ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني


كتب الراحل توما توماس هذه الاوراق ما بين 1990 - 1996 ، إلا أن أسبابا عديدة كانت وراء بقائها تنتظر فرصة لنشرها ، ليطلع القراء على ما دونه قلم شاهد عيان لفترة عصيبة من تاريخ العراق .
وهي أوراق لقائد ميداني ولدّته المحن والصعاب ، فكان أهلا لها ولمواجهتها وتحديها ، فترك عند جميع من عايشوه أو سمعوا عنه إنطباعات مثيرة للجدل ، إلا أن جل تلك الانطباعات ، تؤكد مصداقية هذا القائد مع الذات ، الى الحد الذي يسهل علينا ملاحظة ، أن تضحياته كانت بالنسبة إليه ، تشكل أقصى درجات السعادة في مسيرة التداخل بين الخاص والعام ، لدرجة الذوبان ، أحدهما في الآخر ، فالعراق وشعبه كانا في قمة ما يشغل بال أبو جوزيف حتى اللحظات الاخيرة من حياته ...
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله في 15 /10/ 1996 سيباشر موقع الناس ، بنشر حلقات مسلسلة من أوراقه.

يمكن إعادة النشر ، مع ذكر المصدر "موقع الناس" بصورة مناسبة


أوراق توما توماس
( 1 )


مولدي وطفولتي
في القوش ، وهي بلدة عريقة في بلاد ( بيت نهرين ) من بلاد آشور ، تبعد 40 كيلو متـرا عن نينوى آخر عاصمة للاشوريين . ولدت في عائلة ( ككه ) ، وكان جدي يعمل في البيع والشراء وهكذا كان والدي واعمامي . جاء في سجل كنيسة القوش بأنني تعمذت في 25/1/1925 وهذا يؤكد ما كانت تذكره والدتي ، بأنني ولدت آواخرسنة 1924 .

توما توماس - الطفل في الوسط - صورة من سنة 1930

وقد حافظت القوش على اصالتها وتقاليدها ولم تتمزق هويتها القومية رغم مرور الاف السنين على نشأتها ، ولم تنل منها غزوات القبائل او الدول المتعاقبة على حكمها بعد سقوط كيان دولتها ، فظلت لغتها الكلدانية - الاشورية شامخة حتى يومنا هذا .

 ألقوش على سفح الجبل المعروف بإسمها

فالبلدة الجاثمة على سفــــح جبل القوش ويرقد فيها النبي ناحوم غدت مركزا مسيحيا رائدا في الشرق ومقرا بطريركيا للكنيسة الشرقيــة ( 1504 ـ 1837 م ) ، رجالها اشداء كطبيعة جبلها القاسية ، لايقبلون الذل والخنوع والاعتداء ، سجلها حافل بشخصيات دينية ووطنية وقومية عديدة خدمت البلدة واستبسلت دفاعا عنها وسقط العديد منهم شهداء في معارك الدفاع عنها .
يبلغ عدد سكانها عشرات الالاف ، يتواجد عدة الاف منهم في بغداد ، والموصل والبصرة هجروها بحثا عن العمل ، واستقروا في هذه المدن منذ سنين طويلة . لم يفكر شبابها في الهجرة خارج العراق لتعلقهم بمدينتهم ، إلا أن الظروف القاسية التي تمر بالعراق والمعاناة القاسية جراء الاضطهاد السياسي والديني والقومي ، دفعت بالعديد من عوائلها وشبابها للهجرة الى امريكا والبلدان الاوربية ، وخاصة بعد سنة 1979 . واليوم تتواجد مئات العوائل في الولايات المتحدة الامريكية وكندا واستراليا والدول الاسكندينافية مجبرين للعيش بعيدا عن بلدتهم الام .

