ذكريات

 

| الناس | الثقافية |  وثائق | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 


ذكريات الزمن القاسي

(18)


محمد علي الشبيبي

والدي مسؤول كربلاء للحزب!
واظبت على الدوام في الثانوية ألجعفرية الى أن أنجزت إمتحانات نصف السنة حيث قضيت العطلة الشتوية في كربلاء بين عائلتي. في اليوم الأخير من العطلة، سمعت طرقا على الباب، وكنت على أهبة السفر إلى بغداد ، ولما خرجت لإرى من الطارق وجدت ناصر خاتون وسلمني رسالة من أخي وقال لي إياك والسفر إلى شقتكم في بغداد ففيها كمين من الأمن!!. تعرفت على ناصر خاتون في موقف شرطة كربلاء عام 1962 ، أعتقل حينها مع ثلاثة من رفاقه عندما كبس بيته إثر بلاغ بممارستهم القمار في البيت، وبعد التفتيش عثروا على محضر إجتماع لخلية شيوعية، وعند التحقيق مع رفاقه، أبلغ أحدهم ضابط الأمن أن المحضر المذكور ربما يكون عائد لأحد أصدقاء ناصر والذي يتردد على البيت دائما وأسمه (ش.ر) وقد حاول ناصر الدفاع عن ش وإبعاده عن تهمة علاقته بالمحضر! وعند إعتقال ش وبعد التحقيق معه أعترف بأنه كتب المحضر بتكليف من ناصر لعدم قدرته على الكتابة. لم يكن ناصر خاتون على علاقة جيدة بالحزب، لكنه إنسان شهم ويقدر العلاقات الشخصية ويحافظ على الامانة مهما كانت، وكانت تربطه علاقة صداقة قوية بـ (ش.ر) وتقبل إعتراف ش عليه وثبت ذلك في التحقيق، وفي المعتقل إعتبرنا موقف ش ضعيفا ومسيئا وأدين بشدة، وشجعناه على تدارك الموقف وألا يتمادى في التجاوب مع أجهزة الأمن لكشف أسرار المحضر ونجحنا في الشد من عزيمته وعدم التمادي في موقفه الضعيف، وهكذا رمى ش الكرة في ملعب صديقه ناصر، واثقا أن علاقات ناصر بأجهزة الامن ومعرفتهم الشخصية له ستوقف عملية التحقيق، كان ناصر معروفا في كربلاء بقربه للقوى القومية وكان أحد شقاواتها في الخمسينات ومعروف ببعده عن الحزب الشيوعي، وفعلا توقفت الأجهزة الأمنية عن مواصلة التحقيق.

فتحت الرسالة وتأكد لي كلام ناصر، أسرعت إلى بيت كاظم الرماحي لأحذره فكان هو الاخر على علم بما حدث. سافرت الى بغداد وأتصلت بصاحب في محل عمله، علمت منه أن الأمن هاجموا الشقة وكسروا قفلها في وضح النهار وكمنوا فيها ينتظرون عودة ساكني الشقة، وتبين أن المقصود في ذلك أخي. إنتبه أصحاب محل لصناعة الأحذية مقابل شقتنا لفعلة الأمن، وهم من الأصدقاء الطيبين فقرروا مساعدتنا وإنقاذنا من الكمين. توزع عمال المحل في أطراف الأزقة المؤدية للبيت لتحذيرنا وآخرون ذهبوا يبحثون عن أخي همام في مقاهي أبا نؤاس، لم يعثروا على أخي طول النهار، وكان خوف بعضهم من وقوع أخي في ألكمين دفعهم للإنتظار حتى في مداخل السينمات التي يتردد عليها لتحذيره.
كان أخي مع بعض الأصدقاء في سينما النصر، وعندما غادر سينما النصر مع أصدقائه كان في الباب صاحب البنة وهو عامل أحذية كان قد تخاصم مع أخي قبل أيام. يقول أخي وجدته كمن يريد أن يقول لي شيئاً ولكنه متردد فتركته ومشيت وبعد عدة أمتار إلتفتُ فوجدته يراقبني فسألته هل تريد أن تقول شيئاً، فقص على أخي ماجرى وهكذا أنقذ أخي من إعتقال محقق. بالنسبة لزملاء الشقة تخلصوا من تداعيات كبسة الأمن، حيث أن أصحاب ألمحلات التي يعملون فيها تمكنوا من التوسط لإخلاء سبيلهم خاصة أنهم لم يعثروا على مستمسكات في غرفتهم. بينما عثروا في غرفة أخي على مسدس مع بيانات للحزب وقصيدة الجواهري الشهيرة (أمين لاتغضب) وفيها من إدانة ووصف يسيء لعبد السلام بإسلوب نال إعجاب شعبنا وأصدقائه من العرب كما في البيت التالي :
                  ياعبد حرب وعدو السلام                  ياخزي من زكى وصلى وصام

