من العمل الحزبي المنظم لأن هذا افضل له وللحزب، وعليه مواصلة العمل الوطني والديمقراطي وسوف يخدم بموقفه هذا القضية الوطنية بشكل افضل.

عام 1961/1962 كنت طالبا في الصف الرابع العلمي في ثانوية كربلاء، حيث اصبحت عضوا مرشحا في الحزب الشيوعي. وعندما استلمت ورقة الترشيح الوردية اللون من رفيقي المسؤول في الثانوية عدت للبيت وانا اشعر بالسعادة طاغية علي، حتى ان والدتي إنتبهت الى سعادتي، واخبرتها بمصدر سعادتي، وهي انسانة امية ولكنها خبرت الحياة جيدا وعلقت (بعد ماراح شوف غير السجون والمعتقلات والتعذيب وقد تخسر حتى دراستك!!) ورددت عليها برومانسية وثورية الشباب : اعرف ان الطريق الذي أخترته وعر وانا مستعد ان اضحي بحياتي من اجل هذه المباديء. شاركت بنشاط بكل النشاطات الحزبية والديمقراطية بالمناسبات الوطنية والقومية، من تظاهرات طلابية واجتماعات واضرابات، وخط الشعارات الحزبية التي تطالب بالديمقراطية والحل السلمي للمسألة الكردية. في احدى المرات كان المطلوب مني ان اوزع مجموعة من البيانات الحزبية مع رفيق في منطقة باب الخان بكربلاء. وهي منطقة محسوبة على القوى القومية والبعثية، ومن هنا تكمن صعوبة المهمة في زمن بدأت هذه القوى مستشرسه لمحاربة كل ماهو ديمقراطي لعزل النظام ومن ثم اسقاطه. انجزنا انا ورفيقي المهمة، رغم ما رافقها من عقبات حيث ان رفيقي طارده البعض ويصرخون خلفه : إمسكوه حرامي!! وقد تمكن رفيقي من الافلات منهم، بينما  توجهت انا لزقاق اخر ووزعت البيانات بدون مشاكل. ولما عدت للبيت سألني اخي همام : كيف جرى التوزيع ؟ قلت : كل شئ تمام حتى اني اعطيت امرأة بيانا ولما سألتني ماهذا قلت لها انها استمارة لتوزيع الاراضي! تحاشيا من ردة فعلها السلبيه، فطلبت مني واحدة اخرى لأبنتها!. كنت اعتقد ان تصرفي ولباقتي هذه ستلاقي استحسانا من أخي همام، لكنه نهرني قائلا كيف تسمح لنفسك ان تخدع الناس، المفروض ان توزع البيان وتصارح الناس اذا استفسروا لكي نعرف ماهي ردود فعلهم وكيف يستقبلون بيانات حزبنا، وكانت ملاحظة اخي مقنعة فالهدف لم يكن فقط توزيع البيان وانما يجب ان يكون اختبار لجماهير الشعب كيف تستقبل بياناتنا وهي ترى الشيوعيين يتحدون ويدقون الابواب ويسلمون بياناتهم وهذا تمرين لرفاق الحزب على التحدي وبذلك سنكسب احترام الجماهير لنا، ولكن بسبب قلة خبرة وتجربة بعض المنظمات الحزبية لم تعر اهمية كبيرة لذلك. وفي الاجتماع الحزبي لتقييم عملية التوزيع، اثنى الجميع على لباقتي في كيفية التهرب من سؤال تلك المرأة، لكني اعترضت على ثنائهم واعدت عليهم درس اخي فأقتنعوا به.