تميزت القوش بمواقفها القومية الشجاعة بمساندة ابناء قوميتها اثناء المحن ، اتذكر جيدا ( فرمان الاثوريين ) كما سمي بمجزرة سمٌيل ، وكيف احتضنت القوش العوائل الاثورية التي هجرت قراها ولجأت اليها ، لازالت ذكرى تلك المأساة عالقة في ذهني ، فقد كان في دارنا حوالي عشرين عائلة افترشت اسطح الدار ، وشاركتنا في مؤنة العائلة ، ولم تكن عائلتي الوحيدة في القوش ، تحتضن عوائل الهاربين من الموت ، بل نادرا ما وجد بيت في القوش لم يفتح بابه امام اللاجئين .

كانت القوات الحكومة بمدافعها ترابض على قمة جبل القوش ، وعلى سفحه تنتظر، القبائل الكردية ، قصف البلدة بمن فيها ، لدخولها واستباحتها بعد ان خططوا لاقتسام الغنائم وحتى النساء ، اما البدو فقد اتلفت قطعان غنمهم حقول القمح وبساتين البطيخ وانتظروا بدورهم الاشارة لدخولها واخذ حصتهم من الغنائم . لقد استبسل المقاتلون الاثوريون بالدفاع عن قراهم ، وشجاعة الشاب ( كَوليث ) الذي دافع عن قريته، ضد البدو الذين احاطوا بها، وعدم تركها حتى نفاذ عتاده، مثالا حيا على ذلك .

وبتدخل مباشر من البطريرك عمانوئيل الثاني ، بطريرك بابل على الكلدان حينذاك ( وهو من ابناء القوش ) انقذت البلدة ، بإستحصاله قرارا من الحكومة العراقية ، وبضغط من سفارات فرنسا وايطاليا والفاتيكان ، لانهاء الحملة ضد الاثوريين ورفع الحصار عن القوش .

دخلت المدرسة الابتدائية وكانت الوحيدة في القوش وتقع بنايتها في كنيسة مارميخا ومديرها الاستاذ سعيد ججاوي من اهالي الموصل ، وعندما نقل مديرا لمدرسة شمعون الصفــا الى الموصل ، حل محله الاستـــاذ نعيم صرافة وبطرس نعامة. كان التدريس فيها لمدة خمسة ايام ، ويدرس فيها اضافة الى ماهو مقرر، اللغة الكلدانية والتعليم الديني .

تخرجت من المدرسة الابتدائية بدورتها الثانية سنة 1938 وكان عدد طلاب تلك الدورة ( 16) طالبا ، فألتحقت بمتوسطة المثنى وكانت في السنة الثانية لافتتاحها في الموصل ، وعشت في بيت عمي في السنة الاولى والثانية من الدراسة دون ان اعاني اية صعوبات من ناحية السكن ، وفي السنة الثالثة استأجرت غرفة مع الاخ المرحوم حنا جولاخ ، بغية التفرغ للدراسة في السنــة الاخــــيرة (بكالوريا ) بعيدا عن الانشغال مع الاطفال ، وتخرجنا من المرحلة المتوسطة مع الاخــــــوة ياقو شكوانا وحنا الصفار سنة 1941 .

كانت الحرب العالمية الثانية في عامها الثاني والمد القومي في تعاظم وتزايد ، والكراهية تزداد ضد الانكليز ، والتدريب العسكري يشمل جميع طلاب الثانويات والمتوسطات ، ومظاهرات الطلبة تجوب شوارع الموصل منددة بالاستعمار ، ثم اعقب ذلك حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة في 1/مايس/1941 .

وبفشل ثورة مايس 1941 تمكن الانكليز وعملائهم الذين يقودون السلطة ، من تشديد قبضتهم على البلد ، وقد اثر كل ذلك سلبيا على الدراسة ، اذ تحدد القبول في الثانوية الوحيدة في الموصل ب ( 300 ) طالب فقط ، وهذا حتما يحول دون قبولنا نحن ابناء الريف لعدم تمكننا من منافسة اولاد بكوات الموصل وآغوات دهوك اضافة لكوننا مسيحيون *

الجيش الليفي
بقيت بدون دراسة وبلا عمل تلك السنة فتوجهت الى القوش . وفي ربيع سنة 1942 باشر الانكليز بتجنيد الشباب في الجيش الليفي من ( الاثوريين والكلدان والاكراد ) و قد وصل القوش العقيد ( مك كويني ) (Mack Qeen ) مسؤولا عن التجنيد ، وكان والدي حينها مختار احدى المحلات في القوش ( محلة سينا ) فطلب منه العقيد الانكليزي المساعدة عارضا عليه الموافقة على تجنيدي في الجيش الليفي ك( ضابط ) ولم اكن اتجاوز حينها ال ( 17 ) عاما . وافق والدي على مقترح العقيد .. وهكذا سافرت مع من تم تجنيدهم الى الحبانية بتاريخ 6 /3/ 1942 .

دخلت دورة تدريبية لمدة ( 6 ) أشهر منحت بعدها رتبة ضابط . قضيت خدمتي في الحبانية والموصل والبصرة ، واستمرت خدمتي حتى سنة 1948. وعلى اثر الحرب العربية بعد قرار تقسيم فلسطين ، قررت الحكومة العراقية تشكيل لواء خاص ( متطوعين ) من الاثوريين للمشاركة في الحرب . وفعلا فتح باب التطوع للشباب الاثوري ، فأستقال المئات من الجيش الليفي والتحقوا باللواء الخاص ، وكنت من ضمنهم . فتم تنسيبي الى الفوج الاول في معسكر سعد ( بعقوبة ) بعد ان منحت لنا نفس الرتب التي كنا نحملها ، وهكذا اصبحت ملازما في الجيش العراقي .

كان امر الفوج العقيد عبدالكاظم حسن ومساعد امر الفوج الرائد خسرو وكان النقيب محمود خفاف امرا لاحدى السرايا . بعد اعلان الهدنة وسحب الجيش العراقي من فلسطين ، صدر قرار اواخر سنة 1949 بحل اللواء الخاص ونقل خدمات المراتب والجنود الراغبين في الاستمرار بالخدمة الى وحدات الجيش العراقي النظامية ، اما الضباط فتوجب عليهم الالتحاق بدورة تأهيلية ليتم قبول من يجتازها ضابطا في الجيش العراقي . لم يوافق احد من الضباط على هذا القرار ، فتم تسريح الجميع من الخدمة ..

لم نكن نميز اية فروق بين الضابط في الجيش الليفي اوالجيش العراقي ، رغم ان البعض كان يعتقد بأفضلية العمل في صفوف الليفي قياسا بالرواتب والملابس والارزاق ، وأهمية تعلم اللغة الانكليزية ، ومن هؤلاء كان والدي !! هذا الاعتقاد تراجع بعد حين بفضل التطورات السياسية ، وبروز الاتحاد السوفييتي وتأثيره على الساحة الدولية ، بعد الانتصارات العظيمة على الفاشية ، والانتعاش النسبي للحريات ، وصدور الصحف الوطنية ، والنشرات السرية ، واضرابات عمال شركة نفط كركوك .

تميز الضباط في الجيش الليفي من الاكراد والارمن والكلدان بتقبلهم للافكار الديمقراطية ، ومنهم من اعتنق الشيوعية لاحقا ، مثل ( شكري كروب ، داود ناتاف ، انطوان كيوركيس ، شليمون دنخا ، بطرس اوراها ، كوريال ، سيد علي واخرون).
اما بالنسبة لي ، فقد كان لمواقف الضباط الانكليز المتعجرفة ، والمد الديمقراطي المتصاعد ، ومراسلات الشهيد الياس حنا كوهاري * * معي ، واطلاعنا على الجرائد العراقية وخاصة جريدة الاهالي ، الاثر الاكبر في تطور وعي السياسي ، واصبحت اشعر بفداحة خطأي بالعمل في الجيش الليفي .. وقد تعمق هذا الشعور لدي اكثر في سنوات العمل في شركة النفط في كركوك ، وكثيرا ما اصطدمت مع ضباط الصف الانكليز الذين كانوا يعتبرون انفسهم ارفع من الضباط المحليين ( Native ) ..