أضطر أخي إلى ألإختفاء في منطقة الكرخ عند صديقه الطبيب البيطري رجاء، ولم يلتحق في عمله بالمدرسة ولحسن الحظ لم أكن مدرجا في إهتمامات الأمن، وتمكنت بمساعدة سعد أحد سكان الشقة من نقل أثاث غرفتنا، كما نقلت دراستي الى ثانوية كربلاء المسائية. بعد أيام أنتقل أخي للعيش في ألنجف متخفيا في بيت خالتي أم عبد الأمير طيب الله ثراها. بعد أشهر من الإختفاء حصل أخي على أسم محامي أبدى إستعداده بغلق ملف القضية، ولما قابلناه أنا وأخي في مكتبه في بغداد طلب مبلغ 200 دينار لغلق القضية لكنه ربط ذلك بأن يعلن أخي براءته من الحزب الشيوعي، وأعتبر البراءة شرط من أجهزة الأمن لايمكن تجاوزه، فرفض أخي كل الصفقة وعدنا للنجف. بعد ستة أشهر من الإختفاء تمكن والدي وبالصدفة أن يكتشف أحد معارفه ذو علاقة قوية بمدير الأمن العام وهو زميل له في لعب البوكر والسهر سوية، وبعد أن شرح له والدي تفاصيل القضية أوعد والدي بحلها. تم الإتفاق مع مدير الأمن أن يحضر أخي ويستجوب وينفي علمه بالمستمسكات التي وجدوها في البيت ويفرج عنه مباشرة، وفعلا أوفى المدير بتعهده.

كانت حياتي رتيبة وهادئة في كربلاء لولا منغصات الأمن. كانت أعين الآمن تلاحقني، حتى أن البعض من المعارف والأصدقاء كان يتجنب الجلوس معي في المقهى. وفي هذا الوقت العصيب الذي عشته تعرفت على صديق جديد، أو بالأحرى هو الذي بادر للتعرف علي ومد جسور الصداقة متحديا مضايقات الأمن له. إنه صادق الحلاق طيب الله ثراه، سبق وأن تعرفت على والده في موقف شرطة كربلاء عام 1962 حيث أعتقل في بيت ناصر خاتون. كان صالون حلاقة صادق في محلة العباسية الشرقية وعلى الشارع العام (شارع العباس)، وقريبا من بيتنا. وكعادة شبابنا ولعدم توفر أماكن مناسبة للهو وقضاء وقت الفراغ كنت أجد المتعة والتسلية في اللقاء مع أصدقاء المحلة في مقهى الطرف أو اللقاء قرب محل أحد المعارف، وكان صالون حلاقة صادق مركزا لتجمع ألشباب التقدمي في المحلة. وبادر صادق طيب الله ثراه للتعارف علي ودعوتي لصالونه، وكانت دعوته لي بصوت عال وبنبرة فيها تحدي أتبعها بشتيمة لأجهزة الأمن. فأسرعت لتلبية دعوته كي لايتمادى في الشتم بهذه العلنية مما قد تسبب له ولي المتاعب. وهكذا نشأت بيننا هذه العلاقة وتوطدت خلال السنوات التالية ولم تتمكن أجهزة الأمن العارفي ولا النظام البعثي من زعزعتها، حتى وافاه الأجل في حادث سيارة مؤسف عام 1980 حيث كنت حينها في الجزائر. أصبح صالون حلاقة صادق المكان المفضل لي لقضاء أوقات فراغي، وكان صالونه مقرا لتجمع معظم الشباب التقدمي ومركزا لسماع كل أخبار المدينة، لذلك كانت الأجهزة الأمنية تغتاض من تصرفات صادق الجريئة. كان صادق طيبا وشجاعا ولايتهيب من مراقبة الأجهزة الامنية، ويحاول دائما رغم عمله اليومي، أن يتحين فرص عدم وجود زبائن في محله ويرافقني بسيارته لقضاء بعض الوقت في المقهى. وفي أحد المرات وبعد عودتنا من المقهى أخبره أخوه هاشم بأن شرطي الأمن ناصر جاء وسأل عنه! فقال لأخيه مرة ثانية إذا سألك أي واحد من هؤلاء ........ أخبرهم بأنني مع محمد الشبيبي في المقهى.