في يوم من ايام العطلة الشتوية من عام 1962 وكنت حينها دون السابعة عشر من العمر، خرجت ظهرا وانا احمل معي مذكرة لجمع التواقيع للمطالبة بالحل السلمي للمشكلة الكردية مع بيان للحزب يحذر من النشاطات التآمرية لقوى الردة ويطالب السلطة بالديمقراطية. ما ان غادرت البيت وابتعدت عشرات الامتار حيث البريد المركزي، واذا بأحد أفراد شرطة الامن ( ناصر السري) يمسك بيدي ويأخذني الى مركز البريد حيث غرفة الرقيب العسكري، بعد التفتيش عثروا على البيان والعريضة. قيدوني و نقلوني بسيارة مسلحة الى مركز أمن كربلاء، في الطريق شاهدت أحد الاصدقاء فرفعت يدي ليرى القيد ويخبر عائلتي. خلال الطريق كنت افكر بأسئلة الامن التي سيواجهونني بها، وقد واجهني بها ناصر السري في غرفة الرقيب محاولا إغرائي بأنه سيطلق سراحي اذا أخبرته من هو الذي سلمني العريضة والبيان، وكان حديثه معي لايخلو من التهديد اذا لم اعترف. عندما وصلت السيارة الى مركز شرطة كربلاء، حيث مقر مديرية الأمن، كنت قد توصلت مع نفسي الى قرار نهائي في تحديد اجابتي على اسئلة المحققين من افراد الامن، وهي اصراري على اني عثرت على البيان والعريضة في الطريق ودفعني الفضول للاحتفاظ بها والاطلاع عليها، واذا سألت لماذا اسمي بين الموقعين على العريضة؟ فقررت الاجابة بوضوح ودون تردد انا أكره الحروب لذلك وقعت وقد ارميها لأني لا اعرف كيف اوصلها للزعيم عبد الكريم قاسم.
في مركز الامن تجمع حولي جلاوزة الامن، ناصر، كاظم وعبد العال واخرون لاأتذكر أسماؤهم في مقدمتهم المفوض لطيف وهو من اهالي الاسكندرية كما أعتقد. كان لطيف حقودا ومن شرطة أمن العهد الملكي. تركز همهم في التحقيق معي على الاعتراف ومعرفة من اعطاني البيان والعريضة وكشف صلتي الحزبية واعضاء الخلية التي تعمل معي. عندما وجدوا اني مصر على عدم الاعتراف وادعائي بأني عثرت عليها بالطريق وان ناصر الشرطي الذي اعتقلني، لاحظ ذلك واعتقلني. حينها مارسوا معي كل أنواع الضرب والتهديد بالاعتداء. كنت أشعر فعلا بالخوف لا من تعذيبهم ولكن بسبب ما تركوه من انطباعات سيئة عند تحقيقهم معي. فكانت أسئلتهم وتعليقاتهم تعكس ضحالة عقولهم وتدني مستواهم الأخلاقي، حينها تأكدت بأنني بين مجموعة من البشر المرفوضين اجتماعيا بسبب سقوطهم الأخلاقي، خاصة عندما اتطلع في وجوههم فأرى الحقد الاعمى في عيونهم وتعابير وجوههم. استمر الضرب والفلقة حتى ان احد اسناني الامامية كسر بضربهم العشوائي، وكنت احس بتعطشهم للاعتداء علي بالضرب والتلذذ بذلك. كان صغر سني كوني لم اتجاوز بعد السابعة عشر، سببا مشجعا لهم في الاستمرار بضربي وتهديدي، خاصة ان الحظ قد حالفهم في اعتقال احد الطلبة وقد نجحوا في تحطيم معنوياته بأسلوبهم هذا. لذلك كانوا يشكون بقدرتي على الصمود امام قساوتهم بالضرب والتهديد. لكن إصراري على الانكار ومجئ جدتي لوالدتي الى مركز الامن وهي تصرخ وتطالبهم باطلاق سراحي والكف عن تعذيبي، دفعني ذلك للصراخ بأعلى صوتي لاسماع جدتي وكسب عطفها واثارة غضبها لعل صراخها يضع حدا لأعتداءاتهم. لم ينفع صراخي ولاغضب جدتي، وكانوا بعد كل حملة ضرب وفلقة يخرجوني الى رواق المديرية ويطلبون مني التمشي، لكي لاتترك الفلقة اثارا على قدمي. في الطرف الاخرمن الرواق كان بعض الرفاق والاصدقاء المعتقلين في غرفتين متقابلتين، كان هناك محمد خماس، صاحب البايسكلجي وشاكر راضي وشيخ صالح واخرون لااتذكرهم يراقبون ما يجري. كان هؤلاء الرفاق يمدون ايديهم عبر باب الموقف ويؤشرون بقبضات ايديهم بأشارة الصمود، وقد زاد ذلك من عزيمتي على الصمود. بعد أن تعب لطيف من التحقيق معي قرر تأجيل التحقيق لليوم الثاني وتم حجزي في الموقف الاكبر وكان مخصصا لاصحاب الجنايات العادية، وذلك لكسر معنوياتي.