قضيت الفترة ما بين تسريحي من الجيش وعملي في شركة نفط كركوك في القوش. لم اكن اعرف حينذاك شيئا عن الافكار الشيوعية ، رغم شعوري الوطني الذي نما وتطور اثناء عملي في الجيش الليفي ، هذا الشعور كان يدفعني والكثيرين غيري الى معاداة الانكليز والوقوف ضدهم . كان اول لقاء لي مع الشيوعيين ، هو مع المرحوم ابرم شماشا سنة 1949 – 1950 حيث بدأ بتزويدي ببيانات الحزب .

شركة نفط العراق
في اب 1950 عملت في شركة نفط العراق في كركوك ، بوظيفة ملاحظ في محطات عزل الغاز بالمنطقة الصناعية . وتقدمت سريعا بالعمل ، وبعد 3 سنوات انتقلت الى حقل الخزانات في K1 كملاحظ كيل النفط المصدر الى الموانئ على البحر الابيض المتوسط ( طرابلس – بانياس ) .

بدأ استلامي للنشرات الحزبية ينتظم وكذلك دفع تبرعاتي ، حيث اصبحت شهرية ومنتظمة ، من خلال العلاقة المباشرة مع الاخ ( عبدالرحيم اسحق ). تعرفت على مسؤولي محلية كركوك ومنهم ( حميد حمدي )، والتقيت بالرفيق ( جمال الحيدري ) بناءا على طلبه اثناء اشرافه على محلية كركوك سنة 1956 ، اذ كنت معارضا لمقترح تفجير محطة كهرباء في منطقة بابا ، لان ذلك سيؤدي الى اصابات في صفوف العمال ويولد بالتالي استياءا لديهم ولدى عوائلهم ، وقد وقف الرفيق جمال الحيدري ضد المقترح ايضا .

كان الوعي السياسي بين صفوف عمال شركة النفط عاليا ويتطور بفضل نشاط الشيوعيين . ويتعمق هذا الوعي بسبب السياسة التعسفية للشركة وعدم تلبيتها لابسط المطاليب ، ولعبت الاضرابات التي قادها الشيوعيون كأضراب كاورباغي في سنة 1946 دورا اساسيا في تكوين هذا الوعي الطبقي ،اذ كان الانكليز ينظرون بأحتقار للعمال والموظفين العراقيين ، وكانوا يفرضون استخدام عبارة ( yes sir ) ( نعم سيدي ) من قبل العراقيين في حديثهم مع ايا كان من الانكليز.اما مدير الشركة فكان مطلق الصلاحيات وكل اجهزة الشرطة والامن في كركوك تنفذ اوامره ، الى جانب بعض موظفي الشركة من العاملين في ( مديرية العلاقات العامة ) وكنا نسميها ( دائرة التجسس ) وفي مقدمتهم منصور خياط وكان صديقا حميما لنوري السعيد .

يتبع


* تمكنت في سنة 1954 من اجتياز امتحان البكلوريا والحصول على الشهادة الاعدادية ،بعد التحاقي بثانوية مسائية في كركوك .
* * الياس حنا كوهاري : من ابناء عمومتي ، عمل في شركة النفط في كركوك وعين زالة . بعد ثورة تموز عمل في منظمة منطقة بغداد عضوا في مكتبها ، القي القبض عليه بعد انقلاب شباط 1963 وعذب بوحشية واستشهد تحت التعذيب.

الأحد 15/10/ 2006

| أرشيف الذكريات  |