بعد إنتقالي الى كربلاء أبقيت صلتي الحزبية في التنظيم الحزبي ببغداد ونسقت علاقتي معهم من خلال لقاءات شهرية أوكلما سنحت لي فرصة السفر لبغداد، وهذا ساعدني كثيرا على الأهتمام والتفرغ لدراستي خاصة أن هذه السنة، بفضل أستاذي علي جواد الخياط، هي المحاولة الأخيرة لإجتياز إمتحان البكالورية. وبالرغم من أنه لم تكن لي أية صلة حزبية أو نشاط حزبي في كربلاء، فإن أجهزة الامن لم تتردد في إستدعائي والتحقيق معي وإفتعال الأدعاءات الكاذبة علي. وقد تعودت على إسلوبهم الإستفزازي وكنت أتوقع إستدعاءاتهم، التي لا تخلُ من التهديدات، كلما كانت مناسبة دينية وخاصة أيام عاشوراء وزيارة الأربعين. وفي أحد الأستدعاءات إتهمونني بعلاقة حزبية مع الشهيد عبد الزهرة السعدي (الشرطي)، ونسبوا إليه إعترافا كاذبا بذلك وإنني أدفعه في كتابة أشعاره الحسينية التي يرددها موكب عزاء العباسية الشرقية الذي عرف بأهازيجه الحسينية ذات الصبغة المطلبية والوطنية الديمقراطية، مما كان يغيض القوى الرجعية. وكان الشهيد محجوزا حينها في مركز شرطة كربلا وذلك للحؤول بينه وبين المشرفين على الموكب الحسيني وعدم إيصال أشعاره الحسينية إليهم. ولم أصدق إدعائهم حتى عندما أبدوا إستعدادهم بإحضاره أمامي ليؤكد مايدعيه. وقد حاولوا أن يقوموا بنفس الخديعة مع عبد الزهرة، فأستدعوه من الموقف بينما كنت أنا في الممر أنتظر وتقصدوا مخاطبتي أثناء وصوله قريبا مني لينتبه الى وجودي. وقد أخبرني الشهيد بعد إطلاق سراحه بأن الأمن إدعوا بأني أعترفت عليه وإني طلبت منه بإسم الحزب كتابة الأشعار الحسينية في المناسبات الدينية وطلبوا منه الأعتراف، وطبعا رفض هذه الادعاءات ولم يصدقهم.

كان الشهيد عبد الزهرة السعدي زميلي في الثانوية قبل دخولي السجن، وينحدر من عائلة كادحة، ودفعه العوز المادي في ترك دراسته والألتحاق بالشرطة، ومن هنا جاء لقبه الثاني (ألشرطي)، ولكن لم يتمكن في الاستمرار في عمله أو أن طلبه رفض، لم أعد أذكر تفاصيل ذلك. برز الشهيد في فترة حكم العارفين كأحد مؤليفي الأشعار الحسينية في كربلاء. كانت أشعاره ذات طابع ديمقراطي وإجتماعي تحرري، ويخص بها أحد أكبر المواكب الحسينية في مدينة كربلاء (موكب عزاء محلة العباسية الشرقية)، وعرف موكب العباسية الشرقية بمشاركة معظم الشباب الشيوعيين وأصدقاؤهم حتى من المحلات الأخرى، وكان يشرف عليه الراحل كاظم عباس الوزني طيب الله ثراه وهو أحد الوجوه ألأجتماعية المعروفة في كربلاء، وعرفت عائلة الوزني وخاصة أبناؤه بتعاطفهم أو إنتمائهم للحزب الشيوعي. وكانت القوى الرجعية في كربلاء تتوحد في محاربة الموكب وإفتعال الأعذار لعرقلة مسيرة الموكب في شوارع كربلاء، وكان يتم ذلك بتشجيع ومساهمة أجهزة الأمن. ولم تتورع القوى الرجعية وأجهزة الأمن المنافقة في إتباع أحقر الطرق والبعيدة عن الأخلاق والشعائر الدينية لأفشال مسيرة موكب عزاء العباسية الشرقية، وأذكر أنهم في أكثر من مرة أطلقوا بغفلة من جمهور الموكب الكلاب وسط العزاء للتشويش عليه وخلق الضجيج وإفشاله، لكن عزاء العباسية كان دائما متألقا في كربلاء وهو يردد الشعارات الوطنية والمطالبة بالديمقراطية، وكان أحد الاساليب النضالية للشيوعيين من أجل نشر الوعي السياسي الوطني بين الجماهير بعيدا عن التعصب الديني الأعمى. وللقاريء أذكر بعض ماختزنته الذاكرة من أشعار الشهيد عبد الزهرة وفي فترات متفاوته :
شعبي كالجمل أكله الصبح عاگول
لكن على الظهَر كلَ ذهب محمول
شنهو الذهب مفعوله
لو حاير بعاگوله
يحسين الشعب باسمك نضالاته
لآحظ المعنى الاجتماعي والطبقي في هذه الابيات وطريقة التحريض السياسي في النضال من أجل تحسين الأوضاع الأقتصادية وتسخير ثروات الوطن في خدمة الشعب. وبعد نكسة حزيران أخذت أشعار عبد الزهرة طابعا قوميا ديمقراطيا فاضحا التخاذل العربي الذي حاول تبرير فشله في مقاومة العدوان الأسرائيلي برداءة السلاح السوفياتي، مدافعا عن الصداقة العربية السوفياتية، كما جاء في هذه الابيات الحسينية:
قدم السوفيت إللنه بالحرب أعظم وسام
والجيوش العربية تشهد بصاروخ سام
لازم نصون الصداقة
لازم نقوي العلاقة
هالشعب يحسين باسمك ماشي بدروب النضال
لابد من الأشارة الى أن الشهيد كان قريبا من الحزب الشيوعي وليس لدي أي معلومة فيما إذا كان منتميا للحزب أم لا لأن إرتباطي الحزبي كان في بغداد. لكن الأنطباع عن شباب محلة العباسية الشرقية في كربلاء (والشهيد أحدهم) هو تعاطفهم أو إنتمائهم للحزب الشيوعي ، ولهذا أطلقت القوى الرجعية تسمية (موسكو) على العباسية الشرقية. كان الشهيد يستغل كل حدث سياسي لتصويره في أشعاره الحسينية والشعبية منتقدا الجوانب السلبية في علاقات القوى الوطنية ومناديا بوحدتها، فبعد أن إرتكب المجرم سوار الذهب وعصابته جريمة إغتيال كوكبة (12 مناضلا) من كوادر الحزب الشيوعي العائدين سرا للوطن عبر كردستان، أدان تلك الجريمة بأبياته هذه :
ليش الدماء الطاهرة
صوت الشهيد ينادي
صونوا السلم ببلادي
هالشعب ماشي بدرب الحرية
يحسين نريد نصبح فد إيد
هكذا كان موكب عزاء العباسية وبأشعار الشهيد شعلة ضوء تشع في كربلاء لتضيء الطريق للجماهير وتكشف لهم زيف المنافقين والمتاجرين بالسياسة والدين، ولهذا أقدمت سلطات البعث الفاشية على تصفية الشاعر الحسيني المنسي الشهيد عبد الزهرة السعدي، لأنها تعرف أي تحريض وتأثير تتركه أشعاره الحسينية على الجماهير. وبعد سقوط النظام البعثي أحيت عائلة الوزني تقاليد موكب العباسية الشرقية وأطلع بهذا الدور حامد ابن كاظم الوزني، وأسعدني حينما أطلعت على أشعار الموكب الحسينية ووجدتها مازالت تنحو نفس المنحى القديم في بث الوعي الوطني وإنتقاد السلبيات في الوضع السياسي، بعيدا عن التعصب الديني والطائفي كما يفعل الكثير من تجار الطائفية.

في يوم من أيام آيار عام 1966 كنت عائدا من دوامي المدرسي المسائي، نادى عليّ جارنا بائع الخبز كاظم جواد وأخبرني بأن والدي أخذوه شرطة الأمن قبل ثلاثة ساعات من الشارع وطلب أن أخبرك إذا ماتأخر. دخلت ألبيت وأنا قلقا لآ أعرف أسباب إستدعائه ولماذا تأخر كل هذا الوقت، قررت عدم التحدث عن الموضوع مادام تأخره لايثير تساؤلات الوالدة وشقيقاتي. لم يتأخر والدي كثيرا، حيث عاد بعد التاسعة. وحدثنا عن سبب إستدعائه وهو يشتم مسؤولي الأمن ويلعن غبائهم وأستهتارهم بحقوق وحرية الناس. أستدعي والدي وأتهموه أنه مسؤول منظمة الحزب الشيوعي في كربلاء، وطلبوا منه الإعتراف وكشف أعضاء ألمنظمة. نفى والدي كونه حزبيا وطالبهم بالدليل، لكنهم أصروا وأكدوا له بانهم يملكون الدليل وينتظرون الوقت المناسب لإبرازه. كانوا يتحدثون ويناقشون الوالد بإحترام، وبعد تلك الساعات من التحقيق أطلقوا سراحه وطلبوا منه أن يراجعهم غدا العاشرة صباحا. راجعهم في اليوم الثاني وأستمع الى نفس ألإتهامات من غير دليل، لكنهم كانوا يصرون أن الدليل موجود ويطالبون أبي ان يتعاون معهم. ثم تركوه ليذهب للبيت على أن يراجعهم في اليوم التالي صباحا. إستمرت مراجعات الوالد صباح كل يوم لمديرية الأمن والبقاء عندهم لساعتين أو ثلاثة ولفترة تجاوزت الشهرين. كان الحوار معه مهذبا وهادئ أحيانا وأحيانا أخرى لايخلو من المسبات والتهديد والوعيد.

في أحد المرات وأثناء ألتحقيق مع الوالد كان هناك أحد ضيوف مدير الأمن وكان يستمع لردود وحجج والدي وهي التي يكررها دائما : كنت شيوعيا وتركت العمل الحزبي لأني غير قادر على تحمل فلقاتكم ومضايقاتكم، حتى في فترة الإنفتاح بعد ثورة تموز لم أنتمي للحزب....! تدخل حينها الضيف قائلا: أني أعرف علي ألشبيبي جيدا، ويظهر أن مشاكل الحياة أتعبته ولم يعد يتذكرني، أنا اؤكد لكم صدقه فهو لم يعد عضواً في الحزب كفوا عن التحقيق معه بهذه الطريقة. لم يتذكر أو يعرف والدي هذا الضيف كما أن الضيف لم يبادر بتقديم نفسه لوالدي. أحد المرات تأخر والدي في الأمن فذهبت لأستقصي الوضع فوجدته جالس في غرفة القلم السري التي سبق وأن رششنا بولنا على جدرانها يوم 9 شباط وقد تجمع حوله مجموعه من شرطة الأمن السري يستمعون لإحاديثه. للوالد قدرات كبيرة في التحدث الى مختلف المستويات ومختلف العقليات، واحاديثه مشوقة ويختار مواضيعه بحيث يجعل المقابل مشدود اليه ويتجاوب معه بكل أحترام. سألت لماذا والدي لحد الآن، أجاب أحدهم أن المدير لم يأتي لحد الآن ونحن نتمتع بقصص والدك، فقلت لوالدي مازحاً سوف تمتعهم بقصصك وأحاديثك المشوقة ويستدعونك كلما رغبوا للإستماع لإحاديثك فكن حذراً.

في إحدى مراجعات الوالد أليومية للأمن كعادته، لم يعد للبيت وتجاوزت الساعة الثانية بينما كان يعود في أسوء الحالات الساعة الواحدة، وساورنا القلق عليه. أرسلت شقيقتي نوال إلى مركز الأمن لتسأل عنه فقالوا لها إن والدك شاهدناه يغادر المركز صباحا!!! عودنا الوالد أن يعود مباشرة بعد كل تحقيق صباح كل يوم وقد حُرمَ خلال تلك الفترة من زيارة أصدقائه واللقاء بهم في المقهى. ولم يكتف أمن كربلاء بجلسات التحقيق اليومية مع والدي وإنما كانوا يحاسبوه على تردده لمقهى الصراف في كربلاء ويتهمونه أنه يدير الإجتماعات الحزبية في المقهى. قاطع والدي ألمقهى وعوض عن ذلك بالذهاب إلى مقر نقابة المعلمين، فأتهموه بأنه تحول لإدارة نشاط الحزب من مقر النقابة!. قرر الإعتكاف في البيت وملأ الفراغ بالمطالعة كي يتخلص من إتهاماتهم الباطلة والساذجة، حينها إتهموه بأنه سافر خارج كربلاء لإنجاز مهمات حزبية!. كان إسلوبهم بالتحقيق عبارة عن غباء وجهل وإصرار لإثارة المقابل بغبائهم وعدم أخذ رأي المقابل بجدية للوصول للحقيقة، لم تكن تهمهم الحقيقة بقدر إهتمامهم كيف يمكن إزاعاج وإستفزاز المقابل. خطرت كل هذه الأفكار في بالي بعد عودة شقيقتي وقد تجاوزت الساعة الثالثة ولم يعد الوالد، حتى أن أفكاري أصبحت سوداوية وتذكرت كيف أن أجهزت بهجت العطية أيام الحكم الملكي إختطفت بعض المناضلين وضيعت آثارهم، تصرفات الأمن ومضايقاتهم ومحاسبتهم له على جلساته في المقهى أو النقابة أو حتى إعتكافه في البيت كلها أصبحت في نظر الأمن إثباتات على كونه مسؤولاً للحزب في كربلاء، ولابد أن نتوقع من هؤلاء الجهلة والذين لايشعرون بأية مسؤولية إتجاه المواطن كل إجراء أحمق وغير مسؤول. تحدثت مع جارنا حميد نادي كون علاقاته قوية وجيدة بجهاز الأمن وطلبت منه أن يستفسر عن مصير والدي وقلت له أنهم خطفوا والدي، وإلا ماهو تفسير خروجه من دائرتهم أمام أعين الشرطة لكنه لم يعد للبيت؟!. إتصل تلفونيا بمديرية الأمن وكنت واقفا بجانبه كان يستمع ولم يناقشهم، بعد أن وضع السماعة قال لاعلم لهم بوالدك فهو غادرهم قبل الساعة الثانية عشر، لكن إطمأن بالتأكيد سيأتي وإذا لم يأتي للمساء فسوف أحاول مرة ثانية. لم أستفد من محاولته بل بالعكس إزداد قلقي، وقاربة الساعة الخامسة مساءً ولم أعد قادرا على تهدأت والدتي وشقيقاتي والكل يضرب أخماس بأسداس الكل وصل لقناعة ان ألوالد تعرض لعملية إختطاف جبانة وليس لدينا أي دليل، فهم تركوه يغادر مركز الشرطة أمام مرأى الجميع لكي لايتحملوا أية مسؤولية أمام ألقانون، ثم تبعوه بمجرد أن إبتعد عن المركز وأعتقلوه مرة أخرى.

أخبرتني شقيقتي الكبرى أحلام أن مدرستها في مدرسة الفنون ألمنزلية السيدة فراهد القزويني متزوجة من حاكم في محكمة كربلاء، طلبت منها أن تتوجه لمدرستها وتحكي معاناة والدي مع ألأمن منذ أول تحقيق معه لغاية هذا اليوم وإننا لانعرف مصيره الان فربما يتمكن زوجها من مساعدتنا. إستقبلت السيدة فراهد القزويني شقيقتي وأستمعت بكل إهتمام لما روته شقيقتي من إستهتار الأجهزة الأمنية معه ومعاناتنا خلال الثلاثة شهور ألأخيرة وأسرعت متأثرة تطلب من زوجها أن يبذل جهده لمعرفة مصير والدي. أهتم الرجل زوج السيدة فراهد وأعتقد أنه أيضا من آل ألقزويني، وأخبر شقيقتي بأنه على علم بقضية الوالد وقد حوَّلت مديرية الأمن ملف ألوالد له لتوقيفه، لكنه رفض إستلام القضية لان كل الدلائل تشير الى أن المقصود غير والدك، لذلك هم لم يعتقلوه وأتبعوا أسلوب إستدعائه يوميا. كان يتحدث مع شقيقتي ويهدؤها وهو ينتظر أن يفتح له الخط للتحدث مع المسؤولين في دائرة الأمن، طلب مدير الأمن لم يجده وطلب أي مسؤول مكانه وبعد تحية مستعجله سأله عن والدي، بعد أن أستمع وضع السماعة، وقال لشقيقتي سيصل والدك بعد ساعة، ترجته زوجته وهي حانقة على مدى أستهتار جهاز ألأمن بمصائر الناس، حتى أنهم تهربوا من إخبار عائلته وتركوها في قلق على والدهم، ورجته أن يحكي ملابسات قضية الوالد.

قال: أعترف احد الأشخاص وهو شيوعي من مدينة الديوانية إسمه (س.ح) أنه إلتقى بمسؤول منظمة الحزب في كربلاء، وأسم هذا المسؤول علي محمد، وهو معلم وأن عمره حوالي الثلاثين سنة ومن أصل هندي وقد غادر العراق الى إيران عندما حدث إنقلاب 8 شباط. وأستطرد ألقزويني وجدت أن جميع المواصفات لاتنطبق على والدك، فوالدك عمره تجاوز الخمسين والذي يخطأ في تقدير السن لايخطأ بمثل هذا الفرق، وأن آل ألشبيبي معروفون بأصلهم كعراقيين، أما أن يكون والدك قد غادر العراق بعد الإنقلاب فهذا أيضا مخالف للواقع فوالدك كان في تلك ألفترة معتقلاً في نفس مديرية أمن كربلاء، لذلك رفضت إستلام القضية. واليوم أخذوا والدك إلى مدينة الديوانية لغرض التشخيص وبرروا تصرفهم وعدم إخباركم بأنهم يبغون السرية، والآن تم التشخيص والوالد بطريقه لكم. شكرته شقيقتي وعادت مسرعة مطمأنة لتحكي لنا كل مادار بينها وبين مدرستها السيدة فراهد ألقزويني وكيف تصرف زوجها بمنتهى النبل والأنسانية جازاهما الله خيرا، لمساعدتنا دون تردد أو خوف من أن يتهم شيوعيا، حتى موقفه في تسلم ملف الوالد ينم عن شجاعة وأحترام للقانون ولمهنته. هذا الموقف من إمرأة مثل فراهد وتدخل زوجها للمساعدة في مسألة أمنية ذكرني بموقف أستاذي علي جواد الخياط لمساعدتي، وبعد كل هذه السنين وعندما أذكر هذه الحقائق لا أقصد منها الإساءة لإحد بل أنا أقدر تردد وخوف بعض الناس، ولكن ألحقيقة يجب أن تقال، كي يتعض الآخرون ويعلمون بأن مواقفهم وسلوكهم، إيجابيا كان أم سلبيا، لابد أن يقيم يوما ما من قبل الاخرين ويبقى محفورا في الذاكرة. وللسيدة فراهد القزويني ولزوجها ولكل عراقي يقف مواقف نبيلة وشجاعة ويقدم المساعدة الشريفة للآخرين بعيدا عن المصالح الذاتية ألف تحية وتقدير وشكر.

وصل والدي مساءً منهكا، وغبار الطريق قد غير من لون بشرته وشعره وملابسه، وكانت تفوح من ملابسه رائحة العرق ممزوجا بغبار طريق الديوانية. عند مراجعة الوالد لمديرية الأمن صباحا كعادته فوجئ بقرارالسفر، ولم يخبروه إلى أين متجهين به. ركب هو مع بعض الشرطة في سيارة شرطة مكشوفة، ومدير أمن كربلاء ومفوض أمن في سيارة اخرى، من خط سير السيارة عرف الوالد أنهم يتجهون به نحو جنوب العراق إلى أن وصل الديوانية. في مركز الشرطة أخبروه بأنه سيعرض مع مجموعة من الأشخاص لغرض التشخيص من قبل الشخص الذي أعترف على ألوالد. وقف أبي بين مجموعة من الأفراد والكل بملابس مدنية مختلفة، تقدم ألمعترف وطلبوا منه تشخيص مسؤول الحزب، مرّ على الجميع وهو يحدق في وجوههم وكرر ذلك وقال أنه غير موجود بين الحاضرين. بعدها يقول الوالد تقدم مدير الأمن وهنأني لبرائتي، فقال له الوالد: لاتتوقع أن أشكركم فقد حولتم حياتي وحياة عائلتي خلال الأشهر الماضية إلى قلق دائم. أما كان من ألأفضل ألقيام بعملية التشخيص من أول إسبوع؟ لوفرتم عليّ وعليكم التعب والجهد، وأين الدليل الذي تهددونني به يوميا؟. في الحقيقة أن مديرية أمن كربلاء تعرف جيدا من المقصود بمسؤول الحزب في كربلاء حسب إعتراف (س.ح)، فالمقصود هو الشهيد علي محمد النوري (1)، لكن عجزهم عن الوصول إليه لإلقاء القبض دفعهم إلى إيجاد البديل وهو والدي للضغط عليه آملين أن يرشدهم أو يعطيهم بعض المعلومات التي قد تفيدهم لإلقاء القبض عليه.

أعتقد والدي بعد التهاني أن كل شئ أنتهى، لكنهم أخبروه أن القضية ستحفظ وعليه أن يأتي بكفيل!. لم تنتهي معاناة ألوالد حتى بعد التشخيص، ففي عام 1968 وفي أواخر حكم عبد الرحمن عارف، أعتقل ألوالد من قبل أمن كربلاء، ونقل مخفورا ألى مركز سراي بغداد لمحاكمته بإعتباره مسؤول الحزب!. توجهت ألى الطيب الذكر الأستاذ أحمد الكروي، ألمحقق العدلي في كربلاء، وطلبت مساعدته. أغاضه تصرف مديرية أمن كربلاء وإصرارهم على إثارة المتاعب للوالد رغم عدم تشخيصه من قبل (س.ح). وأستنادا على أضبارة الوالد، كتب لي طلبا بالإفراج عن الوالد موجها لرئيس محكمة أمن ألدولة الاولى في بغداد، وقد ضمن الطلب رقم الصفحة التي حوت على محضر التشخيص مما يثبت براءته وعدم علاقة الوالد بالقضية. سافرت الى بغداد وأنا أحمل طلب ألإفراج عن والدي، كتب من قبل حقوقي متخصص وعلى علم بكل تفاصيل القضية. كانت المحكمة في معسكر ألرشيد على ماأذكر، وكان أبي موقوفا هناك مع المشمولين بالقضية،وقد إعتذر (س.ح) من والدي لما سببه من متاعب، لأنه أصلا لم يكن والدي المقصود في إعترافاته. بلغ المتهمون بتأجيل ألمحكمة لإشعار آخر لعدم حضور بعض الشهود. قررت حينها مقابلة رئيس ألمحكمة وتسليمه طلب ألإفراج وأنا أحمل له رسالة توصية من صبيح الشبيبي طيب الله ثراه. سلمته الرسالة والطلب، بعد أن إنتهى من قراءة الرسالة والطلب، سألني مستغربا: أذا كان فعلا لم يشخص والدك، فأين محضر ألتشخيص؟ ولماذا أرسله أمن كربلاء مخفورا لنا؟! قلت له: يجب أن توجه هذا ألسؤال لأمن كربلاء، أما محضر ألتشخيص فموجود في الصفحة 8 ويمكن مراجعة ألصفحة. تبين لي من بحث رئيس المحكمة بين أوراق ملف الوالد أن مديرية أمن كربلاء تصرفت بخبث وحقد ولم تضع محضر التشخيص في تسلسلها الصحيح، ووضعت في مقدمة الأضبارة محاضر التحقيق الاولى، وكان القصد خلط الأوراق على المحكمة لتعتمد على تقارير الأمن المغلولة حقدا. لكن من حسن حظ ألوالد كان مزاج رئيس ألمحكمة منشرحا وتجاوب مع رسالة صبيح الشبيبي ومنطق طلب ألإفراج ألذي كتبه الأستاذ الطيب أحمد الكروي. فكتب توصية لمديرية أمن كربلاء بالإفراج عن والدي. ولم يتخلص والدي من هذه القضية إلا بعد سقوط نظام عبد الرحمن عارف وصدور قرار بإلغاء كل القضايا السياسية.

يـتـبـع


(1) – علي محمد النوري، معلم إبتدائية، عرف بهدوئه وطيبته وبساطته، أنتمى للحزب الشيوعي في أوائل الخمسينات ونشط وعمل طوال فترة الخمسينات والستينات في كربلاء، وأصبح معروفا لأجهزة الأمن في كربلاء كشيوعي قيادي. بعد إنقلاب 8 شباط الدموي هرب الى إيران. والقي القبض عليه من قبل الساواك الأيراني وسلم مع مجموعة من رفاقه الى السلطات العراقية. وقد نجح في خداع سلطات الأمن مدعيا أنه من مدينة النجف، حتى يتجنب إكتشاف شخصيته من قبل أجهزة أمن النجف. وفي مركز شرطة النجف وبمساعدة بعض الشيوعيين النجفيين المعتقلين، أخص منهم محمود الحبوبي، تمكن علي النوري من الهرب من خلال أحد شبابيك الموقف. ونجح في الإختفاء والإتصال بالحزب ومواصلة نشاطه الحزبي في منطقة الفرات الأوسط وخاصة محافظة كربلاء. وبعد الهجمة الشرسة على الحزب أعتقل عام (1979 او 1980) وتمت تصفيته في أقبية النظام البعثي، فالمجد والخلود للشهيد أبا إحسان، ولزوجته المناضلة نبيهة الزبيدي وأبنائه الصبر والسلوان.
 

¤ الحلقة السابعة عشر

¤ الحلقة السادسة عشر

¤ الحلقة الخامسة عشر

¤ الحلقة الرابعة عشر

¤ الحلقة الثالثة عشر

¤ الحلقة الثانية عشر

¤ الحلقة الحادية عشر
¤ الحلقة العاشرة

¤ الحلقة التاسعة

¤ الحلقة الثامنة

¤ الحلقة السابعة

¤ الحلقة السادسة

¤ الحلقة الخامسة

¤ الحلقة الرابعة

¤ الحلقة الثالثة

¤ الحلقة الثانية

¤ الحلقة الأولى

 

الخميس 14/9/ 2006

| أرشيف الذكريات  |

نسخة سهلة للطباعة