في اليوم الثاني منعوا عني الزيارات، وبعد انتهاء الدوام الرسمي بدأ التحقيق معي مجددا، وبحضور مدير الامن. كان المدير نموذج لشرطي الامن المنحط أخلاقيا، والذي تميزت به العهود الدكتاتورية، كلامه كان عبارة عن شتائم ومسبات بذيئة لاينطق بها الا ابن الشارع الساقط اخلاقيا، لم يترك كلمة بذيئة تمس والدتي وشقيقاتي الا وقالها. رغم الضرب المستمر والفلقة القاسية بأستعمال دونكي (عصا) الشرطة، لم أفكر الا بكلماته ومسباته البذيئة، وكنت اتعجب على قدرته على هذه البذاءة والانحطاط والمستوى الدوني. كان ضعفه في نطق العربية بسبب كونه تركمانيا كما علمت، زادت من قباحة مسباته، فهو يذكر المؤنث ويؤنث المذكر، وعندما يعجز عن استنطاقي يصحب مسباته بحركات سوقية من اصابعه، ثم تكون هذه اشاره لجلاوزته بضربي واستعمال الفلقة. تكرر استدعائي والتحقيق معي ثلاثة ايام، وكل يوم كانوا يكررون نفس الاسئلة مع الاغراءات والتهديد والضرب والفلقة. وبعد ان عجزوا عن انتزاع اي اعتراف مني، دونوا محضر التحقيق ووقعته، وانتهت حملة الضرب واحتجزت مع بقية الاصدقاء.

كان احد المعتقلين في الموقف من الذين سبقوني هو الشيخ صالح، وهو شاب بصير وبلباس الدين الروحانيين وكانت له مجالسه وفي نفس الوقت كان يباشر بالدراسة كطالب خارجي. وانتمى الى الحزب الشيوعي وكان من النشطاء في مجاله وقد لاقى بسبب انتمائه للحزب الكثير من المتاعب، وحسب علمي حتى من عائلته، وربما ان عائلته لم تعد تتحمل المتاعب والاضطهاد الذي تعرض له خلال فترات الاستبداد، فكانت تضغط عليه للأبتعاد عن الحزب. وقد اعتقل حينما انتبه له احد افراد الامن السري وهو يسلم منشورا حزبيا لصديق، وتابعه ومن ثم فتشه وعثر على بيان للحزب في جيوب جبته.

في الموقف كنا محرومين من الصلة بالحزب، حتى الصحافة العلنية مثل صحيفة 14 تموز لم تصلنا، وبعد اعتقال سالم عودة، اصبح هو واسطة صلتنا بالحزب، وهو طالب شيوعي ومن عائلة كادحة، واعتقد انه كان أحد أعضاء اللجنه الطلابيه القياديه. في الموقف قدمنا للحزب معلومات عن تحرك الامن وخفاراتهم الليلية وتحركاتهم اليومية، كنا نراقب نشاطهم من خلال استعمال المرايا لنرى ماذا يحدث في الجانب الاخر من الرواق حيث مركز الامن. واستغلينا امكانية خروجي للمشاركة بأمتحان نهاية العام الدراسي، فطلبنا ان يلتقي بي رفيق من لجنة مدينة كربلاء لمناقشته بأوضاعنا في التوقيف. تم هذا القاء مع المعلم محمد علي عزت، عضو لجنة مدينة كربلاء، وبوجود شرطي لحراستي، ولما استفسر الشرطي عن الرفيق قلت له انه استاذي واتناقش معه حول الامتحانات، حيث كنت احضر يوميا للمشاركة في امتحانات نهاية العام. وكنت متحمسا لخروجي لأجراء امتحاناتي فقد أتاحت لي فرصة الخروج الى خارج الموقف والسير عبر الشارع وانا مكبل اليدين، وان التقي بوجوه كثيرة من الطلبة والطالبات التي تعودت ان اقابلها في طريقي كلما ذهبت لثانوية كربلاء.

 

يتبع
 


(1) كاظم الرماحي كان مالك مكتبة الشعب في كربلاء بعد ثورة 14 تموز وقد اعتقل وعذب في قصر النهاية، حتى سبب له التعذيب شلل في يده وساقه، وقد استشهد بأعدامه بعد الانتفاضة عام 1991 بسبب معالجته جرحى الانتفاضة.
(2) ماضي النجف وحاضرها، الجزء الثاني، تأليف جعفر الشيخ باقر آل محبوبة
(3) حنا بطاطو ، العراق- الجزء الثاني
 

 

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الخميس 15/6/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة